«دروس في علم الفقه»
على ضوء التراث الفقهي للامام (قدس سره)
القسم الثاني
اعداد الشيخ خالد الغفوري
«الغناء»
تعريف الغناء:
ا-
التعريف المختار:
الاولى تعريف الغناء باءنه: «صوت الانسان الذي له رقة وحسن
ذاتي ولو في الجملة وله شانية ايجاد الطرب بتناسبه
لمتعارف الناس»
وقد اشتمل التعريف على:
1- قيد الرقة والحسن، فخرج بذلك صوت الابح الرديء
الصوت.
2- قيد التناسب، فخرج الصوت الرقيق الرخيم ان لم يكن
فيه التناسب الموسيقي [والايقاع].
وانما قلنا له شانية الاطراب; لعدم اعتبار الفعلية، نظير ما
ورد في المسكر بان ما كان كثيره مسكرا فقليله حرام; فان
الحكم تعلق بالطبيعة التي من شانها الاطراب لا بالافراد
والمصاديق غير المطربة فعلا.
والتقييد بشانية الطرب لمعرفية التناسب الخاص.
ب- تعريف المشهور:
عرف الغناء بتعاريف كثيرة جدا الا ان المشهور عرفه: «بانه
مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب».
وبما ذكرنا تظهر الخدشة فيه:
1- ان الغناء لا يتقوم بالمد ولا الترجيع.
2- ان المطربية الفعلية غير معتبرة فيه.
3- ان الصوت ما لم يكن فيه رخامة وصفاء ليس بغناء.
تنبيهات:
1- ما ذكرناه في المقام هو تحصيل ماهية الغناء من غير
نظر الى ما كان موضوعا للحكم الشرعي، ولعل موضوعه اعم
او اخص، وسياتي الكلام فيه.
2- ان الغناء ليس مساوقا للصوت اللهوي والباطل، ولا لالحان
اهل الفسوق والكبائر، بل كثير من ذلك خارج عن حده.
3- ان مقتضى كلمات كل من تصدى لتحديد الغناء انه من
كيفية الصوت او الصوت نفسه، وليست مادة الكلام دخيلة فيه.
حكم الغناء بذاته وادلته:
وحكمه الحرمة، واما ما يمكن الاستدلال به فهو:
اولا: الآيات بضميمة الروايات:
[1] قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول
الزور)، حيث فسر قول الزور في الروايات بالغناء:
كصحيحة هشام عن ابي عبدالله(ع) ... قال: « (الرجس من
الاوثان): الشطرنج، وقول الزور: الغناء».
كما فسر في رواية زيد الشحام وابي بصير وعبدالاعلىوغيرهم
به ايضا.
هذا، وفسرت الآية في صحيحة حماد بن عثمان بقول القائل
للمغني: احسنت. مع ان ذلك ليس بنفسه باطلا وزورا لكن
انما اطلق عليه باعتبار تحسين الغناء.
المناقشة الاولى:
1- ان الظاهر المتفاهم من عنوان «قول الزور» هو القول
الباطل باعتبار مدلوله كالكذب وشهادة الباطل والافتراء.
والغناء كما عرفت من كيفية الصوت او الصوت بكيفية، وهو
عنوان مغاير لعنوان الكلام والقول.
الجواب:
[توجد عدة احتمالات، منها] انه اراد ب (قول الزور) القول
المشتمل على الباطل، اما نحو اشتمال الكلام على مدلوله
كالكذب، او نحو اشتمال الموصوف على صفته وهو الصوت
الخاص وبكيفية خاصة اي الغناء.
ولعل هذا الاحتمال او ما يرجع اليه اقرب الاحتمالات الى
ظهور الاخبار المفسرة للآية.
وعليه، فوجوب الاجتناب في الآية يعم القسم الاول بجميع
مصاديقه من الاقوال الباطلة، وبضميمة الاخبار يعم القسم
الثاني اي الغناء بجميع مصاديقه.
المناقشة الثانية:
ان قول الزور ان اريد به مطلق الباطل المقابل للحق اي ما
لا يكون فيه غرض عقلائي، ولا دخل له في المعاش
والمعاد فلا شبهة في عدم حرمته بهذا الاطلاق، وبهذا
العرض العريض، فيدور الامر بين حفظ ظهور هيئة الامر
واجتنبوا في الوجوب وتقييد قول الزور، وبين حفظ اطلاق
قول الزور وحمل الامر على الرجحان المطلق لا خصوص
الوجوب، ولا ترجيح للاول ان لم نقل انه للثاني; لشيوع
استعمال الامر في غير الوجوب،وبعد رفع اليد عن الاطلاق.
وعليه، فلا دلالة للآية ولا للاخبار المفسرة على حرمة الغناء.
الجواب:
1- ان سياق الآية وذكر (واجتنبوا قول الزور) تلو (فاجتنبوا
الرجس من الاوثان) يوجب قوة ظهور الامر في الوجوب، سيما
مع اشعار مادة الاجتناب بذلك، فيصير قرينة على ان المراد
ليس مطلق القول الباطل.
2- مضافا الى امكان ان يقال: ان قول الزور ليس مطلق
القول الباطل بمعناه الوسيع الذي تقدم، بل باطل خاص
عرفا كالكذب والافتراء والسخرية.
فتحصل من جميع ما تقدم : ان الآية بضم الروايات المفسرة
تدل على حرمة الغناء بذاته اذا كان مقرونا بقول، وبالغاء
الخصوصية عرفا يستفاد منها حرمته مطلقا، ولو وجد في لفظ
مهمل او وجد في صوت بلا كلام.
[2] قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلعن
سبيل اللّه بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين)،
حيث فسر «لهو الحديث» في الروايات بالغناء، كما في رواية
او موثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: «سمعته
يقول: الغناء مما وعد الله عليه النار، ثم تلا هذه الآية: (ومن
الناس ...)».
وتقريب الاستدلال بها كما تقدم في الآية الاولى.
[3] قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور)، حيث فسر
في الروايات كصحيحة ابن مسلم عن ابي عبدالله(ع) بالغناء.
لكن في دلالتها على الحرمة تامل واشكال.
ثانيا: الروايات:
وهي كثيرة، وقد يدعى تواترها، منها ما يلي:
1- صحيحة الريان بن الصلت: قال: «سالت الرضا(ع) يوما
بخراسان عن الغناء، وقلت: ان العباسي ذكر عنك انك
ترخص في الغناء! فقال: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له ...».
2- رواية عبدالاعلى الموثقة على الاظهر قال: «سالت
ابا عبدالله(ع) عن الغناء وقلت: انهم يزعمون ان رسول
الله(ص) رخص في ان يقال: جئناكم جئناكم، حيونا حيونا،
نحييكم، فقال: كذبوا ، ان الله عز وجل يقول : ( ما خلقنا
السماوات والارض ومابينهما لاعبين ) » .
والظاهر من انكار الترخيص الحرمة.
الاقوال ومناقشتها:
القول الاول : [عدم حرمة الغناء بذاته] والتفصيل بين قسمين
من الغناء، قسم محرم وهو المقارن للمحرمات من دخول
الرجال على النساء وتكلمهن بالاباطيل ولعبهن بالملاهي من
العيدان وغيرها، وقسم محلل وهو ما يتغنى بالمواعظ ونحوها.
ويمكن ان يستدل على هذا التفصيل بما يلي:
1- دعوى قصور الادلة عن اثبات حرمة مطلق الغناء; لعدم
اطلاق ما دل على الحرمة، وما كان منها مطلقا لا يدل على
الحرمة، كقوله: « شر الاصواتالغناء» و«الغناء عشالنفاق»
ونحوهما.
وفيه: انه لا قصور في اطلاق كثير من الروايات، كالمفسرة
للقول الزور ولهو الحديث بالغناء.
2- التمسك بروايات عمدتها صحيحة ابي بصير قال: قال
ابو عبدالله(ع): «اجر المغنية التي تزف العرائس ليس به
باس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال» لكن في مرآة
العقول «ليست» بسقوط الواو.
وتقريب الاستدلال: ان قوله: «وليست بالتي يدخل عليها
الرجال» مشعر او دال على العلية في الحكم بعدم الباس
في اجر المغنية، فتدل على ان المحرم هو خصوص المقارن
للمعاصي.
وفيه: ان في الرواية على نسخة اثبات الواو احتمالات ثلاثة
لا مرجح لاحدها، وهي:
ا- كون الجملة حالية، فتدل على جواز اخذ الاجرة على
الغناء
بشرطين: الغناء فيالاعراس، وعدم اقتران الغناء بمحرم
كادخال الرجال عليها.
ب- كون الجملة بمنزلة التعليل، فتدل على عدم حرمة
الغناء لذاته، بل لما يقارنه، فتكون معارضة لجميع ما دل
على الحرمة، ومخالفة للاجماع.
ج- افادتها حرمة قسم خاص من الغناء وهو المقارن لدخول
الرجال عليهن وفعل المحرم.
لكن في دلالتها على ذلك التفصيل اشكال.
والانصاف ان طرح الادلة الظاهرة الدلالة بمثل هذه الرواية
المشتبهة المراد مع اختلاف النسخ غير جائز، سيما مع
مخالفة مضمونها لجميع الاقوال سواء في ذلك نسخة اثبات
الواو واسقاطها.
القول الثاني: الحرمة مع استثناء ايام الفرح كعيد الفطر
والاضحى; لصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى(ع) قال:
«سالته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح؟ قال:
لا باس به ما لم يزمر به».
ولكن يشكل العمل بها; لعدم قائل ظاهرا باستثنائه، بل عدم
نقل احتماله من احد، مع بعد تجويزه في العيدين
الشريفين المعدين لطاعة الله تعالى.
وكيف كان، لم يصل الاعتماد عليها بحد يمكن تقييد الادلة
سيما تلك المطلقات المستفيضة
القول الثالث: احتمال القول باستثناء المراثي وقراءة القرآن،
واستدل عليه:
ا- بعمومات ادلة الابكاء والرثاء وقراءة القرآن بدعوى ان
التعارض بينها وبين ادلة حرمة الغناء من وجه، فيتساقطان
ويرجع الى ما يقتضيه الاصل، وهو الجواز.
وفيه:
1- انه لو بني على معارضة ادلة الاستحباب وادلة الحرمة
وتساقطهما في المشترك بينهما استلزم ذلك تاسيس فقه
جديد.
والصحيح: انه لا معارضة بين ادلة الاستحباب وادلة
الحرمة; وذلك لان الاحكام في المطلقات تتعلق بالطبائع مع
قطع النظر عن الطبائع الاخرى او الافراد التي تعلق بها حكم
آخر، فلا تعارض في مرحلة تعلقها بالموضوعات.
نعم، العقل في مقام الامتثال يحكم بلزوم حفظ الغرض
الاهم.
2- ثم لو قلنا بتعارض الادلة فالترجيح لادلة حرمة الغناء
بعدة وجوه ستاتي; بناء على دخول العامين من وجه على
فرض تعارضهما في ادلة العلاج ولو مناطا او بالغاء
الخصوصية.
ب - موثقة حنان بن سدير لما سال ابا عبد الله (ع) عن اجر
الجارية النائحة فقال: «قل لها: لا تشارط وتقبل ما
اعطيت»وصحيحة ابي بصير قال: قال ابو عبدالله(ع): «لا باس
باجر النائحة التيتنوح علىالميت». والاستدلال بها: اما بدعوى
ان النوح لا يكون الا مع التغني او ان مقتضى الاطلاق شمول
الغناء.
وفيه:
1- ان الظاهر كون عنوان الغناء غير الرثاء، بل هما متقابلان
في اللغة والروايات، كما في رواية الدعائم ورواية عبدالله بن
سنان.
2- ولو سلم اطلاقها فلا نسلم ملازمتهما، فحينئذ ياتي فيها
ما تقدم في الجواب عن اخبار استحباب الابكاء والرثاء.
3- ولو فرض التعارض رجحت ادلة الحرمة; لموافقتها
المشهور ومخالفتها العامة.
ج - الروايات المستفيضة الدالة على استحباب قراءة القرآن
بصوت حسن.
وفيه: ان المراد بقراءة القرآن بالصوت الحسن والحان العرب
مقابل قراءته بالحان اهل الفسوق والكبائر واتخاذه مزامير
وغيره مما هو من الغناء.
القول الرابع: استثناء الحداء من الغناء حكما، كما يظهر من
المحقق في كتاب الشهادات وهو المحكي عن العلامة
في القواعد، والشهيد في الدروس، والخراساني.
واستدل عليه بموثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه:
عن رسول الله(ص) قال: «زاد المسافر الحداء، والشعر ما
كان منه ليس فيه خنا».
وفي دلالتها اشكال منشاه الشك في معنى الحداء، فقد ذكر
له عدة معان:
1- انه سوق الابل مطلقا باية وسيلة كانت، كما هو ظاهر
القاموس.
2- انه سوق الابل بمطلق الصوت الاعم من الغناء.
3- انه سوق الابل بالغناء كما هو محتمل عبارة الصحاح
وغيره، وظاهر الوافي والمسالك والرياض وغيرها.
4- انه مشترك بين سوق الابل مطلقا والتغني لها، كما هو
محتمل الصحاح والمنجد ومجمع البحرين.
5- انه مباين للغناء، كما هو صريح مفتاح الكرامة; تمسكا
بشهادة العرف، وكانه مال اليه في الجواهر.
فان كان بمعنى التغني للابل فالرواية تكون اخص مطلقا
من ادلة التحريم، ولامانع من تقييدها لها، وعليه فيكون جائزا،
وكذا لو كان الحداء مشتركا بين التغني وبين السوق بغير
صوت.
اما لو كان اعم فتكون الرواية اعم من وجه من روايات
التحريم [فلا معارضة]، وعلى فرض المعارضة تقدم عليها
روايات التحريم.
القول الخامس: استثناء الغناء في زف العرائس من الحرمة;
لرواية ابي بصير المحكية بطرق عديدة صحيحة ومعتمدة
قال: قال ابو عبدالله(ع): « اجر المغنية التي تزف العرائس
ليس به باس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال» ضرورة ان
حلية الاجر ملازمة عرفا لحلية العمل.
نعم، الظاهر اختصاص الجواز بالمغنية لا المغني، وبمجلس
العرس المختص بالنساء لا غير، بل الاحوط الاقتصار على
زف العرائس لا غيره، بل لا يخلو من قوة، لكن لا بذلك
التضييق، بل لا يبعد الجواز في مقدمات الزف ومؤخراته
المتعارفة. نعم، لا يستثنى المجالس الاخر المستقلة ايام
الاعراس على الاحوط الاقوى.
كما ان الاحوط الاقتصار على خصوص حضور النساء، وعدم
التغني واخذ الاجر مع حضور الرجال ولو المحارم.
الا ان يقال: ان الرواية منصرفة عن المحارم، وهو ليس
ببعيد، وان كان الاحوط ما ذكر.
كما ان الاحوط عدم جواز اخذ الاجر للتغني المتحد خارجا
مع محرم كالتغني بالكذب والفحش.
نعم، لا باس باخذ الاجر للغناء وان اقترنت معه المحرمات
الخارجية، كما لو كان مقترنا بآلات اللهو وان كانت المغنية
ضاربة لها مع تغنيها، يجوز اخذه في مقابل تغنيها، لا العمل
المحرم المقارن له.
ملحق
نذكر بعض الفتاوى الصادرة عن الامام (قدسسره) مع اضافة
توضيحات مختصرة:
سؤال: هل ان انشاد الزوجة لزوجها لو ادى الى الغناء حرام ام
لا؟
جواب: هو حرام.
سؤال: هل يجوز قراءة آيات القرآن مع الالحان ام لا؟
جواب : لا يجوز اذا كان مطربا.
سؤال : الموسيقى التي تذاع اليوم من الراديو والتلفزيون هل
تعتبر جائزة؟ وهل يجوزتعلم الآلات الموسيقية لتلحين
الاناشيد الثورية والدينية والعرفانية؟
جواب : الموسيقى المطربة حرام، ولا مانع من الاصوات
المشكوكة، والتعلم يتبع حكم الاصل.
اقول:
1- للغناء ثلاثة احكام، هي:
الاول حرمة الفعل نفسه.
الثاني حرمة استماعه.
الثالث حرمة التكسب به.
2- الحرمة المذكورة تنصب على الغناء في حد ذاته ومع
قطع النظر عما يقارنه من المحرمات، كالموسيقى المطربة
فانها محرمة في نفسها ايضا سواء اقترنت مع الغناء او انفردت.
3- الحرمة المذكورة ثابتة للغناء بعنوانه كما لو ارتكب
والعياذ بالله احد ذلك في بيته الخاص، اما لو كان هناك
ترويج للباطل بواسطة الاشرطة المسجلة او مكبرات الصوت
او وسائل الاعلام العامة كالراديو والتلفزيون فهنا تاتي
عناوين اخرى للحرمة.
4- الغناء حرام من اي شخص سمع ومن اي اذاعة اذيع.
5- لا فرق في الحرمة بين الرجل والمراة، وكذلك لا فرق
بين الغناء الانفرادي او الجمعي.
هذا كله مع احراز انه غناء مطرب، فلو شك في ذلك فلا
يحكم بالحرمة، بل يجوز. |