نافذة:

المصطلحات الفقهية القسم الرابع

الشيخ قاسم الابراهيمي

«آنية‏»

2- الآنية المتنجسة بالخمر: والكلام فيها يقع في جملة مباحث، اهمها:

اولا: قابليتها للتطهير:

 يوجد عموما نوعان من الآنية اشرنا اجمالا الى احدهما فيما سبق، هما:

الاول: الآنية التي تنشف الماء المسماة بالرخوة، كآنية الخشب والقرع والخزف غير المغضور.

الثاني: الآنية التي لا تنشف الماء، وهي المسماة بالصلبة، كآنية الحديد والرصاص والزجاج والنحاس والفخار المغضور.

ولا كلام بين الفقهاء في قابلية القسم الثاني للتطهير، بل ادعى غير واحد منهم الاجماع عليه، واما القسم الاول فنقل عن ابن الجنيد قوله بعدم قابليته للتطهير، واختاره الشيخ في النهاية، وتبعهما ابن البراج احتياطا.

وذهب المحقق في الشرائع‏والاصفهاني في كشف اللثام الى تعليق طهارتها على حصول العلم بالازالة.

واما ما عدا هؤلاء فذهبوا الى الكراهة مع التعرض للمسالة; اما للرواية، او خروجا عن خلاف من منع، او الى مساواتها لسائر الاواني في جواز الاستعمال.

لكن الخوانساري في جامع المدارك استشكل في الحكم بالكراهة المصطلحة، وذهب الشيخ جعفر الكبير الى حصول الطهارة للداخل باجراء الماء على الظاهر.

والروايات المانعة منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما(ع) قال: «وسالته عن الظروف؟ فقال: نهى رسول الله(ص) عن الدباء والمزفت وزدتم انتم الخثم (الحنتم خ‏ل) يعني الغضار، والمزفت‏يعني الزفت الذي (يكون خ‏ل) في الزق ويصير في الخوابي يكون اجود للخمرة، قال: وسالته عن الجرار الخضر والرصاص؟ فقال: لا باس بها».

ورواية جراح المدائني عن ابي عبداللّه(ع) في حديث انه: «منع النقير ونبيذ الدباء». والدباء القرع، والنقير خشبة تنقر فينبذ فيها فيشتد نبيذه، وفسر الحنتم بالجرار الخضر، لكن ابن الاثير في النهاية ذكر ان لفظ الحنتم اتسع فصار يستعمل في الخزف كله (اي مغضورا وغير مغضور)، فالدليل لهم.

واما المجوزون فقد تمسكوا بالاصل وبالروايات المطلقة الدالة على طهارة الاناء المستعمل فيه الخمر بعد غسله، بل ان بعض الروايات المجوزة للاستعمال بعد الغسل واردة فيما هو مصنوع من الخزف او الخشب كالدن‏مثلا وغيره.

ثانيا : كيفية تطهيرها:

وتطهر آنية الخمر بالماء القليل، واخرى بالمعتصم من الكر والجاري والبئر وماء المطر، وثالثة بالانقلاب:

1- تطهيرها بالقليل:

والبحث فيه يقع في عدد الغسلات، حيث اختلف الاعلام فيما تحصل به طهارة اناء الخمر على اقوال هي:

الاول: قول الشيخ في المبسوط والجمل والعقودوالاقتصاد واحد موضعين في النهاية وسلار والمفيد والشهيد في اكثر كتبه والمحقق الثاني وابن حمزة وابن ادريس: بوجوب غسل الاناء سبعا بالماء.

واستدل عليه بموثق عمار بن موسى عن ابي عبداللّه(ع) في الاناء يشرب فيه النبيذ، فقال: «تغسله سبع مرات وكذلك الكلب‏».

الثاني: قول الاكثر بوجوب الغسل ثلاثا ، كما هو اختيار الشيخ في الخلاف والنهاية في القول الآخروالقاضي والمحقق وان صرح بكون اختياره ملاحظة لاختيار الشيخ، وابن سعيد والآبي والعلامة في القواعد والفخر واول الشهيدين في الدروس وثانيهما في المسالك والشيخ النجفي في جواهره والهمداني والسيد اليزدي والشيخ العراقي والسادة: الحكيم والخوئي والخميني والصدر والخوانساري والگلپايگاني.

واستدل له بموثق عمار الآخر في حديث انه سال ابا عبداللّه (ع) في قدح او اناء يشرب فيه الخمر، قال: «تغسله ثلاث مرات‏».

هذا، وقد حكم بعض من ذكرناهم في القول الثاني باستحباب السبع; للرواية المتقدمة.

الثالث: قول المحقق في‏المعتبر والعلامة في المختلف والسيد العاملي في المدارك بكفاية المرة الواحدة بعد ازالة عين النجاسة، ويظهر من المولى الاردبيلي اختياره.

واستدلوا له بالروايات الآمرة بالغسل من دون تقييد بالعدد; فانها تدل على حصول الطهارة بالمرة الواحدة لتحقق الامتثال بها، وتضعيفهم موثقتي عمار بكون رواتها من الفطحية، واشتراط الازالة قبلها; لان‏الماء الوارد على العين مع فرض بقائها لا اثر له.

الرابع: قول العلامة في اكثر كتبه والشيخ حسن والسبزواري والشهيد الاول في البيان، والثاني في‏الروض، والشيخ كاشف الغطاء بكفاية المرة المزيلة للعين اما صراحة او ظهورا.

والدليل على ما ذكر هو ان الامر بالغسل ارشاد الى النجاسة ولزوم الازالة، فيكفي لتحقق الغرض المذكور المرة المحققة له بازالة النجاسة.

الخامس: قول الشهيد في اللمعة‏بوجوب الغسل مرتين من النجاسات غير الولوغ في الاناء الشامل باطلاقه للمتنجس بالخمر، كان دليله بعد استضعاف الروايتين ما دل على وجوب الغسل مرتين في غير الاناء استظهارا لعدم الخصوصية وتحكيم اصالة البراءة مع الشك في الزائد، كما نبه عليه صاحب المعالم.

السادس: ما اشار اليه صاحب الحدائق في وجه الجمع بين الروايتين من حمل اختلاف العدد في الروايات على اختلاف نوع الآنية المتنجسة بالخمر، فكانه قول بالثلاث في بعض والسبع في بعضها الآخر.

هذا، وقد احتاط صاحب الرياض بين الثلاث والسبع بعد شرحه لعبارة المحقق، وبيان‏ما يستدل به‏لقوله.

2- تطهيرها بالمعتصم من الكر والجاري:

واما تطهير آنية الخمر بالمعتصم من الكر والجاري فحيث كان الملحوظ فيه تعدد الغسلات مما لا يختص بالآنية بل يعم كل ما يجب فيه التعدد من ثياب وفرش وابدان وغيرها فآثرنا ايكال البحث فيه الى موضعه من التطهير من النجاسات. لكنا نذكر على سبيل الاجمال ان مشهور الفقهاء ممن تاخروا عن العلامة ذهبوا الى عدم اعتبار التعدد فيه، واما قبله فمنهم من اعتبر وقوعه فيه بغسلة واحدة، ومنهم من عد كل‏جرية وخضخضة بغسلة، ومنهم من فر ق بين المياه.

3- طهارتها بالانقلاب:

لا خلاف ولا اشكال في طهارة الخمر بانقلابها خلا، كما صرح به غير واحد وطهارة اوانيها ومزاولها وآلاتها على ما صرح به جمع منهم، والتفصيل موكول الى محله من النجاسات.

ثالثا : لواحق البحث الاول:

ورد في تتمة رواية عمار المتقدمة عن ابي عبداللّه (ع) في غسل الاناء او القدح الذي يشرب فيه الخمر انه قال:

«وسئل ايجزيه ان يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات‏».

وقد استفاد العلامة منها وجوب الدلك في النهاية، واعتبره في غيره في غير مورد الآنية; لتضمن معنى الغسل له، كما اعتبره الشيخ والمحقق قبله، وانكر سائر الفقهاء ذلك ما لم تتوقف ازالة النجاسة عليه. نعم، استحبه صاحب المدارك.

الثاني: اشترط الشيخ في‏النهاية تجفيف اناء الخمر بعد تطهيره، وكذا فعل صاحب المهذب، ولم يجعله العلامة بعيدا عن الصواب لنجاسة غسالته، لكنه استوجه رد ابن ادريس عليه بكونه لا دليل عليه.

ومع كون الدليل فيه نجاسة الغسالة لا يكون البحث في اشتراط التجفيف من مختصات المورد بل يشمل جميع المتنجسات التي يراد تطهيرها بالماء القليل، فيدخل ما ذكرناه سابقا في الآنية المتنجسة بالولوغ كما يدخل غيره.

الثالث: الحق بعض الفقهاء الاشربة المسكرة والفقاع بالخمر في وجوب تطهير الآنية منها بغسلها سبعا. وهو لا باس به لمن يقول بصدق الخمر على الجميع، واما من خصها بعصير العنب او فرق بينهما فلا وجه لالحاقه; لان‏رواية السبع واردة في النبيذ.

الرابع: ان الحكم بوجوب تطهير آنية الخمر انما يجري عند القائلين بنجاستها، واما القائلون بطهارة الخمر فلا يجري الحكم المذكور عندهم.

الخامسة: ان ما ذكر في الاواني الرخوة من عدم قابليتها للتطهير وان ذكر في اواني الخمر عند الاغلب الا انه يستفاد ان الحكم لا ينحصر بالخمر بل كل نجاسة تتشرب في الاناء.

3- الآنية المتنجسة بالجرذ والفارة:

 لا كلام في ان الاناء اذا وقع الحيوان ذو النفس فيه فمات تنجس ولزم تطهيره; لما هو معلوم من نجاسة الميتة منه، وانما الكلام في جهتين: كيفية تطهيره منه، والحاق الفارة به.

الجهة الاولى: كيفية تطهيره:

 وقد اختلف الفقهاء في ذلك على عدة اقوال: الاول: القول بوجوب غسل الاناء منه سبعا، وهو خيرة الصدوق في المقنع والشيخ في النهاية‏والمبسوطوسلا ر في المراسم وابن حمزة في الوسيلة‏واستقربه الشهيد الاول في اكثر كتبه ومال اليه السيد الطباطبائي في الرياض والمولى النراقي في المستند ومال اليه في الحدائق‏والانصاري في طهارته‏واختاره من تاخر عنه الى يومنا هذا.

والدليل عليه: رواية عمار الساباطي عن ابي عبداللّه(ع) قال:

«اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات‏».

الثاني: القول بوجوب غسل الاناء منه ثلاثا، وهو خيرة المحقق في كتبه غير المعتبر حيث اكتفى فيه بالمرة، والعلامة في القواعد، والشيخ الطوسي في الخلاف; لدخولها في سائر النجاسات، والنجفي في الجواهر.

ولعل ذلك لعموم ما دل على غسل الاناء القذر ثلاثا من النجاسات، كموثق عمار الساباطي عن ابي عبداللّه(ع) قال:

«سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات‏».

الثالث: القول بوجوب المرة بعد ازالة عين النجاسة، وهو مختار المحقق في المعتبر والعلامة في المختلف والسيد السند في المدارك‏ويظهر من المولى الاردبيلي اختياره ايضا رغم ان العين تزول بالقاء الفارة غالبا من دون حاجة الى مرة مزيلة.

والدليل عليه اطلاق بعض الروايات الامر بالغسل من الميتة، وكون الماء الوارد مع عدم ازالة العين لا اثر له.

الرابع: القول بوجوب المرة المزيلة للعين، وهو مختار المفيد في المقنعة ظاهرا وابن ادريس في السرائر وابن سعيد في الجامع للشرائع والعلامة في اكثر كتبه معبرا بالنقاء وصاحب المراسم على ما نقل عنه، والموجود في كتابه خلاف ذلك، كما تقدم، والسبزواري في الذخيرة والكفاية وظاهر الشهيد الثاني في الروض وكذا كاشف الغطاء في كتابه والشيخ حسن في المعالم. والدليل فيه عين ما تقدم في الخمر.

الخامس: القول بوجوب المرتين فيه، كما يظهر من الشهيد في اللمعة الدمشقية اختياره حيث اطلق القول بوجوبهما في الثوب والبدن والاناء مستثنيا الولوغ.

الجهة الثانية: تعدية الحكم الى غير الجرذ:

الجرذ بضم الجيم وفتح الراء الذكر من الفار كما في اللسان والمصباح نقلاعن ابن الانباري والازهري، وضرب من الفئران كما في القاموس والصحاح، والذكر الكبير من الفار كما في النهاية، ونقل صاحب الصحاح عن بعض انه الضخم من الفئران يكون في الفلوات ولا يالف البيوت، وهو اعظم من اليربوع، اكدر، في ذنبه سواد، على حد نقل صاحب اللسان.

ولعل اختلاف التعريفات هذا هو الذي اوقع الفقهاء في الاختلاف في الحكم; اذ ليس لديهم اصطلاح خاص هنا، وانما اتبعوا اهل اللغة في معناه.

وكيفما كان، فقد وقع الاختلاف بين الفقهاء في الحاق الفارة بالجرذ او لا، وانقسموا الى طائفتين:

طائفة الحقت الفارة بالجرذ، وسوت بينهما في الحكم، كالشيخ في عدة من كتبه وسلار وابن حمزة‏وغيرهم.

واخرى فرقت بينهما كالطباطبائي والنراقي والبحراني والانصاري وغيرهم.

الاول: ان جملة ممن عددناهم في عداد ملحقي عموم الفار بالجرذ في الحكم لم يصرحوا بالالحاق، لكنا استفدنا ذلك احيانا من جعلهم الفارة مورد فتواهم.

الثاني: ان الاختلاف في الحاق الفارة بالجرذ وعدمه لا يتاتى بالنسبة الى القائلين بغسل الاناء من الجرذ سبعافحسب وان كان هو مورد الرواية، وانما يتاتى بالنسبة لمن قال بغير ذلك وحمل الرواية على الاستحباب; اذ يمكن ان يقال: انه هل يرى تعدية الاستحباب الى الفارة ام لا؟

4- الآنية المتنجسة بسائر النجاسات طرق تطهيرها:

1- تطهيرها بالماء : الجهة الاولى تطهيرها بالقليل والمعتصم

اولا: تطهيرها بالقليل:

وللفقهاء فيه اقوال اشرنا اليها في آنية الخمر والآنية المتنجسة بموت الجرذ فيها، ونذكرها هنا ايضا:

الاول: غسلها مرة واحدة، وهو مذهب المفيد وسلار والمحقق في غير المعتبر وابن سعيد من دون تقييد. وقيده ابن ادريس بازالة عين النجاسة والعلامة في التذكرة مع حصول النقاء والمحقق في المعتبروالعلامة في المختلف بعد ازالة العين، والسيد السندوالسبزواري‏بالمزيلة للعين، وفي معناه قول من صرح بان الواجب الانقاء كالعلامة في بعض كتبه ومن عبر بالمرة مطلقا كالشهيد الثاني في الروض.

ودليل الكل اطلاق الامر بالغسل في بعض الروايات، والتقييد بما بعد الازالة; لان الماء الوارد على النجاسة لا اثر له على ما صرح به صاحب المعالم واحتمله المحقق الكركي، واما التقييد بالمزيلة للعين فلتحقق الامتثال للامر المطلق، ولا دليل على الزائد، والاصل ينفيه.

الثاني: غسلها مرتين، وذهب اليه الشهيد في اللمعة ولم يعلق الشهيد الثاني عليه ويظهر من مفهوم كلام المولى الاردبيلي اختياره مع تحقق الازالة بالاولى محتملا ايجابهما بعدها، وهو في معنى قول المحقق في المعتبر والعلامة في المختلف، الا ان ظاهر كلامه اشتراط تحقق الازالة بالماء، وظاهر كلامهما تحققها باية وسيلة.

والدليل عليه تعدية ما ورد في غير الاناء اليه بعد تضعيف رواية عمار الساباطي الآتية.

الثالث: غسلها ثلاثا، وهو مذهب الشيخ مدعيا في الخلاف الاجماع‏عليه وابن الجنيد على ما نقل عنه‏والشهيد في اكثر كتبه والمحقق الكركي والبحراني والطباطبائي والنراقي والانصاري والنجفي والهمداني واليزدي ومن تاخر عنه الى زماننا.

والدليل عليه موثقة عمار الساباطي عن ابي عبداللّه (ع) قال:

«سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات...».

الرابع: فصل صاحب كشف الغطاء بين كون النجاسة الملوثة للاناء البول او غيرها، فمع كونها بولا او ولوغايجب التعدد، ومع كونها غيرهما لا يجب.

هذا، وقد ذهب بعض الفقهاء الى ايجاب الثلاث احتياطا، كما فعل السيد الصدر.

ثانيا : تطهيرها بالمعتصم:

والمراد به الكر والجاري وما الحق بهما من ماء الحمام والمطر والغدير، اما البئر فالفقهاء فيه بين عاد له في المعتصم وبين عاد له في غيره.

والبحث في تطهير الآنية بالمياه المعتصمة وان كان مما لا يختص بها، وانما يجري في كل ما وجب فيه التعدد سواء كان آنية او ثيابا او فرشا او بدنا الا ان وجود بعض الاقوال المفرقة بين الآنية وغيرها اقتضى التعرض للمسالة هنا ايضا .

وكيفما كان، فقد وقع بين الفقهاء كلام كثير، واختلفوا في المسالة على اقوال:

اولها: اعتبار التعدد في المعتصم من المياه، وهو ما يظهر من الشيخ في الخلاف والمبسوط وابن البراج في المهذب والمحقق في المعتبر، والعلامة في المنتهى والنجفي في الجواهروصريح السيد الخميني في بحوثه واما في مقام الفتوى فبنى العدد على الاحتياط.

ودليلهم بعد الاجماع المدعى على طهارته بعد غسلها تمام العدد والاصل: اطلاق ادلة التعدد وعدم تقييدها بالقليل.

ثانيها: ما عليه اكثر الفقهاء من سقوط العدد في الكثير والجاري وغيرهما من المعتصم، بل ادعي في الذخيرة والحدائق ومصباح الفقيه‏الشهرة عليه، بل في جامع المدارك عدم الخلاف في الجاري في الثوب والبدن والجواهر ايضا في الآنية، وقد اختاره العلامة والشهيدان في الكثير والجاري والكركي في الكثير; لان دليله اعم، والعاملي ‏والبحراني في الكثير والجاري ايضا وكاشف الغطاء في المعتصم‏والانصاري في الكثيروالهمداني في المعتصم‏واليزدي في الكثير والحكيم في المنهاج في الكثير والجاري وكذا الگلپايگاني في كتاب الطهارة ايضا.

ودليلهم: انصراف الروايات المصرحة بالعدد على ما اذا كان التطهير بالقليل، والاصل.

ثالثها: ما عليه الصدوق في الفقيه والهداية في الثوب وكذا يحيى بن سعيد فيه من اعتبار المرة في الجاري والمرتين في الراكد.

والدليل: هو صحيحة محمد بن مسلم الآتية.

رابعها: ما عليه صاحب المستند من اعتبار التعدد في القليل في اناء الولوغ وسقوطه في الكثير والجاري، واعتباره في القليل والكثير في غير اناء الولوغ من النجاسات، وسقوطه في الجاري وماء المطر.

والدليل: ضعف روايات التعدد في الاول في غير القليل وعدم الجابر لها، فيبقى اطلاق كل من صحيحة البقباق ومرسلة الكاهلي خاليا عن المعارض، واطلاق التعدد في الثاني، واستصحاب النجاسة بالنسبة الى غير الجاري والمطر. واما استثناء الجاري والمطر فللمرسلة مع ضم عدم الفصل بين المطر والجاري.

خامسها: ما ذهب اليه السيد الحكيم في بحوثه من ثبوت التعدد في الخمر والبول وولوغ الخنزير والكلب والجرذ في غير المطر والجاري، وكفاية المرة في سائر النجاسات في غيرهما ايضا، لكنه في مقام الفتوى وافق اكثر الفقهاء.

ودليله: منع الاطلاق في موثقة عمار في الاناء القذر; لاشتمالها على الصب الغالب في الكثير، واطلاق روايات التعدد الواردة في النجاسات المذكورة، ودلالة مرسلة الكاهلي المتقدمة على طهارة عموم ما يصيبه المطر، وكذا الجاري اذا ضمت عدم الفصل بين الجاري والمطر.

سادسها: ما ذهب اليه السيد الخوئي في بحوثه من اعتبار التعدد في غير اناء الولوغ، والمتنجس بالبول في الجاري، واما اناء الولوغ فلا تعدد فيه، وكذا المتنجس بالبول اذا غسل في الجاري ايضا.

سابعها: ما ذهب اليه السيد الصدر في تعليقته على المنهاج حيث التزم بالتعدد في الخمر خاصة، واحتاط في الخمر والخنزير والثوب المتنجس‏بالبول في غير الجاري، وافتى به في الفتاوى الواضحة.

ودليله على اعتبار التعدد: اطلاقات ادلته، واستثناء اناء الولوغ لعدم ثبوت زيادة لفظ المرتين في صحيحة البقباق، وكذا استثناء المتنجس بالبول لصحيحة محمد بن مسلم قال:

«سالت ابا عبداللّه(ع) عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة‏».

الجهة الثانية: كيفية غسل الاواني من النجاسات:

تختلف كيفية تطهير الاواني من النجاسات باختلاف نوع المطهر ونوع الآنية، وفيما يلي بيان لتطهير بعض الانواع مما تعرض له الفقهاء في بحوثهم:

الاول: ذكر غير واحد من فقهائنا انه يكفي في تطهير الاواني من النجاسات بالقليل صب الماء في الاناء ثم تحريكه حتى يستوعب تمام ما تنجس منه ثم‏تفريغه لتحصل له بذلك غسلة واحدة.

ودليله رواية عمار الساباطي عن ابي عبداللّه(ع) قال: «سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال:

يغسل ثلاث مرات، يصب‏فيه الماء فيحر ك فيه، ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه‏».

وذكر بعض الاصحاب انه لو ملئ الاناء ماء كفى افراغه عن تحريكه.

الثاني: الاواني الكبيرة والمثبتة يكفي تطهيرها بصب الماء فيها ثم تفريغها ولو بآلة كما ذكره كثير من الاصحاب، واشترط بعض طهارتها قبل عودها الى الاناء، في حين جعل بعض آخر طهارتها بالتبعية.

هذا، وعن بعض اشتراط كون الاناء مثبتا، وانكره بعض الفقهاء لعدم موضوعيته، وانما المهم اخراج الماء منه اما باكفائه او بآلة.

الثالث: ذكر كاشف الغطاء ان الاواني الرخوة التي ينفذ الى باطنها الماء كاواني الخشب او القرع او الفخار غير لمزفت‏يكفي في تطهيرها اجراء الماء على الظاهر مع نفوذ رطوبة الماء وعدمه. هذا في بواطن المتنجسات بعد جمودها، واما لو انجمد بعد انفعالها مما يرسب فيه الماء فالظاهر طهارتها بوضعها في الماء المعصوم; لان اتصال الرطوبة بمثلها مغن في التطهير.

تنبيهات

الاول: ميتة ذي النفس نجسة، فتنجس الآنية بموته فيها، وميتة غير ذي النفس من الحيوان طاهرة، ولا توجب تنجيس الآنية لو مات فيها، لكن الشيخ في النهاية اوجب غسل الاناء من الوزغ والعقرب ثلاثا ويظهر من البعض تاييده، لكن ابن ادريس حكى في ماء البئر رجوعه في سائر كتبه، وظاهر الاكثر مخالفة الشيخ لما جاء في نهايته والحكم بطهارتهما، والمسالة راجعة الى الحكم بنجاستهما، فيشملهما حكم سائر النجاسات وعدمه.

الثاني: انفرد سلار في المراسم بايجابه غسل الاناء سبعا لموت الحية فيه.

الثالث: احتمل البعض اعتبار فورية افراغ الماء بعد غسل الاناء وتحريك الماء الذي فيه في تطهيره، واحتاط فيه بعض آخر.

الرابع: الظاهر اعتبار الفصل بين الغسلتين لتحقق العدد، كما صرح به ابن الجنيد على ما نقل عنه، وهو الموافق للعرف، لكن الشهيد في الذكرى اكتفى باتصال الماء بقدر الغسلتين في البدن، ولم يستبعده هنا صاحب المجمع وان استشكل بعد ذلك، كما استشكل صاحب المدارك بهذا المقدار، واحتمل بل مال الى كفاية الاتصال بقدر زمان الغسلتين والقطع فيما لا يعتبر تعدد العصر فيه معللا بان اتصال الماء في زمان القطع لا يكون اضعف حكما من عدمه. وقبله ذهب اليه العلامة في المنتهى على ما نقله صاحب المهذب البارع، ونقل في ذلك متنا لم نجده فيه، وانما وجدنا اعتبار العصر في تعدد الغسلات في الثوب والاكتفاء بالخضخضة والجرية في الكر والجاري عنها فيما لا يقبل العصر، وعدل عنه كما مر، واختاره ابن فهد في المهذب البارع.

الخامس: لا اشكال انه لو شك في اصابة النجاسة للاناء او غيره فان الاصل عدمها والبناء على الطهارة، كما اشار اليه الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

السادس: لو شك في متنجس انه من الآنية حتى يجب فيه العدد المعين او لا حتى تكفي فيه المرة او المرتين مثلا فالظاهر عند صاحب العروة كفاية المرة; لانه شك في التكليف الزائد، ووافقه عليه السيدان الخوئي والگلپايگاني، وخالفه العراقي والسيد الخميني فذهبا الى الاحتياط تحصيلا للجزم بالفراغ.

السابع: وقع بين الفقهاء اختلاف شديد في حكم الغسالة في الاناء وغيره وتفرقوا الى عدة اقوال ذهب الى كل فريق. ولما كانت المسالة مما لا تختص‏بالمقام وانما تشمل ما سواه من تطهير الثياب والفرش وغيرها فالمفروض صرف الحديث عن البحث عنها هنا وايكاله الى محله من الغسالة مكتفين ههنا بالاشارة الى ما يمكن تصنيفه من الاقوال بلحاظ من فرق بين الآنية وغيرها.

فقد ذكر في المقام قولان: قول سوى بين الاواني وغيرها في الحكم وهو قول جميع فقهائنا غير الشيخ الطوسي في الخلاف. وان اختلف قائله بين ذاهب للطهارة مطلقا او جاعل لها بحكم المحل قبلها او بحكم المحل بعدها او غير ذلك.

وقول بالفصل بين الاواني وغيرها; فحكم في اناء الولوغ بطهارة غسالته مطلقا وفي الثوب بنجاسة الغسلة الاولى وطهارة ما عداها، وهو قول الشيخ الطوسي في الخلاف.

ودليل الشيخ على نجاسة الغسلة الاولى انه ماء قليل اصاب نجاسة فنجس، وعلى طهارة الثانية رواية العيص بن قاسم، وعلى طهارة اناء الولوغ ان القول بالنجاسة حكم، وكل‏حكم فهو يحتاج الى دليل، والدليل مفقود، واما ادلة سائر الفقهاء فمختلفة متعددة بتعدد الاقوال، فكل قول له دليله الخاص به.

2- تطهيرها بالشمس:

معلوم ان الشمس تطهر ما جففته باشراقها على ما لا ينقل عادة من الحصر والبواري والجدران، واما الاواني المثبتة الكبيرة التي لا تنقل عادة كاواني طبخ الدبس او المخابز وغيرها فهل يجري حكم الطهارة بتجفيف الشمس لها ام لا؟ ذهب بعض كالاصفهاني في كشف اللثام على ما حكي عنه والشيخ جعفر الكبير في كشف الغطاءوالسيد الخميني في التحرير والسيد الگلپايگاني في هداية العباد الى التعرض لها بخصوصها والتنصيص على حصول الطهارة لها باشراق الشمس على ما لا ينقل عادة بل ادعي عليه الشهرة، وخص الحكم آخرون ببعض الاشياء وبعض النجاسات.

وليعلم ان حكم تطهير الشمس لايختص بالاواني، وانما يشملها كغيرها مما لا ينقل; فلذا ذكرناه في المقام بصورة مجملة تاركين التفصيل فيه الى محله من المطهرات او الشمس.

3- طهارتها بالغيبة:

ومن جملة ما ذكروا من المطهرات الغيبة في المسلم، فيطهر كل ما علم تنجسه من بدن المسلم او ثيابه او فراشه او اوانيه لغيبته كما نص على ذلك بعض الفقهاء ، ولا يجري هذا الحكم المزبور في الظلام وحبس البصر.

الآنية المشتبهة:

وهي على انحاء: آنية مشتبهة بالنجاسة، واخرى مشتبهة بالغصبية، وثالثة مشتبهة بالمضاف، ورابعة مشتبهة بالذهب او الفضة، وقد تكون الشبهة تارة بدوية واخرى مقرونة بالعلم الاجمالي. والحكم هنا لما لم يكن منحصرا بالآنية بل يعم غيرها من الاشياء المشتبهة فقد ارتاينا احالة البحث عنه الى عنوان الشبهة مشيرين الى الحكم بصورة اجمالية; فان الشبهة البدوية تجري فيها اصالة البراءة، والشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي تجري فيها اصالة الاحتياط مع انحصار اطرافها وعدم خروج بعضها عن محل الابتلاء.

آنية الطهارة من الحدث والخبث:

وفيها جملة من الاحكام: منها استحباب وضع الاناء على اليمين مع ارادة استعماله بالاغتراف منه، ومنها استحباب غسل اليدين مرة او مرتين او ثلاثا من الحدث حسب ما يقتضيه نوعه قبل ادخالهما اناء الطهارة، ومنها كراهة استعمال الماء المسخن بالشمس في آنية بطهارة او غيرها، وقد مر بحثه، ومنها استحباب تنظيف اواني تغسيل الميت بعد كل غسل، وكل‏هذه المباحث فرعية ينبغي بحث كل في موضعه.

خاتمة البحث

وفي ختام مبحث الآنية لا باس بتسجيل بعض الملاحظات فيما يخص البحث:

الاولى: ان هذه النافذة نافذة المصطلحات الفقهية نعرض فيها نماذج مقترحة من قبل مجلتنا قدمناها لمشروع دائرة معارف الفقه طبقا لمذهب اهل البيت(ع)، ولا تعبر عن الصورة النهائية والمتبناة والتي ستطبع في الموسوعة الفقهية لاحقا .

الثانية: ان جملة من المباحث الواردة من الممكن احالتها الى مصطلحات اخرى، لكنا ارتاينا ايرادها هنا تمشيامع ما يتطلبه نمط المقالات في المجلة; لعدم مناسبة الاحالات الكثيرة لها.

الثالثة: حاولنا في هذه المقالة وسنحاول في غيرها من المقالات الآتية ان شاء اللّه الاقتصار على استعراض آراء الفقهاء مع ادلتها، والمقارنة بين اقوالهم، والاشارة الى ما يمكن استظهاره من كلماتهم مما يرتبط بالمطلب.

الرابعة: حرصنا على ان تكون صياغة المقالات المعروضة في المجلة بمستوى يتناسب مع مخاطبها باعتبارها مجلة تخاطب المتخصص في مجال الفقه. والا فقد يكون مستوى المعلومات والصياغة المطروحة في الموسوعة يتناسب والمثقف المطلع على الاصطلاحات الفقهية غير الواصل الى مرحلة التخصص في الحوزة العلمية.