بسم الله الرحمن الرحيم

امام ‏الفقه فضاء ثقافي مفتوح من حيث المادة ومن حيث
اساليب البلاغ .. وهذه الدعوى التي سجلناها سنحاول اثباتها
ان شاء الله تعالى لا على مستوى الامكان النظري فحسب..
. بل على مستوى الامكان الميداني ..

ان هذا الموضوع قمن بان نواصل الحديث‏ حوله .. وحري بان
نتابع البحث فيه.. لكي تتشخص لنا معالم المشروع الثقافي
الفقهي بصورة بينة .. وتتبلور مسائله شيئا فشيئا كما وكيفا ..
والافان الاكتفاء بالاثارة الاعلامية الخاطفة او الاشارات
الاجمالية التي لاتتعدى الحالة الشعارية العائمة لايشبع
الغرض الرسالي..ولا ننسى اننا يجب ان نكون رساليين قبل ان
نكون اعلاميين مهما احسنا صناعة الخطاب واجدنا فن
التعبير ..

ولقد عرضنا في العدد السابق من المجلة احدى النوافذ
التي يمكن للفقه ان يطل منها على الساحة الثقافية .. انها
نافذة المصطلح الفقهي .. وايدناها ثم بانموذج
كان تحت عنوان [آنية] .. نرجو ان نوفق لاتباعه بنماذج اخر..

وفي المقام نود فتح نافذة ثقافية اخرى للفقه يمكن من
خلالها ممارسة فعله المسؤول .. وذلك عن طريق استقصاء
ما هو كائن من المفاهيم والقناعات في الباحات الثقافية
الخاصة والعامة .. يزنها بدقة ويبتليها ببوتقته فيميزالخبيث
من الطيب ويفرز الزبد عما ينفع الناس .. بعدها ينطلق
لابراز مولويته‏الجازمة كآمربالمعروف‏حريص على بيان
الحقيقة وناه عن المنكر رافض للحن القول .. فيمنح‏الشرعية‏ما
يشاء من مفهوم ويصرفها عما يشاءدون تلكؤ او مجاملة..
بل‏يقول‏كلمته الهادفة‏بحسم قائده اليقين وحزم رائده الحكمة
.. هذا كله بعد احراز تحقق الشرائط الاولية والثانوية اللازمة
لتنجز هذه الوظيفة الكبرى المناطة بالفقه ..

نحن لا نقنع من الفقه ان يقتصر في حركته على تعيين
التكليف للفعل بمعناه المدرسي اي ما يصدر عن
الجوارح واعظم بها من مهمة .. ولا نريد ان نقلل من شانها ..
وانما ندعو الفقه ومؤسساته بما له من قدرات خلا قة
ومنابرمتعددة ان لايضن على جمهوره بالكلمة الطيبة وان
لا يبخل على مريديه بالنصيحة الواعية .. فباعتباره منهج‏حياة
ودستور حركة ينبغي له ان يحدد الموقف تجاه الفعل
بمعناه الحضاري‏الواسع وان يقدم للملا منظومة ثقافية تامة
معلومة‏النسب يسد بها خلتهم المعرفية .. ويفتح اعينهم
على الحق الحنيف ..

مهلا .. ليس المراد الغاء دور الكتاب والمفكرين .. ولا
التشكيك في قيمة نتاجاتهم وانجازاتهم الكبرى .. ولا
نستهدف تعطيل اقلامهم النبيلة التي طالما ذادت عن حمى
الفقه والفقهاء .. انها دعوة الى تنضيج الثقافة وتطويرها .. لا
مصادرتها وتدميرها .. انها محاولة لتاصيل البضاعة الثقافية ..
لقد كان المفكر في الزمن الاول يتحدث نيابة عن‏المؤسسة
الفقهية لمكان الضغوط القاسية التي واجهتها آنذاك ..اما اليوم
من بعد ان اذن الله لها بالحضور فلنسمع منها مشافهة .. هذا
اولا .. وثانيا ان البيان الثقافي باستثناء نزر كان يعتمد
يومها البيانات الاجمالية العابرة .. وهو لا ينجز على المؤسسة
الفقهية اكثر من الرقابة عن كثب .. اذ يكفي مجرد التنبيه
على المفارقات المريبة وتصحيح الاشتباهات الحادة .. اما وقد
بدا البيان الثقافي في تشريح تفاصيل المدرسة الفقهية
واستنباط مبان دقيقة ذات علاقة باركان النظرية العامة
وتفصيلاتها بل حتى البيان الاجمالي كان يلحظ سابقا بما هو
ومن دون الالتفات الى لوازمه وامتداداته بخلافه اليوم اذ
ينبغي للفقه ان يتحمل اعباء الرفع والدفع والوضع ففي مثل
هذه الحالة لم يعد الآن دور الرقابة وحده مؤمنا ولا معذرا .
. بل لا بد من التصدي المباشر للمبادرة الثقافية وتبني اعداد
مجموعة ثقافية تتشكل من عناصر بعضها امضائية واخرى
تاسيسية محصلة لا منقولة من الركاز الفعلي ..
ومستنبطة من اصولنا الاصلية ..

لنضرب لذلك مثلا: مفهوم القداسة .. فانه من المفاهيم التي
تتعامل‏بها الثقافة .. ورغم ذلك فاننا لم نعثر على
من‏اتعب نفسه في تشخيصه حدا او رسما في الوقت الذي
تترتب عليه انعكاسات جمة ايديولوجية واجتماعية ونفسية
بل وقانونية ايضا .. ولعل السبب في اهمال بحث مثل هذا
المفهوم هو التعويل على العرف باعتبار ان الانطباعات
والتصورات العرفية حول القداسة هو الاثر الواضح والملموس
لها .. ولانه المتبادر في الوهلة الاولى من اللفظ .. مما قد يدعو
الى توهم كونه من شؤون العرف خاصة والتي يحكم نظره
فيها وحده عادة ..

وقالوا: ان القداسة لا يمكن ان نخضعها للبحث .. لعدم
كونها مادة يمكن ان يطالها العقل وينالها التفكير .. بل هي
والعقل في تقابل .. فان القداسة مقولة ذاتية لا موضوعية
تعبر عن الشعور بالهيبة والخضوع المطلق من قبل
المتدين الادنى تجاه الحق الاعلى .. فليس لهذه القضية ما
بازاء في الخارج كي تقبل النفي والاثبات البرهانيين وحينئذ
فلا ضابطة محددة يرجع اليها .. ولا معيار يصار اليه ..

وننبه على ما في هذا القول من مغالطة .. فان التقديس وان
كان‏يعكس حالة شعورية معينة الا ان ذلك تارة يكون
ناشئا من الوهم واخرى من وجود حقيقة خارجية مادية كانت
او غيبية .. وما نقدسه من النحو الثاني الذي هو حق ثبوتا
قابل للتدليل عليه اثباتا ..

ولا جديد في هذه الاشكالية الساذجة بالرغم من سعي
بعض المقلدة لتحديثها بعبارات عصرية متارجحة بين نقد
الفكر الديني وبين نقد العقل الاسلامي .. فان المقدسات
الاساسية التي نتبناها قد تم اثباتها بالمنطق العام .. ولقد
كفانا الحكماء والمتكلمون مؤونة ذلك .. نعم ما يتفرع عن
ذلك قد يتم اثباته بالمنطق الخاص .. وبالتالي فان المبنى
والبناء كلاهما قابلان للاثبات .. والا فيهبطان من عرش
القدس الى مستنقع الخرافات والاباطيل التي يرتادها
الضعفاء من الناس .. كالماديين وكبعض اهل الديانات
المختلطة .. وليس المقدس عندنا عبارة عن مجموعة من
المصادرات المعلبة والتصورات الهلامية ..

وكيف كان فماذا يقول الفقه بهذا الصدد ؟!

البيان : ان متعلق القداسة والموصوف بها عندنا على ثلاثة
انحاء :
(اعتقادات احكام ذوات) وملاك القداسة في الجميع
واحد وهو النسبة الى الدين .. والادق النسبة الى الله وهو عين
القدس ومصدره..

ولا كلام لنا في الاول بل هو موكول الى محله كما اشرنا قبل
قليل .. و اما الثاني والثالث فان حظهما من القداسة يتوقف
على صحة اسنادهما الى الشارع سواء كان اسنادا وجدانيا او
تعبديا لانتهاء التعبد الى القطع .. وبعبارة اخرى ان
الحكم واقعيا كان او ظاهريا هو حكم بكل ما للكلمة من
معنى يمتلك سمة الشرعية ويتحلى بصبغة القداسة ..
خصوصا اذا عرفنا ان روح الحكم الظاهري واقعي ايضا .. اي
كونه مجعولا في سبيل انخفاض ملاكات ومبادى‏ء الحكم
الواقعي الام ومن اجله .. وليس الجعل الظاهري جعلا
مستقلا وراء ذلك ..

ويمكن القول بان الحكم الظاهري بمثابة الحريم للحكم
الواقعي .. وحاك عن الاهمية في لحاظ الجاعل تعالى
كما هو محقق في الاصول فقد سيته وحرمته ناشئة من هذا
الحيث كما هو واضح .. فيعود الامر الى انه ليس لنا الا حكم
واحد يريد المولى سبحانه حفظه ..

وفي نهاية المطاف نسعى ان نجمع اذيال الحديث في
النقاط التالية:
1- ليس من الصواب تعليق القدسية على مدى قطعية
الدال دون تعبديته .. لرجوع الثاني الى الاول .. فالتعبد
ليس بشي‏ء ما لم يحرز صدوره قطعا الاان يتسامح بالتعبير
ولا اظن فيراد بالقطعي ما يشمل العلم والعلمي .. في
مقابل الدليل غير المعتبر البتة..

2- اتضح ان الاتفاق و عدم الخلاف‏لايضر ولاينفع من هذه
الجهة ..
3- ان المقدسات ليست على حد سواء .. فلو تتبعنا الادلة
الشرعية سنجد تفاوتا بينها فبعض المقدسات اشد حرمة
واعظم من غيرها .. فالكعبة اكثر حرمة‏بالنسبة‏لما عداها..
ووجوب حفظ النفس المحترمة اهم في نظر الشارع من غيره
من الاحكام .. والعناية الخاصة بفريضة الصلاة لا نلمسها تجاه
غيرها من الفروض .. ولهذا التفاوت في الحرمات اثر شرعي
فمثلا من يهتك حرمة الكعبة كان يرتكب فاحشة
والعياذ بالله فانه سيضاعف من عقوبته ويزيد في حده او
تعزيره .. ومن ينكر وجوب الصلاة ليس كمن ينكر حكما
فرعيا آخر .. وهكذا..

4- ربما لا يلتفت العرف الى اهمية بعض المقدسات ولا
يدرك خطورتها .. كما انه قد يشتبه في تحديد بعض
المصاديق .. فقد يتوهم القداسة في شي‏ء لا اصل له ولا منشا
في الشريعة .. ولا ندخل في غضون ذلك الآن .. بل ان هذا
بحاجة الى بسط اكثر في مقام آخر ..

5- ان الاختلاف في فهم الادلة الشرعية يضفي على كل راي
من القداسة بمقدار ما له من الحجية .. وينبغي ان يفهم ان
محض توسط الفهم البشري في البين لا يلغي اعتباره رغم
احتمال او ظن الخطا فيه كسائر الامارات الظنية والطرق غير
القطعية التي جعلها الشارع لمصالح راجحة في حساباته ..
ولعلنا نعود الى هذا البحث آتيا ..

ان القداسة تدور مدار الحجية .. لا مدار العصمة فحسب

ولا باس هنا بايراد بعض الشواهد الفقهية على الدعوى
المتقدمة آنفا : كحجية راي المجتهد في حق مقلده .. بلا فرق
بين قطعه وظنه .. وصحة الائتمام في الجملة بمن يختلف
مع الماموم اجتهادا او تقليدا.. ايضا عدم جواز نقض حكم
القاضي من مجتهد آخر وان ظن خطاه ..

6- قدسية كل شي‏ء بحسبه .. فقد تعتبر الصلاة امام قبر
المعصوم هتكا للحرمة في بعض الحالات دون بعض ..
وهنا قد نستعين بالعرف على تحديد بعض اللوازم
للقداسة بعد الفراغ عن ثبوتها شرعا .. لا انه يرجع الى
العرف ليحدد لنا المقدس من غيره ..

كانت هذه محاولة قدمناها لكيفية المعالجة الفقهية لاحدى
المفردات في المجال الثقافي العام .. ولا ادري الى اي حد
وفقنا في ذلك ..

اننا على امل كبير بان يتجسد التصدي لمل‏ء هذا الفراغ في
عدة اطروحات من ذوي الخبرة .. و ما اكثر مناطق الفراغ
الثقافي والفكري التي تنتظر المدد من المراكز الفقهية
والحوزات العلمية ومؤسساتها الكبرى .. سيما مؤسسة دائرة
معارف الفقه الاسلامي طبقا لمذهب اهل البيت (ع) فانها اهل
ان تتبنى مثل ذلك خدمة لدين الله ..

.. ولا حول ولا قوة الا بالله ..

رئيس التحرير