نافذ الحوار الفقهي:

الاموال الشرعية في الحكومة اسلامية

واضح لدى الجميع ان الحوار له بالغ الاثر في تكامل كثير من
الافكار وتطوير النظريات العلمية.. وتعد ظاهرة الحوار العلمي
- سواء كان بصورته المصغرة المقتصرة على عدة نفر او بصورته
الاوسع عبر المؤتمرات التخصصية ظاهرة حضارية وسنة
حسنة تحمل بين طياتها بشائر الموفقية وارهاصات التحولات
المنتظرة..

من اجل ذلك كان فتح هذه النافذة للحوار.. وقد اعد هذا
الحوار مجلة فقه اهل البيت(ع) - القسم الفارسي.

بسم الله الرحمن الرحيم

يعتبر الحكم الاسلامي من العناصر المؤثرة وجودا وعدما في
تكييف كثير من الاحكام الاسلامية، فان غياب الحكومة
الاسلامية لسنين طوال، وضباب النظرة الفردية قللا من
نضارة فقه اهل البيت(ع) ورونقه الجميل.

ان النظر الى الاحكام الفقهية ونحوها من الممارسات
الاستنباطية والاجتهادية من خلال البعد الواحد لا من خلال
النظرية العامة يقف سدا منيعا بوجه حاكمية الفقه في
المجتمع، واقامة الكيان الاجتماعي وفق الموازين الشرعية
والقيم الدينية.

فان الحوزات العلمية ومن اجل حفظ النظام الاسلامي واحياء
الابعاد الاجتماعية والحكومية فيه لا بد وان تعيد بحث
الموضوعات والآراء الفقهية في استنباط وتبيين تلك الاحكام
المتعلقة بامر الحكومة، التي كانت تعيش حالة اهمال
واضمحلال، مع الاخذ بنظر الاعتبار حاجات النظام الاسلامي
ومتطلبات العصر.

وندوة مجلة فقه اهل البيت - الفصلية - ملتقى على طريق
الحوار في الاحكام الفقهية انطلاقا من هذه الزاوية.

وقد وقع الخمس - الذي تتبلور فلسفة تشريعه بحفظ الاسلام
الاصيل، والسعي لنشر وتحكيم آراء اهل البيت(ع) في عصر الغيبة
- موضعا للآراء الكثيرة المختلفة وكان احد البواعث لاختلاف
الآراء في المسالة، هو غياب الحكومة الاسلامية. وقد برزت في
هذا الاطار تساؤلات حول المبنى في التصرف بالخمس وكيفية
المصرف ومن يكون اليه الامر في ذلك.

ومرجع جميع هذه التساؤلات الى ان سهم الامام(ع) هل هو
ملك له او هو لمنصب الامامة؟ وفي كلتا الصورتين فان باب
البحث‏ينفتح لتعيين الوظيفة في حال قيام النظام الاسلامي
ووجود الولي الفقيه، او عدم قيامه.

نطرح في هذا «العدد» بعض هذه الاسئلة للحوار حول ذلك
مستمدين من آراء ثلاثة من الفقهاء ممن يتمتع ببصيرة
وضلوع في فقه اهل البيت(ع) والاطلاع على متطلبات النظام
الاسلامي، عسى ان نشهد روعة فقه اهل البيت(ع) مع ظهور
الحكومة العالمية لمهدي آل محمد(ص) في سائر ارجاء العالم
ان شاء الله.

فقه اهل بيت عليه السلام:

نشكر اصحاب السماحة على قبول دعوتنا وحضورهم هذه
الندوة للبحث والحوار حول واحدة من المسائل الفقهية
المهمة. آملين ان تنتفع الحوزات ببحوث هذا الحوار العلمي
وان يكون ذلك خطوة على طريق حل‏مشكلات الفقه ... وكما
تعلمون فان الاموال الشرعية خاصة الخمس وفي عصر حاكمية
الاسلام تعد من المسائل الشرعية الهامة ومورد ابتلاءفي
المجتمع، فهي جديرة بالبحث والتحقيق من زوايا عديدة.
وعلى هذا، فانا وفي هذه الندوة نتعرض لهذه المسالة، ونبدا
بالسوال الاول فيها عن بداية تشريع الخمس في موارده السبعة
هل انه على حد سواء فيها؟ وببيان آخر: هل ان‏تشريع الموارد
السبعة للخمس باجمعها كان في زمن النبي الاكرم(ص) او ان
بعضها شرع في زمانه(ص) وبعضها في زمن الائمة(ع)؟ واذا كان
بعضها شرع في زمن النبي(ص) وبعضها في زمن الائمة: فما
هو الاساس في ذلك؟

آية الله اليزدي:

اشكر بدوري العاملين في مجلة فقه اهل البيت(ع) على اعداد
هذا الحوار العلمي، واوافقكم على ان يبدا البحث في موضوع
الاموال الشرعية، وخاصة الخمس، سيما في هذا العصر
يث‏يعد من البحوث الهامة والضرورية التي ينبغي ان يتناولها
الفقهاء والمحققون بالبحث والتحقيق.

اما فيما يتعلق بالاجابة عن سؤالكم فاقول: ان اصل تشريع
الخمس كان في عهد شيخ الانبياء ابراهيم(ع) بناء على ما ورد
في بعض رواياتنا.

فقد روى السكوني عن ابي عبدالله(ع): «واول من اخرج
الخمس ابراهيم‏». فكان ما كان يفعله عبدالمطلب من اخراج
الخمس والتصدق به كان اتباعا منه لملة ابراهيم(ع).

عن علي بن الحسين بن فضال، عن ابيه عن ابي الحسن
الرضا(ع)، قال: «سالت ابا الحسن الرضا(ع): قال: كان
لعبدالمط لب خمس من السنن اجراها الله عز وجل في
الاسلام ... ووجد كنزا فاخرج منه الخمس .
كما انه ورد في رواية اخرى حول السنن التي كان
عبدالمطلب يدعو اليها في الجاهلية.

عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن جده، عن علي بن ابي
طالب(ع)، عن‏النبي(ص) انه قال في وصية له: «يا علي! ان
عبدالمطلب سن في الجاهلية خمس سنن اجراها الله له في
الاسلام ... ووجد كنزا فاخرج منه الخمس وتصدق به، فانزل
الله عز وجل (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان لله خمسه).

وللعلامة المجلسي في ذيل هذه الرواية تعليق يؤيد كلامنا،
قال;: «لعله(ع) فعل هذه الامور بالهام من الله تعالى، او كانت
في ملة ابراهيم، فتركتها قريش، فاجراها فيهم، فلما جاء
الاسلام لم ينسخ هذه الامور; لما سنه عبدالمطلب‏».

وقد شرع الخمس في الاسلام ايضا باعتباره واجبا ماليا،
وذلك قوله تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان لله‏خمسه
ول لرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان
كنتم آمنتم بالله وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم‏التقى
الجمعان والله على كل شي‏ء قدير).

وبالرغم من قول بعض - ومن خلال ملاحظة الآيات السابقة
واللاحقة لهذه الآية الشريفة الواردة في الجهاد - ان المقصود
من (انما غنمتم) في الآية هو غنيمة الحرب وان المراد
بالخمس المشرع في الآية (فان لله خمسه) ما يشمل خمس
غنائم الحرب. الا انه لا يمكن المساعدة على هذه الدعوى،
وذلك ان المعنى اللغوي للغنيمة يشمل كل ربح وفائدة، وقد
ورد كثير من النصوص عن اهل البيت(ع) في عدم اختصاص
الخمس في الآية الكريمة بغنائم الحرب، فوسع الائمة(ع) الحكم
بالخمس على كل فائدة وربح، فقد جاء في موثقة سماعة انه
قال: «سالت ابا الحسن(ع) عن الخمس؟ فقال: في كل ما افاد
الناس من قليل او كثير».

وفي حديث آخر: «عن ابي عبدالله(ع) قال: قلت له: (واعلموا
انما غنمتم من شي‏ء فان لله خمسه وللرسول...) قال هي والله
الافادة يوما بيوم‏».

وعلى هذا، فروايات اهل البيت(ع) تصرح بتعلق الخمس
بارباح المكاسب، والمعادن، والكنز، والمال المختلط بالحرام،
والجواهر المستخرجة بالغوص والارض التي يشتريها الكافر
الذمي من المسلم.

اذن: فالخمس قد شرع على عهد النبي(ص)، والقدر المتيقن
منه الخمس المتعلق بغنيمة الحرب. ثم ان الائمة(ع) عمموه الى
الموارد الاخرى استنادا للآية الكريمة.

فقه اهل بيت عليه السلام:

الذي نستنتجه من كلام سماحة الشيخ اليزدي هو ان اصل
تشريع‏الخمس كان على عهد النبي(ص)، وقد عين الائمة(ع) سائر
الموارد الاخرى طبقا لتفسير الآية الكريمة. الا ان البعض يرى
عدم تشريع خمس ارباح المكاسب في عهد النبي(ص) وان
تشريع ذلك كان من قبل الائمة(ع)، ندعو سماحة السيد
الهاشمي بالتفضل لابداء رايه في الموضوع.

آية الله سيد الهاشمي:

اجل، ذهب بعض الفقهاء الى ان الخمس في ارباح المكاسب
لم يكن مشرعا على عهد النبي(ص)، وان الخمس كان متعلقا
بخمسة امور فقط. وقد استدلوا لذلك بدليلين:
1 - اذا كان خمس ارباح المكاسب مشرعا على عهد النبي(ص)
فلماذا لم يعمل به؟ ذلك ان العادة جرت على ان ما كان
يشرع في عهده(ص) يعمل به نفس النبي(ص) وكذا الخلفاء
من بعده في حين انه لم يذكر اصلا ان النبي(ص) او الخلفاء
من بعده كانوا قد اخذوا خمس الارباح. مع ان الخمس في
ارباح المكاسب يزيد في قوة المجتمع اكثر من خمس غنائم
الحرب.

2 - انا اذا تتبعنا النصوص الواردة في خمس ارباح المكاسب
نجد التعرض لها في زمن الامام موسى بن جعفر او الامام
الصادق‏عليهاالسلام.

فاعتبروا هذين الشاهدين دليلا على ان تشريع الخمس لم
يكن في عهد النبي(ص)، ومن هنا فقد التزموا بكون الخمس
فيها من الضرائب التي كان جعلها من قبل الائمة(ع) لا من قبل
النبي(ص).

آية الله اليزدي:

هذا يعني ان الجعل كان جعلا ولائيا لا جعلا شرعيا! في الوقت
الذي نرى ان الائمة(ع) حينما عمموه الى ارباح المكاسب كان
ذلك استنادا لآية الغنيمة، معتبرين مفهوم الغنيمة قرينة على
هذا التعميم. وهذا بنفسه ظاهر في بيان الحكم الشرعي،
وليس هو جعلا ولائيا يختص بزمان الجاعل والحاكم.

آية الله سيد الهاشمي:

قد نجد قرينة في خمس ارباح المكاسب على ان الجعل فيها
كان جعلا ولائيا.

آية الله اليزدي:

اذا كان هذا الحكم مبينا في عهد امير المؤمنين(ع) امكن
القول حينئذ بان تشريع هذا الحكم كان تشريعاولائيا لما لامير
المؤمنين(ع) من منصب الولاية والحكومة.

الا انه لما كان بيان ذلك في زمن امام ليس له ولاية ظاهرية
- كالامام موسى بن جعفر(ع) الذي كان رهن السجن ولم تكن
الظروف آنذاك مؤاتية لاعمال ولايته - كان حمله حينئذ على
الولاية التشريعية لا على بيان الحكم الشرعي في غاية الضعف
الا انه يمكن ان يقال: ان المسالة من باب ان بعض الاحكام
الشرعية جمد النبي(ص) تطبيقها، واوكل ذلك الى الائمة:
ليطبقوها في الظرف المناسب لا ان ذلك حكما ولائيا، فانه لا
يمكن ان يصدر امام كالامام الكاظم(ع) حكما ولائيا، وحتى لو
كان حكما ولائيا لبعض اصحابه فانه يكون بشكل سري. اذن
فكيف يمكن الموافقة على ان الامام(ع) في ذلك الزمان كان
قد اصدر حكما ولائيا باعتباره ولي امر المسلمين؟

آية الله سيد الهاشمي:

لعله يمكن استفادة ان تشريع الخمس في ارباح المكاسب من
قبل الائمة(ع) كان مراعاة لحال الشيعة حيث كانوا يعيشون حالة
اهمال من قبل الحكومات المستبدة فشعر الائمة(ع) بضرورة ملا
هذا الفراغ بنحو ما فشرعوا مسالة خمس ارباح المكاسب.

آية الله اليزدي:

كيف! ولم يكن للائمة(ع) الولاية بالفعل بحيث تكون منشا لمثل
هذه الاحكام والتشريعات.

آية الله سيد الهاشمي:

يدعي هؤلاء(ع) ان الائمة: كما انهم ينصبون القضاة، مع عدم
تمتعهم بالولاية الظاهرية، فكذلك يجعلون خمس ارباح
المكاسب لرفع العوز للشيعة.

آية الله اليزدي:

نعم، الا ان نقول(ع) ان للائمة: حكومة داخل تلك الحكومات،
يمارسون من خلالها بعض شؤون الحكم وبالقدر الممكن
كنصب القاضي، او ما يرتبط ببعض الامور المالية، او اباحتهم
بعض الموارد لشيعتهم.

الا انه هل يمكن لتلك الحكومة المحدودة والمستورة والتي
كانت تعيش ضمن الحكومات الرسمية المقتدرة - ان تمارس
تشريعات من هذا القبيل وتاخذ الخمس من ارباح المكاسب؟!
هذا ما نراه بعيدا جدا.

آية الله سيد الهاشمي:

الاحتمال الآخر هو ان نقول:
ان تشريع الخمس ومع قطع النظر عن دلالة الآية او الروايات
كان على عهد النبي(ص) في جميع موارده حتى ارباح
المكاسب. الا ان الخمس لما كان حقا للامارة، وايضا لما كان
النبي(ص) وامير المؤمنين(ع) على علم بانحراف مسالة
الخمس عن مسارها الاصلي بحيث لا تبقى على ما هي عليه
فلذا اكتفيا بطرح الخمس في صدرالاسلام بشكل محدود
وبهذا القدر دون تعميمه وتوسيعه.

ولعلنا نجد الشواهد على هذا من زمن النبي(ص) في ذهن
بعض الشخصيات كابن عباس حيث جاء عنه: «في الرجل
يستفيد المال بطريق الربح او غيره. قال: يزكيه يوم يستفيد»،
فاذا كان مراد ابن عباس من الزكاة هو الخمس فهذا دليل
على ان تشريع الخمس في مطلق الفوائد والارباح كان على
عهد النبي(ص) كسائر اصناف الخمس. وهذا هو نفس
المضمون الوارد في رواياتنا في شان خمس ارباح المكاسب.

وايضا نلاحظ هذا المعنى في مكاتيب النبي(ص) - المتوفرة
لدينا - الى عماله ورؤساء القبائل يامرهم فيها بدفع خمس
غنائم الحرب او اخذها، فلعله يمكن استفادة من ذلك ارادة
خمس ارباح المكاسب:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله
لمالك بن احمر ولمن تبعه من المسلمين امانالهم ما اقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة واتبعوا المسلمين وجانبوا المشركين وادوا
الخمس من المغنم وسهم الغارمين وسهم كذا وكذا. فهم
آمنون بامان الله عز وجل وامان محمد رسول الله‏».

وفي كتابه(ص) الى الفجيع واصحابه:
«من محمد النبي للفجيع ومن تبعه ومن اسلم واقام الصلاة
وآتى الزكاة واطاع الله ورسوله واعطى من المغنم خمس الله
ونصر نبي الله واشهد على اسلامه وفارق المشركين فانه آمن
بامن الله وامان محمد».

وكتب(ص) الى قبيلة جهينة:
«...ان لكم بطون الارض وسهولها وتلاع الاودية وظهورها على
ان ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على ان تؤدوا الخمس وفي
التيعة والصريمة شاتان اذا اجتمعتا فان فرقتا فشاة شاة، ليس
على اهل المثير صدقة‏» وكما تلاحظون فان هذه التعابير
والجمل مطلقة، واطلاقها يدل على كون المطلب مسلما وان
الخمس كان مشرعا منذ تلك الفترة. وانما لم يركز عليه من
اجل ان لا يستغل بشكل غير صحيح.

آية الله اليزدي:

كيف كان الوضع في السنوات العشر من حكومة النبي(ص)؟

آية الله سيد الهاشمي:

لم يكن دخل المجتمع في صدر الاسلام من ارباح المكاسب
بدرجة من الاهمية، فقد ورد في الرواية عن عائشة وعبدالله
بن عمر كما روى البخاري عن عائشة: «لما فتحت‏خيبر قلنا:
الآن نشبع من التمر».
ونقل عن ابن عمر: «ما شبعنا حتى فتحنا خيبر».

وهما كناية عن الضعف الاقتصادي للمسلمين في صدر
الاسلام. فلم يكن للناس آنذاك وبشكل عام موارد مالية مهمة
بحيث‏يعتمد عليها.

ان ارباح المكاسب يعد موردا مهما يختلف عن الزكاة كما
وكيفا، اما من حيث الكم فواضح، وكذلك من حيث الكيفية;
لكونه ملكا للدولة وحقا للامارة، وعلى اساس ذلك فلم يسمح
الائمة: بان تسقط هذه الثروة المالية في ايدي الآخرين،
بمعنى انهم كانوا يلحظون الظروف الخارجية.

فقه اهل البيت عليهم السلام:

كانه لا ترديد في ثبوت الخمس في الفوائد والارباح من زمن
الامام الصادق(ع) فما بعد، كما ورد ذلك في كتبنا الروائية،
انما الكلام في ان هذا هل هو ماخوذ من الآية الكريمة
(واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان لله خمسه...)، او هو بالجعل
الولائي من جانب الائمة(ع)؟ كان هناك تحليلان للموضوع. نرجو
الآن من سماحة الشيخ الجيلاني ابداء رايه.

آية الله محمدي الجيلاني:

ان ما بينه سماحة الشيخ اليزدي من كون بداية تشريع
الخمس هو في شريعة ابراهيم الخليل(ع) يمكن الاستشهاد
عليه من التاريخ. وعلى كل حال، فان الامر كما ذكر فالملاحظ
في الروايات هو التعرض لارباح المكاسب منذ زمن الامام
الصادق(ع)، وادعي ان للامام الجواد والامام الهادي والامام
الحسن العسكري(ع) وكلاء في جميع الاموال الشرعية، وكان
اكثرها من ارباح المكاسب لكن لماذا بدء الكلام عن الخمس
في تلك الفترة بالخصوص؟

ويمكن ابداء وجوه عديدة:
1 - ما اشار اليه سماحة السيد الهاشمي، من ان تشريع خمس
- ارباح المكاسب كان على عهد النبي(ص)، الا انه لما كان حقا
للامارة، وكان النبي(ص) وامير المؤمنين(ع) يعلمان بمستقبل
الحكم وما سيؤول اليه امر الخمس، فلذا اكتفيا بذلك المقدار
المحدد مبتعدين عن التوسع فيه.

2-ان هذا التشريع قد تم انشاؤه في عصر النبي(ص) بنحو ما
الا انه لم يصل الى مرحلة الفعلية; لعدم توفر الارضية لذلك.
وما ان جاء عصر الائمة: حتى تهيات الارضية المناسبة لتوسعته.

3 - ان جعل خمس ارباح المكاسب كان من قبل نفس الائمة:،
وبالطبع فانهم كانوا مكلفين بالقيام بمثل هذا العمل‏».

ففي الرواية عن الامام الجواد(ع) تاكيد خاص على مسالة سد
حاجات المؤمنين: «ان الذي قد اوجبت في سنتي هذه وهذه
سنة عشرين ومئتين فقطلمعنى من المعاني اكره تفسير
المعنى كله خوفا من الانتشار، وسافسر لك بعضه ان شاء الله...
وانما اوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب
والفضة التي قد حال عليهما الحول ولم اوجب ذلك عليهم في
متاع ولا آنية ولا دواب و... تخفيفا مني عن موالي ومنا مني
عليهم...».

وهذه الرواية من الشواهد على ان جعل الخمس كان بيد
الائمة(ع)، وعلى انه كان يصرف في الموارد التي يشخص الائمة(ع)
الحاجة فيها مع تجنبهم الكشف عنها. كما ان عبارة «اكره
تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار» بيان لما يستلزمه العمل
السياسي آنذاك.

وفي رواية اخرى عن الرضا(ع): «...ان الخمس، عوننا على
ديننا وعلى عيالنا وعلى موالينا (اموالنا) وما نبذ له ونشتري
من اعراضنا ممن نخاف سطوته فلا تزووه عنا...».

فقه اهل البيت عليهم السلام:

مع غض النظر عن بداية تشريع كل واحد من الموارد السبعة
للخمس، فما هي فلسفة تشريع الخمس؟
وهل هو نوع من الضرائب لادارة امور المجتمع ام ان له موارد
خاصة لصرفه؟

آية الله اليزدي:

يمكن استفادة فلسفة تشريع الخمس وبكل وضوح من نفس
الآية الكريمة:
(واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان لله خمسه...) حيث تصرح
بكون خمس المال هو لله تعالى.

بيان ذلك:
1 - ان «اللام‏» في آية الخمس مغايرة «للام‏» في قوله (ولله ما
في السماوات وما في الارض) مع ان «اللام‏» في كليهما
للملكية; ذلك ان الملكية في الخمس ملكية اعتبارية بينما
الملكية في (ولله ما في السماوات وما في الارض) حقيقية،
ففي الخمس، هناك خمس هو لله وللرسول ولذي القربى،
واربعة اخماس هي للمالك، في حين ان الملكية الحقيقة
للخالق تشمل الجميع، اي جميع الاخماس الخمسة فكل شي‏ء
لا يخرج عن ملكيته، فاي معنى للقول بان‏احد الاخماس هو
لله؟ الا ان نقول: ان آية الخمس تجعل الملكية الاعتبارية لله،
وحينئذ عندما يكون خمس واحد لله فليس معنى ذلك ان
يكون له التصر ف بشكل مباشر في ملكه الاعتباري بان ياخذ
الخمس ويصرفه في اموره الخاصة، فان هذا التصور غير
معقول.

واذن، فلا بد من دفع هذا الى خليفة الله القائم مقامه في
تدبير اموره على وجه الارض فالشخص الذي له مسؤولية
الخلافة عن الله في تدبير اموره على وجه الارض فالشخص
الذي له مسؤولية الخلافة عن الله في الارض هو الذي ياخذ
سهم الله ليصرفه في سبيل الله، اي لنشر دين الله وصرفه
على عباده، وبكلمة واحدة لصرفها فيما يرضي الله تعالى.

وعلى هذا، فان الذي نجزم به من فهمنا للآية ومن «اللام‏» في
«لله‏» هو ان‏فلسفة تشريع الخمس لتلبية الحاجات وسد ها فيما
يرضي الله، ولا شك ان‏المصارف التي تعتبر سببا لنشر
المعارف الدينية وترويجها تكون لها الصدارة، اذ ان فلسفة
تشريع الخمس هي حفظ الدين ونشره ودعم كل ما يساهم في
اعلاء كلمة الله.

2 - كذلك لا بد من التدقيق جيدا في كلمة (للرسول) فهل
يراد منها «ما كان للرسول بما هو رسول‏» اي بما هو متصف
بالرسالة او «للرسول بما هو محمد بن عبدالله(ص)» اي
بشخصه من غير وصفه بوصف الرسالة؟ الظاهر من ذكر
الوصف كونه مشعرا بالعلية اي «للرسول لرسالته‏» فاذا كان
كذلك فلا بد من صرفه حينئذ للرسالة، نظير ما في «لله‏»
حيث لا ترديد في لزوم صرفه فيما يرجع لنشر الدين، وتبليغه
والتعريف به في سائر ابعاده المختلفة.

ولئن كان الخمس يصرف في بعض الموارد لشخص الرسول -
لسد حاجاته المعاشية بمقدار الضرورة - فان ذلك لادارة
حياته من اجل ان يقوم برسالته، فيكون ايضا من اجل الرسالة.

واما عبارة (ولذي القربى) فانه اذا غضضنا النظر عن الاخبار
فان المعني‏بذوي القربى هم الاقرباء، وعليه فمن هم
المقصودون فيها؟ بما ان التعبير ب (ذي القربى) مسبوق بقوله
(لله) و(للرسول) فان ه وبعنوان ان‏الاقرب يمنع الابعد يكون
المراد هم قرابة النبي الكريم(ص). يبقى ان المراد بهم مطلق
قرابته او قسم خاص منهم؟ فهذا ما يستدعي بحثا مستقلا. اما
ذيل الآية: (واليتامى والمساكين وابن السبيل) فان هناك
نكتة يستفيدها آية الله البروجردي‏قدس‏سره من الآية فيقول:
«ان اللام لم تتكرر هنا كما تكررت في الرسول وذي القربى،
فيستفاد من ذلك لزوم تقييد اليتامى والمساكين وابن
السبيل بنحو من الانحاء باليتامى من ذي القربى، والمساكين
من ذي القربى، وابن السبيل من ذي القربى‏».

وعلى هذا، فان الخمس هو لله وللرسول، ولهذه الطوائف
الثلاث المتقدمة من ذي القربى، حيث تقدم ان الظاهر من
اللام فيها هو كون ملكيتهم ملكية اعتبارية - لا انهم مصارف
للخمس - بحيث‏يكونوا شركاء مع المالك وتترتب آثار الشركة
عند عدم الدفع.

اذن فالآية تدل جزما على صرف الخمس في سبيل دين الله
ورسالة الرسول وذوي قرباه، ثم وفي المرحلة الثانية يصرف
فيما يرتبط بنحو من الانحاء بدين الله ورسالة الرسول وحفظ
مكانة ذوي القربى ، وعليه فاذا كان المجتمع بحاجة الى الماء
والكهرباء والاتصالات وفتح الطرق ولم يكن امر الدين
بالمستوى المطلوب فيه فان المقدم هو امر الدين. فاذا اردنا
استفادة فلسفة تشريع الخمس من نفس الآية فانها ليست الا
حفظ دين الله وحراسته.

ومن الواضح فان مثل هذا المهم لا يمكن ايكاله لعموم الناس
بحيث نقول ان كل‏من وجب عليه الخمس بامكانه ان يصرفه
الى اي جهة او شخص ممن يشخص المصلحة في الدفع اليه،
او الى اي مكان يحسبه برايه مرضيا لله ويخدم اهداف رسالة
الرسول ويحفظ مكانة ذوي القربى.

وفي رايي ان النكتة الاساس التي كان الامام‏قدس‏سره يركز
عليها كثيرا هي: ان كل من كان بيده مكسبا او
معدنااستخرجه او سائر متعلقات الخمس الاخرى فلا بد ان
يدفع خمس ذلك الى ولي امر المسلمين لصرفه. وفلسفة الآية
الكريمة تكمن في هذه النكتة وهي انه لا يستطيع كل احد
صرف الخمس حسب رايه بل لا بد ان يدفع الخمس للرسول او
نائبه لكي يصرفه في امر دين الله ورسالة رسول الله وذي
القربى، لعلمه بما يجب تقديمه في حفظ دين الله ورسالة
الرسول وحفظ مكانة ذي القربى. فقد تكون هناك امور كثيرة
لا بد ان يوازن الرسول او نائبه فيما بينها لمعرفة الاكثر خدمة
منها وارتباطا بالاهداف الاساسية. فمثلا قد نتصور امرين معا
كطباعة كتاب وبناء بناية ما، فمن هو الذي يتصدى هنا
لتشخيص احدهما على انه هو المرضي لله والاقرب لرسالة
الرسول؟ فهل تتحقق اهداف رسالة الرسول ببناء المدرسة او
المسجد، او بتربية العلماء واهل الفضل؟ ومن يستطيع ان
يشخص ذلك؟ واضح ان‏التشخيص في مثل هذه الموارد يكون
لمن له الولاية الفعلية والاحاطة والاط لاع على جميع شؤون
الامة وسائر الظروف الزمانية والمكانية، ولا يمكن ان نسند
ذلك الى من يحيط ببعض امور الامة وشؤونها. فالذي
نستفيده من الآية هو عدم جواز اناطة التصرف في الخمس
بالاشخاص ليجروا في ذلك حسب تشخيصهم، بل لابد من
اناطته بولي الله، الرسول الاكرم(ص)، ومن بعده الامام(ع) -
كما تفيده الروايات - ومن بعد الامام نائبه وخليفته.

اذن: تلبية الحاجات الدينية تقف في الدرجة الاولى ثم ياتي
في المرحلة الثانية كل ما يرتبط بنحو بتلك الحاجات الدينية
فلا بد من تامينها. فاذا كان الخمس في عصرنا الحاضر يعد
ضروريا لادارة امر الحوزات ونشر العلوم الدينية وكان هناك
حاجة ايضا لبناء مطار او احداث طريق و... فمن يجوز
حينئذصرف الخمس في هذه الجهات؟ في الحقيقة ان
تشخيص ذلك الى ولي الامر الماثل مقام رسول الله(ص)، فانه
اعرف بتقدم اي واحد من الموارد.

والذي يتراءى في النظر هو جواز الصرف من الخمس في
بعض الموارد لرفع الاحتياجات غير المباشرة المرتبطة بعنوان:
(لله وللرسول) كبناء المستشفى او الطريق، او الماء و... الا ان
ترويج الدين ونشره متقدم جزما على هذه الامور، فما لم يتم
تامينه فلا يمكن المصير الى الباقي.

فقه اهل البيت عليهم السلام:

سماحة الشيخ الجيلاني ما هو رايكم حول فلسفة تشريع
الخمس؟

آية الله الجيلاني:

ان الامر كما بينه الشيخ اليزدي فان الخمس هو لتلبية
المتطلبات التي ترتبط بامر دين الله. الا ان القرآن الكريم
يطرح ايضا تصورا آخر وهو تحقيق التعادل والتوازن
الاقتصادي في المجتمع; وذلك من اجل ان لا يكون المال
كما يعبر القرآن دولة بين الاغنياء في المجتمع. قال تعالى في
سورة الحشر: (ما افاء الله على رسوله من اهل‏القرى فلله
وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي
لا يكون دولة بين الاغنياء منكم).
وفي آية قرآنية اخرى يامر بدفع الفي‏ء باجمعه الى المهاجرين!

(للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم
يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله
اولئك‏هم‏
الصادقون‏».

فهذه الغنائم في الاصل هي للنبي(ص)، ورغم ان القرآن بين
مصارفها الست وايضا رغم ان اتباع النبي(ص) الذين تحت
امره وفي طاعته كانوا على اصناف عديدة كالانصار و.. فمع
ذلك نجد القرآن يصرح بصرف هذه الغنائم (للفقراء المهاجرين)
فهي خالصة لهم حسب، الفقراء الذين تركوا الاهل والاولاد
والاموال والوطن واتجهوا نحو المدينة (اخرجوا من ديارهم
واموالهم). وقد كان هذا بعد هزيمة بني النضير وامكان الله
النبي(ص) من اموالهم فاراد القرآن ان تكون هذه الاموال
(للفقراء المهاجرين) فقط وذلك من اجل حفظ التعادل بنحو
من الانحاء، فلا يبقى المهاجرون يمدون يد الحاجة دائما الى
الانصار.

فالفي‏ء والخمس وامثالهما هي لحفظ التوازن والتعادل في
النظام المالي، لا بدان يكون الامر في ذلك لولي الامر ليعمل
على حسب علمه واط لاعه لايجاد التوازن والتعادل.

وعليه، فان هدف التشريع واضح، كما ان تشخيص الموارد بيد
ولي الامر; ولذا فلا مجال حينئذ في هذه الصورة لاعمال
الاولويات، ذلك ان نفس آية الفي‏ء -التي صرحت بتشخيص
موارد صرفه تامر النبي(ص) في الآية التي تليها بصرف ذلك
لخصوص فقراء المهاجرين وليس في هذا مخالفة للآية السابقة
التي اكدت وفسرت ذلك بقولها (كي لا يكون دولة بين
الاغنياء منكم).

كما ان المستفاد بشكل واضح ايضا من الروايات هو كون
الخمس حقا للامارة، واذا كان كذلك فمن الطبيعي ان يكون
امره لمن له الولاية والحكم.

فقه اهل البيت عليهم السلام:

سماحة السيد الهاشمي، ما هو رايكم في هذا الخصوص؟ فهل
يمكن مراعاة الاولويات في مصارف الخمس ام ان تعيين
الاولويات يكون‏بيد الحاكم حسب؟

آية‏الله الهاشمي:

قد تعرض السادة لمسالة مراعاة الاولويات في موارد الصرف،
واعتبروا ان‏الاولى في الصرف ما كان لامر الدين ونشره، وهي
نقطة جديرة بالبحث والتحليل.
فان هناك من يذهب الى ان حق الخمس من اموال الامام
الشخصية، مدعين لزوم احراز رضاه في مقام الصرف، ومن هنا
ينفتح البحث لتعيين الموارد التي نحرز فيها رضاه او لا نحرزه،
فتصل النوبة حينئذ الى القدر المتيقن في ذلك، مثلا: اذا
كان مورد الصرف لخدمة الدين ونشره فنحرز حينئذ رضى
الامام(ع)، اما اذا لم يكن خدمة للدين بشكل مباشر، فانه
يكون مشكوكا فيحكم بعدم جواز الصرف، الا انا لا نوافق على
هذا المسلك; ذلك ان المستفاد من الآية الكريمة والروايات
هو ان يكون الخمس حقا للامارة، فاذا كان الخمس هو «حق
الامارة‏» فان امره يكون للحاكم الشرعي: الرسول والامام
المعصوم، فالله ورسوله هما الوليان على الناس والمجتمع
فهما اللذان يشخصان الاولوية في الصرف، وبما ان الولاية شان
من شؤون الله تعالى، فان يد ولي الامر تكون حينئذ مبسوطة،
يشخص موارد الصرف على طبق ما يراه من المصالح، فقد
يشخص طبقا للمصلحة احداث الطرق او بناء مسجد في كذا
مدينة او قرية ليكون محلا للدعوة للدين. واما على المسلك
الآخر فان يد الولي لا تكون مبسوطة يبقى ان حصر ذلك بما
يكون دعوة للاسلام وحفظا للدين، فهذا ما يحتاج الى دليل
خاص.

فاذا كنا نريد في آية الخمس (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء
فان لله خمسه وللرسول) ان نعتبر هذا التقدم شرطا، فلا بد
ان نجعل ذلك قيدا ايضا في آيتي الانفال والفي‏ء حيث ورد
هناك نفس التعبير (لله وللرسول).

آية‏الله اليزدي:

ما ذكرته لا يتنافى مع ما تفضلتم ببيانه، فالظاهر انا نصل الى
نقطة واحدة.
ففي رايي ان سهم الله هو لخليفته، فاذا شخص خليفة الله
الاولوية في بناء مستشفى في مدينة، او كان احداث الطريق
في قرية ما هو الاولى في حفظ الدين كما لو كانت تلك القرية
خالية من المسجد، واهلها يجهلون المسائل الشرعية، الا انه لا
يمكن لاحد ان يسلك الطريق لبيان الاحكام، فلا بد من وجود
طريق حتى يتوجه المبلغون لتلك القرية لنشر الدين، فاللازم
هنا مراعاة الاولوية في التشخيص فخليفة الله هو الذي
يشخص العمل الاهم - فيما يرضي الله - ومكانه.

والخلاصة: فان مقصودي هو ان سهم الامام هل هو لشخصه
ام هو له بما هو امام؟ فاذا كان بما هو امام، فانه انما يكون
اماما اذا كان حافظا للامامة الالهية، واذن فهو المقدم في
تعيين الاولويات الشرعية بمعنى ان الامام في حالة دوران الامر
بين ما يرتبط بالدين وبين ما يرجع الى الامور الشخصية لا
يقدم الثاني على الاول بحال من الاحوال.

فقه اهل البيت عليهم السلام:

هل ان الموارد الست المذكورة في الآية مالكة للخمس او انها
جهات لمصرف الخمس؟ واذا كانت هذه الجهات مالكة فهل
يلزم دفعه ايضا الى ولي الامر خاصة؟

آية‏الله اليزدي:

كما ان الملكية الحقيقية للوجود اجمع هي لله تعالى فكذلك
يمكن ايضا جعل الملكية الاعتبارية له تعالى ، فملكيته عز
وجل نظير ملكيتي الاعتبارية لهذا الكتاب او الخاتم او اللباس
و...فالخمس اذن ملك اعتباري لله وامر صرفه لخليفته، وكونه
ملكا له تعالى مستفاد من ظاهر الآية. فامثال عنوان: الله
تعالى او عنوان المسجد، او عنوان الحوزات العلمية و... يمكن
جعل الملكية الاعتبارية لها. فنجمع بين الحيثيتين الحقوقية
والحقيقية، بان نجعل اعتبار هذا المال للشخص الفلاني، او
للحوزة، او للمسجد و... ثم ان الخليفة في زمن الحضور واضح
ومعلوم وهو رسول الله(ص) والائمة(ع) من بعده، فهم الذين
يتولون اخذ الخمس وصرفه واما في عصر الغيبة فان خليفة
الله هو من يكون جامعا لشروط معينة، ومعنى النيابة عن
خليفة الله هو ان يخول في بعض الامور كما ان الخليفة عن
الله مخول فيها.

فهذه الآية اذن تدل على ان هذه الاسهم الثلاثة والتي
يصطلح عليها اسم (سهم الامام) هي سهم واحد للامام(ع).
وفي عصر الغيبة لا يمكن اخذ الخمس لغير نائب الامام، كما
انه لا يمكن دفعه الى غير نائبه(ع). فان اصل الجعل هو ان
يكون (لله ) و(الرسول) و(ذي القربى). وحينئذ فلا فرق بين
القول بان(ذي القربى) هو شخص الامام، كما جاء التصريح به
في بعض الاخبار، او القول بان هم قربى الامام، غاية الامر ان
امر سهمهم بيد الامام.

هذا في عصر الحضور واما فى عصر الغيبة فالامر كذلك ايضا،
فمقتضى الادلة هو لزوم دفع الخمس الى نائب الامام، ولا
يمكن دفعه الى غيره.

وقد يقال: ان جميع فقهائنا العظام الواجدين للشرائط في
عصر الغيبة هم نواب الامام، فيمكنهم حينئذقبض الاموال
الشرعية وصرفها، وقد كانت هذه السيرة مستمرة ولا زالت
جارية. وتجب الاشارة هنا الى نكتة هي: ان الذي اتصوره هو ان
الائمة: كانوا يعملون طوال التاريخ من بعد وفاة النبي(ص) الى
زمن الغيبة ضمن دائرة قدراتهم وامكاناتهم العملية.

فعلي(ع) كانت له الامامة - ولمدة على خواص اصحابه،
بمعنى انه(ع) كان يصدر الاوامر التي هي من شؤون الامامة،
وفي احيان الاوامر التي هي من شؤون الولاية مع انه لم يكن
يتمتع بالحكومة الرسمية.

واما في الاربعة اعوام وتسعة اشهر التي كانت‏حكومته فيها،
فقد كانت ولايته وامامته(ع) ظاهرة فهل كان امير
المؤمنين(ع) قبل خلافته الظاهرية ينظر الى الخمس -عندما
يكون سهم الله والرسول(ص) وذي القربى في اختياره بما هو
مال شخصي؟ قطعا لا. اذ في زمن الحضور كان شخص الامام
امير المؤمنين او الامام الحسن او الامام الحسين: او الامام
الحجة(عج) - زمن حضوره وفي عصر الغيبة الصغرى - هو
خليفة الله. اقول: ان مقتضى الادلة كون الامر كذلك في عصر
الغيبة; فان العنوان حل محل‏الشخص فعنوان الفقهاء - اي
الفقيه الجامع للشرائط سواء تعد د او كان واحدا هو خليفة
الله، طبعا هذا حاصل الجمع بين الروايات.

فاذا كان الفقيه مكان النبي(ص) والامام(ع)، فله ان ياخذ
ذات الاموال التي كان الامام الحسن العسكري(ع) او
الامام(عج) ياخذانها من اصحابهما.

فلكل واحد من هؤلاء الفقهاء في فترة قبض يد الحكومة
الاسلامية حكومة جزئية صغيرة ضمن دائرته، وما ياخذونه
من الاموال الشرعية يصرفونه في المصارف الحكومية لا في
المصارف الشخصية، فقد كان للبعض منهم حوزة علمية ينفق
عليها، والبعض منهم عندما يتواجد في المدن الكبيرة يصرف
الاموال في الاعمال الحكومية الشرعية. وعليه، فانهم لا
يصرفون الحقوق في اغراضهم الفردية فقد كانوا يعملون
طبقاللشرع، واما في عصر بسط يد الحكومة فان الاموال تدفع
للفقيه الجامع للشرائط عندما يكون هو الحاكم، مهما كان ثمة
فقهاء آخرون، ذلك ان حيثية الولاية تحققت فعليتها في فرد
واحد، فدفع الخمس حينئذ لغير من له الولاية والخلافة
الرسمية يحتاج الى دليل.

فمن باب المثال: ان الامام الخميني‏قدس‏سره عندما تصدى
لولاية الامر، فان الدليل يلزمنا حينئذ بدفع سهم الله والرسول
وذي القربى الى خليفته. وعليه فباي عنوان يجوز حينئذ بدفع
اموال الامام الى غير خليفته؟! مهما كان ذلك الغير فقيها
جامعا للشرائط؟! لا اقول بمنع مطلق دفع الخمس الى الفقيه
الجامع للشرائط، بل اقول: ان الفقهاء جميعا عند فقدان
الحكومة الاسلامية هم حكام بنحو ما فيستطيعون اخذ
الخمس، فاذا تصدى احدهم فصار حاكما واخذ بزمام المجتمع
وتوسعت اختياراته فلا يمكن حينئذ لغيره من الفقهاء
الجامعين للشرائط قبض الخمس الا باذن الحاكم، ذلك انهم
واجدون لعنوان «الفقيه‏» حسب، ولكنهم فاقدين لعنوان
«الحاكم‏».

ان نظر الامام الخميني‏قدس‏سره: انه في الموارد المعينة التي
يريد الاشخاص الصرف فيها لا بد ان يستجيزوا الحاكم بذلك.

وعلى هذا، فان الاموال الشرعية هي لمنصب ولاية الولي، ولا
علاقة لها بالفقاهة او التقوى او العلم او العناوين الاخرى، فلا
بد ان تدفع الاموال الى الولي; لانها اموال الولاية. والفقاهة وان
كانت‏شرطا في الولاية، الا ان كل فقيه ليس بولي عند بسط
اليد.

فقه اهل البيت عليهم السلام:

نرجو من سماحة الشيخ آية الله اليزدي حفظه الله ان يضيف
الى ما تفضل به بيانا حول كون الخمس حقا للامارة، وانه
يرتبط بمنصب‏الامامة لا بشخص الامام.

آية‏الله اليزدي:

مما لا ترديد فيه ان الخمس هو حق الامارة، وليس حقا
شخصيا باي وجه من الوجوه. ويدل على ذلك بوضوح صراحة
الآية الكريمة: (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان لله خمسه
وللرسول ولذي القربى) وقد تكرر في الروايات بيان هذا
المعنى ايضا. فان خليفة الله ياخذ «سهم الله‏» بما هو خليفة
الله و«سهم الرسول‏» ايضابما انه رسول، بمعنى ان رسالة
الرسول هي السبب في ان يجعل له سهم لا شخصه(ص). اما
عنوان ذي القربى فاذا قبلنا - طبقا لما ورد في الاخبار - كونه
هو ذات الامام فالغرض حاصل، واما اذا قلنا ان المراد هم قرابة
الامام فولاية تلك الاموال ايضا بيد الامام يصرفها فيهم.

اذن: اذا كان نظرنا الى الآية الكريمة فانا نستفيد وبكل وضوح
كون الخمس مالا للرسول، وبما ان امور ذي القربى بيده فانه
ياخذ سهمهم ايضا. واما فيما بعد النبي(ص) فان الامام(ع) هو
الذي يتولى ذلك، اذ الامام وارث لرسالة النبي لا لشخصه;
بدليل انا لا نجد - في وقت من الاوقات - ان الاموال الشرعية
والخمس تقسم بين ورثة الامام من باب الارث، بل تنتقل الى
الامام من بعده، فالخمس اذن هو لامامة الامام.

والكلام نفسه ايضا في مراجع التقليد، وبتعبير آية العظمى
البروجردي‏قدس‏سره: ان‏الاموال هي لرئاسة المرجع، فلا بد
من صرفها في الامامة والمرجعية. وعلى هذا فالمستفاد من
عناوين الروايات الكثيرة ان الفقيه الجامع للشرائط هو نائب
للامام. لكن في زمان بسط اليد فان ولي الامر والحاكم
الاسلامي هو النائب للامام، فلا بد ان تدفع الاموال له; لانها
حق الامامة.

والتاريخ يثبت لنا ذلك ايضا، فان العلماء في البلاد الكبيرة
كانوا علاوة على بيانهم للاحكام فانهم احيانا وفي حدود
قدراتهم - يتدخلون في امور الحكم وربما يدخلون في صراع
مع الحكومات المعاصرة آنذاك.

على ضوء ما تقدم، فان عنوان «الفقيه الجامع للشرائط‏»
ينطبق في عصر عدم بسط اليد على كثير ممن لهم حق
التصرف في الخمس لما يتمتعون من الولاية والحكومة وبالقدر
الممكن، واما في زمن بسط يد الحكومة - كما في عصرنا -
فان باقي الفقهاء ليس لهم الا عنوان الفقيه، فيستطيعون
الافتاء ولا يمكنهم التصرف في الاموال.

وفي الحقيقة فان مسالة الافتاء غير مسالة النيابة عن الامام(ع)
، فالفقيه الذي له الولاية بالفعل في مثل هذا العصر له النيابة
عن الامام(ع)، فيمكنه ان يمارس كل ما للامام(ع) ايام
حكومته; ولعل هذا هو المنشا لفتوى الامام خميني قدس‏سره
في مسالة مصرف حق الهاشميين، فانه بحسب نظره‏قدس‏سره:

ان الاموال الشرعية، حتى سهم الهاشميين لا يجوز صرفها من
قبل الاشخاص انفسهم الا باجازة الفقيه الذي هو ولي بالفعل‏».

فالذي نستنتجه من هذا البيان ان الخمس في عصر الغيبة هو
لولاية الفقيه، وفي عصر بسط يد الحكومة يتعلق بولي الامر.

فقه اهل البيت عليهم السلام:

ما هو راي سماحة آية الله السيد الهاشمي حفظه الله في
مسالة قبض الحقوق الشرعية، ومن هو الذي يحق له قبضها
وصرفها في مواردهافي عصر الغيبة؟

آية‏الله الهاشمى:

الذي اتصوره هنا هو ان ياخذ الحديث طابعا فقهيا اكثر من
الطابع الاجتماعي، مهما كان الطابع الاجتماعي امرا جيدا في
محله.

ومن اجل ان ياخذ البحث بعده الفقهي بنحو اكثر اطرح بعض
المسائل التالية:
1 - اساسا هل ان ما للامام من الخمس هو ملك لمنصب
الامامة ام انه ملك لشخص الامام(ع)؟
2 - ما هو مقدار الخمس الذي يكون ملكا للامام(ع)؟ فهل
التقسيم واقع في الملكية او في المصرف؟
3 - بناء على البحثين وعلى كلا المبنيين فيهما، فهل يشترط
في عصر الغيبة اذن ولي الامر - الفقيه الجامع للشرائط - ام لا؟

اما الجهة الاولى في البحث وهي: هل ان ما للامام(ع) من
الخمس هو مال للفرد الحقيقي او للفرد الحقوقي؟

المستفاد من ظاهر آية الخمس ونظائرها كون الملحوظ هو
الفرد الحقوقي حيث قال: (لله و للرسول) فاعتبر الرسول بما
هو رسول، ولم يقل محمد بن عبدالله(ص).

واما ذي القربى فانه مفسر بالائمة(ع)، كما في رواية: «لنا الخمس
والانفال‏». حيث ورد الخمس والانفال في سياق واحد. وورد
‚في بعض الروايات انه «للقائم بامور المسلمين، للامام‏».
والمسالة واضحة جدا في الروايات، فقد ورد في كثير من
الروايات التعبير ب’ «الامام‏»، وهو ظاهر في الشخصية الحقوقية.

ففي صحيحة علي بن راشد عن الامام الهادي(ع) «ما كان
لابي لجهة الامامة فهو لي‏» فان القدر المتيقن من ذلك هو
الخمس; ذلك ان الخمس هو اهم الموارد التي تصل الى الائمة(ع)
، فان الانفال كانت تصل الى حكام الوقت ولا تصل ليد الائمة:.

اذن فالشي‏ء المنظور اليه في هذه الرواية - والذي هو شان
نزولها في الواقع - هو الخمس. والامام(ع) يريد بقوله ما كان
لابي لجهة الامامة - والذي قلنا ان القدر المتيقن منه هو
الخمس - ان ذلك ليس بارث حتى يشاركه فيه اخوته.

الجهة الثانية في البحث: تتعلق بتقسيط الخمس وتقسيمه
الوارد في ظاهر آية الخمس الكريمة، فهل هذا التقسيم في
المالكية بحيث‏يكون نصف الخمس في الحقيقة ملكا للامام
(سهم الامام) والنصف الآخر ملكا لفقراء الهاشميين (سهم
الهاشميين) او انه بتمامه ملك للامام، وفقراء الهاشميين
مصرف للخمس، بحيث‏يكون من الطبيعي للامام(ع) او ولي
الامر التصرف بسهمهم في الموارد الاخرى غيرهم؟

الذي نجزم به من خلال الدقة في مجموع هذه الروايات هو
ان المراد من مال الامام ان تكون المالكية للجهة ولمنصب
الامامة. لا لشخص الامام - بحيث‏يكون نظير الاموال الشخصية
التي تنتقل بالارث - ولا للامام بما هو معصوم; لانه خلاف
اطلاق الادلة التي ذكرت.

وقد تعرض الامام‏قدس‏سره - في درس الخارج عند بحث
البيع من المكاسب الذي القاه في النجف الاشرف، في احد
المواطن من البحث - الى هذه المسالة فقال: «ان‏الخمس
باجمعه هو للامام وهؤلاء مصارفه‏» بمعنى انه لا يقبل ما ورد
في الروايات من التقسيط وان «اللام‏» هي للملك وان هؤلاء
يملكون، بل يستفيد طبقاللآية والرواية ان للجميع مالكا
واحدا وان هؤلاء هم مصارف للخمس.

والبحث في ان هؤلاء شي‏ء واحد او شيئان بحث مهم، فهل ان
الشارع هو الذي قسم هؤلاء قسمين، وكل قسم قسمه الى
ثلاثة اقسام، فيكون المجموع ستة اقسام؟ او ان هؤلاء
يتحدون في الملكية ويتعددون في المصرف؟ واهمية البحث
من جهة ان هؤلاء اذا كانوا مصرفا، ثم اختير في البحث الاول
كون الخمس ملكاللمنصب، وكان المنصب في زمن غيبة
الامام(عج) لولي المسلمين، فيتعين بشكل طبيعي دفع
الخمس الى الولي الفقيه فيمكنه ان يصرفه في كل واحد من
جهات الصرف. الا ان الامام‏قدس‏سره رغم استناد الفقهاء
لظاهر الآية في القول بالتقسيم في الملكية والتقسيط لهذه
الاصناف الستة لا يرى القول بالتقسيط، ويرى ان ذلك كله
ملك الامام. وعليه، ففتوى الامام الخميني‏قدس‏سره هي
خلاف المشهور، الا انها اكثر انسجاما مع ظاهر الآية.

اولا: لان «اللام‏» لم تكرر، وعدم التكرار يمكن ان يكون قرينة
على ان الاقسام الثلاثة الاخيرة ليست في عرض الاقسام الثلاثة
الاولى، وانما في طولها وان هؤلاء ليسوا مالكين، نعم ملكيتهم
طولية، والا - اي لو كانت ملكيتهم عرضية - لكان اللازم
التعبير بلفظ: «لله وللرسول ولذي القربى ولليتامى وللمساكين
ولابن‏السب يل‏».

ولو لم يكن عدم تكرار «اللام‏» قرينة على اتحاد الحق، فلا اقل
من اسقاطه للظهور في الاشتراك. وعليه، فانه يمكن ان
نستفيد من عدم تكرار «اللام‏» وحذفها عدم كونهم في عرض
واحد.

وحينئذ - اي عند سقوط الظهور في الاتحاد - فان الظهور
الذي يعتمد عليه المشهور يكون ساقطا في النتيجة ايضا، فلا
بد من الرجوع لمقتضى الاصل العملي والروايات.
وفي رايي ان هذا الجانب اكثر وضوحا في الروايات.

ثانيا: الشاهد الآخر الذي يمكن استفادته من القرآن كقرينة
خارجية بحيث‏يفيد من لم يقبل القرينة الداخلية المتقدمة
من الآية، هو ان هذا التعبير الوارد في آية الخمس (فان لله
خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل) وارد ايضا في آية الفي‏ء، والفي‏ء - كما هو معلوم - هو
ملك الامام جزما، ولا مخالف في ذلك.

وعليه، فهذه الاقسام الثلاثة الثانية ليست عرضية بل طولية،
ومعنى طوليتها هنا هو كونهم مصرفاوالامام هو الولي عليهم،
وانما ذكروا في الآية لبيان هذه النكتة، وهي ان ما يدفع
الائمة(ع) ليس لعناوينهم الشخصية، وانما بما هم اولياء لهؤلاء
ومالكون لهذا المنصب في البعد الحقوقي لشخصيتهم
حيث‏يصرفون الخمس على طبق ذلك في هذه الجهات: اي
ابن السبيل واليتامى والمساكين، فذكر هؤلاء انما هو لبيان
جهة المصرف، وهذا هو نفس كلام الامام الخميني‏قدس‏سره.

والخلاصة: ان حذف «اللام‏» في الاقسام الثلاثة الثانية وعدم
تكرارها - خصوصا مع ما جاء في آية الفي‏ء والانفال - يدل
بوضوح على ان هذه الموضوعات الثلاثة عناوين لمصرف
الخمس. وهذا هو معنى ما قيل من ان‏كونه لله وللرسول لا
يعني استيفاءها وصرفها في امورهم الشخصية، فان الله
والرسول ليسا بحاجة الى ذلك، بل يعني صرفها في الجهات
المتقد م ذكرها.
والدليل الاوضح على هذا هو نفس الروايات، فقد ظفرنا اثناء
مراجعتنا بقرائن بعضها لفظية وبعضها غير لفظية.

اما القرائن اللفظية: فما ورد عن الامام(ع) «الخمس لنا»،
«والانفال لنا» فقد قرن بينهما في سياق واحد. وهكذا في
قوله(ع): «للقائم بامور المسلمين‏» وهذه التعابير تشمل جميع
الخمس، فانه لم يقل «نصف الخمس لنا ونصفه للفقراء».

وهذا التعبير لا نجده في اية رواية من باب الزكاة، فلم يرد
فيها ان «الزكاة لنا» مع ان الامام(ع) ايضا«ولي من له الزكاة‏»
وحتى لو قلنا: بان نصف الخمس ملك للهاشميين فانه لا يعدو
ان يكون حاله كالزكاة بلا فرق بين الموضوعين اصلا .

وعليه، فظاهر النصوص المصرحة بان الخمس باجمعه لنا تدل
على ان مجموع الخمس للامام، فهو حق واحداني له.
اما القرينة غير اللفظية فهي عبارة عن: السيرة العملية، فقد
جرت السيرة العملية للشيعة على دفع الخمس باجمعه الى
الامام(ع)، فلو كان نصفه ملكا للفقراء والايتام وابناء السبيل
من الهاشميين لتولى المكلفون انفسهم دفعه اليهم كما في
الزكاة، في حين انا نراهم يدفعون جميع الخمس للامام(ع).
وهذه سيرة عملية واضحة تدل على ان الخمس باجمعه هو
للامام، وما اكثر امثال هذه القرائن في الروايات.

الجهة الثالثة في البحث في: ان الخمس يجب دفعه باجمعه
في عصر الغيبة الى ولي الامر على كلا المبنيين من ان
الخمس ملك باجمعه للمنصب والجهة او ان‏نصفه للامام
ونصفه الآخر للهاشمى ين، كما عليه مبنى التقسيم والتقسيط.

اما على المبنى الاول، فلان الخمس هو لمنصب الامامة، وفي
زمن الغيبة ياخذه الولي - وهو الفقيه الجامع للشرائط - كما
ياخذ الانفال، بناء على نظرية ولاية الفقيه. ومن ثم فهو
المتولي في صرفه في الموارد الخاصة او العامة، بل حتى في
دفعه للهاشميين لا بد من اذنه.

واما على مبنى التقسيم وان نصفه ملك لفقراء الهاشميين،
فيجب ايضا دفع سهم بني هاشم الى ولي الامر او يستاذن منه
في صرفه.

توضيح ذلك: قد يتصور بناء على راي المشهور - الذين
استفادوا من الآية الكريمة تقسيم ملكية الخمس الى ستة
اقسام ثم تقسيم ذلك الى قسمين: سهم الامام وسهم بني
هاشم انه لا دليل على لزوم دفع الخمس الى الفقيه او الى ولي
الامر، فيجوز ان يدفع حينئذ المكلف سهم الهاشميين الى
فقرائهم بدون اذن.

والصحيح: هو انا حتى لو اخترنا هذا المبنى فانه يلزم ايضا
دفع الخمس الى ولي الامر، واما مع افتراض عدم بسط يد
الحكومة فيدفع لزوما ايضا الى الفقيه الجامع للشرائط، فلا
ولاية لمن عليه الخمس في دفعه الى فقراء الهاشميين; وذلك:
لانا حتى لو قلنا بان نصف الخمس ملك للهاشميين فانه ليس
ملكا لاشخاص فقرائهم، بل هو ملك لجهة «الفقراء»، كما هو
الامر في ملكيتهم في باب الزكاة، فان الزكاة لا تتعلق
بشخصية الفقير الحقيقية، بل هي ملك لشخصيته الحقوقية،
فلا يملك الفقير الزكاة الى ان ياخذها من قبل الفقيه. ولذا
فاعطاؤها له ليس من باب رد المال الى صاحبه حتى يكون
لازما. بل المالك هو جهة الفقير وبما ان الجهة قاصرة، فتحتاج
حينئذ الى اذن المتولي الخاص او العام لتلك الجهة.

وعليه، فاذن الولي الذي هو ولي امر المسلمين امر لازم دائما
في الاموال المتعلقة بالجهات والشخصيات الحقوقية العامة.
نعم، في باب الزكاة يستفاد من بعض الاخبار تولية المالك في
الدفع الى الفقير الا انه لا نجد مثل هذا الدليل في الخمس.
حينئذ يلزم اذن الولي في صرف الخمس لفقراء الهاشميين
على كلا المسلكين.

ونستنتج من ذلك: انا حتى لو اخترنا - فرضا - في البحث
الاول ملكية فقراء الهاشميين فلا يجوز لمن عليه الخمس
صرف نصفه اليهم. ذلك انه ملك للجهة، فالتصرف فيها بدون
اذن المتولي عليها يكون كالتصرف في مال الغير فيحتاج الى
اذن ولي تلك الجهة. وولي الجهة في زمن الحضور هو الامام
المعصوم(ع)، واما في زمن الغيبة فاذا قلنا بولاية الفقيه
فالولي هو، واذا قلنا بولاية جميع الفقهاء في حالة عدم بسط
اليد -فان جميع الفقهاء الجامعين للشرائط لهم الولاية وان لم
نقل بولاية الفقهاء فاللازم ايضا دفعه اليهم من باب الامور
الحسبية; لان مقتضى الاصل عدم جواز تصرف من يجب عليه
الخمس فيه، فلا يجوز ان يدفع حق الهاشميين اليهم; لانه
تصرف في ملك صاحب الجهة، ولا يمكن التصرف في مثل
هذا الملك بدون اذن الولي.

ولا باس هنا بالاشارة الى نكتة اخرى وهي: انه اذا اختار
الفقيه كون الخمس ملكا لشخص الامام(ع)، وان دفعه للفقهاء
وصرفهم له لترويج الدين وحفظ الاسلام هو من جهة احراز
رضى الامام(ع) بذلك، فان من اللازم ايضا هنا اذن الفقيه
الجامع للشرائط الذي له الولاية بالفعل، وذلك من باب القدر
المتيقن; لاحتمال شرطية دخالة اذنه في رضى الامام(ع).
وحينئذ فان اذن الولي في باب الخمس لازم على جميع
المباني.

فقه اهل البيت عليهم اسلام:

سماحة آية الله الشيخ الجيلاني ما هو رايكم في مسالة تقسيم
الخمس؟ فهل ان الخمس يقسم الى قسمين، سهم الامام
وسهم الهاشميين كما هوالمعروف، او انه يدفع بتمامه الى ولي
الامر يصرفه في الموارد التي يرى‏المصلحة فيها؟

اية الله الجيلاني:

يظهر الجواب بوضوح مما تقدم في بيان فلسفة تشريع
الخمس، فقد ذكرنا وجود كثير من الشواهد القرآنية والروائية
على ان الخمس حق للامارة ولمنصب الامامة لا لشخص الامام،
وما ذكر في الآية من الموارد فهي مصارف للخمس يديرها
الامام(ع).

فقد ورد في الخبر ان الامام(ع) اشترط بعد دفعه نصف
الخمس الى الهاشميين ان يكون ذلك الى حد الكفاية بمقدار
سنة، قال(ع): «فان فضل عنهم شي‏ء فهو للولي فان عجز او
نقص عن استغنائهم كان على الوالي ان ينفق من عنده بقدر
ما يستغنون به...» فاذا كان نصف الخمس ملكا للفقراء فلا
معنى حينئذ لان يتحمل الامام الزيادة او النقصان. فهذا شاهد
جيد على ان نصفه ليس ملكا للهاشميين، بل تدار امورهم عن
طريقه، لا انهم يملكونه نصفه.

فقه اهل البيت عليهم اسلام:

سماحة آية الله الشيخ اليزدي، لقد تعرضتم في حديثكم سابقا
لولاية الفقيه الجامع للشرائط.
نرجو من سماحتكم توضيح المراد بتلك الشرائط؟

آية‏الله اليزدي:

الشروط كثيرة، والشرط الاساس فيها هو الفقاهة. والمراد بها
كما ورد عن المعصوم(ع): ان يفهم كلامهم: ومرادهم
ومبانيهم.

ففي مقبولة عمر بن حنظلة: «سالت ابا عبدالله(ع) عن رجلين
... فكيف يصنعان؟ قال: ينظران الى من كان منكم ممن قد
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا
به حكما فاني قد جعلته حكما...».

فالتركيز هنا على كلمة «منكم‏»، وتكرر ضمير «نا» بدل «احكام
الله‏» «حلال الله‏» و«حرام الله‏» يدل على ان المراد هو ان يفهم
ويدرك مباني الائمة: وآراءهم.

وهكذا في جواب الامام الحجة(عج) لمحمد بن عثمان العمري:
«... اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا (هكذا
في الوسائل) فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله‏».

بمعنى ان هذه الحوادث التي لو كنا حاضرين لاجبنا عنها الا
انه في زمن غيبتنا لا بد من الرجوع الى رواة الاحاديث.
وعليه، فالقدرة على استنباط الاحكام واتخاذ القرار وتشخيص
الحوادث الزمانية هي الملاك في جواز الرجوع الى هؤلاء.
بمعنى ان تعطى هذا المنصب وبهذا المستوى الى من تتوفر
فيه هذه المواصفات.

فقه اهل البيت عليهم اسلام:

اوليس هذا المنصب لبيان المسائل الشرعية؟

آية‏الله اليزدي:

ان هذه نيابة عن جهة الامامة، فان للامامة جانبين:
1 - بيان الاحكام الشرعية.
2 - الادارة الحكيمة لامور الامة الاسلامية. كما هو الامر في
النبي(ص) حيث كان مبينا للاحكام الشرعية من جهة وواليا
على الامة من جهة اخرى. وقد اكد القرآن في موارد عديدة
على هاتين السمتين، فمن باب المثال قوله تعالى:
(وما على الرسول الا البلاغ المبين)، فانها تشير الى مسالة
تبليغ الاحكام فقط.

واما قوله تعالى:
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان
يكون لهم الخيرة...) فانها نظير الآيات الاخرى التي وردت
بلسان (اطيعوا الله واطيعوا الرسول) حيث افترضت امر
الرسالة مسلما ومفروغا عنه ثم ذكرت بمبدا الطاعة لاوامر
الرسول.

ثم انتقل هذان العنوانان من الرسول(ص) الى الائمة: من
بعده واحدا بعد واحد، مع فارق ان النبي(ص) كان ياخذ
الاحكام عن الوحي، اما الائمة(ع) فانهم ياخذونها عن النبي(ص).

واما في عصر الغيبة فان حيثية حق التصرف في ادارة امور
الامة الاسلامية وبيان الاحكام الشرعية انما هو لمن يكون في
مقام الامام(عج) فانه حائز على كلا الحيثيتين، فهو مبين
لاحكام الله - لقدرته على معرفتها ومعرفة احكام فقه اهل
البيت(ع) - وهو حاكم ايضا.

ومنشا حكومته مستفاد من نفس ارجاعهم لمن كان عارفا
بالحوادث الواقعة فليس المراد بالحوادث الواقعة السؤال عن
حكم الله بل المراد ما كان من قبيل الصلح والحرب والبدع
والفتن وغيرها.

وعليه، فان مسالة فهم الاحكام الشرعية الوارد بلسان «نظر في
حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا» هي غير مسالة كونهم مرجعا
في الحوادث الواقعة. والذي اتصوره من مجموع الروايات
والتواقيع الصادرة هو انه يمكن استفادة: ان الفقيه الذي يقوم
مقام الامام(ع) في عصر الغيبة عليه بيان الاحكام، وايضا
الوقوف في وجه البدع والفتن والدفاع عن الدين وما يعرض له
من الحوادث، وان يقف بوجه المخالفين لدين الله واذا ابتدع
شخص بدعة فعليه بيان حكمها فان كان المبتدع مستحقا
للقتل اصدر حكمه ونفذه فيه; لا انه يكتفي ببيان الحكم وان
حكم الله فيه هو الاعدام فحسب.

وعلى هذا الاساس، فاذا تعدد الفقهاء مع عدم بسط اليد، فان
للفقيه القادر على الاستنباط حق التصرف في الامور الى حد
ما; لصدق العناوين العامة عليه، فانه له القدرة على الاستنباط
والاهلية للمرجعية، مثلا: لو جرف السيل احد المناطق وتوقف
منعه على التصرف في ملك شخص، جاز ذلك التصرف مع
اجازة الفقيه.

اما مع بسط يد الحكومة الاسلامية وتصدي احد الفقهاء
لمسؤولية ادارة الامة فلا حق في مثل هذه الظروف لباقي
الفقهاء الجامعين للشرائط في التصرف في الامور الحكومية
بدون اخذ رايه او التنسيق معه. نعم، لهؤلاء حق الاستنباط
فقط.

فقه اهل البيت عليهم اسلام:

اذا كان الفقيه جامعا للشرائط فهل لا يجوز له التدخل ايضا؟

آية‏الله اليزدي:

يجوز للفقيه الجامع للشرائط الحكم في الحوادث في صورة
عدم بسط يد شخص للامامة والحكم، فاذا كان فقيه على راس
الامور فلا يجوز لذلك الفقيه الاول ان يكون مرجعا في
الحوادث، بل له حق الاستنباط وبيان حكم الله بلحاظ كونه
فقيها.

«والحمد لله‏»