الحوزة العلمية وآفاق المستقبل

آية الله السيد علي الخامئني

نقدم لقرائنا الاعزاء مقتطفات من الخطاب التاريخي الهام
الذي القاه القائد المفدى ولي امر المسلمين سماحة آية الله
السيد علي الخامنئي دام ظله في المدرسة الفيضية بمدينة
قم المقدسة في الحادي عشر من رجب عام 1416ه والمصادف
ل 4/12/1995 م .. والذي وجهه الى طلبة العلوم الدينية
ومنتسبي الحوزة العلمية.. ومحور الخطاب كان يدور حول
مسؤوليتنا الكبرى تجاه الحوزة العلمية.. وقد تحدث سماحته
عن الاوضاع الراهنة للحوزة وما فيها من نقاط قوة او ضعف
احيانا.. ثم بين سماحته السبل التي يمكن من خلالها الانطلاق
لمعالجة مواطن الخلل.. وفي غضون بياناته عرض جملة من
المفردات التي ينبغي للمؤسسة الحوزوية ان تمارسها.. وفتح
امام الفضلاء والعلماء آفاقا جديدة اكد على ضرورة اقتحامها
والخوض فيها.. هذا، وقد اهاب حضرة الولي الفقيه بالطاقات
الهائلة والامكانات البشرية الضخمة التي تمتلكها الحوزة سيما
الجيل الواعي.. ونظرا لاهمية هذا الخطاب وما ينطوي عليه
من الفاتات وتوجيهات ارتاينا ان ننقل اليكم بعض المقاطع
الهامة.. ونعرض بين ايديكم باقة من كلماته العطرة.. وغيضا
من فيضه :

بسم الله الرحمن الرحيم

تاريخ النشوء:

.. ان الحوزة العلمية في قم - والتي نتحدث عنها اليوم بكل
اعتزاز ونكن لها كامل الاجلال والاكبار - ما هي الاخلاصة
وحصيلة الحوزات الشيعية على طول التاريخ، فقد بدات هذه
الحوزة نشاطها اواخر القرن الثاني او على اقل التقادير في
القرن الثالث، ففي عهد الائمة الثلاثة - الامام الجواد والهادي
والعسكري سلام الله عليهم اجمعين - نشات في تلك الآونة
عدة مراكز وحوزات علمية شهدت فيها قم حوزة علمية بكل ما
للكلمة من معنى حيث البحث والتدوين والتاليف والنشر
والتدريس والتلمذ.

وعليه، فقد تكون حوزة قم هي اقدم الحوزات العلمية التي لا
تزال تحتفظ الى اليوم بآثار الاجلا ء كالاشعريين وآل بابويه
وغيرهم، ثم انتقلت بعد ذلك وانتشرت في اصقاع اخرى من
شرق العالم الاسلامي وما وراء النهر وشرق خراسان، فتخرج
من هذه الحوزات ثلة من المحدثين والرواة والمؤلفين اضراب
الشيخ العياشي والشيخ الكشي والسمرقنديين و و...من ثم
حوزة بغداد حوزة الشيخ المفيد ومن بعده السيد المرتضى
والشيخ الطوسي رضوان الله عليهم... فيما تاسست‏حوزة
النجف لتشكل مرحلة مهمة ومركزا للحوزة العلمية في
الفقاهة والحديث وسائر العلوم الاسلامية، وذلك على اثر
هجرة الشيخ الطوسي اليها عام (450 - 448).
.. وهكذا اخذت تتوالى بعد ذلك الحوزات الشيعية في الظهور
في الشامات وطرابلس وحلب ومن ثم في الحلة التي تحتفظ
المكتبة الفقهية باسماء فقهائها ومؤلفاتهم، وتستمر هذه
الحركة حتى قيام الدولة الصفوية في ايران حيث‏يعتبر بداية
مرحلة..

وبعد تلك المرحلة بلغت‏حوزة النجف وكربلاء الذروة في
التكامل على يد تلامذة الوحيد البهبهاني والشيخ الانصاري
وصاحب الجواهر وتلامذتهم الى الفترة الاخيرة.. ثم عادت
الحوزة بعد ذلك الى قم ثانية على يد آية الله الحائري وآية
الله البروجردي ولا زالت‏حتى اليوم. ان هذه الحوزة التي هي
حصيلة تلك المسيرة التاريخية والحركة العلمية العظمى قد
وصلت اليكم الآن. وجدير بذوي النظر من فضلاء الحوزة ان
يتناولوا بحث هذا الموضوع بشكل متقن ومحقق، ونحن نرى
التعرض لمثل هذه المسائل..

المسؤوليات الثلاث:

ولله الحمد اننا اليوم نتحمل ثلاث مسؤوليات تجاه الحوزة
العلمية التي تعتبر ميراثا لاثني عشر قرنا، وهذه المسؤوليات
الثلاث هي من البديهيات الغنية عن الاستدلال الا وهي:
1 - الحفظ... 2 - الترميم... 3 - الشموخ.

اولا- الحفظ: ان حفظ الحوزة امر حاصل ولله الحمد، وهو
اليوم افضل من السابق كما وكيفا، فلا بحث في هذه النقطة
بشكل عام.
ثانيا- الترميم: وهو امر ادق من سابقه واكثر صعوبة فلا يكفي
ان نحمل تراث السلف لنسلمه الى الاجيال الآتية، فان التوقف
في مثل هذا الامر ضرب من التخلف، فماذا نقصد اذن
بالترميم؟
..الترميم عملية تعويضية لما يتفق للحوزة من ثلمات ونواقص
فيعوض ذلك بتربية الطاقات البشرية او استبدال بعض
المفاهيم الجديدة مكان‏المفاهيم‏القديمة التي
اندرست‏ونسخت، فان المفاهيم تفقد حيويتها ونشاطها بمرور
الايام فلا بد من التجديد والتحديث. وهذا الامر -تقادم الافكار
وشيخوختها - يتفق لسائر العلوم، فلا بد من بحوث جديدة
تطرح لتملا الخلا العلمي الحاصل من فقد واندراس المفاهيم
القديمة، كما ان‏حجم تلك البحوث والمفاهيم لا بد ان يصل
الى مرحلة البلوغ والكمال. وعملية الترميم هذه تحتاج الى
كثير من الجهود والمعاناة.
ثالثا- الشموخ بالفقه: وهذا الامر اكثر اهمية وتعقيدا مما
سبق، وهو يعني التحديث وكشف الآفاق الجديدة، ولا يعني
التطوير تعميق البحوث وكثرة التدقيق فيها ومحاكمة الافكار
بقدر ما يعني اكتشاف آفاق جديدة في العلم نفسه اي في
الملكات والقابليات الفقهية او في محاصيل العلم ونتاجه اي
البحوث الفقهية، والكلام ذاته جار في الاصول وعلم الكلام
وغيرها من العلوم التي تحتاج الى الحياة.

..الحوزات العلمية انما يمكنها ممارسة الترميم والتطوير اذا
كانت‏حية فاعلة، فالحوزة الموات لا يمكنها القيام باعباء ذلك.
ان‏الحقائق الانسانية كالانسان من حيث ما يطرا عليه من
احوال مثل الموت والحياة والضعف والقوة والصحة والمرض،
والحوزة من هذا القبيل، فثمة حوزة قوية واخرى ضعيفة
وحوزة موات واخرى حية وحوزة مريضة واخرى صحيحة..
والحوزة التي يمكن ان تقوم باعباء التغيير والتطوير فيما اذا
كانت قوية نشطة كي تتمكن من التكامل وفتح الآفاق
الجديدة لروادها وطلابها.

.. هذا هو تاريخ الحوزة واصلها ونسبها العلمي العريق فما هو
وضعها الراهن اليوم؟ هذا ما يجب ان نفكر فيه دائما، كما انه
يجب على كل من يهمه مصير الاسلام ان يفكر في هذا الامر،
فان هذه القضية من القضايا التي لا يمكن اهمالها والاغضاء
عنها، وهذا ما يجب التفكير به من قبل جميع الاكابر والعلماء
والطلاب، بل كل مسلم ينتفع من بركات الحوزات العلمية.
كما ان التغيير المنظم والمنهجي لا بد ان ينطلق من داخل
الحوزة نفسها لا من الخارج، نعم من الممكن ان يكون في
الخارج مؤيدون لكم يؤازرونكم الا ان العمل الاساس لا بد ان
ينطلق من داخل الحوزة، لذا فان البحث‏يتركز على مسالة
ترميم الحوزة. فكيف هي اليوم؟ وكيف تكون غدا او كيف
ينبغي ان تكون؟ ان الحوزة اليوم قد تطورت بالنسبة للسابق،
وهذه حقيقة لا يمكن انكارها، بل وضعها الراهن غير قابل
للقياس مع السابق، فقد تغير وضعها كما وكيفا، ففي الماضي
كان عدد الطلاب اربعمئة طالب واليوم هناك آلاف الطلبة
المشتغلين بطلب العلم، كما ان فضلاء اليوم ليسوا باقل من
فضلاء الحوزة سابقا، وما يقوم به فضلاء الحوزة اليوم يفوق
بعض الاحيان ما كان يقوم به طلاب الامس عشرات المرات من
حيث الاهمية في الجانب العملي وربما احيانا في الجانب
العلمي. وعليه، فلا يستطيع احد ان يرمي الحوزة بالتخلف،
فان الحوزة قد تكاملت من هذه الجهة.

هذا،بالاضافة الى ان بحوث العلماء السلف موجودة اليوم بين
ايدينا، فان كتاب المكاسب للشيخ الاعظم الذي ندرسه اليوم
يمثل اعلى مراتب التحقيق للشيخ، وهكذا الكفاية تمثل ذروة
الفكر الاصولي لدى المحقق الخراساني، فالطالب الذي يفهم
الكفاية اليوم يساوي تلامذة المحقق الخراساني الذين كانوا
يدركون الكفاية في ذلك اليوم، غاية الامر ان الكفاية في ذلك
الزمان كانت تمثل الشوط الاخير لكنها اليوم ليست كذلك.

محطات للتامل:

ثم انا اذا نظرنا الى الحوزة من زاوية اخرى فانا نواجه
ملاحظتين رئيستين تتعلقان بالوضع الراهن للحوزة احدهما
لم تكن في الحوزة سابقا والثانية قد تكون كذلك.
الملاحظة الاولى: ان الحوزة في الماضي ليس انها لم تكن
متاخرة عن زمانها فحسب، بل كانت متقدمة عليه‏ايضا. فانا لو
نظرنا الى العلماء في السابق نجدهم قد قدموا عطاء علميا
وفقهيا وكلاميا ضخمالابناء جيلهم، فهم على قلتهم قاموا
بانجازات عظيمة جبارة، نجد الشيخ المفيد وهو ببغداد يوجه
الشيعة في نيشابور او بلخ او هرات او طوس على قلة عددهم
وبعدهم عن بغداد ويجيب على اسئلتهم الفقهية والعقائدية،
وهذا يعني ان الشيخ المفيد لم يكن متاخرا عن زمانه. وهكذا
عندما نلاحظ زمن الشيخ الطوسي وتقول الخصوم بان لا
مصنف للشيعة نرى الشيخ ينبري ليقتحم‏الساحة لوحده
فيصنف ويلخص‏اضخم كتاب رجالي (رجال الكشي) ويفرد
كتابا وفهرسا آخرين في الرجال من دون توان او تاخير. وقبل
ان ينتشر الاشكال من محيط الخصم الذي يدعي ان لا فقه
لكم واذا بالشيخ الطوسي ايضا يصنف كتابا فقهيا تحقيقيا
راقياحسب التحقيق آنذاك.. وهو كتاب المبسوط وايضا نرى
السيد المرتضى الرازي يؤلف كتابه ردا على محمد بن زكريا
وافكاره الالحادية واذا تجنى البعض من المناوئين لاهل البيت:
على الشيعة وعقائدهم نرى الردالسريع الحاسم من قبل
عبدالجليل الرازي القزويني في كتابه (النقض) عندما يكتب
كتاب التحف الاثنا عشرية في ذم الشيعة ومدح اهل البيت:
ينبري‏السيد حامد حسين فيكتب‏العبقات في رده، ولعل‏هناك
عشرة ردود او او اكثر على هذا الكتاب كتبها علماء الهند
وبعضهم من الطراز الاو ل. وعلى هذا، فان الامامية كانت ترد
بمنتهى القوة وبالاسلوب العلمي الرصين على كل من يتجنى
عليها في المجال الفقهي او الكلامي واستمر الوضع على هذا
المنوال حتى اواخر القرن السادس.

..لقد كانت مؤلفاتنا تشتمل في الغالب على آراء فقهاء العامة
حتى زمن الشهيد الاول ككتب العلامة وفخر المحققين
يث‏يجاب ويرد على آرائهم بادلة قوية كما في كتب العلامة
والمبسوط للشيخ وان كان الشيخ في الخلاف اقتصر في
الاجابة بالتمسك بالاجماع حسب. نعم، فيما يلي من الزمان
اهمل فقهاؤنا التعرض لذلك، اما اليوم فان‏امواج الفقه
والفلسفة والكلام والحقوق قد ملات العالم في العصر الحاضر.
وحتى في الاخلاق التي لا يقيم لها الغرب وزنا فقد نقل ان هم
قد خصصوا قسما من مكتباتهم لكتب الاخلاق التي الفها
الغربيون انفسهم في السنوات الاخيرة. وبالطبع ان تلك الكتب
بصدد بيان الاخلاق المادية وفلسفتها - دون الروحية - ورد
الاخلاق.
ولكن ماذا قدمت الحوزة في هذا المجال؟ ماذا كتبنا بعد
كتاب جامع السعادات ومعراج السعادة؟

..والامر نفسه نلاحظه حول ما كتب وحقق في‏الغرب وفي
العالم الاسلامي غير الشيعي في مجال الحقوق المدنية
والجزائية وانواع اقسام هذه البحوث مع ان الفقه يعتبر ضمن
اختصاص‏الحوزات بشكل كبير. كم كتب الآخرون في مجال
الفلسفة والكلام الجديد وفلسفة الدين وعلم الاديان؟ ربما
يكون كل ذلك غير صحيح الا انه يعد بضاعة فكرية
وتيارافكريا يشغل شطرا من الفضاء الذهني للمجتمع، فاين
نحن من هذا؟ وكيف نقابله ونواجهه؟؟

الملاحظة الثانية: (التي نحتمل ايضا اختصاصها بعصرنا دون
الماضي): هي مدى استثمار الرصيد البشري في الوقت
المناسب، ففي هذه الحوزة الوف من القابليات والطلاب
والفضلاء الذين لو اهتم بهم واحترز من تضييع‏اوقاتهم
في‏الزوائد لكان كل منهم جديرا بان يملا قسمامن مناطق‏الخلا
والفراغ. ونحن نحتمل‏انه في‏السابق كان استثمارا حقيقيا
للطاقات البشرية. فالعلامة الحلي مثلا كان - وبمعية الملك
خدا بنده - مدرسة سيارة تستقطب الطلاب الى طلب العلم.
وايضا ثمة ملاحظات اخرى تشير اليها.

الملاحظة الثالثة: الامتداد الافقي من حيث الجانب الكمي
المناسب للعلماء، فكم من مسجد او مصنع او دولة او جامعة او
قرية او معسكر يفتقر الى وجود العالم على الرغم من ان
الطلاب قد تضاعف عددهم بالنسبة للسابق عشرات او مئات
المرات، وعليه فان هذا الكم‏الهائل لا يتوزع ولا يتواجد بالشكل
اللازم، وهذه ملاحظة لا يمكن الاغضاء عنها. ففي الماضي كان
في بعض‏البلاد الكبيرة عشرة مجتهدين يكفي كل واحد منهم
لان يدير مئتي‏طالب مجد الا ان هذه‏المدن لا يوجد فيها واحد
من امثال اولئك، ففي بعض المدن ترى البعض ممن لا كفاءة
علمية له وان كان هناك من هو لائق وجيد.

الملاحظة الرابعة: الاتساع عموديا بالنسبة الى الجانب الكيفي
او المحتوى الحوزوي: فهناك كثير من المسائل الفقهية
والكلامية التي لم توضع لها الحلول، فانا نفتقر الى مجموعة
من المعارف اللازمة لعالم الدين فهناك من الروحانيين ممن
لا يتمتع بما يجب ان يعرفه العالم اللائق في هذا العصر.

الملاحظة الخامسة: التوسعة في الجانب التبليغي والاعلامي:
ان‏ما يصدر عن الحوزة من المطبوعات كالكتب والمجلات
والصحف لم يعد وافيا كما ان الارسال الى التبليغ ليس بالقدر
الكافي مع الطلبات المكررة من القارة الاوربية والآسيوية
والامريكية وكافة اصقاع الدنيا والتي تعلن عن الحاجة لعالم
الدين. هذه مجموعة ملاحظات نجدها في الكيان الكبير
للحوزة الى جانب المحسنات والايجابيات والرصيد العلمي فيها،
وان كان ثمة افراد يقومون بمثل هذه الوظائف المختلفة من
تاليف وتبليغ في الميادين المختلفة وتحمل المشاق
والمصاعب في هذا السبيل الاانها تظل ممارسات فردية لا
تفي بالغرض.

آفاق تنتظر الفقه:

اولا: الانفتاح على المجالات الجديدة لا في حدود ضيقة
فحسب، فهناك مسائل كثيرة لا بد للفقه ان يبدي نظره فيها
فالفقه يمتلك القدرة على ذلك، نظير مسالة النقد وتحليل
حقيقة النقد فما هي حقيقة الدرهم والدينار الوارد في ابواب
الفقه المختلفة كالزكاة والديات والمضاربة! وكيف نكيف
المسالة في باب القرض وودائع البنوك؟ ومن هذا القبيل كثير
من المسائل كمسالة اعتبار الاوراق النقدية في حالات التضخم
الفاحش.. فما هو حكم الدين والقرض في هذه الحالات كما لو
اقترض قبل سنة اشهر قرضا واراد اداءه فان قيمة المال
المقترض قد اختلفت فما هو الحكم في المقام؟ لا بد هنا من
تاسيس مبنى فقهي للمسالة دون الاكتفاء بالاطلاقات
والعمومات في حل المسالة.. وهكذا كثير من البحوث المتعلقة
بامر الحكومة وبحث الديات والحدود والقضاء مما لم تقدم
حلولها الفقهية، وبالطبع فان المتقدمين غير مقصرين في
الامر; لعدم كون هذه المسائل في ذلك الوقت مبتلى بها. كما
يقول المحقق الاردبيلي عن بحث الجهاد انه غير ابتلائي الا انه
مع ذلك يبحث المسالة ويحررها في عدة اوراق، بيد ان
الجهاد اليوم يعد امراابتلائيا لنا، ولم تبين المسالة بشكل
دقيق في الفقه. فعلى الفقه ان يعالج هذه المسائل وامثالها
كالمسائل المتعلقة بامر الحكومة وكثير من فروع الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر والمسائل الابتلائية في المجتمع
ومسائل التشريح وزرع الاعضاء وعدم الاكتفاء بالمعالجات
السريعة، ولنلاحظ في هذا ما كان عليه فقهاؤنا من دقة وذهن
جوال في ابواب الفقه من العبادات والطهارة والصلاة، فلا بد
من توجيه هذه الدقة والجولان الفكري على المسائل حسب
اولياتها. ان الفقاهة تعني الاستنباط، وهو اسلوب وطريقة
تحتاج الى التطوير، فهي ليست‏شيئا متكاملا بحيث‏يدعى انا
وصلنا الى الذروة في الفقاهة بما لا مزيد عليه.

كلا.. ان المحققين والفضلاء باستطاعتهم اليوم ان يضيفوا
جديدا، وحينئذ سوف تتغير كثير من المسائل والنتائج ويكون
الفقه شيئاآخر. فالمحقق لا بد ان لا يكتفى بالدائرة التي كان
الشيخ الانصاري (رحمه الله) يتحرك فيها او يتعمق في تلك
الدائرة، بل على المحقق ان يكشف آفاقا غيرها، وهذا امر كان
موجودا في الماضي، فالشيخ الانصاري ابدع الحكومة في
النسبة بين الدليلين ثم جاء الآخرون وعمقوا البحث في ذلك،
ان كشف الآفاق الجديدة في الفقه يعد امرا ضرورياخصوصا
وان بعض الاكابر في زماننا هذا وما قاربه يتمتعون بقوة علمية
ونظر دقيق بما لا يقل عن السلف غاية الامر هذا الامر بحاجة
الى ارادة وشجاعة.

ثانيا: التوسع بالشكل الكافي والمطلوب في علم الكلام، وهذا
اهم مما سبق، فلا ينبغي تناسي ونسخ علم الكلام مع ان اكثر
الهجمات تاتي من قبل البحوث الكلامية. ان الحوزة العلمية لا
بد ان تكون حوزة للكلام اولا ثم للفقه، فقد كان اكابر فقهائنا
من المتكلمين.

وكما تقدم فانا لم نكن في‏السابق متاخرين بحيث ان كل من
يقول شيئا يجدالجواب حاضرا عنده، امااليوم فان‏هناك كثير
من بحوث الكلام التي تطرح لم تقف الحوزة عليها، فكم هناك
في‏العالم من بحوث في علم الاديان وفلسفتها مما لا علم لنا به؟
وهذا يعد خللا كبيرا. وبالطبع فان هناك افراد من منتسبي
الحوزة يقومون باعمال قيمة في هذا المجال الا ان هذه هي
مهمة الحوزة ككيان يجب‏ان يتصدى للاجابة على هذه
البحوث. لا يتصور من الحديث‏حول الكلام هو ان نكتب اربعة
كتب في هذا العلم مثلا وننشرها! بل‏المراد هو بلورة‏الفكر
التجديدي المتكامل، فاليوم توجد هناك‏شبهات جديدة
خطيرة‏ابتداء باصل‏التوحيد وضرورة‏الدين الى وجود الصانع
والنبوة العامة والخاصة ثم مسالة الولاية وسائر البحوث
الاخرى، فهذه شبهات يجب على العلماء الرد عليها دفاعاعن
ثغور العقيدة. وبهذا نستطيع ان نجيب على كل من يثير شبهة
ما في مجتمعنا او ينشر مقالا او يطلق كلاما واهيا عار عن
الدليل او مع الدليل، ولكن على نحو المغالطة نجيب على
ذلك بلا اي تاثر او انزعاج ما دمنا نملك‏الجواب العلمي، ومن
المؤسف جدا ان تتهم الحوزة وهذا الدين المنطقي بفقدان
الدليل والمنطق.

ثالثا: امر التبليغ: ان الانفصال بين‏التبليغ والحوزة خلل
اساسي. اجل، هناك من يمارس التبليغ لدواع مختلفة
في‏التعطيلات الصيفية او في شهر محرم ورمضان، بيد ان
التبليغ فن لا بد ان يدرس في الحوزة وياخذ بعدا علميا،
ويقام باعداد مقدماته كعلم النفس الاجتماعي، وتحضير
البحوث وتصنيفها على سب‏المخاطبين بحيث‏يكون ما يقال
في الجامعة غير ما يقال في القرى او ما يطرح في هذه
المنطقة غير ما يطرح في تلك وهكذا، كما انه لا بد من
ممارسة التبليغ المرئي والمسموع. هذه جملة امور ربما لم
يمكن معالجتها بالامس، وقد يتعذر معالجتها غدا، وهو امر
ممكن اليوم، ولم يكن العلماء في السابق باستطاعتهم معالجة
هذه الامور بسبب الحكومات المستبدة وتسلطها على الاموال
والامكانات وخوفهم على اصل الحوزة من تلك الحكومات الا
ان الوضع ليس كذلك اليوم، فان هناك دولة الهية تدعم
الحوزة وتؤازرها، ونحن مستعدون لدعم كل عمل ايجابي
في‏العلاج والتصحيح، وهذا لا يعني انا ندعو لربط الحوزة
باجهزة الدولة كما يدعي ذوو النوايا السيئة، فقد كنت قبل
وبعد انتصار الثورة اذهب الى ضرورة استقلال الحوزة مستدلا
على ذلك بالادلة القوية.

طرق العلاج:

اقدم المعالجات المقترحة بشكل مفهرس:
اولا: الاعتراف بمواطن الخلل والنقص، ولا يقال ان هذا الكلام
لا قيمة له فان هذه الحوزة نفسها هي التي ربت امثال الشيخ
الانصاري والميرزا النائيني والشيخ الخراساني والامام وغيرهم
من الاكابر. اننا ما لم نعترف بالخلل فلا يمكن العلاج، وهذه
المسؤولية منوطة بالطبق الشابة من الفضلاء بان يكتبوا في
هذا الموضوع. وان يعاودوا طرحه والخوض فيه مع الرافضين
له لاثبات توهمهم.
ثانيا: الاهتمام بمسالة العلاج فلا يكفي الاعتراف بالمشكلة
ثم‏الاغضاء عن الحل وادعاء انه لا يمكن ان نفعل شيئا، وهذه
ايضامسؤولية العنصر الشاب في الحوزة بان يوضحوا هذه
الملاحظات للآخرين وللمتنفذين في الحوزة.
ثالثا : انبعاث روح العمل والتحرك في نفوس الجيل الجديد
في الحوزة، ونعني بهذه الطبقة الاشخاص ممن هو في سن
الاربعين او المراهقين لهذه السن من المشتغلين بتدريس
السطوح والخارج.
رابعا: تغيير الكتب (المناهج) الدراسية بصورة جدية، وهذه
المسالة لا بد من اخذها بنظر الاعتبار والتغيير في المناهج لا
بد ان يبتني على مراعاة وقت الطالب، فانا لا نجد ضرورة الى
دراسة كتاب المغني في النحو عندما يكون هناك كتاب اكثر
منه اختصارا على المقدار اللازم منه وبلغة عصرية.

وهكذا لا نجد ضرورة لدراسة كتاب المعالم الذي يرجع عهده
لاربعة قرون سابقة! هذا بالاضافة للتعقيد الموجود في عباراته.
فما هي الضرورة لتاخير الطالب في حل العبارة؟ مع ان العالم
المعاصر يتمرنون فيه على فهم اعقد المشاكل باسهل
الاساليب والتعابير تراهم يرمزون لشي‏ء من اجل ان يفهم من
كلمة واحدة عشر كلمات.. فما هو السر اذن في ان لا نبدل
الكتب الدراسية؟!

..من الضروري ان تتشكل لجنة من الفضلاء لتدوين الفقه من
اول الطهارة الى الديات بلغة ميسرة.. لا بد ان تتشكل لجنة
لوضع كتاب دراسي يحتوي على مباحث كتاب المكاسب
واستدلالاته خالي عن التعقيد.. انا نريد للطالب الذي يصل
الى مرحلة الخارج -الذي هو بداية العمل الجاد فان ما قبله
مقدمات له ان يكون مطلعا على المسائل الاصولية والفقهية
عارفا بمباني الشيخ وصاحب الكفاية بحيث اذا سمع من
استاذه كلمة او اشارة يعرف المقصود ولا يضيع البحث. هذا
هدف للطالب الذى يدرس السطوح والمقدمات ... فاذا درسها
جميعا في اربعة او خمسة اعوام استطاع ان يحضر درس
الخارج ويبدا عمليه الاساس..

..ان الطالب من اللازم عليه اليوم ان يعرف اللغة الاجنبية من
اجل ان يكون مفيدا بشكل كامل. قد يقال ان الطالب لا يسمح
له الوقت بذلك. وهذا صحيح فان الطالب لا وقت له مع هذا
الوضع، الا انا اذا اختصرنا له الوقت كان بامكانه ان يعرف ذلك.

اذن، لا بد من التغيير في المناهج الدراسية وتكون الانطلاقة
في ذلك من الاساس، وهكذا في درس الخارج، فان هناك
من البحوث الفقهية والاصولية ما لا طائل تحته; اذ لا حاجة له.
. من الممكن ان يحتاج لها الفقيه طيلة عشرين عاما مرة
واحدة في الاستنباط كما في بحث المعاني الحرفية او
الحقيقية والمجاز وغيرها.. فما هو الداعي لان يتاخر الطالب
في مثل هذه البحوث؟ وقد قام الشهيد الصدر بذلك في هذا
المجال فالاطروحة التي قدمها في علم الاصول وفي كيفية
تدريسه وتعليمه اطروحة جيدة.

خامسا: وجود مركز يتصدى للعمل في هذه المجالات، وقد
تاسس هذا المركز بحمد الله قبل اربعة اعوام، وهو مركز
مديرية الحوزة ومهام المديرية شيئان:
1 - تدوين المواد القانونية والدستورة والاشراف على
مسائل‏الامتحانات والامور الذاتية.
2 - الاشراف على الاعمال الكبيرة والاخرى التي قد لا تخضع
لمواد النظام الداخلي للحوزة العلمية كالنشاطات التعبوية
والجهادية واستقطاب الكادر البشري.

سادسا: ايجاد اجواء مفتوحة لتلاقح الافكار وبلورتها. وهذا من
الامور التي تبعث الحياة في الحوزة، ففي الفقه مثلا يشكل
مجمع لتدارس البحوث المستجدة فيتقدم كل من لديه
مطلب مستجد او اسلوب حديث في مسالة فقهية من الطهارة
الى الديات، فاذا كان البحث‏يقوم على اسس رصينة وادلة
متينة اخذ به ويطرح الموضوع للمناقشة والنقد، وهذا الامر لا
بد ان يتحدد ضمن ضوابط واصول معينة. وهكذا يؤسس
مجمع مشابه في علم الكلام، وهكذا في العلوم العقلية.

سابعا: ايجاد فروع مستقلة، كالفقه والكلام، فالفقه تخصص
مستقل في الحوزة فكذلك الكلام لا بد ان يكون له تخصص
مستقل، وعدم الاكتفاء ببضع ساعات تخصص للكلام، بل
ينبغي بعد الانتهاء من مرحلة معينة ان يتوجه الى الفقه
والكلام فيتخصص بها.. فيكون عندنا مجتهد في الكلام ايضا.

ثامنا: تعليم اللغة الاجنبية بشكل الزامي.

تاسعا: تصنيف الطلاب على حسب‏الاهداف.. فان‏الارقام تشير
الى وجود عدد كبير من الطلبة، فيهم نحو من ثمانية آلاف من
العلماء والفضلاء الاكابر ممن اجتاز المراحل الدراسية وبلغ
المراتب العالية في العلم لا يمكن ادراجهم في هذا التصنيف.
فينتخب قسم من اصحاب القابليات ممن لهم رغبة اكيدة في
الفقاهة ليصبحوا في مدة عشرين عاما مثلا من الفقهاء
والمجتهدين ومراجع التقليد، وهؤلاء بدورهم ايضايصنفون،
فبعض للتدريس وبعض للتاليف والتحقيق وبعض في العقائد
والكلام، وفي حال الضرورة يرسلون الى الخارج.
ثم يختار قسم آخر من المجتهدين او المراهقين للاجتهاد
والمتجزئين للتواجد في المحافظات، واعداد مثل هذا الكادر
قد يحتاج الى عشرين عاما .

وقسم ثالث‏يتخصص في التبليغ والخطابة والتاليف من اهل
العلم والفضل; وذلك على صعيد داخل البلاد وخارجها،
بالطبع فان هذا العمل سوف لا يتحقق غدا، بل قد يكون بعد
خمسة اعوام الا ان الحوزة لا بد ان ترتقي الى هذه المرحلة،
وكلما تاخر العمل في ذلك فقد تاخر يوما، الا ان الحوزة اذا
قررت ذلك فانه سيتحقق رغم ما فيه من الصعوبات..

من هو المخاطب؟!

ان المعني بالخطاب ثلاث طوائف: المخاطب الاول: طبقة
الاكابر في الحوزة المعروفين بالتقوى والعلم، فهم المخاطب
الاول في كلامي; لما لهم من النفوذ في الحوزة. المخاطب
الثاني: الطبقة الشابة من الفضلاء. المخاطب الثالث: مديرية
الحوزة ورئيسها الموقر وشورى الحوزة.

هذا، وقد كنت ذكرت سابقا بضرورة ان يعقد لكل مسالة يراد
مناقشتها مؤتمر خاص بها بالمعنى الحقيقي للمؤتمر لا بصورة
شكلية; وذلك بان يحضره المتخصصون ويبدوا آراءهم العلمية
وتاملاتهم، ثم‏يحتفظ بتلك البحوث ونتائجها.