«دروس في علم الفقه‏»

على ضوء التراث الفقهي للامام الخميني (قدس سره)

 القسم الرابع

اعداد الشيخ خالد الغفوري

الاعانة على الاثم

 الحكم وادلته:

[تحرم الاعانة على الاثم، و يدل على ذلك ما يلي]: الدليل الاول: حكم العقل بقبح اعانة الغير على معصية المولى واتيان مبغوضه، فكما ان اتيان المنكر قبيح عقلا وكذا الامر به والاغراء فيه كذلك تهيئة اسبابه والاعانة لفاعله قبيح عقلا.

1- تكفل القوانين العرفية بجعل الجزاء على المعين على الجرم وان لم يكن شريكا في اصله.

2- ورود نظير ذلك في الشرع، كما لو امسك احد شخصا وقتله الآخر وكان ثالث‏يراهم; فان على القاتل القود، والممسك الحبس حتى يموت، وعلى الناظر او الربيئة تسميل عينيه.

دفع توهم:

لا منافاة بين ذلك وبين ما حررناه في الاصول من عدم حرمة مقدمات الحرام مطلقا; لان ما ذكرناه هناك: هو انكار الملازمة بين حرمة الشي‏ء وحرمة مقدماته، وما اثبتناه هنا:

هو ادراك العقل قبح العون على المعصية والاثم، لا لحرمة المقدمة، بل لاستقلال العقل[بالحكم] بقبح الاعانة على ذي المقدمة الحرام وان لم تكن مقدماته حراما.

وبالجملة، يرى العقل فرقا بين الآتي بالجرم بمقدماته، وبين المساعد له في الجرم ولو بتهيئة اسبابه ومقدماته; [فان الاول قد ارتكب معصية واحدة] ولا يكون مجرما في اتيان المقدمات زائدا على اتيان الجرم نفسه، بخلاف الثاني فانه يكون مجرما في تهيئة المقدمات [مع قطع النظر عن حرمة الاتيان بذات الجرم]، ويكون المساعد في نظر العقل كالشريك في الجرم وان تفاوتا في القبح.

الدليل الثاني: قوله تعالى: (وتعاونوا على‏البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) والظاهر [منه] عدم جواز اعانة بعضهم بعضا في اثمه وعدوانه، وهو مقتضى ظاهر المادة والهيئة.» [اما من ناحية الهيئة فان النهي ظاهر في التحريم].

[واما من ناحية المادة ف]ان ظاهر مادة العون عرفا وبنص اللغويين: المساعدة على امر، والمعين هو الظهير والمساعد، وانما يصدق فيما اذا كان احد اصيلا في امر واعانه غيره عليه، فيكون معنى (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان): لا يكن بعضكم لبعض ظهيرا ومساعدا ومعاونا في الاثم والعدوان.» .

اشكالان: الاول: ان مؤدى الآية الحكم التنزيهي[لا التحريمي]; بقرينة مقابلته للامر بالاعانة على البر والتقوى الذي ليس للالزام قطعا.

الثاني: ان مقتضى صيغة التفاعل هو الاجتماع، فيكون مفاد الآية النهي عن الاجتماع على اتيان المنكر كان يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الاموال لا اعانة الغير على اتيانه على ان يكون الغير مستقلا والآخر معينا له باتيان بعض مقدماته.» .

الجواب: اما عن الاول: فانه لو سلمت في سائر الموارد قرينية بعض الفقرات على الاخرى بما ذكر لا يسلم في المقام;[وذلك]:

1- ان تناسب الحكم والموضوع وحكم العقل شاهدان على ان النهي للتحريم.

2- ان مقارنة الاثم والعدوان الذي هو الظلم لم تبق مجالا لحمل النهي على التنزيه; ضرورة حرمة الاعانة على العدوان والظلم، كما دلت عليها الاخبار المستفيضة.

واما عن الثاني: فان التفاعل بين الاثنين لا يلازم كونهما شريكين في ايجاد فعل شخصي، فالتعاون كالتكاذب والتراحم والتضامن مما هو فعل الاثنين من غير اشتراكهما في فعل شخصي، فمعنى تعاون زيد وعمرو: ان كلا منهما معين للآخر وظهير له، فاذا هيا كل‏منهما مقدمات عمل الآخر يصدق انهما تعاونا.

ولو كان المراد من حرمة التعاون على الاثم هو الشركة فيه [لكان معنى الآية] هو حرمة شركة جميع المكلفين في اتيان محرم، وهو كما ترى.

ولو قلنا بصدق التعاون والتعاضد على الاشتراك في عمل فلا شبهة في عدم اختصاصه به.

الدليل الثالث: ادلة وجوب النهي عن المنكر;[وبيان ذلك]: 1- ان دفع المنكر كرفعه واجب بناء على ان وجوب النهي عن المنكر عقلي، [وهو الحق] لاستقلال العقل بوجوب منع تحقق معصية المولى ومبغوضه وقبح التواني عنه، سواء في ذلك بالتوصل الى النهي او الامور الاخر الممكنة.

فكما تسالموا ظاهرا على وجوب المنع من تحقق ما هو مبغوض الوجود في الخارج، سواء صدر من مكلف ام لا لمناط مبغوضية وجوده كذلك يجب المنع من تحقق ما هو مبغوض صدوره من مكلف; فان المناط في كليهما واحد، وهو تحقق المبغوض وان اختلفا في ان الاول نفس وجوده مبغوض، والثاني صدوره من مكلف مبغوض، [والحاكم به العقل].

ثم ان العقل لا يفرق بين الرفع والدفع، بل لا معنى لوجوب الرفع في نظر العقل، فان ما وقع لا ينقلب عما هو عليه، فالواجب عقلا هو المنع عن وقوع المبغوض، سواء اشتغل به الفاعل او هم بالاشتغال به وعلم بكونه بصدده وكان في معرض التحقق، وما يدركه العقل هو [وجوب] هذا المقدار [من المنع]، لا [وجوب] التعجيز بنحو مطلق.

2- ولو بنينا على ان وجوب النهي عن المنكر شرعي، فلا ينبغي الاشكال في شمول الادلة للدفع ايضا لو لم نقل بان الواجب هو الدفع، بل يرجع الرفع اليه حقيقة; لان النهي عبارة عن الزجر عن اتيان المنكر، وهو لا يتعلق بالموجود الا باعتبار ما لم يوجد، فان الزجر عن ايجاد الموجود محال عقلا وعرفا، فاطلاق ادلة النهي عن المنكر شامل للزجر عن اصل التحقق واستمراره، فلو علم من احد ارادة ايجاد الحرام وهم به واشتغل بمقدماته وجب نهيه عنه.

بل لو فرض عدم اطلاق فيها من هذه الجهة وكان مصبها النهي عن المنكر بعد اشتغال الفاعل به، لا شبهة في الغاء العرف خصوصية التحقق بمناسبات الحكم والموضوع، فهل ترى في نفسك انه لو اخذ احد كاس الخمر ليشربها بمراى ومنظر من المسلم يجوز له التماسك عن النهي حتى يشرب جرعة منها ثم يجب عليه النهي؟! وهل ترى عدم وجوب النهي عن المنكر في الدفعيات والوجودات الصرفة الدفعية؟! ولعمري ان التشكيك فيه كالتشكيك في الواضحات.

ثم لو قلنا بوجوب دفع المنكر، فتارة يكون بوجوده الساري منكرا كشرب الخمر وتخميرها، واخرى بصرف وجوده.

وعلى الاول [كما لو اشترى احد العنب للتخمير; فان كان] المشتري مريد التخميركل عنب يشتريه فلا ينبغي الاشكال في[حرمة بيع العنب منه حينئذ]; لان دفع كل مصداق من المنكر واجب فرضا ، والمفروض ان كل عنب يشتريه الخمار يجعله خمرا، فترك كل بيع دفع لمنكر مستقلا، فهو واجب.

واما بناء على ان‏المنكر صرف‏وجود التخمير مثلا او ان [المنكر هو الوجود الساري لكن] المشتري لا يخمر الا مصداقا واحدا من المبيع [فانه لا يجوز البيع ولو مع العلم ببناء الغير على ذلك لو لم يبع هو]; لان دفع المنكر واجب مطلق على كل مكلف، ولهذا يجب على كل منهم دفعه ولو بمنع الغير عن المخالفة، ولو اجتمع الكل على بيع اعنابهم دفعة واحدة ممن يعلم انه يجعلها خمرا يكون الكل عاصيا; لانتقاض الدفع الواجب بفعلهم.

فلو اجتمع القوم عدا واحد منهم كان ما عداه عاصيا ولو فرض تحقق البيع منه لو كان الغير تاركا; وذلك لان انتقاض الدفع الواجب غير جائز شرعا او قبيح عقلا، لكونه مخالفة للامر عقلاوعرفا . ومجرد بناء الغير على الانتقاض لا يكون عذرا، فالبائع وان كان لا يقدر على الدفع لكنه قادر على انتقاضه وعلى المخالفة، وهذا كاف في تحقق المعصية مع تحققه بفعله وانتقاض الدفع ببيعه.

فلو امر المولى عبيده بدفع السارق عن سرقة ماله وكان متوقفا على بقاء الباب مسدودا يجب على‏كل منهم دفعه بحفظ سد الباب، فلو علم بعضهم ان بعض العبيد يريد فتح الباب وتمكين السارق، لا يوجب ذلك البناء والعلم بفتحه على اي حال ان يكون معذورا في فتح الباب وتمكين السارق، فلو فتحه كان الفاتح عاصيا لا الباني على الفتح، وهذا نظير ان يعتذر قاتل مظلوم محقون الدم بانه يصير مقتولا على اي تقدير، فلو لم اقتله قتله غيري.

وان شئت قلت: ان بيع الغير وتسليم العنب موجب لتعجيزه عن دفع المنكر لا بنائه عليه، فما لم يتحقق التسليم من الغير تكون القدرة على الدفع باقية له، فانه قادر على ابقاء الدفع ونقضه ما دام الدفع لم ينتقض، فالانتقاض الموجب لتعجيز غيره محرم، وهو حاصل بفعل البائع فعلا لا تقديرا وبناء، وهذا هو الاقوى.

اختلاف المباني واثره:

ا - ان كان المبنى حكم العقل بقبح تهيئة اسباب المعصية والاثم عقلا [فيترتب ما يلي]:

1- انه لا ينظر الى صدق مفهوم الاعانة عرفا; فان موضوع حكم العقل ليس عنوانها، بل مطلق تهيئة اسباب المعصية قبيح عقلا. نعم، لا يتجاوز الحكم من تحصيل الشرائط والاسباب الى مطلق ما له دخل في تحقق المعصية، كتجارة التاجر العالم باخذ العشر منه اذا لم تكن تجارته لتقوية الظالم، فانها ليست قبيحة عقلا.

2- ثم ان بعد ادراك العقل قبح الاعانة على الاثم وتهيئة اسباب المنكر والمعصية لا يمكن تخصيص حكمه وتجويز الاعانة عليها في مورد، كما لا يمكن تجويز المعصية.

3- الظاهر عدم الفرق في القبح بين مااذا كان تهيئة اسباب الجرم الجرم بداعي توصل الغير للجرم وبين عدمه، وان كان الاول اقبح، كما لا فرق بين كون ارادة الغير للجرم فعلية وبين العلم بتجددها، كما لا فرق بين وجود [معين] آخر وبين عدمه، وان تفاوتت الموارد في درجة القبح ولكنها مشتركة في اصله.

ب - وكذا لو كان المستند حكم العقل بدفع المنكر; فان العقل لا يفرق بين وجود ارادة المعصية فعلا وبين تجددها، ولا بين كون الداعي توصل الغير الى الحرام وغيره، ولا وجود فاعل آخر وعدمه.

ج - واما ان كان المستند هو الآية الكريمة الناهية عن التعاون على الاثم والعدوان فيقع البحث في مفهوم الاعانة على الاثم عرفا، اي في هذا العنوان التركيبي المتعلق للنهي، [فهل تعتبر فيه القيود التالية؟]:

[الاول]: هل يعتبر في صدق الاعانة على الاثم وقوع الاثم في الخارج؟ ويمكن ان يقال: ان المفهوم العرفي من الاعانة على الاثم هو ايجاد مقدمة ايجاد الاثم وان لم يوجد.

لكن مع ذلك كله لا يخلو الصدق من خفاء والمسالة من غموض، وان كان الصدق اظهر عرفا.

[الثاني]: هل يعتبر في صدق الاعانة قصد المعين لتوصل الفاعل الى الحرام؟ والاقرب اعتباره; فان الظاهر ان اعانة شخص على شي‏ء عبارة عن مساعدته عليه وكونه ظهيرا للفاعل، وهو انما يصدق اذا ساعده في توصله الى ذلك الشي‏ء، وهو يتوقف على قصده لذلك.

[لكن] لقائل ان يقول بالغاء القيدين [= الاول والثاني] حسب نظر العرف والعقلاء بالمناسبات المغروسة في الاذهان; [وذلك] بان يقال: ان‏الشارع الاقدس اراد بالنهي عن الاعانة على الاثم والعدوان قلع مادة الفساد .. وعليه فلا فرق بين قصده الى توصل الظالم بعمله وعدمه ..

وكذا يمكن ان يقال: ان الاعانة على الاثم والعدوان لما تصير عادة موجبة لتشويق العصاة على عملهم وجراتهم على الاثم والعدوان نهى الشارع عن اعانة من هم بمعصية سياسة لان يرى العامل بالمنكر نفسه وحيدا في العمل لا معين له فيه، والوحدة قد توجب الوحشة المؤدية الى الترك ...

والى بعض ما ذكرنا اشارت رواية علي بن ابي حمزة عن ابي عبدالله (ع)، وفيها: «لولا ان بني امية وجدوا لهم من يكتب لهم ويجبي لهم الفي‏ء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا»

فتحصل من ذلك انه بعد الغاء الخصوصية عرفا تستفاد من الآية حرمة تهيئة اسباب المعصية لمن هم بها، سواء كانت التهيئة لاجل توصله اليها ام لا، وسواء تحقق الاثم ام لا، ويؤيده حكم العقل ايضا بقبحها.

ولكن مع ذلك لا يخلو الغاء الخصوصية وفهم العرف من الآية ما ذكرناه من تامل، وان[كان] لا يخلو من وجه.

[الثالث]: هل يعتبر قصد المعان عليه الحرام او يكفي تخيل المعين انه قصده؟ والظاهر اعتباره، فمع عدم قصد المعان عليه الاثم لا تكون الاعانة على فعله الا اعانة على ما يتوهم انه اثم‏».

[الرابع]: هل يعتبر علم المعين او ظنه بترتب الاثم على ما يوجده؟ [الخامس]: هل يعتبر العلم بتوقف الاثم على خصوص هذه المقدمة او لا؟ [والظاهر] عدم اعتبار[الاخيرين]، فمن عصر خمرا برجاء ان يشرب منها شارب او اعطى سكينا لظالم [ليستعملها في] القتل لو احتاج اليها: يعد عملهما اعانة على الاثم، سيما اذا تحقق في الخارج، بل لا يبعد اعتبار التحقق في الصدق فيهما.

تطبيقات:

[لا باس بالاشارة الى بعض التطبيقات التي ذكرها(قدس سره) في‏كتابه لهذا الحكم الكلي، وهو حرمة الاعانة على الاثم، منها]:

1- [حرمة] بيع شي‏ء مباح ممن يصرفه في الحرام، كبيع الخشب ممن يعمله صنما او بربطا ونحوهما، وبيع العنب ممن يعمله خمرا.

2- [حرمة معونة الظالم في ظلمه]