بسم الله الرحمن الرحيم

لا اظن عاقلا لا يرجح الافضل ويميل للمفضول..ولا اتصور
فاضلا يقنع بالذي هو ادنى ولا يرجو الذي هو خير.. هذا حتى
في دائرة الاهتمامات الشخصية.. فكيف بنا اذا فكرنا على
صعيد القضايا الكبرى!.. ان نشدان الحالة الاكمل هو الخيار
الوحيد لكل من يفكر بعقلية رسالية.. ربما يتراجع احدنا خطوة
او خطوات في طريق تحقيق مستقبله الخاص.. لانه امر راجع
اليه وهو مسلط عليه.. فقد يتنازل عن ذلك لسبب منطقي او
غير منطقي.. ولكنه ليس مفوضا في التسامح والغض عما
تمليه الرسالة من وظيفة وموقف.. ولم يطلق له العنان في ان
يقدم او يمسك.. كلا ثم كلا..

ان رصد الحركة الفقهية وتشخيص المواقع الفعلية
والمستقبلة لحملة الفقه من اهم قضايانا الاساسية التي لا
يحسن السكوت عنها.. فان تركها ليس من خلق المؤمنين.. ولا
من ذوق الشريعة ان ندع هذه الامانة الضخمة دون رعاية
وتخطيط.. اترى الشارع الاقدس يرضى لنا ان نلقي الحبل على
الغارب ونذر الفقه ومؤسساته تحت رحمة المصادفات؟!.. سيما
ونحن اليوم نتحرك في عالم يتابعنا فيه طائفتان.. طائفة
الاصدقاء الذين علقوا علينا آمالا طويلة واماني كثيرة.. اتخذونا
مثلا اعلى لهم في كل حركة او سكنة.. ينتظرون مبادراتنا
لحظة لحظة.. ويتطلعون دوماالى افقنا بفارغ الصبر.. وطائفة
من الشانئين الذين يتربصون بنا الدوائر ويكادون يزلقوننا
بابصارهم يتحينون الفرص ويتصيدون الغفلات .. ونحن في
غمرة الرضى وادعون.. فرحين بما عندنا لا نلوي على شي‏ء.. اما
التيار الاستصحابي الذي يحظى - على ما هو المعتاد - برصيد
من الاحترام والتوقير .. فيصر على ابقاء ما كان على ما كان
خوفا من فقدان ما هو كائن.. ان هؤلاء يدعون ان احداث اي
تغيير على الوضع التقليدي للفقه والمؤسسة الفقهية يهدد
هذا الكيان بالزوال ويفقده البركة الموروثة والسر الذي
استودعه الاوائل فيه.. لا اقل من انه يعد مجازفة لا يعلم
عقباها.. فليس من الصحيح تعريض هذا الموجود لتجربة غير
معلومة النتائج.. وذلك النمط من التفكير ليس غريبا ممن
عاشوا دهرا الفوا فيه وضعا فهم به مانوسون.. واعتادوا منهجا
سنه السلف الصالح فهم على آثارهم مقتدون.. تشدهم
ذكريات دافئة ومفاخر رائعة سجلها من كان قبلهم.. وحتى
الآن كل ذلك يبدو طبيعيا.. ولكن تبرز علامات الاستغراب
عندما يمتزج الاعتزاز بالتراث مع ندى الحنين لما هو مالوف..
فيتولد مركب القداسة على شكل قوس قزح يحيط بكل ما
يتلقى عن الماضين وان كان عاديا غير مقصود لهم بالذات بل
بالعرض.. وتصطخب شارات الدهشة اكثر عندما يهمل
المقدس الحقيقي فلا يثير التفات احد ويضيع بين اسماء
سميناها نحن.. بل قد ينزعج بعضهم من اية محاولة للتطوير.

وفي مواجهة ذلك يقف التيار الفتي الذي يتعشق الجديد..
ويسعى وراء البديل وان لفه الغموض احيانا.. ان انصار هذا
المسلك يتسابقون مع الزمن كافراس رهان.. يحدوهم عنفوان
العزم الاكيد.. وتشدهم نشوة الاعتداد.. تتراكم الطموحات على
افنان آمالهم.. وتزدحم الطروحات في افنية اخيلتهم.. كل
موروث يرونه رثا.. وكل قديم يبدو في اعينهم غثا.

ولسنا فعلا بصدد التقريب بين هؤلاء وهؤلاء.. ولا نقصد الفصل
فيما بينهم.. فان قضاءنا لا يكاد يجدي في انهاء خصومات من
هذا النوع.. بل نترك ذلك للتاريخ .. فهو وحده الذي يستطيع
ان يقول كلمة الفصل بهذا الشان فيدين من تعوزه الجدارة..
وينتصر لمن هو مستحق للصدارة.

اننا نستهدف هنا التحليل الموصل للحل الناجع بعيدا عن
المزاجية.. منطلقين في ذلك من ثوابت اساسية ثلاثة -
ركزت عليها المرجعية العليا -: الاول: حفظ الرصيد الفقهي
ومؤسساته.. فان التفريط بذلك خيانة كبرى وخسران مبين..
الثاني: ترميم مواضع الخلل.. الثالث: الشموخ بالفقه ودفع
المؤسسة الفقهية الى الامام.. وعلى ضوء ذلك نشرع في اثارة
تصورات اجمالية حول احدى المفردات الهامة.. الا وهي تطوير
المنهجية الفقهية ابتغاء علاجها.. وان كانت المشكلة قد تعم
علوما اخرى كعلم الكلام وغيره مما له تعلق بالشريعة.. الا ان
ما يعنينا بالدرجة الاولى هو الفقه قبل غيره.. لذا فسنؤمي هنا
الى مجموعة من الملاحظات سجلناها عسى‏ان تكون نافعة
لمن يشاءان يلج هاتا الباب ويخوض مثل هذا العباب.

انه لا يخفى الاثر الكبير للمنهجية في اي علم من العلوم.. فان
مسائل العلم ما لم تنتظم في سلك منهج معين لا يمكن ان
ياخذ طريقه بسهولة ويسر الى الاذهان.. ولا يستطيع ان
يرتقي ذلك العلم الى مصاف سائر العلوم.. ولا يعترف به رسميا
في المحافل العالمية.. ولا يسمح له بالنفوذ الى الدائرة
الاكاديمية.. والانفتاح على المراكز العلمية.. اذ يظل‏يراوح في
ميدانه هو معزولا عن اشقائه.. بل قد يصبح غريبا في اهله..

ان المنهجية ليست من الامور المتواطئة بل المشككة.. فقد
اتخذت في العصر الراهن شكلا مختلفا تمام الاختلاف عن
السابق.. فنحن عندما ننادي بضرورة وضع منهجية حديثة لا
ننكر اصل وجود منهجية للفقه.. بل لم يكن ذلك غائبا عن
اذهان الاساطين من علمائنا الماضين قدس الله اسرارهم.. الا
ان تلك المنهجية الموروثة وان كانت قد اعطت للفقه آنذاك
رونقا.. وزادته قوة الى قوته بحيث تقدم فيها على العلوم
الاخرى.. لكنها لم تعد قادرة اليوم على اشباع اغراض الشريعة
بحكم التغييرات الواقعية التي شملت اغلب مظاهر الحياة
البشرية وفي شتى الميادين..ان المنهجية يمكنها ان تقدم
خدمة للفقه على مستويين في آن واحد..للعالم والمتعلم فكما
انها تيسر الوصول الى المعلومة باقصى سرعة ممكنة يطمئن
بها الباحث من تمامية استقرائه وتجعله قادرا على معالجة
موضوعات بحثه .. ومهيمنا على كيفية الورود والخروج
خصوصا في المجالات المستحدثة.. فهي ايضا تسهل عملية
ايصال الفكرة‏الى المتعلم والدارس لعلوم الشريعة.. فهي منفعة
ذات وجهين.

لا بد من لحاظ حيثيتين ثنتين عند تصميم المنهجية; اولاهما:
بلورة المادة‏الفقهية.. فانه ينبغي جدولة الكليات وفق هيكلية
متكاملة وناضجة وفرز ما ينضم تحتها من تطبيقات منثورة..
والثانية: لا بد ايضا من اعتماد اللغة العصرية التي تتعامل بها
سائر العلوم.. ولا منافاة بين الوضوح والعمق كما لا ملازمة بين
السهولة والسطحية.. ولا يتوهم امتناع ذلك لما تشغله المتون
من مساحة واسعة في الفقه.. فلدينا جملة من العلوم تشترك
مع‏ الفقه في‏ذلك  كالتاريخ والعلوم‏الادبية وقد تغلبت
‏على‏المشكلة.

مما يساعد في تفعيل المنهجية سواء في طور التكوين او طور
التنفيذ هو تسخير الوسائل والآليات الحديثة من جهة واعتماد
العمل المؤسسي من جهة اخرى.. فقلما ينجو الانجاز الفردي
مما ترد عليه من اشكالات حادة.. فان عجلة العلم اليوم ترتكز
في حركتها على المشاريع المشتركة وعلى مقدار ما لديها من
تقنية عالية.. ولا يشذ الفقه عن هذه الحالة العامة..

وقد اثبتت بعض التجارب المعاصرة التي لمسناها عن مقربة
امكانية تطبيق مثل ذلك عمليا.. غير ان هذه التجارب لا تزال
في دور الفتوة.. لم تستحكم بعد ولم تتعد بعض الدوائر الضيقة.
. بيد اننا في الوقت ذاته نشعر بالتفاؤل الكبير في قدرة
المؤسسة الحوزوية على توسعة هذه الظاهرة وتعميقها.. بنحو
تصبح فيه اكثر تاثيرا.. وتكون فيه اشد قوة.

من المفيد جدا الوقوف على فقه المذاهب الاسلامية الاخرى
- كما هو المعهود في طريقة السلف - من حيث المباني
الاصولية العامة ومن حيث الاتجاهات الفقهية .. وعلى الاخص
في المسائل المختلف فيها.. اصلية او فرعية.. بل ان ذلك قد
يؤثر على فهم الحيثيات التاريخية للمسالة الفقهية.

ومن جملة ما يسهم في توسعة‏الذهنية الفقهية هو دراسة
الفقه الوضعي الحديث وما تتبناه مدارسه من نظريات ومبان..
فانه من خلال دراستنا لذلك يمكن اكتشاف ما فيه من
مفارقات..ولعلنا في غضون متابعاتنا قد نصادف نقاطا ايجابية..
او تحليلا دقيقا او فكرة علمية بتراء قابلة للتكميل.. او نكتة
عقلائية يمكن تطويرها وتنضيجها والافادة منها..

ان الخطوة الاولى في هذا الطريق الشاق تبدا بطرح النموذج..
فان المحاولة سبيل الموفقية.. غير ان المحاولة لا بد وان
تكون مبتنية على دراسة للموضوع من جميع شؤوناته..
فالارتجال في المشاريع العلمية امر غير محمود سيما في مثل
الفقه.. فنحن نحذر من عرض مشروع حدث يطرح قبل حين
بلوغه.. ونخشى من تبني رؤية عاجلة ولما تنضج وتتبلور
بصورة واضحة.. فلتبذل من الجهود اقصاها.. ومن الدقة غايتها
من اجل النهوض بهذا المشروع التاريخي بتوفيق منه سبحانه.

لقد شخصت المرجعية العليا اليوم بحنكتها ما لهذا الامر من
اهمية عظيمة‏وما يمثله من خطورة كبيرة.. فاكدت عليه قبلا
باصرار.. وعاودت اليه اليوم بتكرار.. وكان الطلب وديا من جهة
ومولويا من جهة اخرى.. والمترقب ان نتسامع بدوي الحوار
في هذه القضية وصخب التداول فيها بين ذوي الفضل
والحجى.. كما بانت لوائح ذلك في الآفاق.. بل المامول ان نرى
خيرا ونلمس النتائج العملية الطيبة التي تتمخض عنها تلك
المباحثات الجادة والمذاكرات العلمية في‏القريب العاجل ان
شاء الله تعالى.

ومجلة «فقه اهل البيت:» بدورها قد احست بهذه الحاجة
الملحة وسمعت النداء.. بل كان ذلك اهم البواعث التي دعت
الى تاسيسها.. وقد سعت جاهدة الى تقديم الحلول النموذجية
في دوائر مختلفة وعلى مستويات متفاوتة..فقد ادلت بدلوها
في دائرة الاستنباط والتكييف الفقهي للمسائل المستجدة..
وفي اطار اعداد وتهيئة المناهج الدراسية عرضت انموذجا
جديدا للمرحلة المتوسطة من مراحل الدراسة الحوزوية.

وستواصل ذلك باراءة عدة محاولات اخرى في هذا المضمار..
آملين ممن يهمه الامر من اصحاب السماحة الافاضل ان يتلقوا
ممثل هذه الاقتراحات بصدر رحب.. ويستقبلوها بكل انفتاح
واريحية.. وان يتعاملوا معها بكل جدية عسى ان نهتدي الى
المنهج الافضل والصورة الاكمل.. من اجل ان يحتل فقه اهل
البيت: موقعه المناسب له في المؤسسات العلمية ومراكز
التحقيق العالمية.. فعلينا السعي ومن الله الهدي.. وان لنا في
توفيق الله وعنايته املا كبيرا وظنا حسنا.. فهو المستعان
وعليه التكلان.

..ولا حول ولا قوة الا بالله..

رئيس التحرير