آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازى ان مسالة «البنوك» تعتبر من المسائل المستحدثة التي يكثر
التساؤل عن مشروعيتها وحكم التعامل معها وايداع الاموال
فيها; حيث صار وجودها ضروريا بحكم المدنية الحاكمة في
زماننا، فان اقتصاد الدول قائم على اساسها. فما هو حكم ايداع
المال فيها؟ وما حكم ما يؤخذ منها؟
وقبل الخوض في تفاصيل البحث نرى ضرورة تقدمة امور: الامر الاول: ضرورة احداث البنوك:
ان تاسيس البنوك واحداثها يعد امرا ضروريا وذا اهمية
كبيرة; حيث انه فانه ما من نظام اقتصادي الا والبنوك احد
اركانه، والاسباب التي دعت الى احداث البنوك هي كالتالي: ا - الاحتفاظ بالاموال لدى مركز خاص مجهز بوسائل الحفاظ
والامن، وهذا بخلاف الاحتفاظ بها داخل البيوت حيثيعرضها
للسرقة وسائر الآفات; وهذه الضرورة وجدت بعد توسعة المدن
والمبادلات الاقتصادية المختلفة. ب - ان مبادلة النقود الكثيرة في المعاملات الخطيرة تحتاج
الى تسهيلات لايمكن توفيرها الا عن طريق الارتباط بمركز
خاص يتوسط بين المتعاملين في تقديم الصكوك او الحوالات
التي تيسر الى حدما هذه المعاملات، مع ان هذا الامر خال
عن الخطورة حتى فيما اذا فقدت الحوالة (الصك)، بخلاف ما
اذا اريد تبادل الاموال من يد الى اخرى; اذ لا يخلو حملها من
اخطار كثيرة، هذا مضافا الى ان الصك وبعد ذكر الاسم فيه
يكون اصدق شاهد على ضرورة اداء المال لمستحقه عند
ظهور الخلاف; اذ لا يمكن لاحد انكاره بعد ذكر الاسم فيه. ج - ان ادخار الاموال في البنوك يساعد كثيرا على رقي البلاد
وازدهار اقتصادها خصوصا فيما لو كانت الحكومة حكومة
صالحة وذلك عن طريق استثمارها وصرفها في الثروات
العظيمة والمشاريع الانتاجية او التجارية الضخمة التي يرجع
عائدها الى المجتمع واحياء الاقتصاد في البلاد، وحتى لو كانت
هذه البنوك تابعة لشركات خاصة فان النفع سيعود الى
المجتمع ايضا. بخلاف ما لو كانت هذه الاموال مودعة في
اماكن متفرقة فانها لا يمكن استثمارها بالكيفية المطلوبة في
حين ان الاموال المودعة لدى البنك تستثمر وتصرف من قِبله
في مختلف انواع المعاملات; كالمضاربة ونحوها، بل يبقى
اغلبها مجمدا ومعطلا. د - اضف الى ذلك ما للبنوك من منافع اخرى، كسهولة نقل
النقود من بلد الى بلد، واقراض المحتاجين لبناء المساكن
وانشاء المصانع والمتاجر، وغير ذلك من المصالح والمنافع
التي تقع في طول المصالح الرئيسية. فالبنوك، على هذا، اصبحت ضرورة من ضرورات المجتمعات
البشرية; وذلك لما لها من دور كبير في تنيمة اقتصادها
وازدهاره، وهذا بالطبع لا يتاتى الا اذا سارت وفق نهج صحيح
وخطط مدروسة، والا فستكون مصدر تهديد يشكل خطرا
جديا على النظام الاقتصادي للمجتمع. وعلى كل حال فانه لا
يمكن الاستغناء عنها في الحال الحاضر ولو يوما واحدا; لان
ذلك يشل الاقتصاد ويعيق تطور البلاد. هذه هي اهم المصالح المترتبة على وجود البنوك. وتوجد الى
جنب ذلك مفاسد كبيرة قد تترتب على وجود البنوك، كما لو
كانت في خدمة حكومة فاسدة لم تراعِ الضوابط الشرعية في
الاقراض. اقسام البنوك:
نظرا لتعدد الوظائف واهميتها دعت الضرورة الى ايجاد اكثر
من بنك واحد، يقوم كل منها بادارة الوضع الاقتصادي طبق
الضوابط والمقررات الدولية احيانا والاسلامية اخرى بشكل
منسجم ومترابط; من اجل انعاش الوضع الاقتصادي في البلاد،
وجر النفع الى الصالح العام، فكانت البنوك على نوعين: 1- البنك الحكومي: وهو اما ان يكون في خدمة حكومة
اسلامية او حكومة وضعية تستفيد منه في منافعها الخاصة. 2- البنك الخاص كالبنوك التابعة للشركات الخاصة :
وهو
الذي يداول اموال الناس في سبيل كسب منافعه الخاصة،
وتحصيل الارباح لاصحاب الاشتراك، مع ايجابه تحصيل
الارباح لسائر الناس ايضا. الامر الثاني: حقيقة ايداع الاموال في البنوك:
يمكن ان تنطبق عدة عناوين على الاموال المودعة في البنوك
بحيث يترتب على كل عنوان منها حكم خاص، ونحن قبل
التعرض لتخريجها الشرعي نحاول بيان حقيقة ايداع هذه
الاموال، فهل هي امانة، او اباحة معوضة، او قرض، او غير ذلك؟ بالنسبة لما يرتبط باعمال البنك توجد هناك عدة عناوين،
من قبيل: «الحساب الجاري»، و«حساب الادخار او التوفير»،
و«حساب الودائع المصرفية ذات الاجل القصير او المتوسط او
الطويل»، و«حساب القرض الحسن». ولكل واحد من هذه
العناوين حكم خاص ايضا ياتي بيانه. فلنبدا اولا ببيان حقيقة الاموال المودعة بعناوينها الثلاثة
المتقدمة من زاوية كونها حسابا جاريا في البنك، وفي ذلك
احتمالات خمسة: 1- يحتمل ان تكون الاموال المودعة في البنوك بشخصها لا
بماليتها امانة، ولذا يعبر عنها بالوديعة. لكن يدفعه: انه ليس للودعي الا الحفاظ على الامانة ولا يجوز
له التصرف فيها، والحال ان البنك يتصرف فيها بشكل او بآخر
متى شاء، بل كثيرا ما يتفق له ان يستلمها من شخص ويدفعها
مباشرةلآخر في نفس المجلس، وهذا امر ينافي كونها امانة. 2- يحتمل ان تكون امانات نوعية لا شخصية; بمعنى ان
المال بنوعه امانة عند البنك لا بذاته، فيكون امانة بماليتها لا
بخصوصيتها. اقول: ان كان المراد بهذا النوع من الامانة صيرورة المال من
قبيل الكلي في المعين، فهو فاسد; لانه قد ياخذ المال من
احد المشتركين ويدفعه بعينه لآخر، فلا تبقى عين امواله
ليكون شريكا في بعض اموال البنك بنحو الاشاعة، او الكلي
في المعين، او يكون المالك مالكا لمقدار معين من النقود
ضمن اموال البنك بلا تعين لشخص ذاك المقدار بحيث لو
تلفت جميع اموال البنك ولم يبقَ منها الا مقدار ما اودعه فيه
لكان ذلك المقدار ملكا مختصا به دون البنك، بخلاف ما لو
كانت الشركة بنحو الاشاعة التي يكون التالف فيها من ملكهما
بالنسبة المعينة. وان كان المراد بهذا النوع من الامانة كون المال المودع في
ذمة البنك وعهدته، فهو حينئذ من قبيل ما يجوز التصرف
فيه بالعوض، فيكون دينا في ذمة المتصرف فيه، فهذا تعبير
آخر عن كونه قرضا وليس بامانة شرعية; لعدم جواز اتلاف
الامانة، بينما يجوز اتلاف القرض وجعله في الذمة. 3- يحتمل ان يكون المال المودع امانة لدى البنك بتوكيل
من المالك في التصرف فيه باي نحو اراد البنك كتبديلها
باموال اخرى مثلها، كما اذا اودع شخص دنانير من ذهب عند
شخص وجعله وكيلا عنه في تبديلها الى دنانير اخرى على ان
تكون عنده امانة بعينها. ويرد عليه: انه قد يتفق للبنك عدم تبديل الاموال الى اخرى
مثلها; بان يبقى المال امانة في عهدته وذمته فقط، بل قد
يتصرف البنك في نفس تلك الاموال ويستثمرها في المنافع
الداخلية او الخارجية بحيث تعود ارباحها الى البنك، في حين
انها لو كانت امانة عند البنك لم يجز له التصرف فيها مراعيا
منفعة نفسه، بل يجب ان تعود ارباحها للمالك، والحال ان
البنك لا يرد لصاحب المال الا ما يعادل مقدار ماليتها; لانه
يرى نفسه مختارا في التصرف كيف شاء في سبيل تحصيل
منافعه الخاصة من دون رد شيء من تلك المنافع الى المالك. 4- يحتمل في المال المودع لدى البنك الاباحة مع الضمان،
فيكون اباحة معوضة وعليه المشهور قبل الشيخ الاعظم
بالنسبة الى المعاطاة فكان المودع للمال يقول: ابحت
للبنك جميع التصرفات الناقلة وغيرها مع العوض بشرط اداء
المثل عند مطالبتي لها، وبذلك لا يكون البنك مالكا، بل له
التصرف مع الضمان للمثل على فرض التصرفات الناقلة او
المتلفة. ويرد عليه: اولا: ان للمالك في الاباحة المعوضة اخذ عين ماله اذا كانت
موجودة عند المباح له، لكنها ليست كذلك في البنك; فانه
مع كونها موجودة فيه لا يحق للمالك المبيح اخذ عين ماله،
ولا يجب على البنك رد العين لو كانت موجودة عنده، بل
الواجب اداء المثل فقط. وثانيا: ان جواز التصرفات الناقلة في الاباحة المعوضة اول
الكلام; لانها ليست هبة ولا بيعا ولا شيئا من الاسباب المملكة،
اذ المشهور المحقق في محله عدم جواز التصرفات الناقلة
باباحة التصرف; لانهامنوطة بالملك السابق، ومن هنا اضطروا
الى القول بملكيته لها آناما قبل التصرف في باب المعاطاة
لتكون من التصرفات الناقلة. ان قلت: نظير هذا الاشكال اثير في البيع المعاطاتي، واجيب
عنه بحصول الملكية للمتصرف ولو آناما قبل التصرف المالكي
الذي يصير به المال المباح ملكا له اولا ثم يتصرف فيه
بالتصرفات الناقلة، وليكن المقام من هذا القبيل بان يقال: يملكها البنك آناما قبل التصرفات الناقلة. قلنا: ان الالتزام بالملكية آناما امر مخالف للقاعدة لا يصار اليه
الا بعد وجود دليل قطعي تعبدي على جواز التصرف مع
الاباحة، كما ادعاه كثير في باب المعاطاة، حيث ادعوا انها لا
تفيد الا الاباحة، ثم ادعوا قيام السيرة القطعية على جواز
التصرفات الناقلة، والجمع بينهما لا يمكن الا بالالتزام بالملكية
قبل التصرفات، واما فيما نحن فيه فلم يقم دليل تعبدي
شرعي على ذلك. وبعبارة اخرى: انما ذهب المشهور الى القول بالملكية آنا ما
في المعاطاة جمعا بين الادلة التي مفاد الاول منها: قيام
الشهرة وانعقاد الاجماع على كون المعاطاة مفيدة للاباحة لا
للملك، ومفاد الثاني: جواز التصرفات المالكية اجماعا، والجمع
بين المفادين لا يمكن الابالقول بحصول الملكية آناما
للمشتري قبل التصرفات الناقلة. اما في المقام فلا مجال
للقول بالاباحة وجواز التصرفات الناقلة للبنك في الحساب
الجاري; لعدم الملكية ولو آناما، ولعدم انعقاد الاجماع او
الشهرة المصححين لعمل البنك في المقام. 5- ويحتمل ايضا ان تكون حقيقة الحساب الجاري هي
القرض الذي يؤول امره الى التمليك في مقابل العوض في
الذمة، وعليه فلا يحق للمالك ان ياخذ عين ماله من البنك
مع وجوده; لانتقاله الى الذمة، فليس هو الا مالكا لما في
الذمة ، كما هو الحال في سائر الديون، ويجوز للبنك جميع
التصرفات الناقلة لحصول الملكية له. ثم انه ليس لهذا القرض اجل معين، بل هو دين يجب على
المستقرض البنك اداء عوضه الى المقرض عند المطالبة به،
وهذا هو الموافق لاحكام الايداع وما يترتب عليه في عرف
العقلاء، ولا يرد عليه اشكال. ّ ان قلت : ان هذا البيان التعبير بالقرض وان كان لا يواجه
اشكالا من ناحية الآثار المترتبة على الحساب الجاري الا انه لا
يوافق قصد المودع ماله لدى البنك، فانه لا يقصد القرض ولا
يراه عرف العقلاء انه كذلك. قلنا: نعم هو كذلك، لكن حيث ان القرض لا يكون غالبا الا
فيما اذا احتاج اليه المستقرض لم يكن يتبادر القرض الى
اذهان العقلاء عند الايداع لدى البنك; لعدم كون البنك
محتاجا الى هذه الاموال، لكن الحق ان الحاجة وان كانت
وصفا غالبا في القروض لامكان ان يكون المستقرض غنيا
الا انها لم تؤخذ في ماهية القرض ومعناه، وانما حقيقة القرض
هي تمليك العين بالمثل او القيمة في الذمة. والحاصل: ان الحساب الجاري من قبيل التمليك في مقابل
العوض في الذمة سواء اطلق عليه القرض ام لا، وهذا هو
المنطبق على الايداع في عرف العقلاء; لانه تمليك للمال
بالمثل، اذ بمجرد اخذ الودعي المال يكون مالكا، وليس
للمالك المطالبة بعينه، وليس له الا العوض في الذمة. ومما ذكرنا يظهر ان البنك يملك الاموال المودعة، وله
التصرف الناقل، وانه ليس للمالك الا المثل في الذمة. وان
ابيت عن تسميته قرضا لكون التعبير بالقرض هنا غير مانوس،
فانه لا يقال: اقرضت البنك، بل يقال: اودعته المال فلا اقل
من كونه شبيها بالقرض من جهة كونه تمليكا للمثل في ذمة
الغير. هذا كله بالنسبة الى ما يسمى بالحساب الجاري.
وهناك انواع اخرى للايداع تبين حالها مما ذكرنا، وهي: حساب الادخار او التوفير:
لا فرق بين هذا النوع من الحساب وسابقه في كون كل منهما
تمليكا للعين مع العوض في الذمة ذمة البنك فتكون
ماهيته القرض، الا ان طبيعة هذا الحساب في الغالب هي
الايداع الى مدة غير يسيرة، وهذا لا يعني عدم جواز الاخذ منه
قبل انقضاء تلك المدة. وحيث ان البنك يستفيد من هذا
النوع من الحساب اكثر مما يستفيده من الحساب الجاري،
يجعل لصاحبه جوائز بل وارباحا سياتي بيان حكمها ان شاء اللّه
تعالى. حساب القرض الحسن:
وهذا النوع من الحساب يكون من قبيل السابق من جهة كونه
تمليكا للعين بمثلها في الذمة، الا ان هذا مشروط بكون البنك
قد التزم في ضمن العقد بصرف ما يعادله في اقراض
المحتاجين قرضا حسنا، فلا يجوز للبنك صرف اموال هذا
الحساب في المضاربة وغيرها، واما ان هذا الشرط هل يوجب
كون القرض ربويا او لا فهو امر آخر يرتبط بحكم المسالة التي
سوف نبحثها ان شاء اللّه تعالى; لكون البحث الآن في تشخيص
الموضوع دون الحكم. حساب الودائع الثابتة:
وحقيقة الودائع المصرفية الثابتة سواء كانت ذات اجل
طويل ام قصير هي كونها نوعا من انواع المضاربة بين صاحب
المال والبنك، بان يوكل البنك في استثمار رؤوس الاموال
وتقسيم المنفعة بينهما، وسياتي بيان حكمها ايضا. الحوالات المصرفية: ومن تلك الايداعات ما يسمى بالحوالات البنكية المستعملة
في المعاملات من بلد الى آخر والتي يؤخذ في مقابلها الاجر،
وحكمها حكم الحوالة المبحوث عنها في الفقه بشرائطها، فلا
تكون قسما جديدا. هذه هي اهم اعمال البنوك، ولها اعمال اخرى لا حاجة الى
بيان حالها هنا، واما بيان احكام كلنوع من هذه الاعمال
المتقدمة فهو ما سنتحدث عنه بعد الفراغ من الامر الثالث. الامر الثالث: اثبات الملكية للدول والحكومات الوضعية:
هل تكون الدول مالكة لكي تصح المعاملة مع بنوكها ام لا؟
ذهب بعض الاعلام كالسيد الخوئي (قدسسره) الى عدم
مالكية الحكومات المعاصرة خلافا للمشهور بين معاصري
زماننا من القول بمالكيتها وان رصيدها في البنوك من قبيل
مجهول المالك. ولا يمكن الالتزام بهذا القول; ضرورة انه يستلزم وجوب
استئذان الحاكم الشرعي بالنسبة لكل ما يؤخذ من البنوك
الحكومية; لعدم جواز التصرف فيه من دون اذنه. هذا، مضافا الى لزوم بطلان جل المعاملات الرائجة في
المجتمعات العصرية تجارية كانت ام بيوعا ام وصايا ام غيرها;
لارتباطها بنحو من الانحاء بتلك البنوك الحكومية وهذا يعني
تعطيل الحياة; لانه وان توقف كل ذلك على اجازة التصرف
في مجهول المالك من الحاكم الشرعي لكنه حتى مع فرض
اجازته لا يمكنه تصحيح المعاملات الفاسدة الواقعة بواسطة
الاوراق النقدية الصادرة من جهة الحكومة التي ليست بمالكة
لها، فلا يجوز ان تملكها للناس. وايضا يلزم وجوب استئذان موظفي الدولة من الحاكم
الشرعي; لكونهم يتقاضون رواتبهم من البنوك الحكومية،
وحيث ان جميع اموالهم من قبيل مجهول المالك فلا تصح
معاملتهم ولا يملكون شيئا، ومن الواضح ان الحاكم الشرعي
انما يجوز التصرف في مجهول المالك لخصوص الفقراء
والمحتاجين على المشهور، مما يلزم اعاقة التصرف في تلك
الاموال. وكذا يلزم عدم جواز المعاملة مع الدول والحكومات الوضعية;
لعدم جواز تصرفهم فيما ينتقل اليهم من المال مجهول
المالك، وعليه فلا يجوز التصرف في شيء من البضائع
المستوردة من تلك الدول. اضف الى كل ذلك عدم جواز اخذ الخمس والزكاة الا بعنوان
مجهول المالك، مع ان الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) لا يلتزمون
باخذها الا بذاك العنوان، ولذا يصرفون كلا منهما في مصارفه
الخاصة. هذا مضافا الى ان اخذ تلك الوجوه الشرعية فرع
ثبوت الملكية، فاذا كانت من قبيل مجهول المالك لم يتعلق
بها خمس الارباح، والسيرة قد قامت على اخذها بناء على
ثبوت الملكية لها. والاشكال سار في جميع المعاملات وسائر
التقلبات; لان المرجع الوحيد في نشر النقود الورقية هو
الحكومة التي لا تكون مالكة لها; لكونها من الامور الاعتبارية. واقوى ما يمكن التمسك به في اثبات دعوى عدم ملكية
الحكومة الاعتبارية: هو ان الحكومات من العناوين الاعتبارية
غير القابلة للتملك; لان المالك لابد ان يكون شخصا واقعيا لا
امرا اعتباريا كالحكومة. وهذه الدعوى لا يمكن القول بها; لما عرفت من انه يلزم منه
اختلال النظام في المجتمعات قطعا، مع انها دعوى بلادليل،
بل قد قامالدليلعلىخلافها. والحق هو جواز تملك العناوين الاعتبارية ومنها الحكومة; لما
عرفت من ان الموضوعات تؤخذ من العرف باستثناء
الموضوعات المخترعة من الشارع كالصلاة والصوم، واما
الموضوعات العرفية كالملكية مثلا فالعقلاء يرون صحة
التملك سواء كان لشخص بعينه او لامر اعتباري قائم باشخاص
لهم ارتباط بمؤسسة او جمعية او ما شابه ذلك، ولا يخفى ان
ملكية المؤسسة الكذائية لا تعني ملكية اعضائها، وهذا المعنى
واضح عند العقلاء لا يرتاب فيه احد، فالعقلاء يعتبرون
الحكومة كالوكيل على اموال المجتمع، الذي هو المالك
بعنوانه وهذا ايضا عنوان اعتباري لتلك الاموال التي لو لم
نقل بملكية العناوين الاعتبارية لكلها فلا اقل هي مالكة لجلها،
ولمزيد من التوضيح نقول: اقسام المالكين:
ان المالكين على اقسام خمسة:
الاول: المالك الشخصي، كزيد وعمرو وبكر الذين لا شك في
جواز تملكهم. الثاني: المالك بسبب الوقف وشبهه، كالمسجد والمدرسة
وغيرهما، فكل ما يوقف عليهما فهو ملك لهما; يجوز التصرف
به مع رعاية المصلحة نقلا وانتقالا بالبيع وغيره، وكذا نماءات
الموقوف على المسجد فهي ملك طلق للمسجد لا يجوز فيها
سائر التصرفات الناقلة; لكونها وقفا طلقا للمسجد لا وقفا عليه،
بل لو كانت وقفا كانت ايضا ملكا غير طلق له. والحاصل: ان الجهة الموقوف عليها تملك، سواء كان الملك
طلقا ام لا. الثالث: المالك الكلي، كالوقف على الطلاب، او على حجاج
بيت اللّه الحرام، او على ابناء السبيل، ولازمه صيرورة الموقوف
ملكا لهم، اعني للعنوان المشير اليهم وان كان الوقف ملكا
غير طلق; لانكلا من عنوان الطالب والحاج وابن السبيل
عنوان انتزاعي، وحيث ان حقيقة الوقف هي التمليك يصح
حينئذ تملك هذه العناوين الانتزاعية، وعليه يصح تملك
الجهات العامة الاعتبارية، كالدولة والمؤسسات ونحوها من
العناوين الاعتبارية. الرابع: المالك الكلي من غير ذوي الشعور، كالوقف على
طبيعي المساجد الموجود منها وما سيوجد. الخامس: ما يكون المالك فيه من قبيل العناوين الاعتبارية
المحضة، كالمؤسسات والجمعيات والحكومات والعتبات
المقدسة وغيرها. ثم ان الظاهر عدم الفرق بين القسم الثالث والرابع والخامس;
لكونها جميعا من العناوين الاعتبارية; اذ لا يحتمل الفرق بين
كون الشيء ملكا لمسجد خاص او لما ينطبق عليه العنوان،
وبين كون الشيء ملكا لعنوان اعتباري كالمؤسسة وغيرها. بل
يمكن ان يقال: بعدم الفرق بين عنوان الحكومة وعنوان
الطلاب والحجاج; فانها جميعا عناوين اعتبارية; فانه كما قد
يتغير الموقوف عليهم من الطلاب كذلك قد يتغير من يندرج
تحت العنوان الاعتباري، فاذا امكن ان يكون الشيء ملكا
للمسجد فلماذا لا يكون كذلك لعنوان اعتباري يندرج تحته
الافراد؟! فتلخص: انه لا اشكال في ملكية العناوين الاعتبارية. ويمكن
الاستدلال على ذلك بالادلة التالية: الاول: ان الملكية امر اعتباري لا تحتاج الى مؤونة كبيرة، فلا
اشكال في قيام امر اعتباري بامر اعتباري آخر، كما يشاهد
نظيره في الفسخ والخيار القائمين بالملكية. الثاني: ان موضوعات الاحكام الشرعية تؤخذ من عرف العقلاء،
ولاشك في جريان سيرتهم على اعتبار الملكية في العناوين
الاعتبارية. لا يقال: ان هذه موضوعات مستحدثة لا يمكن اثبات امضاء
الشارع لها. لانا نقول:
اولا: انه قد اتفق كون المالك كليا، كالوقف على الحجاج في
الصدر الاول من الاسلام، مضافا الى عدم الفرق بين عنوان
الحجاج وعنوان الطلاب وعنوان الحكومة; فانها جميعا عناوين
ذهنية اعتبارية مشيرة الى اشخاص قد اندرجوا تحت العنوان
الكلي; اذ لا فرق بين هذه العناوين وبين ما هو معروف بين
الفقهاء. وثانيا: لو سلمنا عدم وجود مصاديق لمثل هذه الملكية
الاعتبارية، فان صرف كونها كذلك لا يمنع من شمول
العمومات لها بعد تسليم كون العمومات من قبيل القضايا
الحقيقية لا الخارجية، فحالها في ذلك حال صدق السفر
الفضائي على السفر، والعقد للمستحدث من العقود، ولو انكرنا
شمول الدلالة المطابقية لها فلا اقل من الغاء الخصوصية،
والقول بشمول العمومات لها. مشروعية البنك الحكومي والاهلي: البنوك تارة: تكون حكومية صرفة، ويكون حكمها حكم سائر
اموال الدولة والمالك لها هو العنوان الاعتباري. واخرى: تكون اهلية، وهي على قسمين: فتارة تكون شخصية،
واخرى يكون مالكها عنوانااعتباريا كصندوق القرض الحسن. وثالثة: يكون البنك مشتركا بين الحكومة والمواطنين; بان
يكون لكل منهما سهم وحصة خاصة. وجميع هذه الاقسام بما فيها العناوين الاعتبارية لامانع من
صحتها، نعم، لو قيل: بعدم مالكية الحكومة اشكل الامر في
القسم الاول واحد قسمي الثاني. فتلخص مما ذكرنا امور: 1- لا يشترط في المالك ان يكون عاقلا ومن
ذوي الشعور. 2- لا مانع من ان يكون المالك عنوانا
اعتباريا. 3- الحكومة تكون مالكة، وتبقى اموالها على ملكها وان تغير
رؤساء الدولة وموظفوها. وبذلك نختم الكلام عن الامور التي شرعنا فيها الحديث،
ونبين فيما يلي احكام المعاملات البنكية، وحكم ما يؤخذ منها
عن طريق ايداع الاموال فيها. احكام المعاملات المصرفية: اولا: الحساب الجاري: لا اشكال في جواز ومشروعية الايداع في البنوك على نحو ما
يسمى ب «الحساب الجاري»; لكونه من قبيل التمليك للمثلفي
الذمة، بعدما عرفتحقيقته وانه من قبيل العناوين الاعتبارية،
وكونه من الامور المستحدثة لايضر بصحته، فكم له من نظير!
اذ كان ياتي احدهم الى التاجر الثقة ويودعه المال ويقول له: تصرف فيه كيف شئت وادفع الي مثله اذا احتجت اليه،
فالبنك مركز عام لمثل هذا المعنى الخاص. وحيث انه لا
يتعلق بهذا القسم من الايداع ربح، فلا يتوجه اليه اشكال الربا
وان تصرف فيه البنك بضروب المعاملات. انما الكلام في الربح الذي تعطيه بعض البنوك على هذا النوع
من الحساب ترغيبا لارباب الاموال في الايداع لديها، فما حكم
ما يؤخذ منها بهذا العنوان؟ اقول: ان كان العقد بين البنك وارباب الاموال مبنيا على الزام
البنك نفسه باعطاء الارباح لارباب الاموال وانه بنحو الاشتراط
بين البنك وصاحب المال فهو مما لا شك في حرمته; من
جهة كونه ربا محرما، وان كان بعنوان التعهد الابتدائي ترغيبا
لارباب الاموال لم يكن فيه اشكال; لعدم التزام البنك بدفع
الربح. والفارق بين هذين النحوين : هو ان ارباب الاموال لهم
حق المطالبة بالربح على الاول وليس لهم ذلك على الثاني;
لان صاحب المال لايرى لنفسه حقا يطالب به. ان قلت : كثيرا ما يكون هذا الربح داعيا الى الايداع في البنوك،
وهذا وان لم يكن شرطا صريحا في عقد افتتاح الحساب
الجاري لكنه شرط ضمني قد بني عليه العقد، فكان البنك بعد
اعلانه عن اعطاءالارباح قد الزم نفسه بالدفع لارباب الاموال،
ولولا هذا الداعي لم يودعوا اموالهم، فيكون هذا قرضا ربويا. قلنا: ان مجرد الداعي لا يضر بصحة الايداع واخذ الارباح ان
لم يكن العقد مبنيا على الاشتراط; اذ لا يرى المقرض
صاحب المال في الفرض نفسه دائنا بالنسبة الى الزيادة، ولا
المستقرض يرى نفسه مدينا بالنسبة اليها، كمن يعلم ان
المستقرض يعمل بما هو المستحب من دفع مزيد شيء على
القرض عند رده. ثانيا: حساب القرض
الحسن: وهو مشترك في الحقيقة مع القرض، ولا اشكال في صحته;
لانه امر مرغوب فيه عقلا وشرعا; لعدم تعلق ربح فيه، غاية
الامر يكون البنك وكيلا من قبل صاحب الاموال في التصرف
بنحو خاص، كصرفه في اقراض ارباب الحاجات، دون صرفه
في سائر المعاملات كالمضاربة وغيرها. ثالثا: حساب الادخار او الذخيرة: ولا فرق بينه وبين الحساب الجاري من جهة كونه تمليكا
بالعوض في الذمة، بل الفرق بينهما من جهة عدم تصرف
صاحب المال في هذا الحساب لمدة طويلة نسبيا وهو معنى
الادخار بخلافه في الحساب الجاري. وهذا الحساب بهذا
المقدار لا اشكال في جوازه شرعا. انما الكلام فيما يجعله البنك لهذا النوع من الحساب من
الجوائز والعطايا التي تخرج لارباب الاموال بالقرعة او بغيرها،
فهل يكون جعل هذه الجوائز من قبيل الشرط في القرض;
بحيث يتعهد البنك ويشترط على نفسه اجراء القرعة فان لم
يعمل البنك بمقتضى الشرط او امتنع من اعطاء الجوائز لكان
لارباب المال استجوابه ومعرفة حال جوائزهم؟ اقول: لا اشكال في اخذ الجوائز سواء كان عن طريق القرعة او
غيرها، لكن بشرط عدم كون الداعي الى اخذ الجوائز مقدما
على الداعي الى الادخار، واما لو كان ذلك على نحو الشرط
صريحا كان اوضمنيا بحيث بني عليه العقد كان الاخذ حراما;
لكون حقيقة هذا الايداع هي الاقراض للبنك، ولايجوز في
القرض الشرط الذي يجر نفعا لصاحب المال; لدخوله في الربا. والمناط في ذلك هو ما عرفته: من ان البنك ان كان قد الزم
نفسه في صورة الاشتراط بالدفع وصاحب المال يرى لنفسه
حق المطالبة كان ذلك محرما، ونكتة التفصيل في ذلك هي
التفريق بين الداعي في المعاملة والشرط في ضمن العقد،
ولهذا تردد في الحلية او صرح بعدمها بعض اكابر المعاصرين. والحق ما ذكرنا من ان البنك لو تعهد بذلك ومن جانب
واحداي بلا اشتراط بينه وبين صاحب المال لا بالشرط
الصريح ولا بالشرط الضمني المبني عليه العقد كان الربح
حلالا، واما لو نويا الاشتراط باي نحو كان فقد دخل في الربا
وكان حراما. والمهم في معرفة الحكم هو التفريق بين الداعي وما يكون
من قبيل الاشتراط; فكل زيادة لا تكون بمقتضى الشرط في
العقد صريحا او بعنوان ابتناء العقد عليها فهي لا تضر
بصحة العقد، وكل ما كان شرطا حتى اشتراط جعل صاحب
المال طرفا في القرعة اصابت اسمه او لم تصب كان ذلك
حراما، وكذلك الكلام في الارباح. والحاصل: ان صاحب المال لو راى نفسه مستحقا للجائزة
فطالب بها البنك كان من قبيل الشرط الضمني وهو حرام، اما
لو لم ير نفسه مستحقا لها ولم يطالب بشيء لكنه يعلم ان
البنك عادة يمنحه الجوائز لم يكن هناك اشكال. ثم ان تعهد
البنك بذلك لو كان داعيا لافتتاح الحساب لديه لم يتحقق
الربا الا بالالزام والالتزام من الطرفين، ومن هنا يتوجب على
الفقيه توجيه الناس وتعليمهم لئلا يقعوا فيالحرام، وقد
عرفت تاثير نية صاحب المال تاثيرا تاما. ومن هنا يتضح عدم صحة ما ذهب اليه بعض الاعاظم من ان
تعهد البنك من جانب واحد بدفع الجوائز يكون من قبيل
الشرط الضمني ولو لم يكن مصرحا بقبول ذاك الشرط. ووجه
عدم الصحة ما عرفت من ان تعهد البنك قد يكون داعيا
لافتتاح الحساب، لكن صاحب المال لا يرى نفسه
مستحقالشيء، وهذا مما لا اشكال فيه، انما الاشكال فيما اذا
قبل صاحب المال ذاك الشرط ووقع عليه العقد، فالدقة في
المسالة تقتضي التفصيل بين الصورتين. رابعا : حساب الايداع الثابت لاجل:
هناك قسمآخر من اقسام الحسابات المصرفية، وهو ما يسمى
ب «حساب الايداع الثابت لاجل»، وهذا الاجل يكون تارة طويلا
واخرى متوسطا وثالثة قصيرا. وهذا القسم بظاهره حرام
بجميع شقوقه المذكورة; لانه زيادة في القرض. ربما يقال: ان هذا الحساب لا يدخل فيه الربا المحرم; لان
مناط حرمة الربا هو الاستغلال، وصاحب المال بافتتاحه
الحساب لا يستغل البنك، فليس في هذا القسم من الودائع ما
يوجب الحرمة. اقول: ان ما ذكر في الروايات من المفاسد المترتبة على الربا
انما هو من باب حكمة تحريم الربا لا علته، والحكم لا يدور
مدار الحكمة، وعليه: فالقرض مع الشرط ربا محرم سواء ترتب
عليه شيء من المفاسد ام لا. الا ان يرجع الى واحد من العقود الشرعية; كما حاول ارجاعه
اليها جمع من الفضلاء فادرجوه في العقود الشرعية حيث راوه
قابلا للدخول تحت عنوان المضاربة، كما ذكروا لذلك ضوابط
وحدودا، وذلك بان يصير البنك عاملا وصاحب المال مضاربا
والربح يقسم بينهما، لكن يرد على هذا البيان اشكالات اربعة: الاول: ما عليه بعض الفقهاء من اشتراط النقدين في المضاربة،
والاوراق ليست منها. وجوابه ما عرفت من صحة المضاربة بالنقود الورقية ايضا;
لشمول عموم (اوفوا بالعقود) لهذا النوع من المضاربة، ولعدم
قيام دليل على اعتبار هذا الشرط تخصيصها بالنقدين
بعنوان كونها القدر المتيقن، كما ذهب اليه البعض، فان دليل
العموم لفظي لا لبي، فلا وجه للاقتصار فيه على القدر المتيقن،
هذا مضافا الى عدم اجماع تعبدي في البين. الثاني: اشترط كثير من الفقهاء كون المضاربة في التجارة،
واعمال البنوك لا تنحصر في التجارة، بل هي اعم منها،
كتشغيل الاموال في المصانع وبناء المساكن وتعبيد الطرق
والزراعة وغيرها. وجوابه قد تبين مما تقدم في الجواب عن الاول: من عدم
قيام الدليل على اعتبار ما ذكروه الا اقتصارا على المتيقن. حيث راوا كما يظهر من كلماتهم المضاربة مخالفة للاصول
فاخذوا بالقدر المتيقن، مضافا الى ما تقدم من شمول الدليل
لجميع العقود الا ما خرج بالدليل، حسب ما تقتضيه القاعدة
من صحة جميع العقود العقلائية الا ما خرج منها بالدليل، ومع
فرض عدم شمول عنوان المضاربة لها فلا اقل من كونها عقدا
صحيحا سواء اطلق عليها المضاربة ام لا. واما الاجماع فلا
يجري في المقام; لعدم وجود اجماع تعبدي في البين كاشف
عن قول المعصوم(ع); لان المعاملات امور عقلائية، وبناء
الشرع على امضاء المعاملات الدارجة بين العقلاء ومنها
المضاربة، الا فيما صرح بفساده منها. الثالث: ان المعروف عندهم لزوم كون المنفعة على نحو السهم
الكسري المشاع كالنصف والثلث والربع، دون المقدار المعين
والمقطوع كعشرة آلاف درهم، كما هو المتعارف وعليه العمل
في البنوك، حيثيعين البنك سهم المضارب من الربح
مقطوعا مهما كان مقدار الربح. وجوابه: انه ايضا لا دليل معتدا به على اشتراط صحة
المضاربة بوقوعها على الكسر المشاع خاصة، ولذا افتى بعض
المحققين كصاحب العروة بعدم الاشتراط. نعم، يشترط في تعيين المقدار كون الربح اكثر من ذلك
المقدار المعين بحيثيبقى للعامل شيء ايضا، كما اذا ضارب
بمئة الف درهم وجعل لراس المال عشرة آلاف مع كون
مجموع المنفعة خمسة عشر الفا او عشرين الف درهم، وهذا
المعنى حاصل في اكثر البنوك الا ما ندر منها. ثم انه مع تسليم اشتراط وقوع المضاربة على الكسر المشاع
يمكن تصحيح المضاربة اذا كانت على المقدار المعين
للمضارب; وذلك بتوكيل المضارب العامل في تعيين اي سهم
مشاع اراد، وبتوكيله العامل بعد ذلك في المصالحة على
السهم المعين بمقدار معين يؤديه الى المضارب شهريا مثلا. ولا يخفى جواز اخذ المضارب المقدار المعين او الاقل منه
من العامل قبل حصول الربح دفعة; بمعنى انه ياخذه قرضا
حتى حين حصول الربح ثم يوضع منه المقدار الماخوذ. الرابع: انه يشترط في المضاربة كون الخسارة مع عدم
التعدي او التفريط على راس المال، لا على العامل كما هو
المتعارف في البنوك ولاعليهما; حيثيتقبل البنك الخسارة
من دون احتسابها من راس المال، فالبنك يتحمل الخسارة
بعنوان كونه عاملا، ولا يتحملها صاحب المال. اقول: وهذا الاشكال قوي، سيما مع ملاحظة ما ورد في
الرواية المعتبرة التي ظاهرها انه لو اشترط كون الخسارة على
العامل لم تكن مضاربة بل كانت قرضا، ولكن صرح في العروة
الوثقى بجواز ذلك في المضاربة; لعدم كون هذا الشرط اي
كون الخسارة على العامل مخالفا لمقتضى العقد، نعم هو
مخالف لاطلاق العقد فلذا لا مانع منه، نظير اللزوم; فانه
مقتضى اطلاق عقد البيع، ومعه يصح جعل الخيار فيه. صحيح ان طبع المضاربة الاولي كون الخسارة على راس المال،
لكن يجوز العدول عنه بالشرط، كما ان طبع البيع الاولي
يقتضي اللزوم مع انه يجوز لكل من الطرفين جعل الخيار فيه. والذي يهون الخطب هو ان الخسارة في الغالب لا تكون على
البنك العامل في المقام ; لانه يفرق امواله في ضروب
مختلفة من المعاملات بحيث اذا خسر بعضها لم يخسر البعض
الآخر منها; لدقته في هذا الامر بحيثيطمئن الى كونه مفيدا
له وللمضارب، فلا توجد خسارة في البين ليبحث عن
المتحمل لها. هذا مضافا الى ان كون الخسارة على العامل
يخالف اطلاق العقد لامقتضاه، والشرط الباطل هو ما يخالف
مقتضى العقد دون اطلاقه. والحاصل: ان ذكر الشرط وهو كون الخسارة على العامل
يوجب فساد المضاربة وصيرورتها قرضا، فلا يستحق صاحب
المال شيئا. نعم، لو لم ير صاحب المال نفسه في جميع ذلك
مستحقا للربح وكان يعلم بان البنك يضيف الى ماله ربحا
استحق او لم يستحق جاز له اخذ الربح; لعدم كون هذا الربح
في مقتضى العقد ليكون ربا، بل كان ملتزما به من طرف واحد
وهو البنك، فتامل. والاحوط عدم ذكر هذا الشرط في
معاملات البنوك; لتسلم عن الاشكال. خامسا: القروض البنكية:
بقي الكلام في آخر قسم من اعمال البنوك، وهو القروض
التي تدفعها البنوك للناس في سبيل المضاربة ثم تستردها
مع الزيادة، فهل يمكن تصحيحها بعقد المضاربة بان يكون
البنك مضاربا والمقترض عاملا بعد تعيين مقدار من الربح
الحاصل ام لا؟ اقول: هذا القسم من اعمال البنوك اشد اشكالا; لان ما يؤخذ
من البنوك لا يصرف في المضاربة بل يصرف في بناء المساكن
او تعميرها، مضافا الى عدم تقبل البنك الخسارة المحتملة،
وللتخلص من محذور الربا هذا لا بد في كل مورد من اختيار
عقد يناسبه، ففي مورد المضاربة لابد من تحقق شروطها،
وفي موارد البناء والعمران كذلك; وذلك بان يدفع البنك
قروضا لذوي الحساب ويشاركهم في مشاريعهم، كان يشتري
قطعة من ارضه بمبلغ من الثمن ويعطيه اياه نقدا، ثم بعد
اتمام البناء يبيعها منه بمبلغ اكثر منه نسيئة، ولا مانع منه. ثم ان جميع ما ذكرنا من توجيه للاشكالات المتقدمة في
تصحيح اعمال البنوك يتوقف على قصد العقود المزبورة من
ناحية طرفي العقد قصدا جديا لا صوريا. ومما لا يخفى ذكره ان جماعة من الفضلاء ذكروا لجميع
اعمال البنوك طرقا مشروعة لتكون قانونا لنظام البنوك، ولا
يبعد مطابقة تلك الطرق لما هو المذكور في الكتب الفقهية،
ولكن من المؤسف وجود الهرج والمرج الشديدين في نظام
البنوك في خصوص هذا القسم من المعاملات. |