نحو تفعيل حركة الاجتهاد الفقهي

 

 اذا تتبعنا مسار حركة الاجتهاد عبر تاريخهاالطويل والذي يمتد الى اكثر من الف عام نرى‏ان‏هذه الحركة لم تسر بمستوى واحد.. بل مر ت بمراحل متفاوتة.. بدت في‏بعضها صاعدة وفي اخرى رتيبة وتكرارية بل اريدلها في بعض المقاطع التاريخية العابرة ان تسيرسيرا تنازليا.. وحيث ان الاجتهاد الفقهي هوممارسة علمية فلابد ان يتواصل في حركته‏التكاملية الصاعدة شانه في ذلك شان سائر العلوم‏بحسب المنطق المعرفي.. مضافا الى ان احياءالشريعة وتفعيلها مرهون ببقاء مبدا الاجتهادحياوديمومته غضا مما يقتضي عدم توقف هذه‏الحركة بل وتصاعدها وتسارعها.. ولا يعبر هذاالاقتضاء عن حتمية قاهرة لا دور فيها للاختيار..وانما هي حتمية مرهونة بتحقق شرطها وهواختيار الانسان لكون الاجتهاد انجاز انساني‏يحدثه عن ارادة وقصد.. وان كان ذلك بتوفيق اللّهوتسديده اعزازا لدينه..

والسؤال الذي يطرح هنا: هل يمكن وضع‏ستراتيجية تضمن لنا المسار التصاعدي والحركة‏التكاملية للاجتهاد او يترك الامر للقدر الذي قديمن علينا احيانا ببعض النوابغ الذين يحدثون‏قفزات مهمة في هذه الحركة الاجتهادية على‏راس كل قرن وجيل ؟ ونجيب بدوا على ذلك: بان الاجتهاد بلحاظ كونه‏ممارسة علمية ومهارة تخصصية فبحسب‏المرتكزات المتعارفة انه بالامكان اخضاع مساره‏الى الضبط وبالتالي التحكم بمستوى حركته‏علواوانخفاضا وتحديد درجة سرعتها شدة وبطااو توقفا وسكونا وتعيين اتجاهها نحو اى محوروفي اى مجال تسير..

وهذا الجواب بهذا النحو من الاجمال قادر على‏ان يبعث في انفسنا طموحا واملا ولا يكفي لان‏يقدم لنا برنامجا واضحا ما لم يحدد لنا معالم‏لعملية الضبط المقترحة لمسار الحركة الاجتهادية..

ومن الواضح ان تحديد تلك المعالم يستبطن‏بالضرورة تحديد كافة العناصر المؤثرة في كينونة‏الاجتهاد وتحريكه.. ونقصر النظر على العناصرالموضوعية الملتفت اليها والتي تكون مقصودة‏لدى التعامل معها.. وهي التي تكون الذهنية الفقهية‏وتصوغها.. ولا نتعرض الى العناصر الذاتية غيرالملتفت اليها والتي تكون الميول والاتجاهات‏النفسية والعاطفية للفقيه وكذا لاشان لنا بالعناصرالتي تؤثر في اخلاقيته وسلوكه باعتباره‏جزءامن البيئة والمحيط الذي يعيش فيه كغيره‏من الناس..

عناصر الاجتهاد الموضوعية: وهذه العناصر على نحوين: عناصر داخلية‏وعناصر خارجية..

العناصر الداخلية: والمراد بها المنظومة الاجتهادية‏نفسها.. وما تضمه من مقدمات اعدادية، وقواعداصولية، وادلة متوفرة، ودراسة هذه الادلة وتحليلهاعلى ضوء تلك القواعد.. وحيث ان البحث في‏الاجتهاد المطلق فان المجتهد يبدا بممارسة‏الاستدلال والبرهنة من اول خطوة يخطوها في حركته‏الاجتهادية ولا يعول على ما حققه الاولون وان‏كان ربما يفيد منه بل قد يوافقهم فيه لكن لاباعتباره من المسلمات بل لكونه مثبت بالدليل‏والبرهان..

وهذه الاخلاقية العلمية المهيمنة على الحركة‏الاجتهادية تفرض على المجتهد مراجعة العناصرالدخيلة في ممارسته بصورة دقيقة الى الحد الذي‏يصدق معه استفراغ الوسع وبذل اقصى ما يمكنه‏من الجهد.. فلكل مجتهد مبانيه ونظرياته الخاصة‏به اصوليا ورجاليا وحديثيا وفقهيا والا فلو اقتصرعلى بحث بعض هذه المحطات واعتمد في الباقي‏على آراء غيره فسوف لا تستوفي ممارسته‏العلمية هذه تمام الملاك اللازم في الاجتهاد.. ولاشك بان هذه المراجعة المتكررة والمتواصلة‏لكل‏القضايا والمحط ات البحثية المعقودة من قبل‏الفقهاء ستزيد من استحكام المنظومة الاجتهادية‏وتصقل جميع مكوناتها وآلياتها.. وكلما ازدادت‏قواعد ومباني الاستدلال نضجا واستحكاما كلماانعكس النضج والاستحكام على النتيجة‏الاجتهادية والفتوى الفقهية..

العناصر الخارجية: وهي عبارة عن مجموعة‏المنبهات التي تحفز الذهنية الفقهية من خلال اثارة جملة من‏التساؤلات التي تفتح نوافذ بحثية جديدة.. وهذه‏المنبهات على عدة انحاء: النحو الاول: المنبهات الناشئة من المواكبة لحركة‏العلوم والكشوفات العلمية الحديثة.. حيث ان سعة‏المعلومات وتنوع المعارف تولد تراكمامعلوماتياقد تنشا فيما بين وحداته بعض‏التداعيات التي تحدث اتساقا بين هذا الركام‏المعلوماتي والذي يؤول بالتالي الى انقداحات علمية في الذهنية‏الفقهية سيما في دائرة العلوم الانسانية.. فلو توفرالفقيه على الاطلاع على الانظمة والنظريات‏الحقوقية والقانونية الوضعية فسوف تبرز في ذهنه‏مجموعة من علامات الاستفهام حول مدى امتلاك‏الشريعة موقفا تجاه ذلك وهل للفقه كلمة يقولهافي هذه المجالات او لا ؟ هذا وغيره مم ا يدفعه‏ويحفزه لمراجعة آلياته الاجتهادية وما يتوفر لديه‏من ادلة فقهية لاستئناف البحث فيها..

النحو الثاني: المنبهات الناشئة من مواكبة الفقيه‏للواقع العملي الفردي او المجتمعي.. فان الحياة كمانراها حافلة بالكثير من الموضوعات التي تثيرجدلا ملحا لدى الاوساط العلمية الخاصة او الملاالعام.. سواء كان هذا الجدل ناشئا من حداثة‏الموضوع او كثرة الابتلاء به او لشدة اهميته اوبسبب ظروف طارئة جلبت الانظار وركزتها في‏زاوية معينة او لكون الموقف الفقهي التقليدي‏السائد غير مقنع للوجدان او غير منسجم مع ثقافة‏العصر او لغير ذلك من الاسباب.. ومهما يكن من امر فان الفقيه الذي‏يرصد الواقع المعاش ستؤرقه مثل هذه الاجواءويحاول اعادة النظر في منظومته الاجتهادية عسى‏ان يظفر بحل مناسب.

النحو الثالث: المنبهات الناشئة من الشعوربالحاجة لتعيين طريقة تطبيق بعض الاحكام‏الشرعية سيما على صعيد النظام العام.. كما هوالحال بالنسبة الى عملية تطبيق القضاء الشرعي‏على الصعيد العام وما يواجهه هذا الامر من‏اشكاليات واحراجات لا يمكن اغفالها او التقليل‏من شانها.. ان مثل هذه المجالات عادة تدفع الفقيه‏نحو عقد بحوث تاسيسية ووافية بالغرض‏الرسالي.

النحو الرابع: المنبهات الناشئة من قراءة الفقيه‏للمستقبل..

فكما ان الوظيفة الشرعية تجعل الفقيه‏يواكب زمانه ومجتمعه والواقع الحياتي المعاش‏بعامة فهي تملي عليه بلحاظ كونه الحفيظ‏للشرع والامين عليه ان ياخذ بزمام المبادرة‏ويستشرف المستقبل ليبتكر طروحات مقترحة‏لمعالجة الوقائع المتوقعة او اعداد صيغ وانماط معاملية استباقية لياخذ الفقه‏بزمام المبادرة في ميدان التنافس الحضاري..فان‏الاقتصار على معالجة الوقائع المعاشة لا يفي‏بالغرض ولا يجل ي جميع محاسن الشريعة‏الكاملة. . وبعبارة اخرى: انه بناء على وجود اصل‏مسلم لدينا وهو كمال الشريعة وقدرتها على‏صياغة الحياة الانسانية وتوجيهها في كل زمان‏ومكان يثبت نظريا قدرتها على تقديم صياغات‏مستقبلية. . وعلى الفقيه ان يبرز هذه الحقيقة‏ويخرجها من امكانها النظري والاجمالي الى واقع‏فعلي تفصيلي. .

وما اكثر الموضوعات التي يتوقع الابتلاء بها في‏المستقبل القريب او البعيد والتي وقعت محل بحث‏في المحافل العلمية العالمية نظير: ما يطرح من‏توجسات تجاه الانفجار السكاني او مسائل البيئة‏والظواهر التي تهددها كالاحتباس الحراري او فيمايتعلق بالاستنساخ البشري الذي لا يكفي مجردتحديد الموقف الفقهي منه باعتباره حالة مختبرية‏يمارسها المتخصصون فيفتى بالجواز او الحرمة..بل لابد من تصوره كظاهرة فرضية تترتب عليهاجملة من العلاقات غير المالوفة ثم التعاط‏ي‏معها..

وهذه موضوعات يمكنها ان تكون منطلقاللبحوث‏الفقهية التي لا يبعد ان تنتهي الى صياغات متقنة وبرامج‏حياتية محكمة..

ان هذه العناصر الداخلية والخارجية اذااستحضرها الفقيه ستثير في ذهنه بوادر التجديدوالابداع.. ومن الواضح انه لا يمكن لفقيه واحد مهما بلغ من المهارة العلمية‏النهوض باعباء هذه المسؤوليات الصعبة والممتدة‏لكن اذا لاحظنا انجازات الطاقم الاجتهادي برمته‏فسوف تبدو امامنا كمحصلة شاخصة للعيان‏تشكل بمجموعها قفزة في مسار الحركة‏الاجتهادية..

ولكن هذه العوامل باجمعها هي مقتضيات لتطورالعملية الاجتهادية التي قد تصطدم ببعض الموانع.. ورفع الموانع المحتملة انما يتحقق من خلال‏التنسيق وتقسيم الادوار وتحديد الاولويات‏وتحاشي التكرار والموازنة بين هذه البحوث..فان‏الحالة الفردية تؤول الى بعثرة الطاقات‏الاجتهادية وتشتتها وعدم استيعاب المجالات‏المفتوحة للبحث.. فرب ما يركز على بعض‏المجالات وتهمل اخرى وربما يقدم غير الاولى‏على الاولى وبالتالي قد تفوت علينا بعض الفرص‏العلمية دون مبرر مقبول.

والنتيجة الهامة التي ننتهي اليها اننا اذا اردنا ضمان‏استمرارية الحركة الاجتهادية وفاعليتها لابد من‏تفاعل الفقيه مع تلك العناصر ومساورتها لتحفيزذهنه باتجاه تسريع الحركة الاجتهادية الصاعدة‏اولا ثم ايجاد نوع من التنسيق والبرمجة للافادة‏اقصى ما يمكن من الطاقات الاجتهادية المباركة‏والخلاقة..

(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدن‏ك رحمة) . . ولا حول ولا قوة الا باللّه..

رئيس التحرير

 

 

بحوث اجتهادية

 

 

ميراث الزوجة من العقار/5

القسم الخامس

 

 آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

 

 

تقدم في القسم السابق التعرض من قبل السيدالاستاذ دام ظله الى بعض التفصيلات التي‏ذكرها الفقهاء بناء على ما ذهبوا اليه من القول‏بحرمان الزوجة من ارث العقار في الجملة..

وفي‏هذا القسم من البحث تم التعرض الى دراسة ماتبقى من تلك التفصيلات.. (التحرير) ومنها انهم اختلفوا في الارض المنتقلة الى الزوج‏او عنه بالخيار الى الغير، وخلافهم في ذلك في‏موضعين: الاول: في ارثها لهذا الخيار وعدمه.

الثاني: في ارثها من الارض المردودة او ثمنهاالمردود اذا فسخ الورثة او الطرف، فالبحث في‏مقامين: اما المقام الاول: فقد استشكل فيه العلامة في‏القواعد واستقرب ثبوت ارثها للخيار اذا كان‏الميت قد اشترى الارض لانها حينئذ تستطيع ان‏تفسخ فترث من الثمن، قال: «الخيار موروث‏بالحصص كالمال من اى انواعه كان الا الزوجة‏غير ذات الولد في الارض على اشكال، اقربه ذلك‏اذا اشترى بخيار لترث من الثمن‏» ((1)).

وقد شرحه ولده فخر المحققين في الايضاح‏فقال: «ينشا الاشكال من عدم ارثها (اي للارض)فلا تتعلق بها فلا ترث من خيارها، ومن ان الخيارلا يتوقف على الملك كالاجنبي. ثم فرع المصنف‏دام ظله (يعني والده العلامة) انه لو اشترى المورث‏بخيار فالاقرب ارثها من الخيار، لان لها حقا في‏الثمن.

ويحتمل عدمه، لانها لا ترث من الثمن الابعد الفسخ، فلو علل بارثها دار. والاصح اختيارالمصنف، لان الشراء يستلزم منعها من شي نزله‏الشارع منزلة جزء من التركة وهو الثمن، فقد تعلق‏الخيار بما ترث منه‏».((2)) ولكن في جامع المقاصد حاول تفسير عبارة‏العلامة على عكس ذلك، وانه في صورة شراءالارض بخيار يكون ارث الزوجة من الخياراشكل، لانه يوجب ابطال حق غيرها وهم سائرالورثة، قال: «قوله: (الا الزوجة غير ذات الولد...الى آخره) هذا الاستثناء من محذوف يدل عليه‏قوله: (موروث) تقديره لجميع الوراث او نحو ذلك،فيكون التقدير: الخيار موروث لجميع الوراث‏مقسوم عليهم كالمال الا الزوجة غير ذات الولد في‏الارض، فانها لا ترث من الخيار المتعلق بها سواءكانت مبيعة او مشتراة على اشكال ينشا من انه‏حق خارج عن الارض فترث منه، ومن انه من‏الحقوق المتعلقة بها فارثه تابع لارثها، ومع انتفاءالتابع ينتفي متبوعه، والاقرب من هذا الاشكال‏عدم ارثها ان كان الميت قد اشترى ارضا بخيارفارادت الفسخ لترث من الثمن، واما اذا باع‏ارضابخيار فان الاشكال في هذه الصورة بحاله،لانها اذا فسخت في هذه الصورة لم ترث‏شيئا.

وحمل الشارحان العبارة على ان الاقرب ارثها اذااشترى بخيار، لانها حينئذ تفسخ فترث من الثمن،بخلاف ما اذا باع بخيار، وهو خلاف الظاهر، فان‏المتبادر ان المشار اليه بقوله: (ذلك‏) هو عدم‏الارث الذي سيقت لاجله العبارة، ففهم ارادة‏الارث منها ارتكاب لما لا يدل عليه دليل، مع انه‏من حيث الحكم غير مستقيم، فان الارض حق‏لباقي الوراث استحقوها بالموت، فكيف تملك‏ابطال استحقاقهم لها واخراجها عن ملكهم؟ ! نعم، ان قلنا: ان الملك انما ينتقل بانقضاء مدة‏الخيار استقام ذلك، وايضا فانها اذا ورثت في هذه‏الصورة وجب ان ترث فيما اذا باع الميت‏ارضابطريق اولى، لانها ترث حينئذ من الثمن،واقصى ما يلزم من ارثها من الخيار في الارض ان‏يبطل حقها من الثمن، وهو اولى من ارثها حق‏غيرها من الارض التي اختصوا بملكها، فيكون‏قوله: (ان اشترى بخيار... الى آخره)مستدركا.

والحق: ان ارثها من الخيار في الارض المشتراة‏مستبعد، وابطال حق قد ثبت لغيرها يحتاج الى‏دليل، نعم قوله: (لترث من الثمن) على هذا التقديريحتاج الى تكلف زيادة تقدير بخلاف ما حملاعليه‏»((3)).

وظاهر عباراته الاشكال في ارث الزوجة للخيارفي الارض مطلقا، اي في كلتا الصورتين، وقدحكي موافقة الشيخ علي بن كاشف الغطاء له في‏ذلك ((4)).

وخالف في ذلك اكثر المتاخرين، ففي جامع‏الشتات للمحقق القمي(قدس‏سره): «وتحقيق المقام‏ بعدما حققنا لك سابقا انه لا يصح التفريق في‏الخيار ولابد من التوافق هو ان الزوجة اذا وافقت‏الورثة في الفسخ والامضاء جاز في الارض‏ايضاوان كان يختلف الحال بان ذلك يوجب في‏بعض الصور استحقاقها من الثمن بقدر حصتها كمالو كان الميت اشتراها وفي بعضها لا يستحق‏شيئاكما لو كان باعها وفائدته حصول الموافقة‏ليصح‏العمل بمقتضى الخيار ولينتقل اليها شي في‏بعض الصور او ينتفع به الغير سى ما اذا ترقبت‏وصول نفعه اليها ايضا في آخر ايضا» ((5)).

وقال صاحب الجواهر: «ومن ذلك يظهر لك قوة‏القول بارث الزوجة غير ذات الولد للخيار فيما اذااشترى ارضا وله الخيار او باعها كذلك، وان‏استشكل في احدهما الفاضل في القواعد على‏ان‏حق الخيار في الثاني منهما قد تعل ق بالثمن‏الذي انتقل اليها بالارث فيتبعه الخيار وان كان لوفسخت حرمت الا ان ذلك لم يثبت مانعيته من‏الارث كعدم ثبوت اشتراط ارثه بالتبعية لعين، فلهاان تفسخ في الاول ايضا وترث من الثمن‏» . ((6)) وقال الامام الخميني(قدس‏سره) في تحرير الوسيلة:«ولو كان الخيار متعلقا بمال خاص يحرم عنه‏بعض‏الورثة كالارض بالنسبة الى الزوجة والحبوة‏بالنسبة الى غير الولد الاكبر فلا يحرم عن الخيارالمتعلق به مطلقا» ((7)).

وقال السيد الخوئي في منهاجه: «ولو كان العقدالذي فيه الخيار متعلقا بمال يحرم منه الوارث‏كالحبوة المختصة بالذكر الاكبر والارض التي لاترث منها الزوجة ففي حرمان ذلك الوارث من‏ارث الخيار وعدمه اقوال، اقربها عدم حرمانهاوالخيار لجميع الورثة، فلو باع الميت ارضا وكان له‏الخيار او كان قد اشترى ارضا وكان له الخيارورثت منه الزوجة كغيرها من الورثة‏» ((8)).

الا ان السيد الحكيم(قدس‏سره) في منهاجه وافق‏تفصيل العلامة(قدس‏سره) في القواعد قال: «ولو كان‏العقد الذي فيه الخيار متعلقا بمال يحرم منه‏الوارث كالحبوة المختصة بالذكر الاكبر والارض‏التي لا ترث منها الزوجة ففي حرمان ذلك‏الوارث من ارث الخيار وعدمه اقوال، اقربهاحرمانه اذا كان منتقلا من الميت، فلو باع الميت‏ارضا وكان له الخيار لم ترث منه الزوجة، ولو كان‏قد اشترى ارضا وكان له الخيار ورثت منه كغيرهامن الورثة((9)) ».

وعمدة الوجوه التي يمكن ان يستند اليها في‏حرمانها من الخيار ما يلي: 1- ان الزوجة حيث انها لا ترث من الارض‏الموروثة شيئا فلا ترث الخيار في ردها ايضا، لانه‏تابع لها، واما ارثها من ثمنها فهو على القول به فرع‏تحقق الفسخ، وهو متوقف على ثبوت الخيار لها،فلو اريد اثبات الخيار بذلك كان دورا.

وهذا الوجه لو تم فهو يختص بما اذا كانت‏الارض مشتراة من قبل الميت لا مبيعة كما هوواضح.

ويرد عليه: اولا ان الخيار ليس تابعا للعين المشتراة اوالمبيعة، وانما هو تابع للعقد ومتعلق به ومن‏شؤونه، ولهذا يبقى الخيار نافذا حتى مع تلف‏العين، والوارث حيث انه يقوم مقام المورث في‏كافة حقوقه يرث هذا الحق ايضا، ولهذا يرث‏الخيار حتى اذا كان ما انتقل الى الميت بالخيارتالفا قبل موت المورث فلم ينتقل الى الوارث.

وثانيا لو فرضنا ان الخيار متعلق بالعين وتابع لهافلا دليل على ان كل ما يكون متعلقا بالارض من‏الحقوق تحرم الزوجة عنها، اذ لا دليل على ذلك،فان روايات حرمان الزوجة المتقدمة لا تقتضي‏اكثر من الحرمان عن ارث رقبة الارض لا سائرالحقوق الثابتة فيها كما تقدم شرحه.

والحاصل: لا ملازمة لا عقلا ولا شرعا ولاعرفابين حرمان الزوجة من ارث رقبة الارض‏وحرمانها من حق الخيار او اى حق من الحقوق‏المالية الاخرى فيها كحق الشفعة او حق الاولوية‏فيها، فتكون اطلاقات الارث شاملة لارث الزوجة‏من الخيار ايضا.

وثالثا لو تنزلنا وفرضنا تبعية الخيارللعين‏وفرضنا ان العين اذا كان لا ترث منها الزوجة‏فلا ترث من توابعها ايضا وقد تقدم بطلان كلاالافتراضين مع ذلك قلنا: ان الخيار اذا كان للميت‏وكان ما انتقل عنه ثمنا يمكن ان ترث منه الزوجة،فمقتضى اطلاق ادلة التوريث استحقاق المراة لمثل‏هذا الخيار ايضا، لانه حق في استرداد ما ترث منه‏بالفسخ، فمن هذه الناحية تكون من الحقوق التي‏يستحق منها الزوجة ايضا بالتبع، بناءعلى ماسياتي في المقام الثاني من استحقاق الزوجة‏للارث من الثمن بعد الفسخ.

والحاصل: لا وجه لجعل الخيار حقا تابعا لماانتقل الى الميت وهو الارض ليقال بان الزوجة لايمكن ان ترث منها، بل هو حق في استرجاع‏الثمن، وهو مما ترث منه الزوجة، فتستحق ارث‏هذا الحق ايضا بمقتضى اطلاق ادلة الارث، ولاوجه لحرمانها منه.

واشكال الدور المثار جوابه: ان استحقاقها للخيارالذي يعني حق الاسترداد للثمن لا تتوقف على‏ملكها بالفعل للثمن المتوقف على الفسخ وثبوت‏الخيار ليكون دورا، بل متوقف على استحقاقها من‏الثمن على تقدير الفسخ بنحو قيد الواجب والقضية‏التعليقية الشرطية، وهي صادقة قبل الفسخ، فلادور.

وان شئت قلت: ان كل حق ثابت للميت يترتب‏عليه استحقاق الميت لمال يمكن ان ترث منه‏الزوجة لا وجه لحرمانها منه، وحق الاستردادللثمن في المقام كذلك فترث منه الزوجة.

2- ارث الخيار للزوجة يوجب ابطال حق سائرالورثة الذين اختصوا بملكها، وهو لا يجوز الا اذاقام عليه دليل خاص، وهذا الوجه كالوجه السابق‏يختص ايضا بما اذا كانت الارض مشتراة بخيار لاالعكس.

وفيه: ان هذا اول الكلام، فانه لم يثبت استحقاق‏سائر الورثة وعدم امكان ابطاله عليهم الا اذا ثبت‏عدم الخيار للزوجة، والا كان هو المتعين اذا كان‏مقتضى القاعدة نظير جعل الخيار للاجنبي‏الموجب لابطال حق المتبايعين المختصيين‏بالملك.

وفي المقام مقتضى ادلة الارث وشمولهاللحقوق المالية كالخيار والشفعة ثبوتها للزوجة‏ايضا مع سائر الورثة، فاخراجها عن استحقاق‏ارث الخيار بحاجة الى دليل.

3- ما نسب الى الشيخ علي كاشف الغطاء من‏ان‏مشروعية الخيار للارفاق، وجعل الخيار للزوجة‏فيما اذا كانت الارض مبيعة بالخيار خلاف‏الارفاق بحقها، لان ها اذا فسخت وردت الارض‏حرمت منها وتضررت ((10)). وهذا الوجه يختص‏بما اذا كانت الارض مبيعة بخيارولا يتم فيما اذاكانت مشتراة كذلك.

وفيه: منع ذلك كبرى وصغرى، فانه لا وجه‏لتخصيص الخيار بما اذا كان ارفاقا بحق من له‏الخيار، ولهذا يمكن جعله للاجنبي. كما ان الزوجة‏قد تستفيد من استرجاع الارض المبيعة بخيار آكما اشار اليه المحقق القمي كما اذا كانت الارض‏مبيعة بثمن بخس وكان سائر الورثة اولادهاالصغار، وهي القيم عليهم بحيث يكون استردادهاانفع بحالهم وحالها.

4- ان الخيار انما يكون تركة وحقا ماليامشمولالادلة ارث الخيار اذا كان يترتب عليه نفع‏مالي للوارث، وهذا انما يصدق بالنسبة للزوجة اذاكانت ترث شيئا بسبب هذا الخيار، كما اذا كانت‏الارض مشتراة بخيار، لا ما اذا كانت تفقد ذلك‏كمااذا كانت الارض مبيعة كذلك، ومن هنا ذهب‏العلامة وغيره الى التفصيل المذكور.

وفيه: ان مالية الحق وصدق التركة عليه لا يتوقف‏على ذلك، بل يكفي فيه كونه نافعا في نفسه‏عقلائيا سواء لذي الخيار او لغيره بحيث يمكن ان‏يبذل بازائه مال من قبل من يمكن ان ينتفع به،وهذا حاصل في خيار الزوجة كالاجنبي.

5- ما هو ظاهر كلمات السيد الخوئي(قدس‏سره)في تقريرات بحث مكاسبه ((11)) وتابعه عليه‏بعض تلامذته ايضا في شرحه لمنهاج‏الصالحين((12))من ان ادلة الميراث من الايات‏والروايات لا تشمل الحقوق، وانما تختص‏بالاموال، وانما يقال بارث الخيار في سائر المواردمن باب الاجماع او رواية مرسلة منسوبة الى‏النبي(ص): «ما ترك ميت من حق فهو لوارثه‏»((13)).

والاجماع لا يشمل المقام، لوجود الخلاف فيه،والمرسل لا حجية له، فيكون مقتضى الاصل عدم‏ارث الزوجة للخيار في كلتا الصورتين، اي سواءكانت الارض مشتراة بخيار او مبيعة‏كذلك.

ونلاحظ على ذلك: اولا صدق ما ترك على كل مال او حق يكون له‏مالية عرفا وعقلائيا، فيكون ارث الخيار ونحوه من‏الحقوق ثابتا باطلاقات ادلة المواريث بلا حاجة‏الى الاجماع والنبوي المذكور.

وثانيا بالامكان دعوى عدم الفرق بين ارث‏الزوجة للخيار في الارض او الخيار في سائر الاموال التي ترث منها، اي‏كلاهما داخل في معقد الاجماع، وانما جاءت‏التشكيكات من جهات اخرى من قبل بعض‏المتاخرين لخصوصية في الارض، وقد عرفت انه‏اذ قبلنا اصل موروثية حق الخيار كسائر الاموال ولو بالاجماع فلا تمامية لشي من تلك الوجوه‏المذكورة.

وثالثا ان نتيجة هذا الوجه لو تم تكون على‏العكس، اي ثبوت الخيار عمليا، بناء على ما هوالصحيح والمشهور عند المحققين من كون ارث‏الخيار لمجموع الورثة في تمام المبيع والثمن‏منضما بعضهم الى بعض، لا لكل واحد منهم‏مستقلا، ولا لكل واحد منهم في خصوص حصته،لانه بناء على ذلك لا يثبت جواز استقلال سائرالورثة بالفسخ بدون موافقة الزوجة، لاحتمال ارثهامن الخيار، فيجب اخذ موافقتها كما لو كانت‏ترث من الخيار والا كان مقتضى الاصل بقاءالعقد وعدم انفساخه.

نعم، لو انفردت بالارث وقيل بعدم ارثها من‏الارض حتى في صورة الانفراد كان مقتضى‏الاصل مع الشك وعدم الدليل على الارث عدم‏ارثها للخيار وبقاء العقد وعدم انفساخه.

وهكذا يتضح ان الاظهر ارث الزوجة من الخيارفي الارض المشتراة بخيار او المبيعة كذلك، بل‏ارثها من الخيار حتى اذا كانت المبادلة بخيار بين‏ارض وارض اخرى بحيث لا ترث الزوجة‏شيئاعلى كل حال.

المقام الثاني: في ارث الزوجة من الارض او الثمن‏المردود بعد الفسخ، فهل ترث من الثمن المردود،ولا ترث من الارض المردودة لا عيناولا قيمة اولا ترث عينا وترث من قيمتها بناء على المختار،فان هذا البحث يتجه حتى على هذا القول ايضاكما لا يخفى‏ او يقال بالعكس وانها لا ترث من‏الثمن المردود وترث من الارض المردودة؟ وهذا هو البحث والنقاش الذي وقع بين اعلام‏النجف الاشرف عام 1317 حينما استفتى بعض‏المؤمنين من بلاد (جيلان) عن حكم ما اذا اشترى‏رجل اراضي واعيانا بشرط خيار الفسخ للبائع اذارد مثل الثمن في مدة معينة ثم مات المشتري قبل‏مضى المدة وفسخ البائع فهل ترث زوجة‏المشتري ربعها او ثمنها من تمام الثمن المردود اومن خصوص ما يقابل الاعيان فقط؟ وقد افتاهم السيد اليزدي(قدس‏سره) بعدم ارثها من‏تمام الثمن، بل مما يقابل الاعيان فقط، وذكر في‏الجواب استدلالا تفصيليا على ما اختاره، فصاررسالة وجيزة في المسالة.

وافتى شيخ الشريعة الاصفهاني(قدس‏سره) بارثهامن تمام الثمن، والف في ذلك رسالتين‏مبسوطتين‏احداهما: تحت عنوان: (ابانة المختارمن ارث الزوجة عن العقار بعد الاخذ بالخيار)وقدتناول فيها بالرد على ما جاء في رسالة السيداليزدي(قدس‏سره)، والثانية: تحت عنوان: (صيانة‏الابانة) في دفع اعتراضات اوردها على رسالته‏الاولى المحقق الخراساني(قدس‏سره).

كما والف بعد ذلك الشيخ عبد اللّه المامقاني رسالة‏تحت عنوان: (المحاكمة بين علمين من‏المعاصرين)، حاول فيها ترجيح موقف السيداليزدي(قدس‏سره) ودفع ايرادات شيخ الشريعة على‏رسالة السيد، ولكنه اختار بنفسه تبعا لوالده على‏ما يحكى عنه التفصيل بين ما اذا كان الفسخ‏بخيار للميت وما اذا كان الفسخ بخيار للطرف‏الاخربينما مذهب السيد اليزدي وشيخ الشريعة‏عدم الفرق بين الفرضين.

وصريح العبارات المتقدمة في ارث الزوجة‏للخيار في الارض في المقام السابق هو ارثهامن الثمن المردود وعدم ارثها من الارض المردودة، اي ان المدار في حرمان الزوجة وعدمه انما هوحين الفسخ.

الا ان كلامهم هناك كان في خصوص المردودبخيار موروث من قبل الميت، واما المردود بخيار للطرف الاخر وفسخه‏فهو مسكوت عنه لم يرد التصريح به في كلماتهم،ومن هنا احتمل الفرق بين الفرضين، بل اختاره‏المامقاني واصر عليه كما اشرنا الا ان شيخ‏الشريعة اصر على عدم الفرق بينهما وثبوت‏الملازمة بين الفرضين في الحكم، لان ملاكه واحدعنده، وهو عود المردود بالفسخ الى الميت ولوحكما، وهذا لا يفرق فيه بين كون الفسخ من هذاالطرف او ذاك، فادعى الملازمة بين الفرضين في‏الحكم، بل حاول ان يستظهر ذلك من بعض‏عبارات الاصحاب ايضا.

والسيد اليزدي(قدس‏ سره) احتمل الفرق وانكرالملازمة بين كون الخيار للميت او للطرف الاخرفي الحكم المذكور الا انه اختار في النهاية عدم‏الفرق بين الفرضين، قال(قدس‏سره) بعدما نقل‏الاستفتاء المذكوروالذي مورده ما اذا كان الخيارللطرف البائع للارض : «وان كان يظهر من‏صاحب الجواهر والمحقق الانصاري وبعض آخرفي عكس المسالة وهو ما اذا كان الخيار للميت‏ ان المدار في حرمان الزوجة وعدمه انما هوحين الفسخ، ولازمه ارثها في مفروض السؤال عن‏تمام الثمن المردود، بل لعله يظهر منهم المفروغية‏من ذلك، الا ان الاظهر عندي انها في فرض‏السؤال لا ترث مما يقابل الاراضي من الثمن‏».

وبعد ان استدل على مدعاه قال: «فان قلت:ان‏الزوجة انما ترث من تمام الثمن المردود من‏جهة تعلق حقها بالارض، لمكان كونها متزلزلة‏وفي معرض التبدل بالثمن الذي لا مانع لها من‏ارثه.

قلت: المفروض ان البيع بالنسبة الى الميت‏لازم‏والخيار انما هو للطرف المقابل، فلا حق له في‏الثمن حتى يكون منتقلا الى الزوجة. نعم يمكن‏هذه الدعوى في عكس المسالة، وهو ما اذا كان‏الخيار للميت، ومن ذلك يمكن ان يقال: ان نظرصاحب الجواهر(رحمه‏اللّه)وغيره الى دعوى‏ثبوت الحق، لا ان مقتضى الفسخ العود الى الميت‏حقيقة او حكما، فلا يلزم من حكمهم في مسالة‏العكس حكمهم في مسالتنا، والحق عدم تماميتهافي مسالة العكس ايضا، وذلك لان الحق الثابت‏للوارث انما هو الخيار في الفسخ والامضاء، ولاحق له في العين التي انتقلت عن الميت‏»((14)).

و شيخ الشريعة حيث حصر ملاك البحث والنزاع‏في تحقيق حقيقة الفسخ بالخيار، وانه ليس‏معاوضة مستقلة، وانما هو حل لنفس العقد السابق‏وعود الى الحالة الاولى من رجوع الارض الى‏البائع والثمن الى الميت حقيقة او حكما وهومعقول حتى بعد الموت بل واقع في فروع اخرى آادعى الملازمة بين الفرضين والتقديرين، اي كون‏الخيار للميت والفسخ من قبل ورثته او للطرف‏الاخر والفسخ من قبل ذاك الطرف، بل جعلها من‏البديهيات وشدد النكير على من‏احتمل الفرق، بل‏رماه بالجهل والغباء قال: «وانما العلة في اختصاص‏خيار الميت بالذكر في كلامهم هي ان‏المقصدالاصلي في كلام كل من وقفنا على قوله هوالتكلم في ارث الزوجة من الخيار الثابت لزوجهافيما اذا باع ارضا او اشتراها. ومن الواضح ان‏التكلم في ارث الزوجة من الخيار الثابت لزوجهافيما اذا باع ارضا او اشتراها في انها ترث من‏الخيار ام لا موقوف على فرض الخيار للميت.

ثم انهم ما بين مثبت لخيارها في الصورتين ومحتمل لنفيه فيهما، ومفصل بين ثبوته في الاول‏دون الثاني او العكس، وهذا هو الذي جعلوه محل‏الكلام، ومحط النزاع في المقام‏ومنتصل سهام‏النقض والابرام. اما انها ترث من الثمن الراجع‏على تقدير الفسخ في الارض المشتراة وتحرم من‏الارض المردودة بعده في المبيعة فمما لم يقع‏لاحد فيه كلام، بل ارسلوه ارسال المسلمات،واجروا عليه حكم الواضحات الضروريات‏وسكتوا عن الاحتجاج له بحجة وبرهان، واكتفوافيه بما يرونه من العيان عن تجشم البيان.

وقد اتضح وان كان واضحا ان هاتين‏الملازمتين لا مدخلية فيهما للفاسخ بوجه، ولالكون الخيار للبائع او للمشتري او لاجنبي، ومع‏ذلك كله واجهني جاهل غبى وغافل غوى بدعوى: ان مورد كلام هؤلاء الاعلام انما هو فيما اذا كان‏الخيار للميت، والسؤال انما هو فيما اذا كان الخيارللبائع، ولا ملازمة بينهما.

فقلت له: اما يكفيك في استعلام مذهبهم تسالمهم‏على حرمانها من الارض المبيعة الراجعة، فهل‏يجوز من له ادنى شعور ان ثبوت الخيار للميت‏وارث الزوجة من الخيار هو الذي اوجب حرمانهامن الارض، او ان تملكها للثمن هو الموجب‏للحرمان، كلا لا يحتمله عامي، بل ليس الموجب‏الا ملاحظة التركة بعد الفسخ من غير مدخلية لذي الخيار، ومن جوزغير هذا فهو ابله لا يعقل الخطاب، ولا يحسن معه‏السؤال والجواب‏» ((15)).

والانصاف ان الحق عدم الملازمة في الحكم بين‏الفرضين، لعدم انحصار مدرك الحكم فيما جعله‏الشيخ ملاكا له، اذ يمكن ان يقال كما اشار اليه‏السيد اليزدي(قدس‏سره) : ان الخيار اذا كان للميت‏فكان ما انتقل عنه سواء كان ارضا ام غيرها آيبقى متزلزلا قابلا للاسترداد من قبل الميت، فكانه‏لم ينتقل بالكلية عنه، ولا يزال تحت سلطانه،لتمكنه من استرداده وارجاعه في ملكه، وهذايجعله بحكم امواله وتركته من حيث شمول دليل‏حرمان الزوجة له اذا كان ارضا وعدمه اذا لم يكن،وهذا بخلاف ما اذا كان الخيار للطرف والملكية‏لازمة ومنقطعة من جانب الميت، فارث الزوجة‏للخيار او تملكها للثمن ليس هو الموجب‏لحرمانها من الارض المبيعة بالخيار من قبل‏الميت لكي يستبعد ذلك او يشن ع عليه، وانماالموجب لذلك عدم انقطاع حق الميت فيما انتقل‏عنه نهائيا، فكانه بعدتحت سلطانه ومن التركة‏حقيقة او حكما، بخلاف ما اذا لم يكن له خيار فيه‏وانما ارجعه الطرف الاخر بخيار له، فانه ملك‏جديد يدخل في ملك من يخرج عوضه من كيسه‏وهو سائر الورثة، او يقال بان الورثة يستحقون‏نفس هذه السلطنة وحق الاسترداد ايضا اذا كانوامستحقين للارث من المال المنتقل عنه، فاذا كان‏ارضا استحق سائر الورثة كلها وان لم يكن‏ارضااستحق جميع الورثة بما فيهم الزوجة منه‏بنفس ادلة التوريث من اول الامر.

فالحاصل: دعوى صدق التركة حقيقة او حكماعلى المال المردود بالفسخ اذا كان الخيار للميت‏اولى واوضح مما اذا كان البيع لازما من طرفه،فدعوى الملازمة في غير محلها وان كان عدم‏الفرق بين الفرضين هو الصحيح على ما سياتي آوهو صريح السيد اليزدي (قدس‏سره) بل ولعله‏يمكن استظهاره من كلمات المشهور ايضا.

وايا ما كان لابد من البحث في النزاع المثار بين‏العلمين، فهل ترث الزوجة من ثمن الارض‏المردود بالفسخ رغم انها لم ترث من نفس الارض‏المشتراة به وهو مختار شيخ الشريعة او لاترث منه وهو مختار السيد اليزدي ونتيجة هذاالنزاع في صورة العكس، اي ما اذا كانت الارض‏مبيعة من قبل الميت بخيار له او للطرف الاخرالعكس ايضا، اي اذا ردت بالفسخ لم ترث منهاالزوجة عند الشيخ(قدس‏سره) وترث منها عندالسيد(قدس‏سره).

وقد ربط شيخ الشريعة هذه الفتوى والتي ادعى‏انها المشهورة بل متسالم عليها عند الاصحاب‏بحقيقة الفسخ وكونها حلا للعقدوليست‏معاملة‏جديدة بين العوضين ليقال بدخول كل‏منهما في ملك من خرج الاخر من ملكه.

ولا اشكال في اننا اذا قلنا بان الفسخ يكون حلاللعقد من اصله حقيقة او حكما فهذا يقتضي ماذهب اليه شيخ الشريعة، لانه بالفسخ يستكشف‏حقيقة او حكما عود الثمن الى ملك الميت من اول‏الامر وقبل موته فيكون تركة ينتقل منه الى الورثة، فتشمله ادلة التوريث والحرمان على القاعدة. الاان هذا المبنى ينكره كلا العلمين، بل ومشهورالفقهاء والمحققين ايضا حيث ثبت في محله‏ان‏الفسخ يكون من حينه، لا من اصله.

ولكن شيخ الشريعة حاول تخريج نفس الفتوى‏على مبنى المشهور في الفسخ، بدعوى: ان الفسخ‏وان كان من حينه لا من اصله الا انه ليس معاملة‏جديدة، بل هو حل للعقد من حين الفسخ وارجاع‏للحالة الاولى من الان وهذا امر ممكن في‏الاعتباريات وليس مستحيلا كما في التكوينيات آوالحالة الاولى هي ملكية المتعاقدين، وهما الميت‏والطرف، فيعود المال المنتقل عن الميت بالفسخ‏اليه، فيكون من التركة، فيحرم منها الزوجة اذاكانت ارضا، وتملك منها اذا كانت ثمنا على‏القاعدة، وتملك الميت بعد موته امر معقول، بل‏واقع شرعا في بعض الابواب كما في دية قطع‏راس الميت.

وقد اجاب على هذا الاستدلال السيداليزدي(قدس‏سره) في رسالته بجوابين نوضحهماكما يلي: اولا ان العقد كما له انشاء وحدوث كذلك له بقاءاعتباري عقلائيا وشرعا، والفسخ حل ونقض له‏في مرحلة البقاء، فيترتب عليه آثار الانحلال من‏رجوع العين او بدلها اذا كانت تالفة او منتقلة الى‏الغير الى الطرف الاول، وهو من له العقد بنفسه اذاكان حيا او من يقوم مقامه وهو وارثه ومن يليه‏ويعتبر امتدادا له اذا كان ميتا فالوارث يكون‏امتدادا للميت وقائما مقامه.

ومن هنا لا يكون انتقال المال الى الوارث بمثابة‏الانتقال الى الغير بعقد جديد كالمشتري ليكون‏بحكم تلف العين على مالكه الاول، ومانعا من‏الرجوع عليه بالفسخ، بل يرجع عليه بالفسخ‏ويؤخذ من الوارث، وليس ذلك الا لان ملكية‏الوارث من باب القيام مقام المورث في‏المالكية‏وليست ملكية بعقد جديد، بل بنفس العقدالسابق، فلا موجب لافتراض ان الفسخ يستوجب‏عود المال المنتقل بالعقد الى الميت حقيقة اوحكما ثم منه الى الوارث، كيف ؟ ! وهذا يستلزم ان‏يحكم برجوع ما انتقل الى الورثة ايضا الى الميت‏قبل الفسخ ولو آنا ما لكي ينتقل منه الى الطرف‏الاخر بالفسخ. وكل هذه تمحلات وعنايات فائقة‏لا حاجة لها ولا دليل عليها، بل بالفسخ يعود المال‏الى الوارث ابتداء، لانه من له العقد بقاء، نعم لاتكون مسؤولية الوارث اكثر مما في التركة من‏الاموال، فلو كان المعوض تالفا عند الميت قبل‏موته لا يكلف الوارث بدفع بدله من ماله الخاص،بل يدفع من سائر التركة اذا كانت‏والا اصبح‏الطرف الاخر بعد الفسخ غارما للميت. وسياتي‏مزيد توضيح لهذه النقطة.

وثانيا لو فرض لزوم مثل هذه العنايات في مقام‏تصوير الفسخ وحل العقد مع ذلك قلنا: ان ذلك‏مجرد اعتبار وعناية يرتكب بمقداره لتصويرالفسخ وتصحيحه لا اكثر، فلا وجه للالتزام بتحقق‏ارث جديد حقيقة او حكما، وترتيب تمام الاثارعليها، وهذا معناه ان اعتبار عود المال الى الميت‏بالفسخ ليس بلحاظ تمام الاثار، بل بلحاظ اثرواحد وهو صحة الفسخ، واما من حيث سائرالاثار فالمال يعود الى من يخرج عوضه من كيسه،وهذا امر معقول في الاعتباريات.

واليك نص جواب السيد(قدس‏سره) في رسالته‏قال: «ودعوى: ان مقتضى القاعدة عود الملك‏بالفسخ الى العاقدين والوارث ليس عاقدا.مدفوعة: بمنع ذلك، بل مقتضاها العود الى من له‏العقد سواء كان هو العاقد او من يقوم مقامه،والوارث قائم مقام الميت وعقده عقد له ايضا،فملكيته انما جاءت من قبل عقد مورثه حيث انه‏نائب عنه بل وجود تنزيلي له، ولهذا لم يعدالانتقال اليه من التلف حتى يستلزم الرجوع الى‏البدل بعد الفسخ، كما هو كذلك اذا باعه الميت قبل‏موته ثم فسخ الطرف الاخر فانه يعد تلفا وينتقل‏الى البدل.

والسر في الفرق: ان الوارث كانه هو العاقدوملكيته ملكية المورث العاقد، بخلاف المشتري‏من الميت، ففي الارث كان العين لم ينتقل من‏العاقد الى غيره حتى يكون بمنزلة التلف فبعدالفسخ يرجع الطرف الاخر الى نفس العين‏وياخذها من الوارث، بخلاف البيع فانه يرجع الى‏بدل العين.

ومن ذلك ظهر الجواب عما يمكن ان يقال:ان‏لازم ما ذكرت من العود الى المالك الفعلي العودالى المشتري فيما اذا حصل الفسخ بعد تصر ف‏احدهما بالبيع مع انه ليس كذلك قطعا، وذلك‏لان‏المراد بالمالك الفعلي المالك بذلك العقد الذي‏قد انفسخ، والمشتري ليس مالكا بذلك العقد بل‏بعقد آخر، بخلاف الوارث حيث ان ملكيته انما هي‏بعقد مورثه الذي هو عقد له ايضا.

والحاصل: ان الوارث نائب عن الميت في الملكية،فكما انه لو انفسخ العقد حين وجود الميت يملك‏كذلك اذا انفسخ بعد موته يملك نائبه بمجرد الفسخ‏لا ان يكون نائبا عنه في الملكية بعد الفسخ، بمعنى‏ان يرجع المال اليه ثم الى الوارث بارث جديد. مع‏انه يمكن ان يقال: اذا سلمنا ان مقتضى القاعدة‏العود الى الميت حقيقة او حكما انما نقول به‏بمقدار الضرورة وحفظ القواعد وتصحيحا للفسخ‏لا في جميع الاثار واللوازم التي منها الالتزام بارث‏جديد، فنقول: ان العوض كانه انتقل الى الميت‏واعط‏ي لمن ورث اولا، وهو بقية الورثة بالنسبة‏الى ما يقابل الارض في مسالتنا» ((16)).

ثم تعرض السيد اليزدي(قدس‏سره) لما قد ينقض‏على هذا البيان من تعلق حق الديان والوصايا بمايرجع بالفسخ مما يكشف عن عود المال بالفسخ‏الى الميت. وحاول الاجابة عليه فقال: «واما ماربما يقال في تاييد الرجوع بالفسخ الى الميت‏اولاثم الارث من ان من المسلم تعلق حق الديان‏والوصايا بما يرجع بالفسخ، فيكشف عن عوده الى‏الميت.

ففيه: ان تعلق حق الديان والوصية ليس من جهة‏العود اليه، بل من جهة تعلقهما بما يقابله من التركة‏حين الموت، لان مقتضى تعلق الدين بالارض‏حين موت المشتري تعلقه بالثمن المردود، لانه‏بدلها، فكما ان ملكية الوارث للتركة تستلزم ملكهم‏لبدلها الراجع بالفسخ فكذا حق الديان المتعلق بهايتعلق ببدلها، ولذا لا نقول بذلك فيما اذا لم يكن له‏عوض تعلق به حقهم حين الموت، كما اذا باع شيئابشرط الخيار له اذا رد مثل الثمن واتلف الثمن‏ومات ولم يكن له تركة اصلا، فانه اذا رد الوارث‏مثل الثمن من كيسه وفسخ البيع لا يتعلق بالمبيع‏الراجع اليه حق الديان، لان‏المفروض انه لم يكن له‏بدل تعلق به حقهم، فيبقى الدين في ذمة الميت‏ويرجع المبيع الى الوارث الذي فسخ، وقد ادعى‏المحقق الانصاري(قدس‏سره) السيرة على هذا، ولوكان مقتضى الفسخ العود الى الميت لزم تعلق حق‏الديان به بمجرد الفسخ وان كان الثمن المردود من‏مال الوارث.

نعم، يمكن منع السيرة المذكورة، بل منع جوازردالوارث الثمن الا بعنوان كونه عن الميت، فكان ه‏يملك الميت اولا ثم يفسخ ويعطيه للمشتري.

وكيف كان فقد تحقق ان مقتضى الفسخ العود الى‏المالك الفعلي، ولا داعي للعود الى الميت حقيقة اوحكما بحيث يورث منه مجددا، فالمناط في‏الحرمان وعدمه انما هو حال الموت لا حال‏الفسخ.

نعم، لو فرض عدم وجود تركة للميت يرثهاالوارث نلتزم بالعود الى الميت اذا كان مال‏منتقلاعنه وحصل الفسخ، كما اذا صالح ماله بلاعوض بشرط الخيار له او للطرف الاخر اوللاجنبي فمات قبل انقضاء مدة الخيار ففسخ‏وارثه او الطرف الاخر مثلا ذلك العقد فانه ينتقل‏من الاول اليه ثم الى وارثه، لان الوارث لم يرثه‏حين الموت ولا ورث بدله فهو مال جديد حصل‏للميت بعد موته ينتقل منه الى وارثه ويخرج منه‏الديون والوصايا. بل وكذا اذا كان له تركة لكن لم‏يكن بدل ما يرجع بالفسخ موجودا فيها كما اذا باع‏شيئا واخذ ثمنه واتلفه قبل موته فانه لو انفسخ بعدالموت يرجع الى الميت اولا، لعدم ملكية الوارث‏لبدله حين الموت حتى يرجع اليه وان ملك بقية‏التركة فانها لا دخل لها بذلك البدل، فحيث لم يرث‏البدل لم ينتقل اليه المبدل من الاول، بل بعد تملك‏الميت له ولو حكما، فتامل فان التركة بمنزلة‏البدل‏»((17)).

والمستفاد من كلامه امور: الاول: ان تعلق حق الديان بما يرجع بالفسخ ناتج‏من تعلق حقهم ببدله، فكما ان ملكية الوارث‏للتركة تستلزم ملكه لبدلها الراجع بالفسخ فكذاحق الديان المتعلق بها يستلزم ملكهم لبدلها بعدالفسخ فكانهم شركاء الورثة.

وهذا الكلام ان اريد منه ان الفسخ يوجب ابتداءرجوع البدل الى ملك الديان كالورثة فهو غيرصحيح، لما تقدم منه ايضا ان الخيار والفسخ ليس‏تابعا لملك العين بل للعقد، والدائن ليس من له‏العقد حتى لو قيل بتملكه للتركة بمقدار دينه، بل‏حاله حال انتقال العين الى الغير بالبيع والشراءوالذي يعد بحكم التالف ولا يسترد بالفسخ.وقياسه على ملك الوارث في غير محله،لان‏الوارث نزل منزلة المور ث بخلاف الدائن. الاانه من البعيد ان يكون هذا مقصوده(قدس‏سره)، بل‏الظاهر ان مقصوده امر آخر سنشير اليه.

والتحقيق في جواب النقض ان يقال: بانه تارة‏يقال ببقاء التركة قبل اداء الدين على ملك الميت بمقدار الدين اويقال بانتقاله الى الوارث غاية الامر بما هو متعلق لحق الديان بحيث يجب عليه اعطاءحقهم منه او من بدله بعد الفسخ.

فعلى الاول لا محالة يكون الفسخ موجبا لرجوع‏المال الى الميت، لان التركة باقية على ملكه‏حقيقة‏ولم يرثه الوارث بعد، فلا يقاس عليه مواردتحقق الارث وانتقال التركة الى الوارث، فلا يكون‏نقضا.

وعلى الثاني يكون الفسخ موجبا لرجوع المال‏الى الوارث بالفسخ، لان التركة منتقلة اليه، وهومنزل منزلة الميت، ولكن حيث انها قد انتقلت اليه‏بما هي متعلق لحق الديان فبالفسخ ينتقل حق‏الديان الى البدل لا محالة كما ذكره السيداليزدي(قدس‏سره)، لان حقهم في اصل المالية، لافي خصوص عين التركة، وهذا هو معنى تعلق‏حق الديان بالبدل.

نعم لو فرض ان المال العائدبالفسخ اقل قيمة ومالية من التركة فلا يبعد القول‏بانه لا يجوز للوارث الفسخ، لان فيه تفويتا لحق‏الديان‏فيكون ضامنا له، وهو امر آخر.

ثم ان شيخ الشريعة نقض على السيد في المقام‏باننا نفرض الكلام فيما اذا ضمن الوارث قيمة‏التركة للديان ودفعها اليهم وقطع تعلق حقهم‏بالتركة ثم اتفق فسخ البائع ورد المبيع الذي‏يساوي اضعاف التركة الى الوارث واخذ عين‏التركة فلا احد يستشكل في تعلق حق الديان بهذاالمبيع المردود مع انقطاع تعلق حقهم عن بدله، وماذلك الا لرجوع المبيع الى ملك الميت بالفسخ.

ويمكن الاجابة على هذا النقض: اما على القول‏ببقاء التركة على ملك الميت بمقدار الدين‏فلان‏اعطاءها في الدين او المصالحة عليها مع الدى‏ان معناه عدم انتقال التركة بالارث الى الوارث‏اصلاوانما انتقل من الميت الى الدائن وقد اشتراه‏منه الوارث بالمصالحة معهم، فيكون من قبيل‏موارد عدم ارث التركة، والذي قبل فيه السيدانتقال البدل الى الميت في ذيل كلامه، فيستحق‏الديان بقية دينهم من فاضل القيمة.

واما على القول بانتقال التركة الى الوارث بما هي‏متعلقة لحق الديان، بمعنى لزوم اخراج حقهم منهاومن بدلها على تقدير الفسخ فلانه قد اخرج بعض‏حقهم من ذلك، اي بالمقدار الذي كان في التركة‏قبل الفسخ، فاذا كانت هناك زيادة في البدل بعدالفسخ وجب اخراج بقية الدين منه ايضا، لان‏حق‏هم كان في المالية الاعم من التركة او بدلهابحسب الفرض.  

 

الصفحة التالية