|
من فقهائنا: الصدوق الثاني محمد بن بابويه القمي (قدس سره) القسم الثالث الشيخ صفاء الخزرجي مرجعية الصدوق و بعدها الاجتماعي: اكتسبت شخصية الصدوق شهرة عظيمة بين اوساط الامة
بمختلف مذاهبها، فقد كان كما يصفه والد الشيخ البهائي
جليل القدر عظيم المنزلة في الخاصة والعامة، وكان وجه
الطائفة بخراسان والري.
ويرجع هذا في الحقيقة الى كثرة مؤلفاته التي انتشرت في
اصقاع العالم الاسلامي، وتكرر اسفاره وتنقلاته بين البلدان،
مما اكسبه شهرة واسعة النطاق، فتفاعل مع مرجعيته الكثير
من البلاد. وكان يرد اليه العديد من الرسائل والمكاتبات من
مختلف المناطق فيجيب عليها، كجوابات المسائل الواردة اليه
من واسط وقزوين ومصر والبصرة والكوفة والمدائن ونيسابور
وبغداد. كما ان كتاب «من لا يحضره الفقيه» قد اعده الصدوق
كرسالة عملية لبيان الاحكام الشرعية لعامة الناس، كما
يستفاد ذلك من اول خطبته.
ومما يعكس البعد الاجتماعي والجماهيري في شخصية
الشيخ الصدوق طلب اهل الري ورغبتهم في حضوره واقامته
فيها مع كثرة من فيها من العلماء والمحدثين، كما ان الذي
يستفاد من عبارة النجاشي السابقة انللصدوق مكانة بارزة في
خراسان. وذكر القاضي الشهيد انها كانت ترجع اليه في
الفتيا. في ظلال مدرسة الشيخ الصدوق(قدس سره):
اتسمت مدرسة الشيخ الصدوق(رحمه اللّه) وعطاؤها العلمي
بالشمولية والموسوعية، ويمكن لنا رسم ابعاد ذلك العطاء
الزاخر في ثلاثة محاور اساسية هي: تلامذته، آثاره، مناظراته. اولا - تلامذته:
لا شك ان العطاء الذي قدمه الصدوق (قدس سره) لم يكن
منحصرا بما الف وصنف، بل استوعب مجالات اخرى، فقد ربى
جيلا من الاعلام ممن اخلص لعقيدته ونفع الامة بعلمه.
وقد تميز الرعيل الذي حمل عن الشيخ بخصائص في البعدين
:الكيفي والكمي معا
اما الجانب الكيفي: فيفصح عنه نقل النجاشي(رحمهاللّه) انه
سمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن. ولا ريب فانهذه
شهادة عظيمة المدلول يجدر التامل والامعان فيها; اذ كان
مجتمعه(رحمهاللّه) بقم غاصا بفطاحل العلم واساطين الفقه
والحديث، الامر الذي يصعب معه البروز والتصدي لكرسي
المشيخة. ومما يعضد كلام النجاشي المذكور شهادة الشيخ
الطوسي في حقه، حيثيقول: «لم ير في القميين مثله في
حفظه وكثرة علمه»، مما يدل على نبوغه وتفوقه.
وعلى كل حال، فان شخصية كالصدوق حقيقة بان تزدلف
اليها جموع العلماء وتعكف على بابها زمر المحدثين والفقهاء.
وهذا هو الذي تحقق وكان،فقد سمع منه الكثير من طلاب
الفضيلة والعلم، وربما رواهم اكثر كتبه او جميعها، كما يكشف
عن ذلك تصفح الاسانيد وملاحظتها.
واما الجانب الكمي: فان جموعا غفيرة تخرجت على ابي جعفر
الصدوق(رحمه اللّه) في مولده بقم ومنزله بالري وتنقلاته
واسفاره التي طاف فيها كثيرا من البلاد وحواضر العلم، وسمع
منه خلق كثير يشق حصرهم وعدهم، لذا نكتفي بذكر اعلام
تلامذته والراوين عنه:
1- الشيخ الفقيه الحسين بن علي بن موسى بن بابويه القمي،
اخو المترجم له، المولود ايضا بدعاء صاحب الامر (عجل اللّه
فرجه).
2- الشيخ الجليل الحسن بن الحسين بن علي بن موسى بن
بابويه القمي، ابن الشيخ المتقدم.
3- الشيخ الثقة علي بن احمد بن العباس، والد الشيخ
النجاشي، سمع منه ببغداد سنة (355ه)، واجازه
الصدوق(رحمهاللّه) جميع كتبه، كما ذكر النجاشي ذلك.
4- الشيخ الاجل ابوالحسن جعفر بن الحسين (او الحسن) بن
حسكة القمي، شيخ الطوسي(رحمهاللّه).
5- الشيخ الاجل، زعيم الطائفة ورئيس الفرقة، ابو عبداللّه
محمد بن محمد بن النعمان المفيد، سمع منه ببغداد وعمره
آنذاك ثمانية عشر عاما.
6- الشيخ الجليل الحسن بن محمد بن الحسن القمي، مؤلف
تاريخ قم.
7- الشيخ الجليل الثقة ابو محمد هارون بن موسى
التلعكبري.
8- الشيخ محمد بن طلحة بن محمد النعالي البغدادي، من
شيوخ الخطيب البغدادي، سمع من الشيخ الصدوق(رحمهاللّه)
عند وروده بغداد، كما ذكره الخطيب.
9- الشريف ابو عبداللّه بن محمد بن الحسن، المعروف بنعمة.
10- الشيخ الجليل جعفر بن احمد بن علي، ابو محمد القمي،
نزيل الري، وهو من مشايخ الصدوق(قدسسره) ايضا.
12- الشيخ حسين بن عبداللّه بن الفحام.
13- الشيخ السعيد محمد بن احمد بن احمد القمي، المعروف
بابن شاذان.
14- الشيخ الاجل ابو جعفر محمد بن الدوريستي.
15- الشيخ الاجل ابو عبداللّه الحسين بن عبداللّه الغضائري.
وثمة مجموعات اخرى من تلامذته تركنا ذكرهم روما
للاختصار. ولا يفوتنا التنبيه هنا على ان العلامة الاميني
(رحمه اللّه) قد ذكر في الغدير نقلا عن كتاب الاجازات ان
من تلامذته السيد المرتضى (قدسسره)، وهو في غاية الغرابة;
اذ كانت ولادته سنة (355ه)، ودخول الصدوق بغداد صادف
الاول منه سنة (352ه) والثاني سنة ولادة المرتضى (355ه)،
فكيف يعد مع هذا من تلامذته؟! كما انه لم ينقل عن السيد
المرتضى سفره الى قم. ثانيا - آثاره ومؤلفاته:
للشيخ الصدوق اكثر من ماثرة ويد بيضاء على مجتمعه الذي
عاش فيه، وعلى الاجيال التي تلت عصره.
ومن تلك المآثر التي خلدت اسمه ورفعت قدره مصنفاته
التي ملات العالم الاسلامي كثرة وجودة، فقد ناهزت الثلاثمئة،
وقد نص الشيخ الصدوق(رحمهاللّه) في مقدمة «من لا يحضره
الفقيه» ان مئتين وخمسة واربعين منها كانت معه عند حلوله
بقصبة «ايلاق» ببلخ.
وقد جاءت مصنفات الشيخ الصدوق(رحمهاللّه) جامعة لاكثر
ابواب الثقافة والعلم، وهذا يعكس بلا ريب سعة ثقافته
ومشاركته في اكثر الفنون، بل تضلعه واحاطته بها. كما تعتبر كتبه (رحمهاللّه) من اوثق المصادر المعتمدة لدى
الطائفة بلحاظ الفترة التي صنفت فيها، وبلحاظ مكانة
ووثاقة الشيخ الصدوق نفسه سيما كتابه «من لا يحضره
الفقيه» ثاني الاصول الحديثية، الذي اثبت به على كل فقيه
منة، وجامعه الآخر الموسوم ب«مدينة العلم» وهو اكبر من
سابقه، والذي عكفت على الافادة منه اجيال من العلماء
والفقهاء ردحا من الزمن، فيما حرم منه آخرون لضياعه. الى
غير ذلك من مصنفاته التي رفدت تراثنا الروائي والفقهي
بشكل ملحوظ. هذا، ولم تات شهرة كتب الشيخ الصدوق(قدسسره) وذيوع
صيتها في القرون التي تلت عصره حسب، بل كانت كتبه
معروفة في زمانه تتداولها الايدي ويرويها العلماء سماعا
واجازة، فقد نقل الرجالي الثبت الشيخ ابو العباس النجاشي
بعد ايراده فهرس كتبه ان اباه اخبره بجميع كتب الصدوق،
وانه قرا بعضها على ابيه، ثم نقل عن ابيه: ان ابا جعفر الصدوق
اجازه رواية جميع كتبه، وذلك عند وروده بغداد وسماعه عنه. وهكذا نرى ان اشتهار كتبه واهتمام العلماء بها في عصره
بلغتحدا انه لما اقام بايلاق من اعمال سمرقند سنة( 368ه)
طلب منه الشريف ابو عبداللّه المعروف بنعمة، نسخ جميع
كتبه، وكانت عدتها (245) كتابا، كما نص عليه
الصدوق(رحمهاللّه) في اول «من لا يحضره الفقيه». قال العلامة المجلسي في وصف مؤلفات الصدوق وذلك عند
توثيقه لمصادر البحار:
اعلم ان اكثر الكتب التي اعتمدنا عليها في النقل مشهورة
معلومة الانتساب الى مؤلفيها: ككتب الصدوق، فانها سوى
الهداية، وصفات الشيعة، وفضائل الشيعة، ومصادقة الاخوان،
وفضائل الاشهر، لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الاربعة التي
عليها المدار في هذه الاعصار، وهي داخلة في اجازاتنا، ونقل
منها من تاخر عن الصدوق من الافاضل الاخيار. وكتاب
الهداية ايضا مشهور، لكن ليس بهذه المثابة. ووثق السيد ابن
طاووس جميع كتبه ومصنفاته. وعلى اي تقدير فقد تلقى العلماء كتبه بالوثوق والقبول، بل
ان اكثر الاصحاب ينزلون كلامه منزلة النص، كما تقدم ذلك
عن العلامة المجلسي، بل عن بعض الاصحاب اعتبار مراسيله
كمراسيل ابن ابي عمير، كما سنشير الى ذلك عند الحديث
عن كتابه «من لا يحضره الفقيه»، وهذه هي اعلى مراتب
التوثيق والاعتماد. وقد بلغ وثوق العلماء وسكونهم لما يرويه
حتى لقبوه بالصدوق فيما يروي ويحدث.
وامتازت كثير من مصنفات الصدوق(رحمهاللّه) ببعض
الامتيازات المهمة كتاريخه لمايرويه زمانا ومكانا مما يضفي
قيمة خاصة لكتبه.
وعلى كل حال، فقد جاء التراث الذي خلفه الشيخ
الصدوق(قدسسره) خصب الميادين مترامي الاطراف،
متدفقا في مادته، واضحا في عباراته، مستوعبا لسائر ابواب
العلم وآفاق المعرفة. وفيما يلي تفصيل ما كتبه في الفقه، مع الاشارة الى عدد مؤلفاته في العلوم الاخرى دون ايراد اسمائها مراعاة للاختصار: ا - مؤلفاته في الفقه: 1- الاستسقاء 2- الاعتكاف 3- الاغسال 4- الاوامر 5- التجارات
6- التقية، وهو كتاب: حذو النعل بالنعل، ذكره النجاشي بهذا
الاسم 7- التيمم 8- جامعآداب السفر للحج 9- جامع الحج
10- جامع علل الحج 11- جامع فرض الحج والعمرة 12- جامع
فضل الكعبة والحرم 13- جامع فقه الحج 14- جامع نوادر الحج
15- الجزية 16- الجمعة والجماعة 17- جواب رسالة و ردت في
شهر رمضان 18- جواب مسالة في الطلاق 19- جواب مسالة
نيسابور 20- جوابات المسائل البصريات 21- جوابات المسائل
القزوينيات 22- جوابات المسائل الكوفيات 23- جوابات
المسائل المصريات 24- جوابات المسائل الواسطية. هذا كله
بناء على كون هذه المسائل في الفقه، وظهوره غير بعيد
25- الحدود 26- الحذاء والخف، وقد تقدم باسم التقية 27- حق
الجذاذ 28- الحيض والنفاس 29- الخمس 30- دعائم الاسلام،
ذكره الشيخ الطوسي في الفهرس بهذا الاسم، وذكره
النجاشي باسم «دعائم الاعتقاد»31- الديات 32- الرسالة الاولى،
في شهر رمضان، كتبها الى ابي محمد الفارسي 33- الرسالة
الثانية، في شهر رمضان 34- الزكاة 35- السكنى والعمرى
36- الصدقة والنحلة والهبة 37- صلاة الحاجات 38- الصلوات
سوى الخمس 39- الصوم 40- العتق والتدبير والمكاتبة
41- علل الحج 42- علل الشرائع والاحكام والاسباب، كذا سماه
المؤلف في كتاب التوحيد 43- علل الوضوء 44- فرائض الصلاة
45- فقه الصلاة 46- القضاء والاحكام 47- تحريم الفقاع
48- اللعان 49- المتعة 50- المسائل 51- مسائل الوضوء
52- مسائل الصلاة 53- مسائل الزكاة 54- مسائل الخمس
55- مسائل الحج 56- مسائل الوقف 57- مسائل النكاح
58- مسائل العقيقة 59- مسائل الرضاع 60- مسائل الطلاق
61- مسائل الوصايا 62- مسائل المواريث 63- مسائل الحدود
64- مسائل الديات 65- المقنع في الفقه 66- المواريث
67- الملاهي 68- المعايش والمكاسب 69- المناهي
70- مصباح المصلي، سماه الشيخ وابن شهرآشوب«المصباح»
71- مواقيت الصلاة 72- الموالاة 73- المياه 74- النكاح
75- نوادر الصلاة76- الوصايا 77- الوضوء 78- الوقف 79- الهداية
80- فضائل الصلاة 81- فضل الصدقة82- فضائل الاشهر الثلاث. ب - مؤلفاته في الحديث: وتبلغ ستة عشر كتابا. ج - مؤلفاته في الاعتقادات والكلام: وتبلغ خمسة وعشرين كتابا. د - مؤلفاته في الرجال والتراجم: وتبلغ ثلاثة عشر كتابا. ه - مؤلفاته في احوال النبي(ص) والائمة (عليهمالسلام)
وفضائلهم: وتبلغ عشرين كتابا. و - مؤلفاته في التفسير وعلوم القرآن: وهي اربعة كتب. ز - مؤلفاته في الاخلاق: وتبلغ تسعة كتب. ح - مؤلفاته في التاريخ: 1- كتاب الجمل.
2- كتاب التاريخ، وهو الذي احتمل صاحب الذريعة انه كتابه
المشتمل على تراجم الرواة من الخاصة والعامة كافة. ط - مؤلفاته في الدعاء والزيارة: وتبلغ خمسة كتب. ي - مؤلفاته في الطب: كتاب نوادر الطب. وقد ذكر النجاشي من هذه الكتب (189) كتابا، ونص الشيخ
الطوسي على اربعين منها، وابن شهرآشوب عدمنها ستين.
بيد ان مما يؤسف له حقا، تسلط عوادي الايام على ذلك
التراث الزاخر، ففرقته ايادي سبا، ولم يبق لنا منها الاالاسم،
وربما ضن الزمان بذلك ايضا. وعلى كل حال، فان المطبوع من كتبه في عصرنا هو: 1- من لا يحضره الفقيه 2- عيون اخبار
الرضا(ع) 3- الخصال 4- التوحيد 5- اكمال الدين واتمام النعمة 6- علل الشرائع 7-
معاني الاخبار 8- الامالي 9- الاعتقادات 10- مصادقة الاخوان 11- عقاب الاعمال 12-
ثواب الاعمال 13- صفات الشيعة 14- فضائل الاشهر الثلاث 15- المقنع 16- الهداية. نظرات في تراث الشيخ الصدوق(رحمه اللّه): لا شك ان الالمام بتراث الصدوق وبسط الكلام حول كل مفردة من مفرداته ليطول، وربما يتعذر; لاختفاء الكثير منه وجهلنا به بحيث لا نعرف منه الا الاسم; لذا سنسلط الضوء على بعض مؤلفاته مقتصرين على ذكر اعلام كتبه واشهرها: الاول: من لا يحضره الفقيه: ويقع البحث فيه حول الامور التالية: السبب في تاليفه
وتسميته، قيمته العلمية، صحة رواياته، مراسيله، ترتيبه
وعدد ابوابه واحاديثه، الشروح والتعليقات عليه. السبب في تاليفه وتسميته:
يعتبر كتاب «من لا يحضره الفقيه» من اوسع واشهر
الموسوعات ومصادر الحديث لدى الشيعة، على الرغم من
مضي اكثر من عشرة قرون على تاليفه، فقد الفه سنة (368 ه)
او ما بعدها، وهي سنة ورود الشريف ابي عبداللّه المعروف
بنعمة قصبة ايلاق في بلاد بلخ حيث كان الشيخ
الصدوق (قدس سره) فيها، فطلب اليه وضع كتاب جامع
للحلال والحرام والشرائع والاحكام، مستوفيا لجميع ما كتبه
الشيخ في الفقه من سائر مصنفاته من اجل ان يكون مرجعا
لديه ومعتمدا عليه، فاجابه المؤلف الى مسؤوله، وشرع في
تاليفه وترتيبه وهو بارض بلخ، حتى اتمه وقراه فيها على
الفاضل المذكور (الشريف نعمة)، كما ذكر ذلك الشيخ
الصدوق في آخر الكتاب.
واما تسميته: فقد كانت ايضا باقتراح من الشيخ المذكور على
المؤلف تاثرا بكتاب «من لا يحضره الطبيب» الذي صنفه
محمد بن زكريا الرازي (م 364ه). قيمته العلمية:
يعد كتاب «من لا يحضره الفقيه» من اكثر مصادر الحديث
اعتبارا واعظمها اشتهارا بين الفقهاء والمحدثين، فقد حظي
بعنايتهم واستاثر باهتمامهم. قال الفقيه المعظم السيد بحر
العلوم(قدسسره) في حقه: «احد الكتب الاربعة التي هي في
الاشتهار والاعتبار كالشمس في رابعة النهار، واحاديثه
معدودة في الصحاح من غير خلاف ولا توقف من احد». وياتي هذا الكتاب في القيمة العلمية واعتماد العلماء عليه في
المرتبة الثانية من بعد كتاب الكافي لثقة الاسلام
الكليني(رحمهاللّه). قال المحدث النوري(رحمهاللّه) «كتاب
من لا يحضره الفقيه الذي بعد الكافي اصح الكتب واتقنها على
ما صرح به ائمة الفن». ولعل ثمة رايا آخر يذهب الى ترجيحه على كتاب الكافي. قال
السيد بحر العلوم(رحمهاللّه): «ومن الاصحاب من يذهب الى
ترجيح احاديث الفقيه على غيره من الكتب الاربعة نظرا الى:
1- زيادة حفظ الصدوق، وحسن ضبطه، وتثبته في الرواية.
2- تاخر كتابه عن الكافي.
3- ضمانه فيه لصحة ما يورده، وانه لم يقصد فيه قصد
المصنفين في ايراد جميع ما رووه، وانما يورد فيه ما يفتي به،
ويحكم بصحته، ويعتقد انه حجة بينه وبين ربه، وبهذا الاعتبار
قيل: «ان مراسيل الصدوق في «الفقيه» كمراسيل ابن ابي
عمير في الحجية والاعتبار، وان هذه المزية من خواص هذا
الكتاب، لا توجد في غيره من كتب الاصحاب». وقد بلغ اعتماد العلماء على هذا الكتاب وسكونهم اليه حدا
صرح البعض معه بقبول مراسيله والقول باعتبارها والاخذ بها
كما ياخذون بمسانيده، وهو يكشف بلا شك عن مدى قيمة
الكتاب واعتباره الذي هو كاشف بالضرورة عن وثاقة صاحبه
ومنزلته لدى الاصحاب. قال صاحب البلغة: «بل رايت جمعا
من الاصحاب يصفون مراسيله بالصحة ويقولون انها لا تقصر
عن مراسيل محمد بن ابي عمير، منهم العلامة في المختلف،
والشهيد في شرح الارشاد والمحقق الداماد». وعلى كل حال، فقد استاثر الكتاب باهتمام العلماء اكثر من
الف عام; وذلك لجملة امور:
1- شهادة مؤلفه بصحة جميع رواياته باعتبار انها مستخرجة
من كتب مشهورة واصول معتمدة.
2- باعتباره يمثل آراء وفتاوى احد اهم قدماء فقهائنا في
اوائل عصر الغيبة الكبرى.
3- المكانة العظيمة التي يتمتع بها نفس الشيخ
الصدوق(رحمهاللّه) لدى الطائفة; لدقته وحفظه، حتى ان
روايته كما سمعت عن البعض اولى عندهم من رواية الكافي. وبعد هذا كله، فان الكتاب لا يخلو من بعض الملاحظات التي
نشير اليها بشكل عاجل:
1- اختلاط كلام المؤلف وزياداته مع النص، كما حصل ذلك
في مواضع من كتابه، حتى صار ذلك منشا لاختلاف فهم
الفقهاء او حكمهم، ولذلك امثلة عديدة في كتب الفقه لا نريد
الاطالة بذكرها، ولعل هذا هو السرفي تقديم البعض نقل
الشيخ الكليني على الشيخ الصدوق لاضبطيته.
2- عدم التزامه بما قطعه على نفسه في مقدمة الكتاب من
انه يفتي ويحكم بجميع ما فيه، بل قد تخلف في موارد، كما
نبه على ذلك غير واحد من الاعلام. صحة رواياته:
ذهب لفيف من علمائنا الى صحة اخبار «من لا يحضره الفقيه»
اعتمادا على ان كلام مؤلفه في اوله حيث قال: «ولم اقصد
فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت الى
ايراد ما افتي به واحكم بصحته، واعتقد انه حجة فيما بيني
وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته، وجميع ما فيه
مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعول واليها المرجع»
شهادة بوثاقة رواته واعتراف بصحة رواياته. قال السيد بحر العلوم(قدسسره) في معرض كلامه عن احاديث هذا الكتاب : «واحاديثه معدودة في الصحاح من غير خلاف ولا توقف من احد، حتى ان الفاضل المحقق الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني مع ما علم من طريقته في تصحيح الاحاديث يعد حديثه من الصحيح عنده وعند الكل».
وذهب الى هذا الراي المحقق الاردبيلي في مواضع من كتابه مع ما هو عليه من التدقيق
في اسانيد الاخبار ومتونها، الا ان هذا الادعاء قد يكون تاما بناءعلى اصطلاح
القدماء في الخبر الصحيح للحديث الذي يركن اليه ويعتمد عليه ولو لوجوده في الكتب
المشهورة، او تكرره في اصل او اصلين او غير ذلك من القرائن التي تحف الخبر وتشهد
بصحته. وعلى هذا جرى رئيس المحدثين الصدوق(قدسسره) في
اطلاق الصحيح على روايات الفقيه، الا ان المتاخرين جروا في
اطلاق الصحيح على ما كان جميع سلسلة سنده اماميين
ممدوحين بالتوثيق، وعليه فان كثيرا من احاديث هذا الكتاب
يكون بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح
المتاخرين، ومنخرطا في سلك الحسان والموثقات بل
الضعاف.
وقد ناقش المتاخرون في صحة الدعوى المذكورة، ولعل
السيد الطباطبائي صاحب «مفاتيح الاصول» هو اول من ناقش
في ذلك، وتابعه وشيد رايه السيد الخوئي في معجم رجال
الحديث وفي بحوثه الفقهية، بل الاول منهما منع من دلالة
كلامه على دعواه العلم بصدور جميع ما في كتابه عن الائمة
المعصومين(عليهمالسلام). مراسيله: لا شك ان المكانة العلمية التي امتاز بها شيخنا الصدوق،
والمنهج العلمي الدقيق الذي اقتفاه في حفظ الآثار وضبط
الاخبار، وتبويب الروايات وتصنيفها وتحملها ونقلها، قد زاد
من قيمة روايته ووثوق العلماء به، حتى نزلوا كلامه منزلة
النص; لما علم انه لا يتعدى النص، بل ان وثاقته من
الواضحات التي لم يتردد فيها احد، وقال السيد بحر
العلوم (رحمهاللّه): «وثاقة الصدوق امر جلي، بل معلوم ضروري
كوثاقة ابي ذر وسلمان، ولو لم يكن الا اشتهاره بين علماء
الاصحاب بلقبيه المعروفين لكفى»، وقال(رحمهاللّه) فيما
يخص التوقيع الشريف في حقه: «ووصفه بالفقاهة والنفع
والبركة دليل على عدالته ووثاقته; لان الانتفاع الحاصل منه
رواية وفتوى لا يتم الا بالعدالة التي هي شرط فيها، فهذا
توثيق له من الامام والحجة(ع) وكفى حجة على ذلك»، بل
ذكر المحدث النوري ان: «عدالته من ضروريات المذهب». وقد نص على توثيقه جماعة من الاعلام، منهم: الفقيه الفاضل
محمد بن ادريس في السرائر، والسيد الثقة الجليل علي بن
طاووس في فلاح السائل ونجاح الآمل وفي كتاب النجوم
والاقبال وغياث سلطان الورى لسكان الثرى، والعلا مة في
المختلف والمنتهى، والشهيد في نكت الارشاد والذكرى،
والسيد الداماد، والشيخ البهائي، والمحدث التقي المجلسي،
والشيخ الحر العاملي. ومن هنا فقد اخذ بعض اكابر الطائفة بمراسيله كاخذهم
بمسانيده معللين ذلك: بانه لايرسل الا عن ثقة، وان جميع ما
رواه في كتابه هذا مستخرج من كتب مشهورة، كما تعهد
بذلك في مقدمة الكتاب، وانه لم يورد الاخصوص ما يفتي به،
ويراه حجة شرعية يستند اليها، ولذا فانهم لا يفرقون كما
ذكرنا بين مراسيله ومراسيل ابن ابي عمير، فلا تطرح روايته
بمجرد الارسال، بل نسب الشيخ البهائي الى جماعة من
الاصوليين القول بترجيح مراسيل العدل على مسانيده،
محتجين بان قول العدل: «قال رسول اللّه(ص) كذا» يشعر
باذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال: «حدثني فلان عن
فلان انه(ص) قال كذا»، والا كان الحكم الجازم بالاسناد هادما
لجلالته وعدالته، وقد ذهب الى هذا المسلك جمع من علمائنا
الماضين، كالعلامة الحلي في حرمة اخذ الاجرة على الاذان،
والشهيد الاول في شرح الارشاد، والشيخ البهائي، والحر
العاملي، والمحقق الداماد، والفاضل التفريشي، والشيخ ياسين
بن صلاح الدين، وهو المستفاد من كلام المحقق القمي في
القوانين، ومن المعاصرين ذهب الى ذلك الامام الخميني،
والسيد حسن الصدر. استنتاج وتعقيب:
تعقيبا على ما تقدم تجدر الاشارة الى الامور التالية:
1- ان المراجع لكلماتهم يجد تفاوتا في تحديد دائرة الحجية
والاعتبار التي يرونها لمراسيل «الفقيه»، فمنهم من يثبت
الحجية باوسع نطاقها ولكافة اقسام المرسل، كالعلامة الحلي
والشيخ البهائي والحر العاملي والفاضل التفريشي والشيخ
ياسين بن صلاح الدين، ومنهم من يقصر الحجية على
خصوص المرسل الذي يسند فيه الحديث للمعصوم مباشرة،
كالمحقق الداماد والامام الخميني.
2- ان المفهوم من ظاهر بعض الكلمات المزبورة ولازم بعض
التعليلات المذكورة في حجية المرسل هو اعتبار مرسلات
الصدوق بشكل مطلق، سواء التي في الفقيه او التي في سائر
كتبه الاخرى، كالمقنع والهداية والخصال ومعاني الاخبار
وغيرها مما يعتمده الفقهاء في النقل عنها. وهذا هو صريح او
ظاهر جملة من الكلمات السابقة، ككلام العلامة والحر العاملي
والمحقق الداماد والامام الخميني(قدسسره)، فلاحظ.
3- ان المسلك المتقدم الذي يفترض ثبوت الحجية
لمراسيل الثقات كابن ابي عمير وصفوان بن يحيى واحمد بن
ابي نصر، والشيخ الصدوق قد ناقشفيه بعض اعلام المتاخرين
كالمحقق الخوئي والعلامة المامقاني في المقباس، وصاحب
التكملة في خصوص مراسيل الصدوق. تتميم، وفيه تنبيهان:
الاول: ان اصطلاح المرسل يقع على معان وانحاء:
قال الفاضل التفريشي في شرحه على «من لا يحضره الفقيه»:
«ومرادهم من المرسل انه:
1- اعم مما لم يذكر فيه اسم الراوي; بان قال: روي، او قال:
قال(ع).
2- او ذكر الراوي، وصاحب الكتاب نسي ان يذكر طريقه اليه
في المشيخة». الثاني: ان عدة مراسيل الكتاب تبلغ الفين وخمسين مرسلا،
بحسب ما افاده بعض الاعلام.
وقد ذكر المجلسي الاول(رحمهاللّه) في شرحه على «من لا
يحضره الفقيه» انه وجد بحسب التتبع ان اكثر مراسيله من
الكافي. وقد قمنا بتتبع بعض الموارد فوجدنا اختلافا بين ما يرسله
الشيخ الصدوق وبين ما يسنده في الكافي ولو في لفظة او
لفظتين، والذي يظهر: ان موارد التطابق التام قليلة، ولا يعلم
ان سبب الاختلاف الجزئي المشار اليه هل هو اختلاف نسخة
الكافي التي كانت بيد الشيخ الصدوق عن التي بايدينا اليوم؟
او نقله عن الشيخ الكليني بالمضمون؟ او عدم نظره في
مراسيله الى كتاب الكافي من الاساس بان كان يرويها من
كتب اخرى؟ احتمالات تحتاج الى بحث وتحقيق اوسع.
وعلى كل حال، فان عدد الرواة الذين يرسل عنهم في «من لا
يحضره الفقيه» بحسب ما ذكر هو (120) راويا. تبويبه وعدد احاديثه:
يتالف كتاب «من لا يحضره الفقيه» من اربعة اجزاء، وعدة
ابوابه تبلغ (666) بابا، كما هو المنقول عن الشيخ البهائي،
ونقله المحدث البحراني عن بعض مشايخه.
واليك تفصيل ابوابه واحاديثه المسندة والمرسلة بحسب
احصائية الشيخ البهائي(رحمهاللّه):
لكن احصائية بعض مشايخ المحقق البحراني تختلف عما نقلنا
في بعض الارقام، وهي تختلف عما نقل عنها في خاتمة
المستدرك، فلاحظ وقارن. الثاني التوحيد:
ويعتبر من اقدم المتون الكلامية والحكمية من بعد كتاب
التوحيد في الكافي، بل يفوقه ويمتاز عليه بذكر بعض الابواب
التي ينفرد بها، كالباب الاول منه «في ثواب الموحدين
والعارفين»، او انفراده ببعض الروايات، كخبر ابي هاشم
الجعفري في معنى التوحيد قال: سالت ابا جعفر(ع) ما معنى
التوحيد؟ فقال(ع): «المجتمع عليه بجميع الالسن بالوحدانية». ولسنا في صدد المقارنة الدقيقة بين الكتابين، بل تكفينا
مقارنة بسيطة واجمالية في ذلك: فقد بلغت ابواب توحيد
الكافي (35) بابا، واحاديثه فيها (215) حديثا، فيما بلغت
ابواب توحيد الصدوق (67) بابا، واحاديثه (583) حديثا.
وايضا فقد اشتمل كتاب «التوحيد» على تفسير جملة من
الآيات المتعلقة بالعقيدة، بالاضافة الى اشتماله على كثير من
بيانات المؤلف، وقد بلغت (56) موردا، وهذا ما لا نجده عند
الشيخ الكليني في كتابه الا نادرا. وعلى كل حال، فان موضوع هذا الكتاب كما يدل عليه
اسمه وصرح به المؤلف في ديباجته انما هو في التوحيد
وكذا العدل تبعا، وقد ضمن الشيخ الصدوق كتابه اروع الاخبار
وغرر الاحاديث في باب التوحيد وما يتصل به كمبحث الصفات
والاسماء. وهو كتاب مزدان بكثير من بيانات المؤلف
وتحقيقاته التي جرى فيها على طريقة اهل المعقول والحكمة،
كما في بحث نفي المكان والزمان عنه تعالى، وكلامه في
التفرقة بين صفات الذات وصفات الفعل، وبحثه حول عينية
الصفات والذات، واستدلاله على وحدة الصانع، وبيان رائع في
شرح اسمائه سبحانه; ومن هنا فقد كان هذا الكتاب من
المصادر الاساسية في الكلام والعرفان والحكمة، وقد حظي
منذ القدم باهتمام العلماء وعنايتهم به. وعليه شروح كثيرة،
منها:
1- شرح المحقق السبزواري (م1090ه’)، باللغة الفارسية.
2- شرح القاضي محمد سعيد بن محمد مفيد القمي
(م1107ه’) وهو من خيرة الشروح عليه، ويقع في ثلاثة
مجلدات، وقد طبع منه اخيرا مجلدان.
3- شرح الامير محمد علي نائب الصدارة بقم.
4- شرح المحدث الجزائري، الموسوم ب «انيس الوحيد»، طبع
منه اخيرا مجلدان. الثالث والرابع المقنع والهداية:
وهما في الفقه الماثور، عملهما الشيخ الصدوق واسقط
اسانيدهما، وقد نسج في ذلك على منوال ابيه في رسالته
المسماة ب’ «الشرائع»، والذي يظهر من كلامه في مقدمة «من لا
يحضره الفقيه» انهما كتبا قبله. وقد نقل الفقهاء على مر العصور آراء الشيخ الصدوق من هذين الكتابين، واعتنوا بامرهما سيما كتاب «المقنع» الذي هو متون اخبار، وقد صرح الشيخ الصدوق بذلك في مقدمته، كما سياتي نقل كلامه، وكذا المحدث النوري، والمحقق الهمداني في بحث الزكاة والامام الخميني والسيد الخوئي في بحوثهما الفقهية. واستدل المحدث النوري لذلك بامرين: الاول: تصريح الشيخ الصدوق بعد خطبة الكتاب بقوله: «اني
صنفت كتابي هذا وسميته كتاب المقنع لقنوع من يقرا بما
فيه، وحذفت الاسناد منه لئلا يثقل حمله ولا يصعب حفظه
ولا يمله قارئه; اذ كان ما ابينه فيه في الكتب الاصولية
موجودا مبينا عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات».
الثاني: ما يظهر من مواضع من الكتاب ان ما يذكره متن
الحديث. ثم ذكر بعض الشواهد لذلك. هذا، وقد استفاد المحدث المذكور من كلام المؤلف في الامر
الاول ان هذا الكتاب يتفوق على «من لا يحضره الفقيه»; اذ ما
فيه موجود في الكتب الاصولية ومبين عند المشايخ والفقهاء،
وهذا بعكس «من لا يحضره الفقيه»; اذ جملة من مآخذه
ضعيفة الاسناد كنوادر الحكمة وكتاب المحاسن.
وطبع هذا الكتاب بطبعات متعددة، منها ما طبع ضمن
الجوامع الفقهية سنة (1276ه’)، وهناك طبعات اخرى جديدة
ومحققة، كان آخرها طبعة مؤسسة الامام الهادي(ع) حيث
طبقت احاديثه على مصادرالحديثالمعروفة، وتم استخراجها
منها.
والمقنع دورة فقهية تبدا بكتاب الوضوء وتنتهي بكتاب
الديات.
واما كتاب الهداية فانه ياتي لدى الفقهاء في الرتبة الثانية من
بعد المقنع من حيث الاهمية. الخامس: كتاب مدينة العلم:
ان معظم آثار الشيخ الصدوق تعتبر من التراث المفقود الذي
لم تصل اليه ايدي الباحثين ما عدا نزر يسير لا يعدو العشرين
اثرا، وجملة من هذا التراث تعتبر في واقعها من عيون مؤلفاته
التي يجب التوقف عندها وتركيز الحديثحولها بقدر
المعلومات المتوفرة عنها، ومن هذه المؤلفات العظيمة كتاب
«مدينة العلم»، وهو كتاب روائي جامع وكبير، قد نص عليه
علماؤنا، كالشيخ الطوسي(رحمهاللّه) الذي وصفه بانه اكبر من
«من لا يحضره الفقيه»، وحدده ابن شهرآشوب بانه «يقع في
عشرة اجزاء». وكان هذا الكتاب معروفا عند علمائنا ومشايخ الحديث،
كالشيخ المفيد، والحسين بن عبيداللّه، وابي الحسين جعفر
بن محمد بن حسكة القمي، وابي زكريا محمد بن سليمان
الحمراني، كما يظهر ذلك من عبارة شيخ الطائفة عند سرده
لفهرس كتب الصدوق. هذا، ولم يعرف شيء عن حال الكتاب في القرن الرابع
والخامس والسادس، ولا عن مبدا ضياعه وفقده، الا ان
الشواهد التاريخية تؤكد وجوده في القرن السابع، فقد ذكره
السيد ابن طاووس (م664ه’) في فلاح السائل في تسعة
مواضع، والمستفاد من كلامه فيها وجوده عنده ونقله منه،
وهو طريق اكثر المتاخرين في النقل عنه، كصاحب البحار
والوسائل والمستدرك، كما ان العلامة المجلسي نقل عن
كتاب الاجازات للسيد ابن طاووس عن «مدينة العلم»، بل نقل
عن فلاح السائل رواية في الجزء الاول من «مدينة العلم»، ولم
نعثر عليه في المطبوع من فلاح السائل. ومما يعزز ايضا
وجوده في القرن السابع تصريح العلامة المجلسي في فصل
توثيق المصادر من البحار بنقل صاحب الدر النظيم (وهو من
مصادر البحار للشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي
تلميذ المحقق الحلي ومن معاصري السيد ابن طاووس) عن
«مدينة العلم»، واستظهر المحقق الطهراني في الذريعة وجوده
لديه. واما في القرن الثامن فالمستفاد من كلام الشهيد الاول
(م786ه) في «ذكرى الشيعة» وجوده عنده; لروايته عنه، وقد
تعرض لذكره في ثلاثة مواضع من كتابه هذا.
وايضا روى العلامة الحلي (م726ه) في كتاب «منتهى
المطلب» ثلاث روايات من «مدينة العلم». وقد اكد المجلسي الاول صريحا في شرحه على «من لا
يحضره الفقيه» وجود الكتاب لدى الشيخ حسين بن
عبد الصمد والد الشيخ البهائي (م984ه)، قال في روضة
المتقين: «وكتاب مدينة العلم، وهو كما ذكر اكبر من هذا
الكتاب بكثير، وكان عند الشهيد الثاني (رحمهاللّه)، وكان
شيخنا البهائي(قدسسره) يذكر في المجلس انه كان عند ابي،
والى الآن لم يصل الينا».
بل في «وصول الاخيار الى اصول الاخبار» عد كتاب «مدينة
العلم» خامس اصولنا الحديثية، قال ما نصه: «واصولنا الخمسة:
الكافي، ومدينة العلم، وكتاب من لا يحضره الفقيه، والتهذيب،
والاستبصار ثم قال «واما كتاب مدينة العلم ومن لا يحضره
الفقيه فهما للشيخ الجليل النبيل ابي جعفر محمد بن علي بن
الحسين بن بابويه(رحمهاللّه)». ويستفاد قويا من كلامه هذا
وجوده في عصره.
وذكر الفاضل الافندي في الرياض وجوده في القرن الثاني
عشر فقال:«وقد سمعت من شيخنا المعاصر يريد به الشيخ
الحر العاملي انه رآه في جبل عامل ايضا ايام اقامته فيها،
ثم قال: وانا رايت بعض الاخبار المنقولة منه على ظهر كتاب
في بلاد مازندران، وكان بخط بعض تلامذة البهائي او تلامذة
تلامذته». هذا آخر ما عثرنا عليه في تتبع حال الكتاب، وبحسب النقل
الاخير فالمؤكد هو وجوده في القرن الثاني عشر.
وعلى كل حال، فان هذا السفر القيم يعد من الآثار النفيسة
التي غيبتها صروف الدهر، ولم يظفر به احد الى الآن رغم تتبع
وطلب البعض له، فقد نقل العلامة النوري(قدسسره) في
«الفيض القدسي في ترجمة العلامة المجلسي» انه لما تاهب
المولى المجلسي لتاليف بحار الانوار وكان يفحص في الكتب
القديمة، ويسعى في تحصيلها بلغه ان كتاب «مدينة العلم»
للصدوق يوجد في بعض بلاد اليمن، فانهى ذلك الى سلطان
العصر، فوجه السلطان اميرا من اركان الدولة سفيرا الى ملك
اليمن بهدايا وتحف كثيرة لخصوص تحصيله، الا انه لم يظفر
به ولم يعثر عليه. وفي الذريعة: انه ليس لنا معرفة بوجود هذه الدرة النفيسة
في هذه الاواخر، الا ما وجدناه بخط السيد شبر الحويزي
(م بعد 1186ه) وامضائه الآتي، وهو ما حكاه السيد الثقة الامين
السيد معين الدين السقاقلي الحيدرآبادي; فانه ذكر للسيد
عبدالعزيز المجاز من الشيخ احمد الجزائري انه توجد نسخة
«مدينة العلم» للصدوق عنده، واستنسخ عنه نسختين اخريين،
وذكر السقاقلي انه ليس مرتبا على الابواب، بل هو نظير
«روضة الكافي»، وروى السقاقلي عن حفظه حديثا للسيد
عبدالعزيز في فضل مجاورة اميرالمؤمنين(ع) نقله عنه السيد
عبدالعزيز بالمعنى. ثالثا - مناظراته:
ان ظاهرة المناظرة والسجال العلمي امر طبيعي، وربما يكون
ضروريا عندما تتركب البيئة العلمية من عدة اتجاهات فكرية
وعقيدية، طموحا في الارتقاء الى الحقيقة باعتبارها الغاية عند
كل باحث وفوق كل شيء.
وقد كانت «الري» موطن الشيخ الصدوق تحتضن الكثير من
التيارات والمذاهب كما تشير اليه عبارة الحموي، خصوصا اذا
لاحظنا ان عصر الشيخ الصدوق وهو بدايات مرحلة الغيبة
كان خصبا ومهيئا لطرح كثير من الشبهات والاستفسارات
حول امر الامامة ومستقبلها وتكييفها ضمن الظروف
المستجدة آنذاك، مما كان يدعو فقهاء الطائفة وعلماءها لان
يكونوا في خط المواجهة لحفظ ثغور العقيدة، ولا ترانا نبالغ اذا
قلنا: بان الشيخ الصدوق كان من اوائل العلماء والفقهاء الذين
هبوا لحمل هذه الرسالة، فكانت له مباحثات ومناظرات
ببغداد وفي بلاط الدولة البويهية بالري، وذلك بحضور
سلطانها الامير ركن الدولة وطلبه، وفي كثير منها كان هو
قطب الحوار والمناظرة مع الشيخ الصدوق، ولا شك فان مثل
هذه الفرصة الكبيرة لم يكن الشيخ الصدوق ليمررها من دون
ان يسجل فيها موقفا للحق واعلاء لكلمته. وقد نص النجاشي في رجاله على خمسة مجالس جرت
للصدوق مع ركن الدولة، وافرد الشيخ جعفر الدوريستي بعض
تلك المناظرات في رسالة مستقلة، كما نقل القاضي التستري
والشيخ البحراني في الكشكول والتنكابني شطرا من هذه
المناظرات التي ظهرت فيها براعة الصدوق وتفوقه العلمي
بحيث لجلج الخصم وقطعه عن الكلام، وكسب في الوقت
ذاته ثقة الدولة البويهية وامرائها، والملاء العلمي بالري من
الفقهاء والمتكلمين والمحدثين. ولا شك فان ذلك عزز من
موقعية المذهب ومكانة قادته. منهج البحث عند الشيخ الصدوق:
اذا اردنا اكتشاف الابعاد المنهجية لدى الشيخ
الصدوق(رحمهاللّه) فان نظرة في اطراف تراثه العلمي الخالد
تقودنا لتضع ايدينا على بصمات ذلك المنهج، التي انطبعت
على جميع ما الفه وصنفه في مختلف الفنون.
وتتحدد ابعاد هذا المنهج في غالب مفرداته بالماثور من
الاخبار والروايات، الا ان هذا لا يعني وقوف منهجه عند هذا
الحد وخلوه من اسس علمية وفنية تتحكم في نقل الرواية
وضبطها، ومن ثم درايتها وفقهها الذي هو فوق ذلك كله، بل
هو الجانب الاهم في تقويم الجانب العلمي.
كما ان هذا المنهج لم يخل ايضا في الكثير من مجالاته
الكلامية والفقهية والتفسيرية من تحقيقات وبيانات تتناسب
والمرحلة التي عاصرها الصدوق نجدها مبثوثة في كتبه
الفقهية نحو: من لا يحضره الفقيه، والمقنع، وكذا في كتبه
الكلامية كالتوحيد واكمال الدين. وعلى كل حال، فان قراءة عامة لتراث الشيخ الصدوق توقفنا
على منهجه واسلوبه في البحث:
ففي علم الكلام كتب «التوحيد»، وهو جملة بحوث كلامية
دونت في الاغلب بطريقة الماثور. ومثله ايضا كتاب «اكمال
الدين»، وقد اشتمل هذا الكتاب على بحوث ضافية ضمن
المصنف مقدمته مباحث عقائدية شتى.
وفي علم الاخلاق والتربية كتب «الخصال» و«عقاب الاعمال»
و«ثواب الاعمال» بنفس الطريقة والاسلوب.
وفي علم الفقه كتب «من لا يحضره الفقيه» و «المقنع» و
«الهداية» بالمنهج المشار اليه.
والذي نحدسه انه سار على المنوال نفسه في مجال التفسير
والتراجم والرجال والتاريخ والطب وغيرها من المجالات.
وسوف نحصر الحديث فيما يلي عن منهجيته في محورين
هامين: الفقه، والحديث. منهجيته في الفقه:
لا شك ان المرحلة التي عاشها الشيخ الصدوق هي مرحلة
الفقه الروائي والفقه الماثور، وان كانت بدايات مرحلة الفقه
الاستدلالي والتفريعي قد بذرت بذورها الاولى على يدي
الفقيهين القديمين ابن الجنيد الاسكافي (المعاصر للشيخ
الصدوق وكانت بيئته ببغداد) وابن ابي عقيل (الذي يعتبر
اقدم طبقة منه)، الا ان الشيخ الصدوق بقي محافظا على
طريقة المحدثين تاثرا منه بمدرسة قم التي كانت تؤكد على
امرين هامين يعتبران من اهم الشواخص البارزة لمدرسة
اصحاب الحديث، وهما:
اولا عدم فصل الفقه عن الحديث. وثانيا ابعاد المنهج العقلي الذي يتخطى النص وحرفيته في طريقة التفكير الفقهي. وربما كانوا ينظرون الى هذا المنهج على انه ضرب من القياس المنهي عنه، الا انه يمكن اعتبار منهج الشيخ الصدوق في الفقه منهجا تجديديا وفي حدود معينة بالنسبة لمدرسة المحدثين، وذلك من خلال ادخاله بعض التغييرات التالية: 1- حذفه الاسانيد كاملة وافتاؤه بلسان الرواية او مضمونها،
كما فعل في المقنع والهداية، وهذه الطريقة لم يعمل بها احد
من قبله من المحدثين الا والده في رسالته الموجهة اليه
المسماة «الشرائع»، فاراد الشيخ الصدوق لهذه الطريقة ان
تتركز وتاخذ طريقها بصورة اوسع في مؤلفات المحدثين
والفقهاء، وجرى على الطريقة ذاتها في «من لا يحضره الفقيه»
مع فارق ذكر الاسانيد في «المسندة» او «المشيخة» في آخر
الكتاب.
وقد استلهم الشيخ المفيد في «المقنعة» وتلميذه الطوسي في
«النهاية» من هذه الطريقة، قال المجلسي الاول في وصف
ذلك: «ونعم ما فعل، فان الظاهر انه لم يسبقه اليه ولم يلحقه
احد من العامة والخاصة، وفوائده كثيرة مع قطع النظر عن
الاختصار». 2- لو اردنا ان نؤرخ لمبدا كتابة الرسائل العملية لدى الفقهاء
فان كتاب «من لا يحضره الفقيه» يعتبر اول رسالة عملية في
تاريخ الفقه الامامي; اذ لا نجد في مصنفات من تقدمه او
عاصره ما يكون قد اعد لهذا الغرض، ومما يزيد الامر وضوحا
ملاحظة الامرين التاليين:
ا - تصريح الشيخ الصدوق في مقدمته بان ما يورده فيه
بلسان الماثور، والخبر يعبر عن رايه وفتواه، فالكتاب بنظره
كتاب فتوى قبل ان يكون كتاب حديث.
ب - ان الغاية التي من اجلها دون الصدوق هذا الكتاب
تتحدد بان يكون مرجعا في الحلال والحرام لمن رغب وطلب
تاليفه (وهو الشريف نعمة) ولعامة الناس، وعليه فالكتاب
وضع اساسا كرسالة عملية يرجع اليها في اخذ الحكم الشرعي.
وبهذا فلا يمكن مقارنة الكتاب بالكافي; لانه لم يفرد لهذا
الغرض، ولا برسالة ابن بابويه(رحمهاللّه) لولده الصدوق. ثم ان
مما لا يستبعد ايضا في هذا المجال كون كتابي المقنع
والهداية قد اعدا لهذا الغرض; وشاهد ذلك قول الصدوق في
المقنع انه حذف الاسناد منه لئلا يثقل حمله.
ومنه نعرف انا لا نكون مبالغين اذا اعتبرنا الامر المشار اليه
من ابتكارات الشيخ الصدوق وابداعاته. وكلمة اخيرة لا بد منها وهي: ان الصدوق ومن خلال
الاسلوب الذي اتبعه في تدوين الكتاب كان يهدف الى تحقيق
امرين:
ا - ضبط آرائه وفتاواه.
ب - ضبط وتدوين مجموعة روائية نفيسة تعتبر من اروع
المصادر في الحديث. 3- ومما نلحظه ايضا في منهج الشيخ الصدوق اعتماده
الجمع المبوب والمنظم لروايات الفقه، وهذا يشكل فارقا بينه
وبين الفقهاء الرواة الذين يعتمدون في طريقتهم الجمع غير
المنظم للروايات بشكل عام. ان هذه المحاولات اسهمت ومن دون شك في تطوير حركة
الفقه الماثور واخراجه من حالة التقليد والركود التي كانت
تعيق نموه وازدهاره، وبهذا يكون الشيخ الصدوق قد خطا
بالفقه خطوة قربته من اعتاب المرحلة اللاحقة (مرحلة الفقه
الاستدلالي والتفريعي) التي قام بتشييد اركانها فيما بعد
الشيخ المفيد جريا على ما اسسه القديمان.
وعلى هذا الاساس، فلا بد من الفصل والتمييز بين الشيخ
الصدوق والمقلدة من المحدثين (الحشوية) الذين لا يسعهم
الا جمع الحديث، ولا يراعون المقاييس العلمية في علمي
الحديث والرجال فضلا عن علم الفقه. منهجيته في الحديث:
لم يختلف منهج الشيخ الصدوق في تصحيح الرواية وقبولها
عن طريقة قدماء المحدثين، فقد كان مذهبهم في ذلك هو
الوثوق الحاصل بصدور الرواية ولو بضم القرائن وجمعها; بان
تكون الرواية من كتب مشهورة، او نقلها المشايخ الثقات، او
غير ذلك من القرائن والمرجحات، وبعبارة اخرى: ان الصحة
في اطلاقهم لا تعني كون الراوي عدلا اماميا، كما عليه راي
المتاخرين.
ولذا نجد ان بعض مشايخ الصدوق ومن يروي عنهم هم من
العامة، بل ربما كان البعض منهم من النواصب، كالظبي وهو
من مشايخ اجازته الذي حكم الشيخ الصدوق بنصبه، قال: «انه
لم ير انصب منه، وانه كان يرى الصلاة على محمد فردا». والمعروف عن الشيخ اعتماده في الجرح والتعديل على شيخه
محمد بن الحسن ابن الوليد، قال السيد الخوئي(قدسسره):
«واما الصدوق فهو يتبع شيخه في التصحيح وعدمه، كما صرح
هو نفسه بذلك قال(قدس سره): واما خبر صلاة يوم غدير خم
والثواب المذكور فيه لمن صامه، فان شيخنا محمد بن الحسن
كان لا يصححه; ويقول: انه من طريق محمد بن موسى
الهمداني، وكان غير ثقة، وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ
قدس اللّه روحه ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا
متروك غير صحيح.
وقال ايضا: كان شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد
سيء الراي في محمد بن عبداللّه المسمعي راوي هذا الحديث،
واني اخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب (عيون اخبار الرضا (ع));
لانه كان في كتاب الرحمة، وقد قراته عليه فلم ينكر ورواه
لي». ومن هنا فقد نوقش في تصحيح روايات الصدوق; لاستناده
في تصحيحها الى شيخه، وهو لا يغني. وقد اختار هذا جمع
من العلماء كالسيد الطباطبائي في المفاتيح، والسيد الخوئي
في بحوثه الفقهيةوالرجالية.
وفي مقابل هذا الاتجاه ذهب البعض كالمحقق الشيخ حسن
ابن الشهيد الثاني على ما نقل عنه تلميذه الشيخ عبداللطيف
بن ابي جامع في رجاله حيث انه سمع منه مشافهة ان كل
رجل يذكره (اي الصدوق) في الصحيح، فهو شاهد اصل
بعدالته، لا ناقل.
وعلى هذا الاساس، فانه تتشكل قيمة علمية من الناحية
الرجالية لمشيخة «من لا يحضره الفقيه» والمذكورين فيها،
لشهادة الصدوق بتصحيح جميع رواياته. خصائص وميزات: ان قراءة مستوعبة وفاحصة في المنهج الحديثي عند الشيخ
الصدوق، تكشف لنا عن جملة من الامتيازات التي يتمتع بها
هذا المنهج، ولا نبالغ اذا جعلناها من ابتكاراته وابداعاته التي
تفرد بها او قل نظيره فيها.
ويجب الاعتراف اولا بان قراءتنا لخصائص المنهج عند الشيخ
الصدوق انما هي بلحاظ الموجود الواصل بايدينا من تراثه،
فليس ما سنذكره هو جميع ما يمكن ان يقال في هذا المجال. واليك تحديد هذه الخصائص بما يلي: اولا: الموسوعية والاستيعاب:
لقد عرفنا فيما سبق ان معالم شخصية الشيخ الصدوق
متعددة الجوانب، تجمع في طياتها آفاقا معرفية عديدة، وان
اطلالة عابرة على مدرسته وعطائها تضع ايدينا على حقيقة
واضحة وملموسة تعبر عن جامعية هذه الشخصية وشمولية
منهجها العلمي; ولذا نجد الشيخ الصدوق فقيها بارعا مع
الفقهاء، ومحدثا جامعا مع المحدثين، ومفسرا كبيرا مع
المفسرين، ومتكلما ماهرا مع المتكلمين، ولو قدر البقاء لهذه
المدرسة العظمى لالفينا تراثا علميا زاخرا يمد جداول المعرفة
في ثقافتنا الاسلامية المعاصرة. ان عنصر الشمول والاستيعاب الذي نجد ملامحه واضحة
وبارزة في منهج الشيخ الصدوق امر قد يقل نظيره في اقرانه
سيما من المحدثين، فلو قارناه بتراث الشيخ الكليني مثلا
لوجدنا تفوقه من الزاوية المذكورة، وهكذا لو قارناه بمحدثي
عصره كوالده المعظم، او شيخه المبرز ابن الوليد، او المحدث
والفقيه الكبير ابن قولويه او سائر من كان في طبقته. ثانيا: روعة الجانب الفني: اتسم المنهج الحديثي لدى الشيخ الصدوق بالروعة والجمال، فان الناظر في اطراف هذا المنهجيلمس فيه ذوقافنيا رفيعا، وتبويبا علميا رائعا لموضوعات الاخبار وابوابه. فهو يتفنن في افراغ النص الروائي في هذا القالب او ذاك، ويحرص اشد الحرص على اخراجه في اكثر من صورة يمكن ان تكون كل واحدة منها غرضاللطالب، بل يمكن اعتبار الشيخ الصدوق فاتحا لبعض تلك الابواب، ومؤسسا في بعض تلك الميادين، ومن اجل ايضاح ما ذكر بشكل اكثر نستعرض بعض النماذج من مؤلفاته لنجد لمسات ذلك المنهج ظاهرة فيها: ففي كتاب «الخصال» وهو كتاب اخلاقي فريد في نوعه
اعتمد الاسلوب العددي في بيان المواعظ والخصال الحميدة،
فبدا به بباب الواحد وانتهى بما فوق الالف. ولا شك ان ذلك
يتطلب تتبعا واحاطة واسعة. قال(رحمهاللّه): «اما بعد فاني
وجدت مشايخي واسلافي رحمة اللّه عليهم، قد صنفوا في
متون العلم كتبا واغفلوا عن تصنيف كتاب يشتمل على
الاعداد والخصال المحمودة والمذمومة، ووجدت في تصنيفه
نفعا كثيرا لطالب العلم والراغب في الخير». وسلك في كتابه «معاني الاخبار» مسلكا قل نظيره في شرح
مضامين النصوص، وهو منهج قائم على التفسير بنفس الماثور
عن المعصومين(عليهمالسلام)، لابفهم اهل اللغة كما في نهاية
ابن الاثير ومجمع البحرين.
وفي علم الرجال اسس منهجية تفرد بها من بين الرجاليين،
فقد الف المصابيح، وهي خمسة عشر كتابا في الرجال بحسب
طبقات الرواة الذين رووا عن المعصومين الاربعة
عشر(عليهمالسلام)، فتكون المصابيح اربعة عشر مصباحا في
الرجال الذين رووا عنهم(عليهمالسلام)، والخامس عشر ذكر
فيه النساء الراويات عن النبي(ص). ولا يخفى عظيم الاثر
والفائدة في مثل هذا النمط من التاليف في علم الرجال
لتحديد طبقة الراوي وانه من اصحاب اي من
الائمة(عليهمالسلام)، وقد اعتمد الشيخ الطوسي في رجاله
هذه المنهجية نفسها. ثالثا: حجم التراث الروائي: من خصائص المنهج عند الشيخ الصدوق انه استطاع ان
يعرض مساحة واسعة من التراث الروائي نتيجة امتلاكه خزينا
هائلا من الثروة الحديثية، ومن هنا فقد كان امام هذا
المنهج خيارات عديدة في مجال الاخراج، كما لاحظنا ذلك
عند تصنيف مؤلفاته. والحديث عن تحديد دائرة هذا التراث
وسعته قد يبدو غامضا بلحاظ كثرة المفقود الضائع منه; فان
نسبة الموجود منه البالغ ( 16 ) كتابا الى الاصل البالغ (300)
كتاب تبلغ حدود (6%)، الا انه يمكن تحديد الموجود منه
بشكل تقريبي، وهذا ما قمنا به، فكان مجموعه (14355).
ولو قسنا هذا الرقم وحده الى تراث محدث كبير كالشيخ
الكليني وكتابه الكافي البالغ حدود (16000) حديث فانه
يكون مقاربا له . ومن هنا فانه يمكننا تصور ضخامة مجموع التراث لو قسنا
المفقود منه بالموجود، سيما وان فيه مثل «مدينة العلم» الذي
عدة اجزائه عشرة، واذا كان «من لا يحضره الفقيه» وهو اربعة
اجزاء فيه ما يقرب من ستة آلاف حديث، فلا غرو ان يكون في
الاول ما يقرب من ثلاثة او اربعة عشر الف حديث، وقس على
هذا ما سواه.
والحق هو ان عطاء الشيخ الصدوق وضخامة تراثه الروائي مما
لا يدانيه تراث احد من محدثي الامامية، بل من محدثي
الاسلام قاطبة; ومن هنا فان تلقيبه برئيس المحدثين
وانحصاره به امر عار من ادنى مبالغة او مجازفة في الادعاء.
وقد كان هذا كما اشرنا سابقا اثرا طبيعيا لسعي الشيخ
الصدوق الحثيث وحركته الدائبة ورحلاته المتواصلة في طلب
الحديث طوال عمره الشريف في حله وترحاله. (وان ليس للانسان الا ما سعى« وان سعيه سوف يرى« ثم
يجزاه الجزآء الاوفى). تاملات في المنهج الحديثي عند الشيخ الصدوق:
ان المنهج الذي اتبعه رئيس المحدثين ابو جعفر
الصدوق(رحمهاللّه) بالرغم من تفرده بخصائص وامتيازات
مضى الحديث عن اهمها، الا ان ثمة ملاحظات وتحفظات
يمكن تسجيلها والاشارة اليها في الامور التالية:
1- تعمد الارسال في جملة من مصنفاته، كالمقنع، والهداية،
والفقيه الذي ارسل فيه عن (120) راويا. ومما لا شك فيه فان
الارسال يقلل من القيمة العلمية لمرويات تلك الكتب.
2- الاخذ بروايات متروكة في المذهب، كالنصوص الدالة
على سهو النبي(ص)، وعدة شهر رمضان.
3- عدم الفصل بين كلامه والخبر كما في «من لا يحضره
الفقيه»; حيث يتصل كلامه وبيانه بالخبر في موارد كثيرة مما
يصعب التفرقة بينهما. آراؤه وفتاواه النادرة:
ان شخصية علمية لامعة كالشيخ الصدوق من الطبيعي لها ان
تحتل موقعا متقدما ومكانة سامية في نفوس الفقهاء والعلماء،
فتكون آراؤه ومؤلفاته محط نظرهم واهتمامهم.
من هنا نجد لآراء الصدوق (رحمهاللّه) سيما في الفقه شانا
خاصا لدى الفقهاء، فقد اعتنوا بنقل اقواله وخلافاته ودلائله،
وربما وافقوه في بعض ما يذهب اليه، وربما ناقشوه في ذلك
وردوا عليه، وليس هذا بذي بال; اذ حياة العلم بالنقد والبحث،
بل المهم هو ان هذا الاهتمام من لدن عصر الشيخ
المفيد (قدس سره) وما بعده سيما في عصر العلامة
الحلي(رحمهاللّه) يعرب بلا شك عن عظيم منزلة الصدوق
وعلو مرتبته. قال السيد بحر العلوم(رحمهاللّه) في معرض
حديثه عن وثاقة الشيخ الصدوق ومكانته لدى الاصحاب :
«ويدل على ذلك مضافا لما ذكر اجماع الاصحاب على نقل
اقواله واعتبار مذاهبه في الاجماع والنزاع، وقبول قوله في
التوثيق والتعديل، والتعويل على كتبه خصوصا كتاب من لا
يحضره الفقيه». وبالرغم من ذلك فقد كانت للشيخ الصدوق(رحمهاللّه) آراء
نادرة في الفقه وفتاوى خالف فيها المشهور، وربما تفرد بها.
وفي الكلام والعقائد كانت له ايضا بعض المذاهب والآراء
الخاصة، كقوله بسهو النبي(ص) انسياقا مع بعض الروايات
الواردة في ذلك من الفريقين، والتي فسرها الصدوق بمعنى
الاسهاء منه سبحانه لنبيه الاعظم(ص) لمصلحة معينة، قال:
«وليس سهو النبي(ص) كسهونا لان سهوه من اللّه عز وجل،
وانما اسهاه:
1- ليعلم انه بشر مخلوق فلا يتخذ ربا معبودا دونه.
2- وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا.
وسهونا من الشيطان، وليس للشيطان على النبي(ص) والائمة
صلوات اللّه عليهم سلطان». وقد رد محققو الامامية على هذا الراي، سيما الشيخ المفيد.
ومن امهات المسائل الفرعية التي خالف فيها الصدوق عامة
فقهائنا القول بمسالة العدد في شهر رمضان، حيث وردت
روايات التزم بمضمونها شيخنا ابوجعفر في «من لا يحضره
الفقيه» في ان شهر شعبان ناقص ابدا، ورمضان تام العدة
ثلاثون يوما ابدا لا ينقص. وقال فقهاؤنا: ان شهر رمضان يزيد
وينقص كسائر الشهور.
وفي باب التيمم ذهب هو ووالده الى لزوم مسح اليدين من
المرفقين الى رؤوس الاصابع. وكانه لا فرق عنده بين الوضوء
والتيمم.
ومن آرائه المخالفة تجويزه الوضوء بماء الورد، وجواز النوم
والمرور في المساجد جنبا وعدم جواز الصلاة بعمامة لا حنك
لها.. الى غير ذلك من موارد الخلاف التي عثرنا على ثلاثين
منها بالتتبع في مؤلفاته في الفقه، ولا يسع المجال لايرادها. نهاية المطاف :
وهكذا نصل الى نهاية المطاف من حياة رئيس المحدثين
وحافظ آثار الائمة الطاهرين(عليهمالسلام) الشيخ ابي جعفر
محمد بن علي بن بابويه القمي، لنودعه وهو يرحل الى جوار
ربه، وذلك في عام (381ه)، حيث توفي فيها، ودفن في الري
الى جانب بقعة السيد عبدالعظيم الحسني، وقبره يزار اليوم
فيها ويتبرك بتربته. وقد بدت لقبره كرامة شاع ذكرها بين الناس، وذلك في سنة (1238ه) في زمن السلطان فتح علي شاه، حيث طغى المطر فاثر في عمارة مرقده، فارادوا اصلاحه، فلما وصلوا الى السرداب الذي فيه مدفنه وجدوا جثته الشريفة هناك مسجاة عارية، غير بادية العورة، جسيمة وسيمة على اظفارها اثر الخضاب، فشاع هذا الخبر في مدينة طهران، وحضر السلطان هناك وتيقن من صحة الخبر، ثم امر بسد تلك الثلمة وتزيين الروضة وتجديد عمارتها، وصدق اللّه تعالى حيثيقول: (يرفع اللّه الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات) . |