الصفحة السابقة

هل ان القاعدة تقتضي بطلان المعاملة؟

 ثم ان النهي عن ربح ما لم يضمن لا يقتضي اكثر من عدم استحقاق الربح، واما بطلان المعاملة والبيع الحاصل او بطلان الضمان فلا يقتضيه النهي المذكور. نعم، لو كانت العبارة النهي عن بيع ما لم يضمن اي بيع مبيع لم يضمنه بائعه بثمنه دل ذلك على بطلان البيع بالزيادة، الا ان هذه العبارة لم تثبت بسند معتبر كما تقدم، وعندئذ لو دل دليل على صحة المعاملة بلا زيادة كما سياتي في بعض التطبيقات في الروايات من الجهة الرابعة فلا اشكال، والا فهل يمكن تصحيحه على مقتضى القاعدة ام لا؟ سنبحثه عند التعرض للتطبيقات من الجهة الرابعة.

الجهة الرابعة - في تطبيقات وردت في موارد ضمن الروايات يمكن اعتبارها من مصاديق قاعدة النهي عن ربح ما لم يضمن بحيث لو تم استظهار ذلك منها اصبحت دليلا ايضا على صحة هذه القاعدة.

التطبيق الاول: ما ورد في قضاء امير المؤمنين(ع) من المنع عن الاسترباح من خلال شراء شي‏ء لشخص آخر نقدا على ان يزيده نظرة. وقد ورد ذلك ضمن موثقتي محمد بن قيس، اولاهما عن ابي جعفر(ع) قال: «قضى امير المؤمنين(ع) في رجل امره نفر ليبتاع لهم بعيرا بنقد ويزيدونه فوق ذلك نظرة، فابتاع لهم بعيرا ومعه بعضهم، فمنعه ان ياخذ فوق ورقه نظرة‏».

والاخرى عن ابي جعفر(ع) قال: «منع امير المؤمنين(ع) الثلاثة تكون صفقتهم واحدة، يقول احدهم لصاحبه: اشتر هذا من صاحبه وانا ازيدك نظرة يجعلون صفقتهم واحدة، قال:

فلا يعطيه الا مثل ورقه الذي نقد نظرة، قال: ومن وجب له البيع قبل ان يلزم صاحبه فليبع بعد ما شاء».

ما قيل في تفسير الرواية:

وقد فسرت الرواية في كلمات بعض الفقهاء كالمجلسيين بارادة صورة توكيله ان يشتري لهم من السوق ويدفع عنهم الثمن من ماله ثم ياخذ عنهم ازيد منه في قبال ما اشتغلت ذمتهم له، فيكون ربا محرما على القاعدة.

مناقشة: وفيه:

اولا: مخالفة ذلك لظاهر الروايتين، بل صريح الثانية منهما لانها صرحت بجعل الصفقتين اي البيعين صفقة واحدة، مما يدل على ان النظر الى تحقق بيعين احدهما بنسيئة ونظرة باكثر والآخر نقدا باقل، غاية الامر تارة يشتري صاحب النقد ويوجب البيع لنفسه نقدا اولا ثم يبيعه نظرة باكثر فهذا جائز، واخرى يتفق على النسيئة باكثر اولا ثم يشتري باقل نقدا بنحو يقع للمشتري بالاكثر نسيئة بنفس الشراء من السوق بصفقة واحدة، فالاول جائز بصريح ذيل الرواية الثانية، والثاني غير جائز بصدر الروايتين، وهذا لا يناسب مع فرض التوكيل في الشراء لان البيع والصفقة واحدة، كما لا يخفى.

هذا، مضافا الى ان التوكيل ان كان في الشراء لهم بالذمة فهذا خلاف ظاهر الروايتين من ان الشراء من السوق كان بالنقد وكون صاحب النقد هو طرفه وصاحب النسيئة يشتريه منه، وان كان التوكيل في الشراء لهم بالنقد بعد الاستقراض منه فهذا ابعد واكثر مخالفة للظاهر.

وثانيا: ان النظر لو كان الى التوكيل في الشراء لهم بالذمة ثم الوفاء عنهم او اقراضهم النقد ثم الشراء لهم بنقدهم امكن له ان ياخذ الزيادة في قبال وكالته كاجرة او كجعالة بل وفي قبال الوفاء عنهم بناء على صحة اخذ الجعالة على ذلك، فلا وجه للبطلان على القاعدة كما رامه المجلسيان.

فالصحيح: ان الروايتين ناظرتان الى قاعدة النهي عن ربح ما لم يضمن لان الصفقتين لو جعلتا صفقة واحدة بان يقع المتاع بنفس شرائه بالنقد لصاحب النسيئة باكثر نظرة لزم ان يربح صاحب النقد الزيادة بلا ان يكون ضامنا لثمن المتاع، لانه قد ضمنه في ذمة صاحب النسيئة، فهو من الاسترباح بمال الآخرين ومن ربح ما لا يضمن لان المتاع المذكور لو تلف قبل الشراء كان من مال بائعه ولو تلف او وضع بعده كان بدله وثمنه من كيس المشتري بالنسيئة بحسب فرض وحدة الصفقة، ولا يفرق في ذلك بين ان يفترض دخول المبيع آنا ما في ملك الواسطة ثم انتقاله الى المشتري بالنسيئة او يفترض انتقاله ابتداء الى ملك صاحب النسيئة بثمن صاحب النقد بناء على عدم منافاته مع حقيقة البيع واشتغال ذمة صاحب النسيئة بالثمن الاكثر الذي اتفقا عليه، فان كليهما من ربح ما لا يضمن بالمعنى المتقدم.

ثم ان الروايتين صريحتان في صحة المعاملة المذكورة، وانما لا يستحق صاحب النقد وهو الواسطة في الشراء بنقده الزيادة مع وقوع المبيع لصاحب النسيئة، وهذا دليل على صحة بيع شي‏ء قبل ان يملكه ويشتريه من السوق اذا لم يكن باكثر مما يشتريه بجعل الصفقتين صفقة واحدة، وهذا يؤكد ان‏المنظور فيهما عدم استحقاق الربح وان ه كالربح الربوي الذي لا يستحقه المقرض مع وقوع القرض، فليس الاشكال في صحة البيع للغير بمال نفسه، بل ولا في بيع ما لم يملكه بعد بجعل الصفقتين صفقة واحدة لولا حيثية الربح والزيادة الحاصلة من بيع ما لم يضمن ثمنه، فالروايتان في الوقت الذي تدلان على المنع عن ربح ما لم يضمن تفسران ذلك بعدم استحقاق الربح مع امكان بقاء المعاملة صحيحة ولو من جهة انه جدا ولبا انما يقصد الشراء لهم بماله، فيقع لهم صحيحا، غاية الامر لا يستحق الزيادة التي هي ربا روحا وان لم يكن قرضا ربويا شكلا.

وهذا ما يمكن ان يفسر لنا المراد من روايات العينة التي حمل بعضها المشهور على ارادة النهي عن بيع ما لم يملكه بعد، وسياتي تفصيله.

التطبيق الثاني: ما ورد في اشتراط ضمان البائع لوضيعة المال المشترى منه. وقد ورد المنع عنه في رواية عبدالملك بن عتبة قال: «سالت ابا الحسن موسى(ع) عن الرجل ابتاع منه طعاما او ابتاع منه متاعاعلى ان ليس علي منه وضيعة، هل يستقيم هذا؟ وكيف يستقيم وجه ذلك؟ قال(ع): لا ينبغي‏».

والبحث تارة في سندها، واخرى في دلالتها: اما السند، فالرواية صحيحة سندا .

واما الدلالة، فقد يقال: بان التعبير الوارد في كلام الامام(ع) بقوله: «لا ينبغي‏» ليس ظاهرا في اكثر من الحزازة والكراهة لا الحرمة.

الا ان الانصاف: ان هذا التعبير لو فرض فيه ذلك في باب التكاليف الا انه ظاهر في الارشاد والى البطلان في باب الوضع والمعاملات، خصوصا مع صراحة السؤال في طلب وجه للصحة لان يستقيم للسائل ما يريده، فيكون ظاهره واللّه العالم بحقائق الامور ان ما افترضه السائل من ان يكون ضمان الوضيعة على البائع الذي يشتري منه المتاع او الطعام اذا باعه باقل من كون الربح له اذا باعه باكثر لا يصح ولا يجوز لانه من ربح ما لم يضمن.

تفسير آخر: وقد يقال: بان الرواية لعلها ناظرة الى عدم الصحة للشرط المذكور لكونه على خلاف الشرع، اذ كما يكون النماء والربح للمالك تكون الوضيعة ايضا عليه، فاشتراط الخلاف في اي منهما شرط مخالف للشرع، نظير ما يقال من ان عقد المضاربة على خلاف الاصل لانه يشترط فيه ان يكون مقدار من الربح لغير المالك، فالرواية اجنبية عن مسالة عدم استحقاق ربح ما لم يضمن.

والجواب: اولا: ان ضمان الوضيعة كضمان التلف، بل هو ضمان تلف المالية، ولا فرق بينه وبين ضمان تلف المال شرط سائغ شرعا لما ثبت من صحة ذلك في باب عقد الضمان، بمعنى العهدة بضمان غرامته وقيمته لو تلف، وما ثبت من صحة شرط الضمان في العارية المضمونة. بل ذكرنا في المضاربة ان‏اشتراط كون الربح والنماء لغير المالك ايضا ليس خلاف الشرع، فضلا عن شرط ضمان الوضيعة..

وثانيا: ظاهر التعبير بالوضيعة ان نظر السائل الى ما يشتريه للتجارة والاسترباح ببيعه باكثر لان‏الوضيعة تكون بذلك، اي ببيع ما اشتراه باقل من راس ماله الذي اشتراه به، فلو كان نظر السائل الى اشتراط شرط مخالف لقانون التبعية في النماء ربحا وخسارة لم يكن وجه لافتراض ذلك على من يشتري منه المتاع بالخصوص، ولا لخصوص ضمان الوضيعة.

فالظاهر ان المحذور الذي كان يتصوره السائل ومن ناحيته يحتمل عدم استقامة عمله انما هو الاسترباح بما ضمنه على البائع الذي يشتري منه، والذي ينبغي انه لا يضمن ثمنه بمقدار الوضيعة والتلف للبائع، ولهذا لو كان الضامن شخصا آخر غير البائع وكان ضمانه ضمان الغرامة لما يخسره المشتري بالوضيعة لم يكن به باس، وهذا هو ربح ما لم يضمنه بالمعنى المتقدم، فتدل الرواية على انه لا ينبغي للمشتري ان يفعل ذلك، اي ان يضمن راس ماله على البائع من ناحية الوضيعة مع كون الربح له لو كان لانه في قوة عدم ضمان ثمنه له. وهذا لا يدل على انه لو فعل ذلك فهل يصح الضمان ويكون الربح للبائع او يبطل الضمان ويكون الربح للمشتري فان الرواية من هذه الناحية ساكتة، فيكون تطبيقاآخر من تطبيقات قاعدة النهي عن ربح ما لم يضمن.

لا يقال: ظاهر النهي عن ربح ما لم يضمن ان لا يكون على المستربح ضمان اصلا لا ضمان الوضيعة ولا ضمان التلف، فلو كان عليه احدهما كفى في انه ربح ما يضمن، وفي مورد الرواية ضمان التلف على المشتري، فيكون من حقه الربح.

فانه يقال: تقدم ان المراد من الضمان ضمان ثمن المسمى للمال المستربح فيه، وهذا لا يكون الا بان يجب عليه دفع ثمن المسمى على كل حال الى من اخذ منه ذلك المال، ومع كون الوضيعة عليه لا يكون الثمن مضمونا على المشتري، كما ان معتبرة الكرخي ايضا كان ظاهرها ذلك، فراجع وتامل.

وقد يقال: بمعارضة هذه الرواية مع معتبرة رفاعة انه قال: «سالت ابا الحسن موسى(ع) عن رجل شارك رجلا في جارية له وقال: ان ربحنا فيها فلك نصف الربح، وان كان وضيعة فليس عليك شي‏ء، فقال: لا ارى بهذا باسا اذا طابت نفس صاحب الجارية‏».

وهي وان كانت واردة في اشتراط احد الشريكين ضمان حصته على الشريك الآخر مع كون الربح بينهما الا انه يستفاد منها ضمنا صحة ذلك وعدم قدحه في استحقاق الربح لو كان، فتعارض الرواية السابقة.

ويلاحظ عليه: اولا: ان هذه المعارضة فرع ان يستفاد من جواب الامام فيها جواز ذلك، مع انه اما ظاهر في عدم الجواز او مجمل على اقل تقدير لانه قد ورد فيه التقييد بقوله(ع): «اذا طابت نفس صاحب الجارية‏» وهذا ظاهره الشرطية، وانه لو لم تطب نفسه فيه باس، وظاهره شرطية طيب النفس بقاء لا حدوثا وعند البيع بشرط الضمان لان ذلك يلزم منه التكرار المستهجن، اذ فرض في مورد السؤال ان صاحب الجارية هو المقدم والمقترح للشرط المذكور على نفسه، فلا معنى لاناطة الجواب بفرض طيب نفسه ورضاه بذلك، فانه تحصيل حاصل، وهذا بخلاف ما اذا اريد طيب نفسه بعد الربح او الخسران، فتكون الرواية دليلا على عدم صحة الشرط المذكور، فاما لا يستحق الربح الا بطيب نفس صاحب الجارية، لان الثمن للنصف قد ضمنه له، او لا يصح شرط الضمان فلا يستحق الوضيعة على صاحب الجارية الابطيب نفسه، ولا اقل من اجمال الرواية من هذه الناحية.

وثانيا: لو سلمنا ظهورها في ارادة طيب النفس حدوثا وعند الشرط مع ذلك قلنا ان مفادها ليس ظاهرافي اكثر من اشتراط ضمان الغرامة للوضيعة على الشريك لا ضمان المسمى، اي يكون البيع للجارية من قبلهما، فكلاهما ضامنان للمبيع في مقابل الثمن للمشتري، غاية الامر يكون احد الشريكين على تقدير الوضيعة ضامنا للشريك الآخر ما خسره بضمان الغرامة كما في عقد التامين، فتدبر جيدا، وهذا اجنبي‏عن القاعدة.

التطبيق الثالث: ما ورد في المضاربة من ان من ضمن تاجرا فليس له الا راس ماله وليس له من الربح شي‏ء، وهي معتبرة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) وقد نقلها الكليني والصدوق (قدس سرهما) بصيغة : «ان اميرالمؤمنين صلوات اللّهعليه قال: من اتجر مالا واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان، وقال: من ضمن تاجرا فليس له الا راس ماله وليس له من الربح شي‏ء».

ونقلها الشيخ بصيغة «قضى امير المؤمنين(ع) في تاجر اتجر بمال واشترط نصف الربح فليس على المضارب ضمان، وقال ايضا: من ضمن مضاربه فليس له الا راس المال وليس له من الربح شي‏ء».

وسند الكليني والصدوق، وكذلك سند الشيخ كلاهما صحيح.

اشكالان:

وقد نوقش في الاستدلال بها على ما هو ظاهرها من صحة شرط الضمان وانقلاب المضاربة كالقرض من حيث ان تمام الربح يكون للمالك باشكالين:

احدهما: ما عن المستمسك بان مفادها مشابه لما عن بعض العامة من ان الخراج بالضمان، وهذا مقطوع البطلان في فقهنا.

وفيه: ان ما هو مقطوع البطلان ما ذهب اليه ابو حنيفة من ان الغاصب لا يضمن منافع العين المغصوبة لانه ضامن لرقبتها، وقد ورد عندهم عن النبي(ص) ان الخراج بالضمان. وهذا المطلب باطل حتى بناء على صدور تلك القاعدة لان المراد منها كما تقدم الضمان العقدي، اي ضمان الثمن في مقابل ربح المبيع ومنفعته كما هو مورده، فالتعدي منه الى ضمان اليد اجنبي عن مفاده، كما ان المقام ليس الضمان فيه مربوطا باليد، بل هو من الضمان العقدي.

فلا ربط لمفاد هذه الرواية بفتوى ابي حنيفة في عدم ضمان الغاصب للمنافع اصلا، على انه لو فرض ورود دليل معتبر على حكم خلاف القاعدة في مورد لا يمكن طرحه لمجرد كونه على خلاف القاعدة، وهذا واضح، وسيظهر ان مفاد هذه المعتبرة طبق القاعدة التي استفدناها من مناهي النبي(ص) ومن الروايات الاخرى.

الثاني: ما ذكره في مستند العروة من ان الرواية اجنبية عن باب المضاربة اذ المراد بالتضمين فيه الضمان من اول الامر والذي هو الاقراض، فيكون النظر فيها الى من يقرض تاجرا ويريد منه الربح على قرضه، وهو ربا محرم. وقد استغرب من افتاء بعض المتاخرين بان شرط الضمان في المضاربة يكون صحيحا والمضاربة لا تكون صحيحة من اجل النص المعمول به عند الاصحاب، خلافا للقاعدة التي تقتضي صحة العقد وفساد الشرط بناء على انه مخالف لحكم الشارع بان يد المضارب يد امينة ولا ضمان عليه.

وقد ذكرنا في ابحاث المضاربة ان الشرط المذكور ليس على خلاف الشرع لان ادلة نفي الضمان عن الامين او المضارب ناظرة الى ضمان اليد لا الضمان بالعقد. كما ذكرنا ان الشيخ في النهاية‏وابن ادريس في السرائر قد افتوا بنفس النتيجة المستفادة من الرواية، والظاهر انه من جهة الاستناد اليها.

واما ما ذكره في تفسير الرواية فهو مما لا يمكن المساعدة عليه بوجه وذلك:

اولا: لانه لو سلم امكانه في الرواية بنقل الكليني والصدوق فهو غير ممكن في نقل الشيخ لما ورد فيها من التصريح بعنوان المضارب، وحيث انه منقول بسند آخر عن محمد بن قيس ولم ينقله الشيخ عن الكافي، فلا يقع تهافت في النقل.

وثانيا: ان الرواية بنقل الكليني والصدوق ايضا ظاهرة في نفس المفاد والمعنى، اي يكون النظر فيها الى اشتراط الضمان على التاجر المضارب او شامل له باطلاقه لان عنوان التضمين غير الاقراض، ومجرد كون القرض فيه تضمين للمال على المقترض لا يؤدي الى ان يصح ان يراد بالتضمين عقد القرض بالخصوص، من قبيل ان يقال: من ملك مالا لفلان، ويراد به البيع بالخصوص، بل يمكن ان يقال ان‏التعبير بقوله:

«ليس له الا راس ماله‏» او «ليس له من الربح شي‏ء» بل سبق الجملة الاولى الصريحة في التاجر المضارب قرينة على ان النظر الى المضاربة بشرط الضمان او شامل لها على الاقل.

فالصحيح: ان الرواية واضحة الدلالة في النظر الى تضمين التاجر بمال الغير، وانه لا يجتمع مع ان يكون له الربح، فاما الربح ويكون الضمان على المالك، واما الضمان فلا حق للمالك في الربح.

مناقشات اخرى:

ثم انه يمكن ان يستشكل على الاستشهاد بهذه الرواية على القاعدة التي ذكرناها ببعض المناقشات: منها ورودها في شرط المالك ضمان راس ماله على العامل المضارب، فلعله حكم تعبدي خاص بذلك على خلاف القاعدة.

والجواب: ان ظاهر الرواية بقرينة المقابلة بين صدرها وذيلها التقابل بين تضمين راس المال وبين استحقاق ربحه، حيث وردت هذه المقابلة في كلام الامام(ع) ابتداء وبنحو الضابطة الكلية بحيث‏يكون المتفاهم منها عرفا انهما لا يجتمعان، وان المالك اذا اراد الاسترباح براس ماله فليس له ان يضمنه على التاجر، فتكون المضاربة تطبيقا من تطبيقات هذه الكبرى.

هذا، مضافا الى ان الرواية بنقل الكليني والصدوق فيها اطلاق شامل لغير المضاربة ايضا، حيث دلت على ان كل من ضمن تاجرا راس ماله فليس له من ربحه شي‏ء وليس له الا راس ماله، وهذا يشمل التاجر المضارب والوكيل والمتبرع بالاتجار للغير المعبر عنه بالبضاعة والاجير فانه في جميع موارد الاتجار بمال الغير لو ضمن راس ماله على التاجر لم يجز له ان ياخذ شيئا من الربح، وهذا هو نفس المضمون والكبرى الكلية التي استفدناها من نهي النبي(ص) ومن الروايات الاخرى السابقة.

ومنها ان الاخذ باطلاق هذه الرواية يستلزم منه عدم استحقاق الربح لمن ضمن راس ماله مطلقا ولو بعقد التامين لغير من يشتري منه المتاع المربح، بل مورده تضمين المضارب وهو غير البائع للمتاع الذي يستربح به، فتكون الرواية اجنبية عن قاعدة عدم استحقاق ربح ما لم يضمن اذ المراد بعدم الضمان فيه عدم ضمان الثمن المسمى لصاحب المتاع الذي فيه الربح.

والجواب: ان الرواية واردة بعنوان من ضمن التاجر سواء المضارب او غيره كالاجير والوكيل ونحوه راس ماله والذي لا بد وان يقع ثمنا لما يشترى من اجل الاتجار والاسترباح، وهذا معناه ان المالك لراس المال لا يتعهد بالثمن لما يشتريه التاجر من السلع والامتعة للاتجار، وهذا هو معنى عدم ضمان المالك لثمن المسمى لما يشتريه التاجر للاسترباح بحيث لو تلفت او وضعت كان التاجر هو الضامن والمتعهد بدفع ثمنها لمن اشتريت منه، لا المالك لراس المال، ولا يكون المالك طرفا للتعهد وضمان الثمن على تقدير الخسارة، وهذا هو ربح ما لم يضمن ثمنه المستربح، وهو الاسترباح باموال الآخرين.

وهذا بخلاف مورد عقد التامين على مال ولو كان مشترى من الغير فان الضامن يضمن خسارة تلفه للمالك وهو المشتري، ولا يكون متعهدا الا في قباله، لا في قبال البائع لذلك المال.

فالحاصل: ظاهر تضمين راس المال على التاجر ان المالك ليس مسؤولا ولا ضامنا امام من يشتري منه التاجر المتاع التجاري للاسترباح وان ذلك بعهدة التاجر، وهذا يساوق عدم ضمان المشتري بضمان المسمى، بخلاف ما اذا كان ضامنا للبدل من راس ماله فكان هو التاجر والمشتري والبائع، غاية الامر على تقدير الخسارة يتدارك ويجبر ذلك بضمان المضارب او الاجير فان هذا لا يناسب التعبير ب «من ضمن تاجرا» الظاهر في عدم الضمان عليه اصلا، لا عدم استقراره عليه، خصوصا مع التعبير بان الآخر هو التاجر، فهذا يختلف عما اذا كان المالك هو الضامن والمتعهد في قبال البائع غاية الامر قد امن على امواله عنه شخص آخر، فلا اطلاق في هذه الرواية لغير مورد ربح ما لم يضمن ثمنه لبائعه.

ومنها دعوى عدم الفرق عرفا بين المطلبين المذكورين، بل ولا بين اشتراط الضمان بنحو شرط النتيجة واشتراطه بنحو شرط الفعل اي اشتراط التدارك والجبران لان النتيجة العرفية في الموردين واحدة خارجا، وليس الفرق بينهما الا دقيا لا عرفيا.

والجواب: منع ذلك فان الفرق بين شرط الضمان وشرط التدارك مفهوم عرفا في باب المعاملات التي هي امور انشائية متاثرة بالصياغات الاعتبارية حتى عند العرف، ومن هنا لا يكون الصلح بيعا حتى اذا كانت نتيجتهما واحدة.

هذا مضافا الى ان الآثار والنتائج مختلفة في المقام بين شرط الضمان وشرط التدارك، حيث‏يكون الاول حقا عينيا بينما الثاني مجرد حق شخصي ووجوب تكليفي، وكذلك بين ضمان الثمن للبائع وضمان شخص ثالث لما يخسره وبين عدم الضمان للبائع اصلا، بل الفرق هنا اوضح، كما يظهر بالتامل.

ثم انه بناء على تفسير «ربح ما لم يضمن‏» وكذلك «من ضمن تاجرا» بما ذكرناه من ان الاسترباح التجاري بمال فرع ان يكون ضمانه اي بدله وثمنه على المستربح ومن كيسه، وعدم شموله لضمان الغرامة حيث لا يصح ان يقال ان ضمان المال على مالكه بمعنى ان بدل غرامته عليه فسوف يختص‏المنع في باب المضاربة بما اذا كان ضمان العامل المضارب لراس المال ضمان الثمن لمن يشترى منه المال التجاري او يباع له، واما اذا كان المضارب ضامنا لراس المال او ما يشترى به للمالك بضمان الغرامة بحيث‏يكون المالك هو الضامن للثمن والمتعهد عنه اولا لمن يشترى منه الا ان المضارب يضمن طوليا ضمان المالك او خسارته، فهذا يكون جائزا لان حاله حال ضمان شخص ثالث، كما في عقد التامين.

ومنه يعرف: ان النسبة بين ربح ما لم يضمن بالمعنى الذي ذكرناه وبين تضمين المضارب بالمعنى الاعم عموم من وجه.

كما ظهر ان تضمين التاجر لثمن المال التجاري بالنحو الذي يحقق ربح ما لم يضمن لا يختص بالعامل المضارب، بل يعقل في الوكيل والاجير والشريك وغيرهم، فعلى القول بهذه الكبرى يبطل الربح فيها جميعا اذا كان التضمين فيه بالنحو الذي ذكرناه اي تضمين الثمن لا ضمان الغرامة، واللّه العالم بحقائق الامور.

التطبيق الرابع: ما ورد في بعض روايات بيع العينة التي استفيد منها بطلان بيع شي‏ء قبل ان يملك، كصحيح عبدالرحمن بن الحجاج، قال: «سالت ابا عبداللّه(ع) عن العينة فقلت: ياتيني الرجل فيقول: اشتر المتاع واربح فيه كذا وكذا فاراوضه على الشي‏ء من الربح فنتراضى به. ثم انطلق فاشتري المتاع من اجله لولا مكانه لم ارده، ثم آتيه به فابيعه، فقال: ما ارى بهذا باسا لو هلك منه المتاع قبل ان تبيعه اياه كان من مالك، وهذا عليك بالخيار ان شاء اشتراه منك بعد ما تاتيه، وان شاء رده، فلست ارى به باسا».

وصحيح منصور بن حازم قال: «سالت ابا عبداللّه(ع) عن رجل طلب من رجل ثوبا بعينة، قال: ليس عندي هذه دراهم فخذها فاشتر بها، فاخذها فاشترى بها ثوبا كما يريد، ثم جاء به ايشتريه منه؟ فقال: اليس ان ذهب الثوب فمن مال الذي اعطاه الدراهم؟! قلت: بلى. قال: ان شاء اشترى وان شاء لم يشتر؟ قلت: نعم، قال: لا باس به‏».

وفي معتبرته الاخرى قال(ع): «اليس ان شاء اشترى، وان شاء ترك، وان شاء البائع باعه، وان شاء لم يبع؟ قلت: نعم، قال: لا باس‏».

وفي معتبرة معاوية بن عمار قال: «قلت لابي عبداللّه(ع) يجيئني الرجل يطلب مني بيع الحرير وليس عندي منه شي‏ء، فيقاولني عليه واقاوله في الربح والاجل حتى نجتمع على شي‏ء، ثم اذهب فاشتري له الحرير فادعوه اليه، فقال: ارايت ان وجد بيعا هو احب اليه مما عندك ايستطيع ان ينصرف اليه ويدعك او وجدت انت ذلك اتستطيع ان تنصرف اليه وتدعه؟! قلت:

نعم. قال: فلا باس‏».

وفي رواية يحيى بن الحجاج قال: «سالت ابا عبداللّه(ع) عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب وهذه الدابة، وبعنيها اربحك فيها كذا وكذا، قال: لا باس بذلك، اشترها ولا تواجبه البيع قبل ان تستوجبها او تشتريها». ونفس المضمون في معتبرة اسماعيل بن عبدالخالق وغيرها.

وفي صحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: «سالته عن رجل اتاه رجل فقال: ابتع لي متاعا لعلي اشتريه منك بنقد او نسية، فابتاعه الرجل من اجله، قال: ليس به باس، انما يشتريه منه بعد ما يملكه‏».

ما يستفاد من الروايات:

والمستفاد من مجموع هذه الروايات حيثيات ثلاث واردة فيها كتعليل او ضابطة ونكتة للحكم بالصحة:

1- لو هلك وذهب المتاع قبل ان تبيعه اياه كان من مالك اي من مال البائع بالنسيئة باكثر ومفهومه انه ان كان هلكته وذهابه من مال المشتري لم يصح ذلك البيع الذي هو البيع نسيئة باكثر، وهذا ما يستفاد من المعتبرتين الاوليين.

2- عدم الالزام وايجاب البيع على المشتري نسيئة باكثر قبل ان يشتريه له من السوق نقدا، ومفهومه انه لو كان ملزما بذلك بمجرد الشراء من السوق لم يصح، وهذا ما صرح به في كل تلك الروايات المتقدمة عدا صحيح محمد بن مسلم.

3- انه يبيعه بعد ما يملكه، ومفهومه انه اذا باعه قبل ان يملكه فلا يصح.

وهذه التعبيرات او الحيثيات الثلاث قد يحمل الثالث منها ملاكا للحكم، فيستفاد منه ان المقصود بطلان البيع قبل الملك، وهذا ما فعله المشهور، وهو قاعدة (من باع ثم ملك)، وقد استظهروه من صحيح محمد بن مسلم، بل جعله الميرزا (قدس سره) صريحا في شرطية الملك لصحة البيع.

وقد يجعل الثاني منها ملاكا للحكم بان يشترط ان لا يكون البيع ملزما به على المشتري والبائع ولو بعقد سابق او شرط في ضمن عقد والا كان باطلا، فيكون شرطا آخر غير شرطية الملك عند العقد، فحتى اذا كان البيع بعد الملك مع ذلك يشترط ان يكون بالخيار ان شاء اشترى وان شاء لم يشتر.

وعندئذ ان خصصنا ذلك بما اذا لم يكن البائع مالكا للمال حين الالزام، وانما يملكه فيما بعد ثم يبيعه منه لان هذا هو مورد الروايات ثبت بطلان البيع مع الالزام المسبق في خصوص ذلك، وان الغينا الخصوصية ولو باعتبار له بعد ان كان البيع الملزم بعد الملك عممنا الحكم الى موارد بيع ما يملكه حين البيع ايضا، فيكون هناك شرطان لصحة البيع: ان يكون مالكا حين البيع وان لا يكون البيع ملزما على البائع والمشتري.

والتحقيق: ان هذه الروايات اجنبية عن كلا هذين المطلبين، بل الجهة والمحذور المنظور اليه فيها مطلب آخر هو نفس القاعدة التي ذكرناها ونقحناها في هذا البحث، وتوضيح ذلك:

ان المراد بكون المشتري او البائع بالخيار ان شاء اشترى وان شاء لم يشتر الوارد في كل هذه الروايات او اكثرها ليس هو الاختيار التكليفي في قبال الالزام التكليفي، بل المراد منه ما يقابل اللزوم الوضعي، بمعنى ان يكون البيع منه نسيئة ومع الربح كما صرح به في بعضها، وهو المستفاد عرفامن الباقي حيث لا يقدم صاحب النقد والدراهم عادة الا بذلك تاما بنفس المقاولة والاتفاق الاول بينهما قبل الشراء له من السوق، كما هو مقتضى القصد والغرض النهائي بينهما، وقد صرح في بعضها انه لولا مكانه لم ارده.

فالمقصود: ان البيع باكثر ان كان يتحقق ويتم ويجب على الطرفين بمجرد الشراء للمتاع له من السوق ففيه محذور وباس، وان كان لا يجب بذلك بحيث لابد وان يوجبه اي يتحقق البيع والشراء ويتم بعد ذلك فلا باس به. فالمقصود من الخيار واللزوم هذا المعنى الذى يساوق كون الصفقتين صفقة واحدة الوارد في موثقتي محمد بن قيس المتقدمتين في التطبيق الاول، والذي تقدم انه من تطبيقات «ربح ما لم يضمن‏».

والدليل على هذا الفهم مضافا الى ظهور نفس التعبير بالخيار او بقوله: «ان شاء اشترى وان شاء لم يشتر» في مثل هذه الابواب الى تحقق البيع وعدمه قرائن داخلية عديدة في السنة هذه الروايات، وقرائن خارجية منفصلة في روايات اخرى:

فمن القرائن الداخلية ما ورد في معتبرتي ابن الحجاج ومنصور بن حازم من التعبير بقوله: «لو هلك منه المتاع او ان ذهب الثوب فمن مال صاحب الدراهم‏» والذي يعني ان تمام نظر الامام الى ان البيع باكثر بعد لم يجب بينهما، وان ما تقدم من المقاولة ليس ايجابا للبيع بحيث بمجرد ان يشتريه له من السوق بدراهمه يقع له، فليس النظر الى الالزام التكليفي بالبيع منه فانه لا يتوقف على ان لا يكون المتاع او الثوب من مال صاحب الدراهم، كما لا يخفى.

ومن القرائن الداخلية التعبير الوارد في رواية يحيى بن الحجاج «اشترها ولا تواجبه البيع قبل ان تستوجبها او تشتريها» حيث ان الظاهر من مواجبة البيع ثبوته ولزومه الوضعي، اي لا يكون البيع تاماقبل الشراء من السوق حيث‏يقع له المتاع بمجرد ان تشتريه من السوق، والذي هو معنى جعل الصفقتين صفقة واحدة. ونفس الظهور ايضا بدرجة اخف ثابت في معتبرة معاوية بن عمار.

ومن القرائن الداخلية ايضا التصريح بالاجل والربح في اكثر هذه الروايات، بل ما لم يصرح فيه بذلك ايضا منصرف اليه لان هذا هو الامر الذي كان محل البحث والسؤال في العينة، حيث كان مقصودهم التوصل الى ربح في مقابل الاجل او في قبال البيع في الذمة لمن ليس فعلا تحت‏يده المال دون ان يقع في محذور الربا، فالجو العام لهذه الاسئلة كما يظهر ذلك بادنى تامل فيها انما هو الفرار من الوقوع في محذور الربا عن طريق البيعين، وعندئذ سئل عن جوازه مطلقا او اذا كان البيع باكثر بعد الشراء وان كان واقع المقصود والغرض النهائي ان يشتريه له.

فمحذور النهي عن الربا بل حتى النهي عن ربح ما لم يضمن كان منظورا اليه في كلمات السائلين ويريدون التخلص عنه بجعل المقاولة ابتداء والبيع والشراء باكثر بعد الشراء من السوق انشاء، فلو كان النظر الى هذا المحذور فهذا امر عرفي ومحل الابتلاء والسؤال في الروايات كثيرا، فهو منسجم مع الاسئلة والاجوبة في هذه الروايات جدا، ويناسب ايضا ذكر الربح والاجل ونحوه.

واما محذور شرطية الملك حين انشاء البيع فهذا مضافا الى كونه غير عرفي، وكونه غير مؤثر على قصد المتعاملين لانهما يقصدان تمليك من يشتري باكثر نسيئة بعد الشراء لا قبله غير منسجم مع تعبيرات الروايات من ذكر الربح والاجل ونحو ذلك مما هو كالصريح في ان المحذور في الاسترباح الحاصل بهذه المعاملة، ومحذور شرطية الملك لا ربط له بذلك، بل صرح في صحيح محمد بن مسلم بانه «لعله يشتريه منه بعد ذلك‏»، فلا بد من فرض المحذور سنخ محذور يحتمل ثبوته حتى مع كون البيع بعد الشراء من السوق، وليس هو الا محذور الربا او ربح ما لم يضمن بتوهم ان الغرض النهائي لو كان ذلك كان مثله في الحرمة والممنوعية.

ومن القرائن الخارجية ورود نفس التعبير في ذيل موثقة محمد بن قيس «ومن وجب له البيع قبل ان يلزم صاحبه فليبع بعد ما شاء» فان هذا نفس التعبير الوارد في السنة هذه الروايات، خصوصا رواية يحيى بن الحجاج مما يعني ان هذا التعبير يقابل ما هو مذكور في صدر موثقة ابن قيس من جعل الصفقتين صفقة واحدة، والذي معناه انه يلزم صاحبه بالبيع باكثر قبل ان يبتاع المتاع من السوق بنحو بحيث‏يقع بمجرد الشراء من السوق للاول، والذي هو مقصود المتعاملين وغرضهم في هذه الموارد، لا التملك قبل الشراء من السوق، كما قد يتوهم.

فالحاصل: موثقتا محمد بن قيس خصوصا الثانية تصلح ان تكون قرينة منفصلة وشارحة للمراد والمقصود من هذه الروايات لو فرض عدم ظهورها في نفسها فيما ذكرناه.

وهذا الاستظهار واضح جدا في ما عدا صحيح ابن مسلم، الا انه قد يدعى ظهور خصوص هذا الصحيح في النظر الى حيثية البيع قبل الملك، وبالتالي شرطية الملك في صحة البيع لانه قد ورد فيه التعبير بقوله(ع): «انما يشتريه منه بعد ما يملكه‏» الظاهر في بيان العلة وشرطية الملك في صحة البيع والشراء، بحيث‏يكون حمله على النظر الى شرطية اخرى تاويلا.

الا ان الصحيح: عدم ظهور هذه الصحيحة في اكثر مما ذكرناه ايضا وذلك، لان المذكور في التعليل الوارد فيها ان المشتري انما يشتري المتاع منه بعد ما يملكه البائع بالشراء من السوق، وهذا يناسب ايضا مع ما ذكرناه من ان الصفقتين لم تجعلا صفقة واحدة بان يكون النظر الى كون احد الشراءين بعد الآخر، لا انهما يقعان معا، فيكون المقصود من قوله: «بعد ما يملكه‏» بعد ما يشتريه، كما ورد في رواية يحيى بن الحجاج، بل وفي غيرها ايضا، بل هذا هو الظاهر من التعبير بالفعل حيث لم يقل: انما يشتريه بعد الملك او من المالك، مع ان النظر لو كان الى شرطية الملك كان المناسب ذلك، بل فرض نظر الرواية الى شرطية الملك حين الانشاء والبيع بعيد في نفسه لانه غير مناسب مع ما صرح به في السؤال من التعبير بقوله: «لعلي اشتريه منك بنقد او نسيئة‏» الصريح في فرض عدم وقوع انشاء الشراء قبل ان يملكه، ومع ذلك هناك محذور يخشاه السائل فان هذا المحذور لا بد وان يكون سنخ محذور مربوط بالنتائج لا بالصياغات والانشاء، وليس المناسب لذلك خصوصا مع ملاحظة القرائن اللبية واللفظية المتقدمة في سائر الروايات الا مسالة الغرض النهائي للمتعاملين، وهو توصل صاحب الدراهم والنقد الى ربح من خلال وساطته دون ان يكون له غرض لنفسه في شراء المتاع.

فالانصاف: ان هذه الروايات ليست مربوطة بشرطية الملك في انشاء البيع اصلا، وانما هي ناظرة الى محذور جعل الصفقتين صفقة واحدة المصرح به في موثقتي ابن قيس، وليس في هذه الروايات تعرض بالمنطوق الى المحذور والباس في صورة كون الصفقتين واحدة، وانما يستفاد ذلك من المفهوم وشبهه، فيكون قصارى مفادها انه في فرض ايجاب البيع من اول الامر وصيرورة المتاع للمشتري بمجرد شرائه من السوق والذي هو معنى اتحاد الصفقتين في صفقة واحدة يوجد باس ومحذور، واما هل يكون المحذور عندئذ بطلان المعاملة مطلقا او عدم استحقاق الربح والزيادة؟ فهذا لا يتعين بهذه الروايات، وانما تدل عليه موثقتا محمد بن قيس، حيث تقدم دلالتهما على وقوع البيع نظرة، غاية الامر لا يستحق الواسطة اكثر مما نقد، اي لا يستحق الربح، فتكون مؤكدة لقاعدة بطلان ربح ما لم يضمن التي دلت عليه رواية المناهي وموثقة محمد بن قيس الواردة في تضمين التاجر او المضارب، خصوصا اذا استفيد منها الاطلاق لغير المضاربة ايضا، كما تقدم.

وهكذا تتضح الكبرى الكلية من خلال مجموع هذه الروايات، وهي عدم استحقاق الربح التجاري الا مع فرض ضمان المستربح لما فيه الربح، بمعنى ان يكون بدله وثمنه على تقدير تلفه عليه، لا على البائع او على شخص آخر بحيث‏يكون ذلك الشخص هو طرف البائع في الضمان، وهذه نكتة عامة لها تطبيقات عديدة حينما نتاملها نجد انها كلها من قبيل موارد التحايل على الربا وتحقيق نتيجته بصياغة اعتبارية اخرى غير ربا القرض، فتدبر في اطراف ما ذكرناه، فانه حقيق به، واللّه العالم بحقائق الامور.

«ملحق‏»

اما البحث في وثاقة عبدالملك بن عتبة فقد قيل: انه مردد بين النخعي الصيرفي الثقة او الهاشمي الذي لم يرد توثيق بشانه. وظاهر النجاشي انهما شخصان، وان الاول هو الذي له كتاب دون الآخر وانه من اصحاب الباقر(ع) والصادق(ع) بينما الاول من اصحاب الصادق(ع) وابي الحسن(ع). وذكر الشيخ ان‏الثاني ايضا له كتاب.

واد عى المحقق الخوئي قدس سره بان من ينقل عنه علي بن الحكم كما في هذا السند ينصرف الى الهاشمي لا النخعي.

وكلا المطلبين غير تام، بمعنى ان العنوانين لرجل واحد، وان النجاشي قد وقع عنده الخلط بين عبدالملك بن عتبة وعبدالكريم بن عتبة الهاشمي، فانه الذي ليس له كتاب، والظاهر انهما اخوان كما قال به الوحيد البهبهاني.

اما عبدالملك بن عتبة فهو واحد اذ لا يوجد بعنوان النخعي في الاسانيد الا حديث واحد في الكافي، ويحتمل فيه تصحيف النخعي عن الهاشمي، اذ لا يحتمل ان من له كتاب له رواية واحدة، بينما سائر الروايات والتي تبلغ اربعين رواية تكون عن الهاشمي الذي ليس له كتاب، كما ان عبدالملك بن عتبة الوارد مطلقا او مع لقب الهاشمي وهو الاكثر لا ينقلان الا عن ابي الحسن(ع) وقليلا عن الصادق(ع)، ولا نقل ولو لمورد واحد عن الباقر(ع)، واكثرها ايضا فيه علي بن الحكم عنه عن ابي الحسن(ع)، راجع المسالة على ضوء ملاحظة الاسانيد التي وقع فيها هذا العنوان تعرف ذلك، فالرواية صحيحة سندا.