«بسم اللّه الرحمن الرحيم‏»

 

كلمة التحرير

قد سبق في عدة اعداد مضت من مجلتنا البحث حول ما اسميناه بمشروع الثقافة الفقهية .. وتم تناول ثلاثة تطبيقات لذلك .. وتبين من خلال تلك المباحث مدى قدرة الفقه على ممارسة نشاطه التوجيهي ميدانيا .. وكان اولها: اطروحة نشر وترويج المصطلح الفقهي .. وثانيها: اطروحة اعداد المنظومة الثقافية .. وعرضنا آنذاك محاولة تاصيل احد التصورات الثقافية وتوثيقه من الوجهة الفقهية .. والنموذج الذي عولج في تلك المحاولة هو مفهوم القداسة .. وثالثها: دور الفقه في ترشيد الظواهر الاجتماعية وتوجيه الموج الجماهيري ..حيث سلطت الاضواء الكاشفة على ظاهرة الشعائر الدينية في المجتمع الاسلامي .. وبينا ضوابطها ومسؤولية تطبيقها ..

وسنسعى متوكلين على اللّه سبحانه ابان هذه الفرصة المتاحة لنا لبحث مفردة رابعة في غاية الاهمية .. هي: فقه النظرية .. والمراد من مصطلح فقه النظرية هو عملية استنباط الموقف العام للفقه تجاه مجال معين من مجالات الحياة المختلفة كالمجال الاقتصادي او الاجتماعي او القضائي او السياسي او الاعلامي وغيرها وكيفية بلورة المعالجة الاسلامية وصياغتها في اطار نظرية كلية محكمة تكون بمثابة قاعدة جامعة لشتات الاحكام الفرعية .. وان كان ادراج هذه المفردة ضمن القاموس الثقافي مجاراة لعرف المفكرين .. والا فهو امر لا يخلو من مسامحة لكون البحث في موضوع فقه النظرية ومسائلها و حيثياتها اقرب ما يكون الى الحالة التخصصية الصرفة .. بل يعتبر من صميم الممارسة الاجتهادية للفقيه حسب ..

وعلى اية حال فان هذه الرؤية المتينة تعتبر جديدة نسبيا في اجوائنا الرسالية .. اذ ان تاريخ ظهورها على الساحة الفكرية لا يتعدى خمسة او ستة عقود .. فقبل ذلك لم تكن هذه الرؤية متداولة ولا واضحة المعالم .. وتعد بحق اطروحة الشهيد الصدر قدس‏سره في بلورة النظرية الاسلامية في المجال الاقتصادي التجربة الرائدة والناضجة في هذا المضمار .. حيث قدم محاولة موفقة لكيفية اكتشاف مباني وقواعد المذهب الاقتصادي في الاسلام وفق منهجية مبتكرة .. ولا نبالغ اذا قلنا بانها بقيت‏يتيمة لم تشفع باخرى رغم مرور حقبة ليست بقصيرة .. فلا غرو ان تعد احد الفتوحات الفكرية الكبرى ..والتي كان لها بالغ الاثر في تغيير الخطاب الاسلامي شكلا ومضمونا .. وفتحت للعقل الاسلامي آفاقا رحيبة للتجديد الاصيل .. وشقت الطريق امام الرسالة للمنافسة المتكافئة مع الاغيار .. بل ساهمت مساهمة مؤثرة في قلب مركز الاقتدار الفكري لصالح الاتجاه الاسلامي في الصراع الثقافي المحتدم بينه وبين الاتجاهات الوضعية .. ولا زالت في ذاكرتنا تلك الايام العجاف حين كان غرماؤنا الوضعيون يتبجحون بمل‏ء افواههم بامتلاكهم منهجية تامة حول برناج الحياة لزعمهم ان سر تفوقهم هو انطلاقهم من نظرية عامة كاساس تصوري تقف عليه بناءاتهم التفصيلية المتكثرة كافة .. وكنا يومها نتوارى من القوم تحاشيا للاحراجات اذ لم يكن باستطاعتنا ان نقدم وقتئذ اكثر من اجابات سريعة ومرسلة ومتناثرة حول ما يكتنف الشريعة الحنيفة من ابهامات وفراغات متوهمة على اصعدة حساسة وخطيرة لايمكن الغض عنها او تاجيل البحث فيها الى وقت سياتي ..

من هنا ندرك حجم الانعطاف المبين الذي حدث في مسار الفكر ومدى التوسع الكبير في افق الذهنية الاسلامية ببركة فقه النظرية وما رافق ذلك من نقلة ملحوظة وتحول بارز من موقع الدفاع الغاضب الى موقع السباق الحضاري الواعي .. ولا نزال نحن نستصحب المنهج ذاته في حالات الزهو والتالق الفكري .. وما نفتا نسترجع مفرداته بعينها في‏اوج الخطاب الثقافي ..

ولكن هذا كله لا يقتضي ان نسترسل مع الايقاع الخلاب لشعارات فقه النظرية ما لم يتضح لنا التبرير الشرعي لهذا النمط من الطرح وما ينطلق منه من اساس .. فلا بد اذن من تثبيت المباني الاصولية اولا ثم البدء بتشييد معالم فقه النظرية في مجال معين .. ويتحتم علينا الآن البحث عن مدى امكان اثبات حجية هذه‏الاطروحة .. والسعي‏الجاد لفذلكة التخريج الفني لها..

اننا سنبين نوعين من الادلة الفقهية التي نحتاجها ايضا في صناعة فقه النظرية تاركين البحث عن منهج هذه الصناعة مفصلا الى مناسبة اخرى: - النوع الاول: الاستناد الى دليل لبي .. وتقريبه باننا من خلال التامل في حيثيات الادلة الشرعية وتقليبها ظهرا لبطن ..والنظر اليها من زاوية الواقع الخارجي والتطبيقي للشريعة كنظام عام وبلحاظ اتجاهاتها العامة يمكننا انتزاع نكات تشكل مفاصل لبنود النظرية .. خصوصا اذا ادركنا ان الشريعة مهما تكثرت احكامها فهي مترابطة فيما بينها بل قد تتداخل وتشترك جميعافي تحقيق اهداف كلية واغراض عامة مقصودة للمولى عزوجل ..

وهذه النكات المتصيدة من الادلة ربما تكون احتمالية او ظنية بدوا .. الا ان تجميع القرائن سواء اكانت لفظية ام غيرها متصلة ام منفصلة وتحكيم الارتكازات العقلائية والمتشرعية في هذا الاطار يقود الى تصعيد القيمة الاحتمالية الى درجة اليقين او الى مستوى الاطمئنان على الاقل .. سيما اذا صاحب ذلك استبعاد وتضعيف للفرضيات والاحتمالات المخالفة ..

وكم لهذه المنهجية في الفقه من نظائر وكم لهذا الدليل من اشباه .. وما هو بعزيز .. اذ ان الفقيه كثيرا ما يسلك الطريق نفسه في تحصيل القطع بان هذا الحكم او ذاك مما لا يرضى بتفويته الشارع فيفتي من هذا المنطلق جازمادون اي تردد بضرورة التصدي لتنفيذه وحتمية تحقيقه خارجا .. وكذا القناعة بكون هذا الحكم اهم من ذاك فيقدم عليه في الامتثال ..

او الجزم بالغاء الخصوصية في موضوع لتعدية الحكم منه الى آخر .. بل اننا لو كشفنا النقاب عن اغلب الارتكازات المتشرعية والتي كثيرا ما يلجا اليها المجتهد في تبرير بعض استنباطاته لوجدنا انها نشات من تراكم الاحتمالات وعلوقها في صفحة اللاشعور تدريجا حتى تنقلب قضية يقينية مسلمة لا يعتريها اي شك .. وحركة العقل هنا وهناك واحدة .. فانها تتم طبقا لقوانين الاستقراء وقواعده .. سواء كانت هذه الحركة متعمدة او دون التفات .. وكذا ما نحن فيه .. فانه عبارة عن محاولة تبيين وتجلية نكات لازمة غير بينة .. نظير ما يسمى في اصطلاح علماء القرآن بعملية التاويل للمتن القرآني .. فالتاويل في حقيقته استنباط لنكات غير ظاهرة من اللفظ نقطع بكونها مرادة في الخطاب وان صعب استفادتها مباشرة ..والتاويل ممارسة علمية ومنطقية وليست - كما يتصور البعض - رجما بالغيب ..

كذلك الغوص في الادلة الشرعية لاكتشاف الملاكات الكبروية واستنباط نظرية عامة في احد الاصعدة عبر تقصي الموارد الجزئية من خلال تتبع الاحكام الفرعية وادلتها الموضعية ..

بل ان بعض هذه النكات التي نصل اليها بعد لاءي لعلها كانت مرتكزة في اذهان الرساليين في العصر الاول الا انه قد عفا عليها الزمن على اثر غياب الحالة التطبيقية وبعد افول المعايشة اليومية للشريعة كنظام عام يملا كل مشاعرالانسان واحاسيسه ..

النوع الثاني: الاستناد الى الدليل اللفظي .. فانه لا خلاف بينهم ولا اشكال عندهم في كبرى حجية ظهور الخطابات الشرعية في الجملة وان المعاني المستكشفة من ظاهر الادلة اللفظية هي مقصودة للشارع المقدس وان وقع بحث صغروي اثارته طائفة في خصوص ظهورات الكتاب العزيز لشبهة تصدى الاصوليون لردها .. والظهور على نوعين: ظهور مقطعي وهو المتعارف بحثه في علم‏اصول‏الفقه مفصلا.. والثاني هو الظهورالمجموعي ..

بيان ذلك: ان المتكلم الملتفت‏يبين مراده الجدي عادة ضمن عبارة او عبارتين مع الاتصال او ما هو بحكمه .. لكن ربما يتعذر عليه ذلك لسبب من الاسباب فيلجا الى الكشف عن تمام مراده من خلال مجموع بيانات يقولها في مناسبات عديدة وفي اوقات مختلفة قد تكون طويلة نسبيا .. ففي كل فرصة يبين بعضا مما يريد ويكشف عن شي‏ء من مقصوده ..حتى اذا اكمل كلماته كلها تجلى للمخاطب المعنى المكنون في نفسه على التمام ..

كما هو الحال بالنسبة الى الاستاذ الذي يريد تدريس النظرية النسبية لتلاميذه الناشئين .. فانه لا يستطيع ايصال فكرته بدقة دفعة واحدة .. بل يضطر الى استدراج اذهان التلاميذ شيئا فشيئا بعد التمهيد وطي بعض المقدمات .. فاذا قضى معهم وطرا تهيات عقولهم لادراك النظرية بصورة تامة .. فهنا اعتمد الاستاذ لاجل بيان تمام مراده على مجموعة من البيانات ..

وهذا طريق عقلائي قد يسلكه المتكلم لاسباب معينة مرتبطة به او بالمخاطب او بالخطاب ذاته .. ولا يستبعد من الشارع ان يتخذ هذا السبيل لوجود مبررات كثيرة .. فانه لا يخفى على احد عمق النظريات ودقة المفاهيم ومتانة المباني الفقهية التي لم تكن تتناسب والعقلية الساذجة للمخاطبين آنذاك ..وهذا ما يدعو الى اعتماد سبيل البيانات التدريجية التي تلحظ بلحاظين : اللحاظ الاستقلالي واللحاظ الارتباطي لكن يكون من جهتين مختلفتين ..

وبعبارة اخرى: ان للفظ عدة دلالات .. الدلالة التصورية الوضعية والدلالة التصديقية الاستعمالية والدلالة التصديقية الجدية .. ثم قد تنعقد في طول الدلالات الثلاث دلالة رابعة - وهي دلالة تصديقية ايضا ولكن لمجموع الخطابات لا لكل واحد منها - تكون كاشفة عن‏المراد الغائي‏بالرغم من انحفاظ تلك الدلالات المتقدمة كل في رتبتها .. ويشهد لذلك بل يدل عليه ما ورد من كون خطابات الشرع كتابا وسنة متحدة ويفسر بعضها بعضا .. وتجدر الاشارة الى ان تحصيل الظهور المجموعي وحشد رعيل كبير من الادلة اللفظية ليس بالمتيسر في كثير من الاحيان .. لذا فان امكانية الاستناد الى الوجه الاول اقرب الى واقع الادلة الشرعية المتوفرة لدينا ..

هذا .. وسنعاود الكرة الى البحث في الاعداد اللاحقة ان شاء الله رجاء بيان ما يمكن ان يورد على فقه النظرية ومبانيها من الاشكالات وكذلك لغرض التعرض الى الآثار الواسعة التي يمكن ان تترتب على فقه النظرية .. وعسى ان يوفقنا ربنا لذلك .. ويجنبنا الزلات والمهالك .. ويهدينا الى‏اهدى المسالك ..

.. ولا حول ولا قوة الا باللّه ..

رئيس التحرير