حول اصناف الدية الستة

القسم الثاني

آية الله السيد محمود الهاشمي

لقد تقدم القسم الاول من هذه الدراسة القيمة والذي تضمن
بحث جهات ثلاث.. واليك بحث الجهة الرابعة التي تركزت في
تحقيق ما هو المراد بالدينار والدرهم ضمن اصناف الدية..وقد
استوعب سماحة السيد الاستاذ دام ظله الموضوع بما لا
مزيد عليه.. حيث استعرض ستة احتمالات استبعد بعضها..
واستقرب بعضا سيما الاخير.. والذي يترتب عليه امكان
الاجتزاء بدفع الاوراق النقدية الاعتبارية بما يعادل قيمة الابل
خاصة او هي مع الاصناف الثلاثة..دون الدراهم والدنانير
وقيمتيهما..

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهة الرابعة: ما هو المراد من الدرهم والدينار ضمن اصناف
الدية؟
في البدء ثمة احتمالات عديدة لابد من تمحيصها، وهي:

1- ان يراد بهما المتخذ من الذهب والفضة المسكوكين
بالوزن الشرعي المخصوص والمسمين باسم الدرهم والدينار
والرائجين في السوق للتعامل.

2- الاحتمال نفسه مع اسقاط قيد الرواج.

3- الاحتمال نفسه مع اسقاط قيد التسمية بالدرهم والدينار،
بل حتى اذا كان يسمى بغيرها كالروبية مثلا، ولكن بشرط ان
يكون من الذهب او الفضة.

4- الاحتمال نفسه مع اسقاط قيد ان يكون كل سكة بوزن
مخصوص، بل يكفي ان يكون مجموع سكتين او ثلاث كذلك،
فيجب منها بمقدار ما يساوي الدرهم والدينار.

5- ان يراد بهما الوزن الشرعي من الذهب والفضة ولو لم يكونا
مسكوكين; اي مثقال ذهب و7/0 مثقال فضة.

6- ان يراد بهما مطلق النقد الممثل للمالية المحضة في كل
زمان، فيشمل العملة الورقية الرائجة اليوم بعنوان النقد.

تحقيق هذه الاحتمالات:

1- الاحتمال الاول هو المتيقن:

وواضح ان القدر المتيقن من هذه الاحتمالات هو الاول منها،
وان كل احتمال من الاحتمالات الاخرى تلغى فيه خصوصية
من الخصوصيات الثابتة في الدرهم والدينار لغة او خارجا،
بحيث لابد في الغائها من استفادة اطلاق في قبالها من
روايات الدية، والا كان مقتضى القاعدة عدم اجزاء الفاقد لها
ولو من جهة التمسك باطلاق مفهوم الحصر في ادلة سائر
الاصناف، كما تقدم في الجهة السابقة.
وعلى هذا الاساس لابد من ملاحظة تلك الخصوصيات ومدى
احتمال دخل كل منهما في هذا الحكم الشرعي.

2- رد الاحتمال الثاني ومناقشته:

اما خصوصية الرواج في السوق اي التعامل بهما في مبادلة
السلع فهذه هي خصوصية النقدية فيهما; حيث ان النقد ما
يكون وسيلة للمبادلة والتعامل، فهل يشترط في الدرهم
والدينار في باب الدية ان يكونا نقدين رائجين كما هو شرط
في تعلق الزكاة بهما ام لا؟

لم ار من تعرض للمسالة في باب الديات، وانما تعرضوا لها في
باب الزكاة باعتبار ما ورد من الروايات فيها على اشتراط
الرواج والتعامل في تعلق الزكاة بهما.

وايا ما كان فقد يقال باشتراط رواج التعامل بالسكة حتى
يصدق عليه الدرهم والدينار; لان مجرد ضرب السكة للزينة
بل للتعامل من دون رواجه لا يكفي لصدق ذلك، ومن هنا
ذكر جملة من الفقهاء ذلك، ففي الجواهر «ولو ضربت للمعاملة
لكن لم يتعامل بها اصلا او تعومل بها تعاملا لم تصل به الى
حد تكون به دراهم او دنانير مثلا لم تجب الزكاة; للاصل
وغيره، ولعله اليه اوما في جامع المقاصد بقوله: وينبغي ان
تبلغ برواجها ان تسمى دراهم ودنانير».

وقد يقال في قبال ذلك:

بان الضرب للتعامل بل وقوع التعامل والرواج وان كان شرطا
في صدق الدرهم والدينار الا انه يكفي في ذلك وقوعه في
الجملة ولو سابقا، فلا يشترط فعلية التعامل، ومن هنا اذا كان
يتعامل به ثم هجر وسقط عن الرواج والتعامل مع ذلك كان
درهماودينارا ; بدليل صدقهما على ما يستخرج منهما مما
كان رائجا سابقا، فيشمله اطلاق الدرهم والدينار في الروايات
ويثبت الاجتزاء بدفعه وان لم تكن سكة رائجة بالفعل بل
مهجورة، بل كفى ذلك في تعلق الزكاة عند جملة من الفقهاء
وان كان الحق خلافه ففي الجواهر : «بل يكفي حصول
المعاملة بها سابقا وان هجرت بعد ذلك، كما صرح به جماعة
منهم المصنف قدس سره فقال: او ما كان يتعامل بهما، بل لم
ارَ فيه خلافا، كما اعترف به في محكي الرياض; للاستصحاب،
والاطلاق وغيرهما».

وحيث انه لا يلزم رواج شخص السكة المدفوعة، فيقال: بان
عنوان الدرهم والدينار يكفي في صدقهما ان يكون صنف
السكة رائجا في الجملة، اي قد حصل التعامل به سابقا،
فيمكن للصيرفي اليوم ان يضرب سكة على شكل تلك التي
كانت رائجة سابقا، فتكون درهما او دينارا، ويكون دفعه
مجزيا في باب الدية تمسكا باطلاق الدرهم والدينار في ادلتها،
حتى اذا اشترطنا في تعلق الزكاة بهما الرواج الفعلي.

مناقشة دعوى الاطلاق:

والانصاف عدم تمامية هذا الاطلاق; وذلك لعدة وجوه:
الاول انا نمنع صدق الدرهم والدينار على ما يضربه
الصيرفي من السكة اليوم; لان‏هذا ليس من المضروب لاجل
التعامل، بل لغرض آخر كالزينة او المشابهة للسكة المضروبة
سابقا.

وان شئت قلت: لا بد وان تكون السكة مضروبة من قبل الجهة
التي كانت تتكفل ضرب السكة للتعامل بها كالسلطان في
السابق والدول اليوم، واما ما يضربه الصيرفي اليوم على شكل
ما كان يضرب السلطان سابقا فليس بدرهم ولا دينار.
نعم، لو حصل الجاني على سكة السلطان الرائجة سابقا فقد
يقال بصدق الدرهم والدينار عليه، وان كان مهجورا عن
التعامل.

الثاني‏ انا لو سلمنا صدق الدرهم والدينار على الساقط عن
الرواج والتعامل لغة، فلا نسلم اطلاق الروايات لذلك، بل
ندعي انصراف عنوانهما في الروايات الى النقد الرائج عرفا; لان
هذه الحيثية هي الحيثية المهمة المطلوبة عرفا من الدرهم
والدينار، لا مجرد التعامل به في الجملة ولو في زمن سابق
سحيق والتي تعتبر من الآثار القديمة.

الثالث لو تنزلنا عن هذا مع ذلك قلنا بان في‏السنة روايات
الدية ما يدل على ملاحظة حيثية النقدية والتعامل بالدرهم
والدينار في موضوع الحكم، وهو ما ورد من التعبير بقوله (ع):
«قيمة الدينار عشرة دراهم‏» او «قيمة كل بعير.. عشرة دنانير»
او «قسمها امير المؤمنين(ع) على الورِق‏» ونحو ذلك مما يدل
على ملاحظة الدرهم والدينار اللذين يتعامل بهما في السوق
ويقوم بهما السلع والاموال الاخرى، وهذه الخصوصية اعني
خصوصية الرواج والتعامل، اي النقدية خصوصية مهمة
وخطيرة لا يمكن الغاء دخالتها في الحكم، كيف؟ ! وان الرواج
والنقدية غرض عقلائي مهم، وكثيرا ما يؤدي الى ازدياد
مرغوبية ومالية السكة الرائجة عن غير الرائجة، كما انها
المناسبة مع باب الضمان.

لا يقال: لو فرض عدم الاطلاق في هذه الروايات المتعرضة
للتقويم بالدرهم والدينار كفانا الاطلاق في مثل صحيح
الحلبي «الدية عشرة آلاف درهم، او الف دينار» حيث لم يرد
فيه التقويم بهما.
فانه يقال: مضافا الى الانصراف الذي ذكرناه في الجواب
السابق ان عنوان الدرهم والدينار في هذه الصحيحة بل وفي
كل الروايات لا يمكن ان يحمل على الجنس ليصح التمسك
باطلاقه; اذ جنس الدرهم والدينار يصدق على كل سكة
مضروبة للتعامل ولو كان اقل كثيرا من المثقال الشرعي، مع
ان عدم الاجتزاء بعشرة آلاف منه اذا كان من فضة والف منه
اذا كان من ذهب مقطوع به.

وان شئت قلت: يعلم بان الحكم ليس دائرا مدار عشرة آلاف
سكة تسمى بدرهم او الف سكة تسمى بدينار مهما كان وزنه،
فليس جنس الدرهم والدينار مرادا، بل المراد الدرهم
والدينار المعهودان زمان صدور الروايات، وهما اللذان كان
لهما وزن مخصوص سنشير اليه في ما ياتي. ومع لزوم حمل
عنوان الدرهم والدينار على ارادة ما كان معهودا من الدرهم
والدينار لا ينعقد اطلاق فيه لفرض خروجهما عن الرواج
والتعامل; لان ما هو المعهود كما كان بوزن مخصوص كذلك
كان بصفة الرواج الفعلي وكونه نقدا يتعامل به، وهذه
الخصوصية يحتمل دخالتها في الحكم، بل هو المناسب مع
مثل هذا الحكم الذي هو من الضمانات المالية، وتشهد عليه
التعبيرات الواردة في الروايات الاخرى.

وهكذا لا يبقى اطلاق في روايات الدية لما سقط عن التعامل
والنقدية من الذهب والفضة المسكوكين مما كانا رائجين
سابقا فضلا عما يضربه الصيرفي اليوم.
ومع عدم الاطلاق كذلك يكون المرجع اطلاق عدم اجزاء غير
الاصناف الاخرى، او عدم اجزاء غير الابل المستفاد من ظهور
دليله في الانحصار فيه، والذي لا يخرج عنه الا بما يثبت
اجزاءه، وهو خصوص الدرهم والدينار النقدين الرائجين لا
اكثر.

3- توجيه الاحتمال الثالث:

اما خصوصية تسمية المسكوك باسم الدينار والدرهم في
مورد رواجه فهي غير محتملة الدخل في هذا الحكم; لان
الدرهم او الدينار ليس علما لنوع معين من النقود كالريال او
التومان، وانما صار اسما لمطلق المسكوك من الذهب
والفضة، وان كان يسمى في لغة اخرى باسماء خاصة كالروبية
مثلا.

نعم، ربما كان هذان اللفظان بالاصل علمين، بل قيل انهما اذا
كانا ماخوذين من الفارسية فالدرهم اصله (درم)، والدينار
(دين آر) اي الشريعة جاءت به كما عن الراغب في مفرداته،
واذا كانا معربين عن الرومية فاصلهما (دناريون) و (دراخمة)
كما عن غيره.

وايا ما كان، فلا شك ان عنواني الدرهم والدينار بعد التعريب
صارا اسمين للمسكوكين من الذهب والفضة من اجل التعامل،
بل الدراهم والدنانير التي كان يتعامل بهما في صدر الاسلام
لم تكن عربية ولا اسلامية، بل كانت تضرب في بلاد الروم،
والمظنون انه كان لهما اسماء لاتينية، ومع ذلك سميت
بالدرهم والدينار في الروايات والآيات، فهذه الخصوصية غير
دخيلة في الحكم جزما.

4- توجيه الاحتمال الرابع:

وكذلك خصوصية الوزن المخصوص في كل سكة فانها غير
دخيلة; اذ الدينار والدرهم يصدقان على المسكوك من
الذهب والفضة مهما اختلف وزنهما، والشاهد عليه مضافا
الى الوجدان اللغوي الاستعمالات اللغوية والروائية; حيث
اطلق فيها الدرهم والدينار على المسكوكات ذات الاوزان
المختلفة، فكانت تسمى جميعا بالدراهم والدنانير حتى صار
يقسم الدرهم الى انواع واسماء خاصة مختلفة حسب اختلاف
محل الضرب او الوزن كالدرهم البغلي والبصري والشامي
والوضح والسود والطبري، بل لا اشكال في تغير وزن الدراهم
في تاريخ المسلمين باختلاف عهود الحكم القائم فيه، كما
يظهر من مراجعة التاريخ، ومع ذلك كانت جميع تلك
المسكوكات تسمى درهما ودينارا لغة وعرفا.

نعم، خصوصية الوزن الذي كان للدرهم والدينار في صدر
الشريعة حينما جعلت الاحكام لابد من الحفاظ عليها ولو في
اكثر من سكة، فلو كان وزن السكة نصف ذلك وجب من الدية
الفا دينار وعشرون الف درهم; لان هذا الوزن كان ملحوظا في
مالية الدرهم والدينار، وبالتالي في موضوع الحكم الشرعي
خصوصا المرتبط بالاموال بما لها من مالية كالديات والزكاة.
وقد اجمعت الامة على ان الدينار كان وزنه مثقالا شرعيا من
الذهب، وبقي كذلك بلا تغيير، والدرهم كان وزنه
7/0 من
المثقال الشرعي (والمثقال الشرعي ثلاثة ارباع المثقال
الصيرفي).

قال في الحدائق: «لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم)
وغيرهم ايضا ان الدنانير لم يتغير وزنها عما هي عليه الآن في
جاهلية ولا اسلام. صرح بذلك جملة من علماء الطرفين، قال
شيخنا العلامة (اجزل الله اكرامه) في النهاية: «والدنانير لم
يختلف المثقال منها في جاهلية ولا اسلام، كذا نقل عن
الرافعي في شرح الوجيز انه قال: المثاقيل لم تختلف في
جاهلية ولا اسلام. والدينار مثقال شرعي، فهما متحدان وزنا ،
فلذا يعبر في اخبار الزكاة تارة بالدينار وتارة بالمثقال‏». وقال
العلامة المجلسي في رسالته ميزان المقادير: «ان الدنانير لم
تتغير عما كانت عليه من عهد رسول الله(ص)، وهذا مما
اتفقت عليه العامة والخاصة‏».

واما الدرهم فقد صرحت كلمات الاصحاب وغيرهم بانه عبارة
عن ستة دوانيق وان‏عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل
شرعية. قال في كتاب الاوزان والمقادير في تعريف الدرهم
الشرعي: «هو ستة دوانيق كما عن صريح المقنعة والنهاية
والمبسوط والخلاف وما تاخر منها او عنها وكما في رسالة
التحقيق والتنقير. وفي الجواهر: بلا خلاف اجده فيه. وفي
المدارك: نقله الخاصة والعامة ونص عليه جماعة من اهل
اللغة. وعن المفاتيح انه وفاقي عند الخاصة والعامة ونص اهل
اللغة. وعن الرياض: لا اجد فيه خلافا بين الاصحاب، وعزاه
جماعة منهم الى الخاصة والعامة وعلمائهم، مؤذنين بكونه
مجمعا عليه عندهم. وعن ظاهر الخلاف ان عليه اجماع الامة.
وعن ظاهر المنتهى في الفطرة الاجماع عليه.

وفي اول رسالة ميزان المقادير للمجلسي: «واما الدراهم فقد
ذكر الخاصة والعامة انها كانت ستة دوانيق، قال العلامة في
التحرير: والدراهم في صدر الاسلام كانت صنفين بغلية وهي
السود، وكل درهم ثمانية دوانيق، وطبرية كل درهم اربعة
دوانيق، فجمعا في صدر الاسلام وجعلا درهمين متساويين
ووزن كل درهم ستة دوانيق، ونحوه قال في التذكرة
والمنتهى. وقال المحقق في المعتبر: والمعتبر كون الدرهم
ستة دوانيق بحيث‏يكون كل عشرة منها سبعة مثاقيل، وهو
الوزن المعدل، فانه يقال: ان السود كانت ثمانية دوانيق
والطبرية اربعة دوانيق فجمعا وجعلا درهمين، وذلك موافق
لسنة النبي(ص). وقال الرافعي في الشرح المذكور: واما
الدراهم فانها كانت مختلفة الاوزان، واستقر في الاسلام على
ان وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق كل عشرة منها سبعة
مثاقيل من ذهب، وفي المغرب: تكون العشرة وزن سبعة
مثاقيل‏».

وقد نقل عن المسعودي انه علل ذلك بقوله: انما جعل كل
عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب; لان الذهب اوزن
من الفضة، وكانهم ضربوا مقدارا من الفضة ومثله من الذهب
فوزنوهما، فكان وزن الذهب زائدا على وزن الفضة بمثل ثلاثة
اسباعها، واستقرت الدراهم في الاسلام على ان كل درهم
نصف مثقال وخمسه.

ويؤيده ما في رواية المروزي عن ابي الحسن موسى بن
جعفر(ع): «الغسل بصاع من ماء، والوضوء بمد من ماء، وصاع
النبي(ص) خمسة امداد، والمد وزن مئتين وثمانين درهما،
والدرهم وزن ستة دوانيق...الخ‏».

ويستفاد ذلك ايضا من رواية الخثعمي، فعن محمد بن يعقوب،
عن علي بن ابراهيم، عن سلمة (سليمان) بن الخطاب، عن
الحسن بن راشد، عن علي بن اسماعيل الميثمي، عن حبيب
الخثعمي (في حديث): «ان ابا عبدالله جعفر بن محمد(ع)
سئل عن الخمسة في الزكاة من المئتين كيف صارت
وزن سبعة ولم يكن هذا على عهد رسول الله(ص)؟ فقال: ان
رسول الله(ص) جعل في كل اربعين اوقية اوقية، فاذا حسبت
ذلك كان على وزن سبعة، وقد كانت وزن ستة وكانت
الدراهم خمسة دوانيق... فقال له عبدالله بن الحسن: من اين
اخذت هذا؟ قال: قرات في كتاب امك فاطمة...».

وكيفما كان، فلا اشكال في مقدار وزن الدينار والدرهم
الشرعيين، وان ذلك كان هو الوزن المحدد في زمن
النبي(ص) او من قبله للدينار والدرهم حتى صار المثقال
والدينار كثيرا ما يستعمل احدهما مكان الآخر، كما سوف
نشير اليه.

وقد صرح الفقهاء ان الميزان في الزكاة والديات بالدينار
والدرهم بهذا الوزن، وهذا هو الصحيح; لما ذكرناه من ان
الوزن المذكور له دخل في المالية جزما، فلابد من حفظه في
الحكم الشرعي المتعلق بالمال بما هو مال كما في الزكاة
والدية، فاذا تغير وزن الدرهم والدينار بعد ذلك كما تغير
في العهود المتاخرة عن صدر الشريعة، خصوصا في الدرهم
كان اللازم مراعاة ذلك الوزن في ما يعطى بعنوان الدية،
وكذلك في نصاب الزكاة، فاصل الوزن في المجموع لا بد من
ملاحظته واعتباره وان كان الوزن في كل
سكة من الدراهم او الدنانير غير لازم.

5- رد الاحتمال الخامس ومناقشته:

واما خصوصية المسكوكية فقد يدعى الغاؤها والاكتفاء
بمطلق الوزن الشرعي للدينار والدرهم، اي الف مثقال من
الذهب وسبعة آلاف مثقال من الفضة.
وقد يستدل عليه باحد وجهين:

الوجه الاول ان الدرهم والدينار كانا يطلقان في الجاهلية
على الوزن، فقد روى البلاذري عن عبد الله بن ثعلبة بن
صعير قال: « كانت دنانير هرقل ترد على اهل مكة في
الجاهلية وترد عليهم دراهم الفرس البغلية، فكانوا لا يتبايعون
الا على انها تبر، وكان المثقال عندهم معروف الوزن; وزنه
اثنان وعشرون قيراطا الا كسرا، ووزن العشرة الدراهم سبعة
مثاقيل، فكان الرطل اثنتي عشرة اوقية، وكل اوقية اربعين
درهما، فاقر رسول الله(ص) ذلك، واقره ابو بكر وعمر وعثمان
وعلي(ع)، فكان معاوية فاقر ذلك على حاله... » وروي ايضا
عن عبد الرحمان بن سابط الجمحي قال: «كانت لقريش اوزان
في الجاهلية، فدخل الاسلام، فاقرت على ما كانت عليه، كانت
قريش تزن الفضة بوزن تسميه درهما وتزن الذهب بوزن
تسميه دينارا، فكل عشرة من اوزان الدراهم سبعة اوزان
الدنانير، وكان لهم وزن الشعيرة، وهو واحد من الستين من
وزن الدرهم، وكانت لهم الاوقية وزن اربعين درهما، والنش
وزن عشرين درهما، وكانت لهم النواة وهي وزن خمسة
دراهم، فكانوا يتبايعون بالتبر على هذه الاوزان، فلما قدم
رسول الله(ص) مكة اقرهم‏على ذلك‏».

فيقال بحمل روايات الدرهم والدينار في الدية على ارادة
الدرهم والدينار من حيث الوزن ولو لم يكن مسكوكا، خصوصا
اذا لاحظنا ان هذا التحديد كان في زمن النبي(ص) وامير
المؤمنين(ع) الذي لم تكن فيه الدنانير والدراهم بعد مضروبة
عند المسلمين، وانما ضربت في زمن عبد الملك وبامر الامام
زين العابدين(ع) او ابنه الباقر(ع)، كما في القصة المعروفة،
فيجزي في باب الدية الف مثقال من الذهب وسبعة آلاف
مثقال من الفضة، ويكون ذكر الدينار والدرهم في رواياتها
كذكرهما في روايات الربا والصرف محمولا على ارادة الوزن.

وقد ورد في روايات الصرف ما قد يدل على استعمال الدرهم
والدينار في الوزن، ففي معتبرة ابي بصير قال: «قلت لابي عبد
الله(ع): آتي الصيرفي بالدراهم اشتري منه الدنانير، فيزن لي
اكثر من حقي ثم ابتاع منه مكاني دراهم؟ قال: ليس به باس،
ولكن لا تزن اقل من حقك‏».

وفي صحيح ابن الحجاج قال: «سالته عن الرجل يشتري من
الرجل الدرهم بالدنانير فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو
دينارا، ثم يقول: ارسل غلامك معي حتى اعطيه الدنانير،
فقال: ما احب ان يفارقه حتى ياخذ الدنانير.. الحديث‏».

فان قول السائل في الحديث الاول : «اشتري منه الدنانير
فيزن لي اكثر من حقي‏» وفي الحديث الثاني «فيزنها وينقدها
ويحسب ثمنها كم هو دينارا» ظاهر في ان الدينار كان بالوزن
لا بالعدد.

ويلاحظ على هذا الوجه:

بان قصارى ما يثبت لو صح ما يذكره البلاذري ان اهل
مكة كانوا يتعاملون بالوزن ايضا مكان الدينار والدرهم
المضروبين، لا ان لفظتي الدينار والدرهم كانتا بهذا المعنى
العام لغة او عرفا، بل من المظنون ان التعامل ايضا لم يكن مع
الذهب والفضة بنحو السبيكة، وانما كانت قطعا صغيرة بوزن
المثقال من الذهب و 7
/0 المثقال من الفضة يتعاملون بها من
دون ان تكون مسكوكة بالسكة الرومية او الفارسية باعتبار
صعوبة ضربها وعدم قدرتهم عليه، فما كانوا يسمونه
درهماودينارا كان معدا للتعامل ايضا، ولكنه لم يكن مسكوكا
بالنحو الفني المتعارف وقتئذ في بلاد الروم او فارس، نعم
خصوصية الوزن المخصوص كانت ملحوظة في الدرهم
والدينار عندهم، وهذا هو مفاد روايات باب الصرف ايضا، لا ان
الدينار او الدرهم كان يطلق على مجرد الوزن ولو لم يكن
مسكوكا او بشكل قطع معدة للمعاملة على الاقل، وقد اجمعت
كلمة اللغويين ويشهد له الوجدان العرفي ايضاان‏الدينار
والدرهم اسمان للمضروب من الذهب والفضة للتعامل، وليس
مطلق الوزن من الذهب والفضة يسمى بذلك لغة.

كما يشهد له استعمال الروايات، مثل رواية جميل بن دراج،
عن ابي عبدالله وابي الحسن (ع) انه قال: «ليس في التبر زكاة،
انما هي على الدنانير والدراهم‏».

نعم، في باب الربا والصرف مقتضى الروايات المصرحة بثبوت
احكام الصرف او الربا لمطلق الذهب والفضة، وبيع احدهما
بجنسه او بالآخر، الغاء خصوصية المسكوكية، وهذا مطلب
آخر يخص ذاك الباب ويناسبه، ولا دليل عليه في باب
الدية، ولعله لا يناسبه ايضا.

هذا، مضافا الى ان الاجمال والشك يكون لصالح القول باعتبار
المسكوكية تمسكاباطلاق الحصر في روايات سائر الاصناف،
كما ذكرنا سابقا .

الوجه الثاني التمسك برواية ابي‏بصير في حديث قال: «سالت
اباعبدالله(ع) عن الدية؟ فقال: دية المسلم عشرة آلاف من
الفضة والف مثقال من الذهب والف من الشاة على‏اسنانها،
اثلاثا، ومن الابل مئة على اسنانها ومن البقر مئتان‏».
فان الوارد فيها ليس عنوان الدرهم والدينار، بل المثقال وهو
ظاهر في‏كفاية الوزن. ولا منافاة بينها وبين ما ورد في سائر
روايات الدية من التحديد بالف دينار وعشرة آلاف درهم; اذ لا
مانع من ان يكون كل منهما كافيا، بل تكون هذه الرواية دليلا
على ان المراد بالدرهم والدينار هوالمعنى الاعم، او على الغاء
خصوصية المسكوكية في موضوع الحكم، كما في باب الصرف
والربا.

ويلاحظ على هذا الاستدلال ايضا:

اولا: ضعف سند الرواية بعلي بن ابي حمزة البطائني.
وثانيا: ان الاظهر في مدلولها ان المراد بالمثقال فيها الدينار
لا العكس; فان المثقال كان يطلق على الدينار ايضا باعتبار
وزنه، كما في صحيح علي بن عقبة في الزكاة فقد روى
الكليني عن عد ة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن عيسى
عن ابن فضال عن علي بن عقبة وعدة من اصحابنا عن ابي
جعفر وابي عبدالله (عليها السلام) قالا: «ليس في ما دون
العشرين مثقالا من الذهب شي‏ء، فاذا كملت عشرين مثقالا
ففيها نصف مثقال الى اربعة وعشرين، فاذا اكملت اربعة
وعشرين ففيها ثلاثة اخماس دينار الى ثمانية وعشرين، فعلى
هذا الحساب كلما زاد اربعة‏».

ويشهد له انه لو كان نظر الامام(ع) على تقدير صدور
الرواية الى الوزن كان ينبغي ان يقول سبعة آلاف من الفضة
بينما قال: «عشرة آلاف من الفضة‏»، مما يعني ان نظره(ع) الى
الدراهم لا المثاقيل، ولا اقل من الاجمال، والذي تقدم انه
بصالح القول باعتبار خصوصية المسكوكية، فهذه الخصوصية
لا يمكن الغاؤها في المقام بناء على اعتبار اصل الذهب
والفضة في الدرهم والدينار.

6- توجيه الاحتمال السادس:

واما الغاء الخصوصية الجنسية للنقد وحمل الدرهم والدينار
على مطلق النقد الرائج الممثل للمالية الخالصة والذي
يختلف من زمان الى آخر ومن بلد الى بلد، واصبح اليوم على
شكل الاوراق النقدية فاستفادة ذلك يكون باحد بيانين:

البيان الاول:

ان نستفيد من روايات الدية ابتداء كفاية دفع قيمة كل صنف
من الاصناف، وعدم تعين دفع احد الاجناس بخصوصياتها،
نعم لا يجزي دفع جنس آخر غيرها الا انه في ما بينها تلغى
خصوصية الجنسية ولو باعتبارها اجناسا متباينة ويحمل
الترديد بينهما على كفاية جامع لها، وهي القيمة والمالية
وعدم دخل خصوصيتها الجنسية فيه.

وعندئذ يقال بان المالية للاجناس المذكورة اذا كانت هي
حق المجني عليه دون الخصوصيات للاجناس الستة، فيكفي
في دفعها دفع النقد الرائج; لانه يمثل عرفاالمالية الخالصة
والجامعة المتحدة مع مالية كل جنس، ومن هنا قلنا في بحث
تعلق الخمس والزكاة بالمال بان تعلقهما لو كان بنحو الشركة
في مالية المال لا الاشاعة كان دفع النقد الرائج مجزيا على
القاعدة، فكذلك في المقام اذا كان حق المجني عليه متعلقا
بمالية الاجناس لا اعيانها امكن دفع قيمة واحد منها بالنقد
الرائج على القاعدة.

مناقشة البيان الاول:

وهذا البيان غير تام; لان الظاهر من الترديد بين الاجناس
بعنوان انها الدية تعلق حق الجاني باحد تلك العناوين
بخصوصياتها، لا بالمالية الجامعة في ما بينها; فانه الغاء ايضا
لظهورها في خصوص مسمياتها; فكما لا يجوز الالغاء والتعدي
الى جنس آخر كذلك لا يجوز الغاؤها والاكتفاء بمطلق النقد
الرائج.

البيان الثاني:

ان نستفيد من ورود عنوان الدرهم والدينار ضمن الاصناف
المذكورة تعلق الدية بالمالية للاجناس لا باعيانها; وذلك
بدعوى: ان الدرهم والدينار ينظر اليهما عرفا بما هما نقدان
رائجان، لا بما هما ذهب وفضة كسائر الاجناس. والنقد
وظيفته تحديد قيم الاجناس الاخرى وقياسها ومحاسبتها
والمبادلة معها، ومن هنا يعتبر النقد مالية خالصة وجامعة
للاموال الاخرى; لانه بحكم سيولة المبادلة بينه وبين كل
جنس، فكانه مجرد وخالص عن شوب كل جنس وخصوصية،
فاذا ذكر ضمن امور يجب على الجاني دفع احدها خصوصا
مع ذكر انه قيمة الاءجناس الاخرى او بعضها استفاد العرف
من ذلك ان متعلق حق المجني عليه مالية تلك الاجناس، وان
ذكر الدرهم والدينار معها كان بهذا الاعتبار، فيلغي العرف
خصوصية تلك الاجناس بهذا المقدار، لا بمقدار الانتقال الى
اي جنس آخر، كما تلغى حينئذخصوصية كون النقد المذكور
من جنس الذهب والفضة، ويتعدى الى كل ما يكون نقدا
معبرا عن المالية الخالصة.

تقييم البيان الثاني:

وهذا البيان قريب من الذوق، وقد يشهد عليه ما سنورده
قريبا من النكات والقرائن، الا ان لازمه بدلية الدرهم والدينار
في روايات الدية عن الاجناس الاخرى او عن الابل على الاقل;
لان ملاحظة الدرهم والدينار كنقد ومالية مشتركة لسائر
الاجناس او بعضها مساوق مع لحاظ بدليتهما عن تلك
الاجناس لا محالة، فلا بد وان يدفع من النقد الرائج بقيمة
الابل او احد تلك الاجناس الاخرى، ولا يجزي دفع قيمة الف
دينار او عشرة آلاف درهم، وهذا بخلافه على البيان الاول.

والحاصل: لحاظ النقدية المحضة في الدرهم والدينار والغاء
خصوصيتهما الجنسيتين يستلزم بدليتهما في المالية عن الابل
او هي مع الاجناس الاخرى، فلا يمكن الجمع بين ذلك وبين
اصالة الدرهم والدينار في المالية; بمعنى كفاية دفع قيمتهما
من النقد الرائج اليوم.

لا يقال: اي مانع من ان يلحظ النقد مستقلا عن الاضافة الى
جنس، فيكون اصلا في قباله، كما اذا قال له: ادفع الابل او
كذا من النقد; اي ماليته من اي نقد رائج، فتلغى خصوصية
نقد معين من دون ان يلزم معادلته‏مع قيمة‏الجنس كالابل.

فانه يقال: مالية النقد وان كانت قابلة للحاظ بالنقود الاخرى
الا انه بهذا يكون ذلك النقد ملحوظا بما هو جنس خاص من
النقود لا بما هو مالية خالصة، وهذا رجوع الى البيان الاول ولو
في‏خصوص عنوان الدرهم والدينار من الستة.

وان شئت قلت: ان النقدية المطلقة اعني المالية المحضة
المشتركة بين الاجناس لا يمكن ان تلحظ الا من خلال
تجريد النقد عن كل خصوصياته الا القوة الشرائية الثابتة فيه،
والتي هي حيثية اضافية لا يمكن لحاظها الا بالقياس الى
الاجناس الاخرى، فاذا كان الدرهم والدينار ملحوظين كذلك
في روايات الدية كان الملحوظ فيهما لا محالة معادلتهما مع
مئة من الابل وكونهما ثمن شرائها حيث كانت قوتهما الشرائية
كذلك.

نعم، لو فرض ازدياد قيمة الابل بالخصوص من دون نقصان
قيمة النقد بلحاظ سائر الاجناس والسلع فالقوة الشرائية
والقيمة للنقد باقية على حالها، فيجزي دفعه بخلافه على
البدلية عن الابل.

الا ان هذا مجرد فرض، فان الاختلاف ناشى‏ء من هبوط قيمة
الدراهم لا صعودقيمة الابل، فالفضة اليوم لا تملك نفس القوة
الشرائية التي كانت لها سابقا.

كما ان الدرهم والدينار لو اريد بهما النقد الرائج اي ما لهما
من القوة الشرائية فلا ينبغي الاشكال في ملاحظتهما بما
هما قيمة لمئة من الابل، كما صرح بذلك في الروايات، فاذا
كانت القوة الشرائية ملحوظة فيهما فهي قوة شراء مئة من
الابل لا الاشياء الاخرى، وهذا يساوق البدلية لا محالة عن
مالية هذا الجنس او هو مع الاجناس الثلاثة الاخرى.

القرائن على البيان الثاني:

ثم ان استظهار ملاحظة الدرهم والدينار في روايات الدية
بعنوان مطلق النقد المعادل لمالية الاجناس الاخرى او بعضها
على الاقل قد يتم بملاحظة عدة امور، منها ما يلي:

الامر الاول: ورودهما بعنوان قيمة البعير او الابل او عشرة
دراهم بعنوان قيمة الدينار، فان مقام التقويم يناسب ملاحظة
خصوصية النقدية; فهي ملاك التقويم والمقياس لحساب
القيم، ولا دخل في ذلك لخصوصية الجنس الذي يصنع منه
النقد في كل زمان، فيدعى ان هذا الارتكاز العرفي يلغي
خصوصية الذهب والفضة الماخوذين في الدرهم والدينار لغة.

الامر الثاني: ما ورد في بعض الروايات كصحيح الحكم من
التعبير بالورق وان امير المؤمنين(ع) قسم الدية بعد ان كانت
مئة من الابل قبل الاسلام على الورِق حينما كثرت بايدي
الناس، فعن الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد وعن علي
بن ابراهيم عن ابيه عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن
زياد بن سوقة عن الحكم بن عتيبة عن ابي جعفر(ع) في
حديث قال: «قلت له: ان الديات انما كانت تؤخذ قبل اليوم
من الابل والبقر والغنم. قال: فقال: انما كان ذلك في البوادي
قبل الاسلام، فلما ظهر الاسلام وكثرت الورق في الناس
قسمها امير المؤمنين(ع) على الورق. قال الحكم: قلت: ارايت
من كان اليوم من اهل البوادي ما الذي يؤخذ منهم في الدية
اليوم؟ ابل او ورق؟ فقال: الابل اليوم مثل الورِق، بل هي‏افضل
من الورِق في الدية، انهم كانوا ياخذون منهم في دية الخطا
مئة من الابل يحسب لكل بعير مئة درهم، فذلك عشرة آلاف.
قلت له: فما اسنان المئة بعير؟ فقال: ما حال عليه الحول
ذكران كلها».

حيث قد يقال: ان الورِق وان فسر بالدرهم ايضا الا انه اعم،
فيشمل كل مسكوك يتعامل به، او: يقال ان التعبير بتقسيم
الدية على الورِق يشعر بان الورق نفس مالية الابل بحيث صح
تقسيمها عليه، وهذا انما يكون لو لوحظ في الورِق جانب
نقديته وماليته الخالصة لا جنس الفضة، فانه مباين مع الابل،
ولا معنى لتقسيمها عليه.

الامر الثالث: دعوى ان المناسب عرفا وارتكازا ان يكون
الضمان في باب الدية قيميا لا مثليا; اذ لا ارتباط بين المجني
عليه وبين جنس من الاجناس كما في ضمان المثليات، فلا
يناسب ان يلزم المجني عليه باخذ جنس معين الا ما جعله
الشارع من اجل التسهيل على اهل كل صنف من تلك
الاصناف من تجويز دفع الجاني ما يجده عنده، والا فالاصل
في الدية ان تكون تعويضا قيميا لا مثليا; اي القيمة المشتركة
بين الاجناس، وقد عرفت ان القيمة والمالية المحضة تكون
بالنقد الرائج في كل زمان.

الامر الرابع: معتبرة اسحاق بن عمار المتقدمة، فعن الكليني
عن علي عن ابيه عن اسماعيل بن مرار عن يونس عن اسحاق
بن عمار عن ابي ابراهيم(ع) قال: «قلت له: تسعون ومئة درهم
وتسعة عشر دينارا اعليها في الزكاة شي‏ء؟ فقال: اذا اجتمع
الذهب والفضة فبلغ ذلك مئتي درهم ففيها الزكاة; لان عين
المال الدراهم، وكل ما خلاف الدراهم من ذهب او متاع فهو
عرض مردود ذلك الى الدراهم في الزكاة والديات‏»; بناء على
الاستظهار الذي ذكرناه فيها، حيث عبر فيها عن الدراهم بانها
عين المال في قبال الذهب والمتاع وسائر الاجناس فانها
عروض، وهذا يعني لحاظ الدرهم في الروايات في باب الدية
والزكاة بما هي نقد وعين المالية، لا بما هي جنس خاص.

الامر الخامس: الروايات المتعرضة لجواز المعاملة بالدراهم
المغشوشة اذا كانت تجوز بين الناس، اي كانت نقدا رائجا
عندهم، وهي عديدة اهمها:
1- صحيح ابي العباس قال: «سالت ابا عبد الله(ع) عن
الدراهم المحمول عليها؟ فقال اذا انفقت ما يجوز بين اهل
البلد فلا باس، وان انفقت ما لا يجوز بين اهل البلد فلا».

2- مرسلة ابن ابي نصر عن رجل عن محمد بن مسلم عن ابي
جعفر(ع) قال: جاءه رجل من سجستان فقال له: ان عندنا
دراهم يقال لها الشاهية يحمل على الدرهم دانقين. فقال: «لا
باس به اذا كانت تجوز».

3- مرسلة محمد بن يحيى عمن حدثه عن جميل بن دراج
عن حريز بن عبد الله قال: «كنت عند ابي عبد الله (ع)
فدخل عليه قوم من اهل سجستان فسالوه عن الدراهم
المحمول عليها، فقال: لا باس اذا كان جواز المصر». وفي
الكافي: «جوازا لمصر».

4- وعلى هذا يحمل مثل صحيح محمد بن مسلم قال: «سالته
عن الدراهم المحمول عليها. فقال: لا باس بانفاقها».

5- رواية زيد الصائغ قال : «قلت لابي عبد الله(ع): اني كنت
في قرية من قرى خراسان يقال لها بخارى، فرايت فيها دراهم
تعمل ثلث فضة وثلث مسا وثلث رصاصا، وكانت تجوز عندهم،
وكنت اعملها وانفقها، قال: فقال ابو عبد الله(ع): لا باس
بذلك اذا كان تجوز عندهم. فقلت: ارايت ان حال عليه الحول
وهي عندي وفيها ما يجب علي فيه الزكاة ازكيها؟ قال: نعم
انما هو مالك. قلت: فان اخرجتها الى بلدة لا ينفق فيها مثلها
فبقيت عندي حتى حال عليها الحول ازكيها؟ قال: ان كنت
تعرف ان‏فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة
فزك ما كان لك فيها من الفضة الخالصة من فضة، ودع ما
سوى ذلك من الخبيث. قلت: وان كنت لا اعلم ما فيها من
الفضة الخالصة الا اني اعلم ان فيها ما يجب فيه الزكاة؟ قال:
فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثم تزكي ما
خلص من الفضة لسنة واحدة‏».

وظاهر مثل هذه الروايات ان الدرهم ملحوظ بما له من
المالية والقيمة التبادلية المحضة مع قطع النظر عن
خصوصية جنسه; حيث جعل المدار فيها على الجواز والرواج
في البلد سواء كان خالصا ام مغشوشا، فلا خصوصية لجنس
الفضة، وانما الميزان في الاحكام المتعلقة بالدرهم بكونه رائجا
بعنوان النقد ووسيلة التعامل والمالية المحضة عند الناس،
والتعبير بانفاقه يشمل تمام انحاء الانفاق سواء جعله ثمنا في
البيع والشراء او دفعه في اداء الدين والضمانات او الديات
والحقوق الشرعية.

بل ظاهر رواية زيد الصائغ ان ذلك هو الموضوع ايضا لتعلق
الزكاة به; حيث‏حكمت في جواب السؤال الثاني بانه ان حال
على الدراهم الحول في البلد الذي يجوز فيه وفيها ما يجب
عليه فيه الزكاة تعلق بها الزكاة، وظاهره تعلق الزكاة ببلوغ
نفس الدراهم النصاب اي المئتين، لا بلوغ خالص الفضة فيها
ذلك، والا كان اللازم التقييد بذلك وتوضيحه، كما صنع في
جواب السؤال الثالث.

لا يقال: نظر هذه الروايات الى جواز انفاق الدرهم المغشوش
وحرمته من حيث كونه مغشوشا، فيكون انفاقه غشا محرما
في المعاملة، وليس النظر فيها الى ترتب احكام النقد
والدرهم الحقيقي على الدرهم المحمول عليه، ولهذا وقع
السؤال في بعضها عن عمل الدرهم المغشوش وصنعه، كما في
رواية زيد الصائغ.

فانه يقال: هذه الحيثية وان كانت ملحوظة في الروايات وقد
يناسبه ايضا ما ورد من الامر بكسر الدرهم المغشوش واتلافه
تجنبا من تداوله ووقوع الغش بذلك على من يصل اليه الا انه
لا اختصاص لها بالنظر الى هذه الحيثية فقط.
بل يستفاد من نفس تعليق الحكم بجواز الانفاق على كون
الدرهم رائجا بين الناس ومتخذا من قبلهم كنقد ووسيلة
للتبادل الاطلاق وترتيب احكام النقدية على كل ما يتخذ
كذلك بين الناس.

وان ابيت عن انعقاد اطلاق لفظي، فلا اقل من اطلاق مقامي
لهذه الروايات يقتضي ذلك; لان الاذن في انفاق الدرهم
المحمول عليه في الخارج يستلزم عرفا انفاقه في تمام
الاغراض التي يبتلى بها المكلف، والتي منها دفع الحقوق
الشرعية والشخصية كالضمانات والديات والزكاة وغيرها،
فيكون السكوت عن عدم جواز انفاقها في ذلك منشا لاطلاق
مقامي دال على جواز انفاقها في ذلك ايضا، والا كان على
الامام(ع) ان ينبه على عدم الاجتزاء به في ذلك.

وقد يشهد لهذا الاطلاق ما نجده في رواية زيد الصائغ من
السؤال عن ترتب الزكاة على مثل هذه الدراهم اذا بلغت ما
يكون فيه الزكاة، فكان حكم الامام(ع) بجواز انفاقها اوجب ان
ينسبق الى ذهنه ترتب احكام الدرهم الحقيقي عليها.
لا يقال: غاية ما تدل عليه هذه الروايات جواز انفاق الدرهم
الذي يكون مغشوشاوترتب احكام الدرهم الحقيقي عليه،
وهذا مختص بما اذا كان اصل الفضة موجودا فيه ولكنه ليس
خالصا.

وان شئت قلت: ان الدرهم المغشوش ايضا نقد حقيقي لا
اعتباري، فكيف يتعدى الى الاوراق النقدية والنقود الاعتبارية
المحضة في ترتيب تلك الاحكام؟!
فانه يقال: ظاهر تعليق الحكم بجواز انفاق الدرهم المغشوش
على رواجه وجوازه بين الناس ان هذه الحيثية هي تمام
الميزان والمعيار للحكم في باب النقد واحكامه، لا كون
الدرهم من الفلز الفلاني او غيره.

وان شئت قلت: كما تلغي هذه الروايات خصوصية الفضة
الخالصة كذلك تلغي خصوصية اي جنس آخر وخصوصية
كون النقدين سلعة حقيقية، وتجعل الرواج والاعتبار بين
الناس هو معيار النقدية والملاك في جواز الانفاق، وهو
الملحوظ في الدرهم والدينار في اطلاقات الشارع
واستعمالاته لهما وترتيب الاحكام عليهما، خصوصا اذا كان
ذكرهما في قبال الاجناس الاخرى بعنوان انه قيمة لها او
لبعضها كما في باب الديات، فيكون ذكر الدرهم والدينار في
روايات الدية باعتبار انهما النقدان الرائجان وقتئذ، فيجوز
اعطاء اي نقد رائج بمقدارهما.

عدم اجزاء قيمة النقدين :

ثم انه بناء على ذلك لا يكفي عندئذ دفع قيمة الف مثقال من
الذهب او سبعة آلاف فضة من النقد الرائج، بل لابد من دفع
قيمة الابل او احد الاجناس الاخرى، كما اشرنا آنفا; لان
الدرهم والدينار عندما يلحظان كنقدين رائجين يكون
الملحوظ قوتهما الشرائية لا قيمة الجنس الموجود فيهما،
وحيث ان الروايات قد صرحت بملاحظتهما بما هما قيمة
الابل او ان امير المؤمنين(ع) قد قسم الدية بعد ان كانت
تعطى من الابل على الدراهم عندما كثرت الدراهم، فقد
يحصل الجزم عندئذ بان اللازم دفع ما يعادل قيمة الابل او
احد الاجناس الاربعة من النقد الرائج اليوم، وهو الاوراق
النقدية.

ويمكن ان نستنتج من مجموع ما تقدم في الجهات السابقة
عدم اجزاء دفع مثل الدراهم اليوم او قيمتها بمقدار عشرة
آلاف بعنوان الدية; وذلك لعدة حيثيات:

الحيثية الاولى: ما تقدم في الجهة الثالثة السابقة من ظهور
الروايات في كون الاصل في الدية مئة من الابل من حيث
المالية بحيث لا بد من حفظ ماليتها في الاجناس الاخرى،
خصوصا في الدراهم حيث جاءت بعنوان انها قيمة الابل، وهي
اليوم اقل بكثير من ذلك.

الحيثية الثانية: لو سلمنا ما استظهره المشهور من ان كل
الاجناس الستة اصول في نفسها، مع ذلك نمنع اطلاق
الروايات; لفرض نقصان مالية واحد منها نقصانافاحشا ، كما
في الدراهم اليوم، ولهذا وجدنا الروايات حددت الدية في
الدراهم الاقل قيمة من ناحية الوزن باثني عشر الفا، فاذا كان
نقصان المالية بنقصان الوزن بنسبة السدس مؤثرا، فكيف لا
يكون نقصان المالية بنسبة هائلة حتى اصبحت الفضة اليوم
اقل من عشر قيمتها سابقا غير مؤثر في الحكم المذكور
الذي هو تعويض مالي للمجني عليه عن خسارته; لمجرد ان
مقدار الوزن محفوظ فيه؟! فان هذا قد يناسب الاحكام
التعبدية، لا باب الضمانات وتدارك الخسارة والضرر المادي
اللاحق بالغير في حقوق الناس.

فهذه النكتة كما تمنع من انعقاد اطلاق في روايات عشرة
آلاف درهم للدرهم الساقط عن المالية سقوطا مطلقا لو فرض
ذلك، كذلك تمنع من اطلاقها لفرض انخفاض قيمته انخفاضا
فاحشا، بل في السنة روايات الدية ما يدل بوضوح على
ملاحظة الشارع للتناسب بين الاصناف الستة في القيمة
والمالية، ودخالة ذلك في هذا الحكم، وهذا يمنع عن انعقاد
الاطلاق المذكور ويجعله على الاقل منصرفا الى فرض
التساوي، او التقارب بينها في القيمة كما كانت كذلك سابقا.

الحيثية الثالثة: لو تنزلنا عن ذلك، فلا ينبغي الاشكال في
عدم شمول اطلاق روايات الدرهم والدينار للمسكوك من
الفضة والذهب اليوم بعد خروجهما عن التعامل والنقدية، بل
اصبحا كسائر الاجناس والسلع الحقيقية; اما لعدم صدق
الدرهم والدينار عليهما او على اساس الانصراف الى النقد
الرائج منهما او على اساس نكات وقرائن في السنة رواياتهما.
ومع عدم تمامية الاطلاق من هذه الناحية لا يكون دفعهما
مجزيا، كما تقدم بيانه.

الحيثية الرابعة: لو فرضنا الاطلاق من جميع الوجوه المتقدمة
مع ذلك لم يكن دفع قيمة الفضة مجزيا اليوم مع عدم رضى
المجني عليه او وليه سواء مع تعذر دفع الاصناف الاخرى او
عدم تعذره.

اما في صورة عدم تعذر دفع احد الاجناس الاخرى فواضح;
لان مقتضى اشتغال ذمة الجاني باحدها للمجني عليه
بخصوصياتها انه يجب عليه دفع احدها مع التمكن، وما دام
يمكنه دفع واحد منها يجب عليه ذلك، ولا ينتقل الى القيمة
بعد ان لم يكن دليل على اجزاء دفعها ابتداء.

واما في صورة تعذر الجميع; فلانه لا دليل على ان ذمة
الجاني قد اشتغلت بالجامع في ما بينها بحيث‏يجزي دفع قيمة
كل واحد منها عند التعذر كما في ضمان المثليات، وانما
المقدار الثابت هو التخيير في ما بين نفس الاجناس الستة
مهما بلغت قيمتها، وهذا لازم اعم من دخولها جميعا في
الضمان بنحو يجزي قيمة كل واحد عند التعذر، بل نحتمل
انه عند تعذرها جميعا يجب دفع قيمة واحد منها تعيينا وهو
مئة من الابل، كما هو مقتضى مفهوم الحصر في قوله(ع):
«الدية مئة من الابل‏».

وتمام النكتة في ذلك انه انما اجتزي بدفع سائر الاجناس
مهما بلغت قيمتها من باب التعبد الذي هو مبنى الاطلاق من
الوجوه المتقدمة، لا من باب ضمان قيمة الجناية، والتي لا
تختلف في المالية، فلا دليل على ان شغل الذمة بالاجناس
المذكورة يكون على غرار الضمانات المثلية بحيث ينتقل الى
القيمة عند التعذر، فلا دليل على الاجتزاء بدفع قيمة اقلها في
المالية، بل يكون المرجع عندئذ اطلاق «الدية مئة من الابل‏»
المقتضي بقاء شغل الذمة به في فرض تعذره، فلا تفرغ ذمة
الجاني الا بدفع قيمة مئة من الابل.

وان شئت قلت: ان التخيير بين الاجناس الستة لا يستلزم
التخيير بين قيمها المتفاوتة تفاوتا فاحشا عند التعذر لا عقلا
كما هو واضح ولا عرفا; لعدم عرفية ذلك في باب
الضمانات; فلا يمكن استفادة اجزاء قيمة اقلها حتى عند تعذر
الجميع، وعندئذ يكون مقتضى اطلاق «الدية مئة من الابل‏»
لزوم دفع ما يمكن دفعه منه، وهو ماليتها وقيمتها بعد فرض
العلم بعدم هدر حق المجني عليه بتعذر الاجناس.

تلخيص واستنتاج:

تقدم ان تخريج الاجتزاء بدفع الدية بالنقود الورقية الرائجة
اليوم يكون له احد اساسين:
الاول: ان يستفاد ابتداء من روايات الدية تخيير الجاني بين
دفع احد الاجناس الستة او دفع قيمته حيث يكتفى في دفع
القيمة بالنقد الرائج في البلد.

وقد تقدم ان هذه الاستفادة لا يساعدها مقام الاثبات
والدلالة; لان الغاء خصوصية الاجناس وحملها على التخيير
بينها وبين قيمة واحد منها خلاف ظاهرها الاولي، فيكون
مقتضى القاعدة وجوب دفع احدها بالخصوص مع الامكان
وعدم الاجتزاء بدفع قيمته، لا من جهة اصالة الاشتغال لكي
يقال بان هذا من الشك في اصل التكليف وتعلقه بالخصوصية
او بالجامع بينها وبين القيمة، والاصل فيه البراءة حتى اذا كان
بنحو التعيين والتخيير فضلا عما اذا كان بنحو الاقل و الاكثر
على ما هو محقق في محله بل من جهة ان مقتضى مفهوم
الحصر المستفاد من الاقتصار في روايات الدية على الاجناس
الستة عدم اجزاء غيرها مع امكان احدها، فلا تصل النوبة الى
البراءة، كما هو واضح.

الثاني: استفادة ذلك من عنوان الدرهم والدينار بعد
استظهار ان المراد منهما في السنة الروايات لولا القرينة
على الخلاف مطلق النقد الرائج لا النقد الخاص، وفي
خصوص روايات الدية يتاكد ذلك باعتبار ما فيها من القرائن
والمناسبات الدالة على ملاحظة الدرهم بما هو نقد رائج‏يكون
قيمة للاجناس بحيث‏يمكن اعطاء ما يعادله من اي نقد آخر
اذا كان رائجا.

وهذا الاستظهار هو الذي استقربناه في الجهة السابقة، اي
الجهة الثالثة. وعلى هذا الاساس ينفتح البحث‏حينئذ كما
اشرنا اليه في تلك الجهة عن كيفية محاسبة ذلك.

كيفية حساب الدية اليوم :

فهل يكفي اعطاء ما يعادل قيمة عشرة آلاف درهم بمعنى
سبعة آلاف مثقال من الفضة الخالصة اليوم; لان قيمة الدرهم
الذي هو نقد حقيقي تكون على اساس قيمة جنسه لا اكثر في
الاعم الاغلب؟ او لابد من اعطاء ما يعادل قيمة مئة من الابل او
الف دينار او المالية المشتركة بين الاجناس الاربعة اي ما
يعادل قيمة احدها على الاقل؟

الصحيح: ان هذا يختلف باختلاف ما نستظهره من الروايات
المتقدمة في الجهات السابقة:
فتارة: نبني على استفادة ان الاصل في الدية من حيث
المالية مئة من الابل، كما استفدناه من مثل صحيح الحكم
الذي ورد فيه «يحسب لكل بعير مئة درهم فذلك عشرة آلاف‏»،
فعندئذ يكون مقتضى الجمع بين ذلك وبين ان الدرهم
ملحوظ بعنوان مطلق النقد الاجتزاء بمطلق النقد الرائج
المعادل لقيمة مئة من الابل، لا اقل من ذلك.

واخرى: لا نبني على ذلك، ولكن نستفيد اشتراط ان يكون
الدرهم في الدية كل عشرة منه بدينار من مثل صحيح ابن
الحجاج الوارد فيه «قيمة كل دينار عشرة دراهم‏» وعندئذ لا
بد ايضا من ملاحظة قيمة الف دينار في دفع النقد الرائج.

وثالثة: لا نستفيد ذلك ايضا، ولكن يقال بان ظاهر ذكر
الاجناس الاربعة معا في مقام دفع الجاني للدية التي هي
تعويض مالي للمجني عليه ارادة المالية المشتركة في ما
بينها، وان ذكر الدرهم والدينار معها باعتبارهما ثمنا وقيمة
لكل واحد منها، لا باعتبار قيمة نفسيهما، وان هذا هو
المناسب مع ملاحظة الدرهم والدينار بما هما نقدان ولوحظ
تقييم الاجناس الاخرى وحساب ماليتها بهما، فلا يكونان
ملحوظين الا بما هما مضافان الى تلك الاجناس،اي بما هما
ثمن لتلك الاجناس، وعندئذ لا بد ايضافي مقام دفع الدية
بالنقد الرائج اليوم من مراعاة قيمة احد الاجناس الاربعة; لان
هذا هو المعادل لقيمة الدرهم والدينار الملحوظين كثمن
للاجناس في روايات الدية.

ورابعة: لا نستفيد ذلك ايضا ، بل يدعى ان الدرهم او الدينار
ملحوظان كنقدين لهما ماليتهما في نفسيهما، فان حيثية
النقدية لا تنافي ملاحظة النقد بما له من مالية مستقلة عن
الاضافة الى الاجناس الاخرى، فاذا الغيت‏خصوصية كونه نقدا
معينايتعدى الى مطلق النقد الرائج المعادل لقيمة ذلك النقد
من حيث المالية. وهذا هو مبنى فتوى المشهور باصالة
الاجناس الستة كلها.

فقد يقال عندئذ بان مقتضى اطلاق روايات الدرهم الملحوظ
بما هو نقد رائج كفاية دفع مطلق النقد الرائج في الدية بما
يعادل قيمة عشرة آلاف درهم اي سبعة آلاف مثقال فضة
خالصة; لان قيمة الدرهم بما هو نقد مقارب او معادل لقيمة
مقدار جنسه الحقيقي عادة، فلو كانت الدراهم مسكوكة اليوم
من الجنس الحقيقي كالفضة بدلا عن النقود الورقية كانت
قيمتها بما هي نقد مساوية لقيمتها بما هي فضة او قريبا منها،
فيكفي دفع قيمة الجنس بذلك المقدار بالنقد الرائج اليوم.

الا ان هذا الاطلاق مما لا يمكن المساعدة عليه; اذ مضافا
الى عدم وجود مثل هذا الاطلاق في روايات الدية على ما
شرحناه في الجهات السابقة ان ما ذكر من ان‏النقد اليوم لو
كان حقيقيا اي بالدرهم كانت قيمة الدرهم مساوية مع
قيمة
7/0 مثقال من الفضة الخالصة بسعر اليوم غير صحيح;
لان النقد الحقيقي وان كان مساويا او مقاربا في القيمة غالبا
لقيمة الجنس الموجود فيه الا ان نفس استخدام الجنس اعني
الفضة في ضرب النقود وكثرة استعمالها والحاجة اليها في
التداول والمبادلات احد اهم العوامل المؤثرة في ارتفاع قيمة
ذلك الجنس ارتفاعا هائلا، ولعل‏من اهم اسباب سقوط قيمة
الفضة اليوم سقوطا فاحشا انما هو خروجها عن دائرة النقود
التي يتعامل بها وعدم الحاجة اليها الا في الاغراض
الاستهلاكية، وهي نادرة جدا بالقياس الى الحاجة للنقد، وانما
لم يسقط الذهب عن المالية بهذا المقدار لتوفر الطلب عليه
في الاغراض الاستهلاكية الاخرى كالزينة ونحوها، وندرته
الوجودية ايضا بالقياس الى الفضة، وقلة استعماله في النقد
بالقياس الى الدراهم الورِق، كما يظهر من مراجعة تاريخ
رواج الدرهم والدينار في المعاملات، فبقي الذهب محافظا
على جزء معتد به من قيمته السابقة بخلاف الفضة.

فالحاصل: انه لا يصح التمسك باطلاق روايات عشرة آلاف
درهم على فرض تمامية الاطلاق فيها الا بالنسبة الى الدراهم
التي كانت رائجة في الازمنة السابقة، والتي كانت النقود
الرائجة فيها حقيقية ومتخذة من الفضة، وقد كانت لا محالة
قيمتها اكثر بكثير من قيمة الفضة اليوم; لكثرة الطلب عليها
من اجل ضرب السكة والتعامل بها في التجارات والمعاملات
وغيرها من اغراض النقد، ولعلها كانت تعادل قيمة الف دينار
ومئة بعير وقتئذ.

وبهذا يظهر وجه آخر لعدم الاجتزاء بدفع قيمة الفضة اليوم
في الدية مع تعذر الاجناس الاخرى فضلا عن فرض عدم
تعذره حتى على مبنى المشهور من استفادة الاصالة
للاجناس الستة جميعا والاطلاق فيها لغرض تفاوت قيمها
السوقية زيادة ونقيصة; لان هذا لا يعني ان قيمة الدرهم
يساوي قيمة
7/0 مثقال فضة خالصة اليوم، كما شرحنا.

واما ما يمكن ان يصاغ اليوم على شكل الدراهم السابقة فقد
تقدم انه ليس درهما ولا نقدا رائجا، فلا يتوهم امكان الاجتزاء
بدفعه في الدية اذا صنعه الجاني او حصل عليه.

ومن هنا ينبغي ان يقال بانه لو اريد دفع الدية من النقود
الورقية الرائجة اليوم كان اللازم مراعاة قيمة احد الاجناس
الاربعة على الاقل، والله العالم بحقائق الامور، والحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين
الطاهرين.