التصويرالقسم الاولآية اللّه السيد محسن الخرازي لا يخفى ان الصور اما مجسمات واما غير مجسمات، وكلاهما
اما ذوات ارواح واما غير ذوات ارواح. ولا اشكال في جواز تصوير غير ذوات الارواح، سواء كان مع
التجسيم او بدونه، كما تدل عليه صحيحة زرارة عن ابي
جعفر(ع) قال: «لا باس بتماثيل الشجر»، وغير ذلك من الاخبار،
مضافا الى السيرة القطعية المستمرة الى زمان المعصوم(ع)
على تصوير الاشجار والفواكه والجبال والشطوط والحدائق
وغيرها من دون انكار عليه. انما الكلام في تصوير ذوات الارواح ويقع البحث عنها في مقامات: المقام الاول في حرمة عمل الصور المجسمة صرح صاحب الجواهر والشيخ الاعظم (قدس سرهما) بعدم
الخلاف فتوى ونصا في حرمة عملها، وقال في الجواهر: «بل
الاجماع بقسميه عليه، بل المنقول منه مستفيض كالنصوص». ويمكن الاستدلال عليها بعدة طوائف من الاخبار: الطائفة الاولى: الروايات الدالة على ان المصور مكلف يوم
القيامة بنفخ الروح فيه: منها: ما رواه في الكافي، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن
ابن ابي عمير، عن رجل، عن ابي عبداللّه(ع)، قال: «من مثل
تمثالا كلف يوم القيامة ان ينفخ فيه الروح». ومنها: ما رواه الصدوق في ثواب الاعمال، عن محمد بن
الحسن(رضى اللّه عنه)، عن محمد بن الحسن الصفار، عن
يعقوب بن يزيد، عن محمد بن الحسن الميثمي، عن هشام بن
احمر وعبداللّه بن مسكان، عن محمد بن مروان، عن ابي
عبداللّه(ع)، قال: سمعته يقول: «ثلاثة يعذبون يوم القيامة: من
صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها...». والطريق الى محمد بن مروان موثق، ولكن لا توثيق لمحمد
بن مروان، الا ان رواية الاجلاء عنه كالحلبي وابان وعبداللّه
بن مسكان وابي ايوب وغيرهم كاف في الوثاقة. ومنها: ما رواه الكليني في الكافي، عن ابي عبداللّه(ع): «ثلاثة
معذبون يوم القيامة: رجل كذب في رؤياه يكلف ان يعقد بين
شعيرتين، وليس بعاقد بينهما، ورجل صور تماثيل يكلف ان
ينفخ فيها، وليس بنافخ...». ومنها: ما رواه في الفقيه والامالي; من انه نهى النبي(ص) عن
التصاوير وقال: «من صور صورة كلفه اللّه يوم القيامة ان ينفخ
فيها، وليس بنافخ». ومنها: ما رواه في المحاسن، عن سعد بن ظريف، عن ابي
جعفر(ع)، قال: «ان الذين يؤذون اللّه ورسوله هم المصورون،
يكلفون يوم القيامة ان ينفخوا فيها الروح». يدل هذا الخبر على عظم حرمة التجسيم; لكونه موجبا
لايذاء اللّه ورسوله(ص). وبالجملة: فالظاهر من مجموع اخبار هذه الطائفة هو حرمة
عمل المجسمات لذوات الارواح، ولا ضير في ضعف بعضها بعد
اعتبار البعض الآخر، هذا مضافا الى استفاضتها. الطائفة الثانية: الروايات الناهية عن التماثيل والتصاوير:
منها: صحيحة ابي العباس البقباق المروية بطرق متعددة،
من جملتها ما في الكافي، عن محمد بن يحيى، عن احمد
وعبداللّه ابني محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابان
بن عثمان، عن ابي العباس، عن ابي عبداللّه(ع) في قول اللّه
عز وجل: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل)؟ فقال: «واللّه ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنها تماثيل الشجر
وشبهه». بدعوى: ان الظاهر من الرواية ان حرمة تماثيل ذوات الارواح
مفروغ منها لدى السائل والمسؤول، ولذا حلف الامام(ع)
لتنزيه ساحة سليمان النبي، على نبينا وآله وعليه السلام. واورد سيدنا الامام(قدسسره) على هذه الدعوى بقوله : «ان
انكار ابي عبداللّه(ع) لا يدل على كونها محرمة على سليمان
النبي(ع)، بل لعلها كانت مكروهة عليه كراهة شديدة لا يليق
ارتكابها بمثل النبي، فالتمسك بها لاثبات المطلوب ضعيف
جدا». ولكنه محل نظر; لان وقوع المكروهات لبيان جواز الاشياء غير
عزيز، ولا يوجب السؤال، ولا يحتاج في دفع احتماله الى القسم،
نعم لا اطلاق له; فانه ليس في مقام البيان، فتامل. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سالت ابا عبداللّه(ع)
عن تماثيل الشجر والقمر، فقال: «لا باس ما لم يكن شيئا من
الحيوان». واورد عليه: بان السؤال هو عن التماثيل الموجودة; فانه
منصرف اليها، ويؤيده المروي عن علي بن جعفر، عن اخيه
موسى (ع) انه سال اباه عن التماثيل، فقال: «لا يصح ان يلعب
بها»; فان اطلاق السؤال كما يظهر من الجواب حمل على
التماثيل الموجودة فاجاب عن عدم صلاحية اللعب بها، وعليه
فالسؤال عن حكم الافعال المناسبة للتماثيل الموجودة; من
اللعب والاقتناء والبيع والشراء، فالرواية اجنبية عن المقام من
تجسيم ذوات الارواح وايجادها. هذا مضافا الى ان استعمال «لا
باس» في نفي المرجوحية والكراهة شائع، فثبوت الباس في
ايجاد صور ذوات الارواح لا يفيد الحرمة. ويمكن ان يقال: ان شيوع استعمال «لا باس» في نفي
المرجوحية محل منع; لان ظاهر الباس هو العقوبة، فنفيه نفي
العقوبة لا نفي الكراهة والمرجوحية، ومجرد الاستعمال في
بعض الاحيان لا ينافي الظهور المذكور، وعليه فثبوت الباس
يفيد العقوبة. هذا، مضافا الى ان اكتفاء السائل بالجواب في المروي عن
علي بن جعفر قرينة على ان سؤاله عن خصوص اللعب
بالتماثيل لا مطلقا، وليس هذا شاهدا على انه في كل مورد
كذلك، بل ورد في بعض الاخبار النهي عن التصاوير وكان
المقصود منه النهي عن الايجاد، فتامل. ومنها: خبر ابي بصير المروي في المحاسن، عن ابي
عبداللّه (ع)، قال: «قال رسولاللّه(ص): اتاني جبرئيل فقال: يامحمد، ان ربك ينهى عن التماثيل». ولعله يشمل النهي عن ايجاد التصاوير، ويؤيده ما رواه في
الفقيه من ان النبي(ص) نهى عن التصاوير، وقال: «من صور
صورة كلفه اللّه...». ومنها: خبر ابي بصير المروي في الكافي، عن ابي عبداللّه(ع)،
قال: «قال رسول اللّه(ص): اتاني جبرئيل وقال: يا محمد، ان
ربك يقرئك السلام وينهى عن تزويقالبيوت. قال ابوبصير: فقلت: ماتزويقالبيوت؟ فقال: تصاوير التماثيل». بناء على ان المراد من متعلق النهي هو المعنى المصدري
للتصوير; لا اتخاذ الصور واقتناؤها في البيوت; والا فلا حاجة
الى اضافة التصاوير الى التماثيل، هذا مضافا الى ان السائل
سال عن التزويق، وهو معنى مصدري، فمناسبة الجواب
للسؤال تقتضي ان يكون المراد من التصاوير معناه المصدري،
ولكنه ضعيف السند. ومنها: خبر تحف العقول: «وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن
مثل الروحاني ... فحلال فعله وتعليمه». ومنها: خبر الخصال في حديث الاربعمئة: حدثنا ابي(رضىاللّه
عنه) قال: حدثنا سعد ابن عبداللّه قال: حدثني محمد بن
عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده
الحسن بن راشد، عن ابي بصير ومحمد بن مسلم، عن ابي
عبداللّه(ع) قال: «حدثني ابي عن جدي عن آبائه(عليهمالسلام)
ان امير المؤمنين(ع) علم اصحابه في مجلس واحد اربعمئة
باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه ... اياكم وعمل الصور
فتسالوا عنها يوم القيامة». والاقوى ان اليقطيني موثق; لعدم التفات النجاشي الى ما
ورد في قدحه، وقال: رايت اصحابنا ينكرون هذا القول
ويقولون: من مثل ابي جعفر العبيدي اليقطيني! ولقول فضل
بن شاذان: ليس في اقران اليقطيني مثله، وكان الفضل يحبه
ويثني عليه ويمدحه، ولرواية الاجلاء عنه. وهكذا لا وقع لتضعيف ابن الغضائري للقاسم بن يحيى، كما
افاد الوحيد البهبهاني; لعدم اعتبار تضعيفاته، خصوصا مع
عدم تضعيف المشايخ اياه، ورواية الاجلاء عنه، سيما مثل
احمد بن محمد بن عيسى، وعليه فالرواية معتبرة. ومنها: خبر عبداللّه بن طلحة المروي في اكمال الدين عن
ابي عبداللّه(ع) انه قال: « من اكل السحت سبعة الى ان قال: والذين يصورون التماثيل». ومنها: خبر الاصبغ بن نباتة، عن امير المؤمنين(ع) قال: «من
جدد قبرا او مثل مثالا فقد خرج من الاسلام». ولا تبعد دعوى تمامية دلالة غالبها على حرمة عمل
المجسمات مع صحة بعض اسنادها، مضافا الى تعددها. اشكال :
اشكل سيدنا الامام المجاهد(قدسسره) على هذه الدعوى
بقوله: «ان ظاهر طائفة من الاخبار بمناسبة الحكم والموضوع ان
المراد بالتماثيل والصور فيها هي تماثيل الاصنام التي كانت
مورد العبادة، كقوله: «من جدد قبرا او مثل مثالا فقد خرج
عن الاسلام»، وقوله: «من صور التماثيل فقد ضاد اللّه» الى ان
قال: وقوله: «اشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا او
قتله نبي، ورجل يضل الناس بغير علم، او مصور يصور
التماثيل» وقوله: «ان من اشد الناس عذابا عند اللّه يوم القيامة
المصورون»، وامثالها. فان تلك التوعيدات والتشديدات لا تناسب مطلق عمل
المجسمة او تنقيش الصور; ضرورة ان عملها لا يكون اعظم من
قتل النفس المحترمة او الزنا او اللواطة او شرب الخمر وغيرها
من الكبائر. والظاهر ان المراد منها تصوير التماثيل التي هم لها عاكفون،
مع احتمال آخر في الاخيرة، وهو ان المراد ب’«المصورون»
القائلون بالصورة والتخطيط في اللّه تعالى، كما هو مذهب
معروف في ذلك العصر. والمظنون الموافق للاعتبار وطباع الناس ان جمعا من
الاعراب بعد هدم اساس كفرهم وكسر اصنامهم بيد رسول
اللّه (ص) وامره كانت علقتهم بتلك الصور والتماثيل باقية في
سر قلوبهم، فصنعوا امثالها حفظا لآثار اسلافهم وحبا لبقائها... فنهى النبي(ص) عنه بتلك التشديدات والتوعيدات التي لا
تناسب الا الكفار ومن يتلو تلوهم; قمعالاساس الكفر ومادة
الزندقة، ودفعا عن حوزة التوحيد. وعليه تكون تلك الروايات
ظاهرة او منصرفة الى ما ذكر. وعليه تحمل رواية ابن القداح عن ابي عبداللّه (ع)، قال: «قال
اميرالمؤمنين(ع): بعثني رسول اللّه(ص) في هدم القبوروكسر
الصور»، ورواية السكوني عنه قال: «قال امير المؤمنين (ع): بعثني رسول اللّه(ص) الى المدينة فقال: لا تدع صورة الا
محوتها، ولا قبرا الا سويته، ولا كلبا الا قتلته». فان بعث رسول الله(ص) امير المؤمنين لذلك دليل على
اهتمامه به. والظاهر ان الصور كانت صور الهياكل والاصنام
ومن بقايا آثار الكفر والجاهلية. ولا يبعد ان يكون الكلب في الرواية الثانية بكسر اللام; وهو
الذي عرضه داء الكلب، وهو داء شبه الجنون يعرضه، فاذا عقر
انسانا عرضه ذلك الداء. الى ان قال: ولعل امره بهدم القبور لاجل تعظيم الناس اياها بنحو العبادة للاصنام، وكانوا يسجدون عليها، كما يشعر به بعض الروايات الناهية عن اتخاذ قبر النبي(ص) قبلة ومسجدا: فعن الصدوق قال: قال النبي(ص): «لا تتخذوا قبري قبلة ولا
مسجدا; فان الله عز وجل لعن اليهود حيث اتخذوا قبور
انبيائهم مساجد». ويشهد له بعد بعث رسول اللّه(ص) امير المؤمنين لهدم القبور
وكسر الصور لكراهة بقائهما، وسياتي جواز اقتناء الصور
المجسمات. واما على ما ذكرناه يكون الحكم على وجه الالزام، كما
يساعده الاعتبار. وتؤيد ما ذكرناه صحيحة عبداللّه بن المغيرة، قال: سمعت
الرضا(ع) يقول: «قال قائل لابي جعفر(ع): يجلس الرجل على
بساط فيه تماثيل؟ فقال: الاعاجم تعظمه، وانا لنمتهنه»; اي
نحتقره. وما عن ابي الحسن(ع)، قال: «دخل قوم على ابي جعفر(ع)
وهو على بساط فيه تماثيل، فسالوه، فقال: اردت ان اهينه». وفي رواية: «قال جبرئيل: انا لا ندخل بيتا فيه تمثال لا يوطا». فان الظاهر ان التحقير والاهانة بالصور في مقابل تعظيم
الاعاجم; لانهم كانوا يعبدون اصناما وتماثيل، وكانوا يعتقدون
انها مثال ارباب الانواع التي يعتقدون انها وسائل الى اللّه
تعالى. وبالجملة، لا تستفاد من تلك الروايات حرمة مطلق
المجسمات فضلا عن غيرها، بل هي مربوطة ظاهرا بعمل
الاصنام وحفظ آثار الجاهلية وحفظ عظمتها الموهومة، ولا
يبعد القول بحرمتها مطلقا وحرمة اقتنائها لذلك ووجوب
محوها». الجواب :
يمكن ان يقال: اولا: انه لا وجه لاستبعاد العذاب الشديد لمثل التصوير
والتماثيل; فان جعل العذاب الشديد لبعض المعاصي غير عزيز،
كما روي عن النبي(ص): «من اكل الربا املا اللّه بطنه من نار
جهنم بقدر ما اكل»، وعن ابي عبداللّه(ع) قال: «من يغضب
غضبة عممه اللّه عز وجلبعمامة من نار». والمراد من عنوان الخروج عن الاسلام هو الخروج الحكمي لا
الخروج الحقيقي; كقوله(ص): «من اصبح لا يهتم بامور
المسلمين فليس بمسلم»، وقوله(ص): «من يغضب او يغضب له
فقد خلع ربق الاسلام (الايمان) من عنقه»، وقوله(ص): «ومن
خان امانته في الدنيا ولم يرد ها على اربابها مات على غير دين
الاسلام». فالخروج عن الاسلام بالتصوير حكمي لا حقيقي; والا
فمن المعلوم ان صنع الصنم لا يوجب الكفر والخروج عن
الاسلام حقيقة، فضلاعن عمل المجسمات، فدعوى عدم
المناسبة لتلك التشديدات لعمل المجسمات كما ترى. وثانيا: ان دعوى ظهور الاخبار المطلقة المذكورة في الاصنام
او انصرافها اليها لا شاهد لها، واستبعاد تلك التشديدات مع
ما فيه لا يوجب ذلك، لا سيما مع احتمال ان تكون المعصية
معصية كبيرة تليق بهذه التشديدات كما تشير اليه روايات
النفخ، فلا وجه لرفع اليد عن اطلاق النهي عن التماثيل
والتصاوير، نعم لو كثر استعمالهما في الاصنام لصح دعوى
الانصراف، ولكنه ليس كذلك. وكون جمع من عبدة الاصنام في صدد حفظ آثار اسلافهم، لا
يوجب حمل الاطلاق في الاخبار المذكورة عليه. كما ان ورود روايات تدل على ان النبي(ص) بعث عليا(ع)
لكسر الصور ومحوها لا ينافي اطلاق هذه الروايات، سواء قلنا
بان الصور المامور بكسرها هي الاصنام او مطلق المجسمات. وثالثا: كما في المواهب: «ان التعبير في الروايات بان المصور
يكلف يوم القيامة بالنفخ في الصورة وليس بنافخ يستفاد منه
ان حكمة التشريع هي التشبه بالخالق تعالى، لا ترويج الكفر
والشرك الذي هو العلة للتحريم في الطائفة الاخيرة (اي
الاخبار الدالة على كسر الصور)، ولو كانت الروايات (المطلقة)
ناظرة الى المعنى المستفاد من الطائفة الاخيرة لكان
المناسب ان يعبر فيها بان المصور يكلف يوم القيامة
بالاستشفاع من الصور، ولا ينفعونه، حيث كان المشركون
يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه». ويحتمل ان يكون المقصود من قوله(ع): «من صور التماثيل
فقد ضاد اللّه» هو ذلك. وكيف كان، فحكمة الحكم لا تنحصر في المنع عن عبادة
الاصنام، ومع عدم انحصار الحكمة في المنع عن عبادة الاصنام
لا وجه لحمل المطلقات على خصوص عمل الاصنام. ورابعا: ان التحقير والاهانة في مقابل تعظيم الاعاجم للتماثيل
المرسومة على الوسادة والبساط لا يدلان على انتلك
التماثيل هي الاصنام التي كان يعبدها الاعاجم، بل لعلها
مطلق التماثيل واراد الامام(ع) مخالفة العادة الجاهلية; من
تعظيم التماثيل ونصبها، ونقشها على السقوف والجدران. هذا، مضافا الى انها لو كانت تماثيل الاصنام لمحوها كما امر
علي(ع) بمحوها وكسرها، ولما ابقوها. وخامسا: انه لو سلم انصراف هذه الطائفة الى عمل الاصنام فلا
وجه لرفع اليد عن الطائفة الاولى الدالة على حرمة عمل صور
ذوات الارواح. والظاهر من كلام سيدنا الامام(قدسسره) هو انه قائل بحرمة
عمل مطلق المجسمات; حيثخصص الاشكال المذكور بظاهر
هذه الطائفة من الاخبار، بل صرح بحرمة عمل مطلق
المجسمات من ذوات الارواح، حيث قال: «والاقوى هو الاخير،
وهو المتيقن من معقد الاجماع المحكي»; وهو ان المحرم
عمل ذوات الارواح المجسمات، وصرح في ذيل اخبار تكليف
المصور بالنفخ بان: «الظاهر من تلك الطائفة هو حرمة عمل
المجسمة من ذي الروح لا غيره»، وصرح في آخر عبارته بقوله: «والمتيقن هو حرمة المجسمات المدعى عليها الاجماع». فاسناد الحلية الى الامام المجاهد(قدسسره) خال عن امعان
النظر في كلامه. الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على ان الائمة(عليهمالسلام)
كرهوا الصور: منها: ما رواه في التهذيب، عن الحسين بن سعيد، عن النضر
بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن ابي
عبداللّه(ع) قال: «لا تبنوا على القبور ولا تصوروا سقوف البيوت
فان رسول اللّه(ص) كره ذلك». ولا يخفى ان القاسم بن سليمان وجراح المدائني لا توثيق
لهما، عدا انهما مذكوران في اسناد كامل الزيارات. ثم ان تعليل النهي بكراهة رسول اللّه(ص) مردد بين تقوية
النهي بان يكون المقصود بيان الحرمة وانه مما حرمه رسول
اللّه(ص) وبين تضعيف النهي; بان يكون المقصود ان رسول
اللّه(ص) جعله مكروها، وعليه فلا يدل على الحرمة. ومنها: ما رواه في الكافي، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن
محمد بن ابي عمير، عن المثنى، عن ابي عبداللّه(ع): «ان
عليا(ع) كره الصور في البيوت». والطريق موثق; لنقل ابن ابي
عمير والبزنطي عن المثنى. وغير ذلك من الاخبار. ولكنها لا تدل على الحرمة; لان «كره» اعم من الحرمة. هذا
مضافا الى تسليم ان كراهة الصور تشمل ايجادها، ولا تختص
بالاقتناء، على ان النهي والكراهة متقيدان بالسقوف او البيوت،
اللهم الا ان يقال: انه لا خصوصية له. ولكن الغاء الخصوصية ينافي الروايات الدالة على تحقير
التماثيل والصور بالجلوس عليها، خلافا لما يفعله الاعاجم من
نقشها ونصبها على السقوف والجدران. وكيف كان، فلا دلالة لهذه الطائفة على حرمة عمل
المجسمات، ولكن الطائفتين المذكورتين قبلها تكفيان لاثبات
حرمة عمل المجسمات من ذوات الارواح، والطائفة الاولى
منهما ظاهرة في ذوات الارواح; بقرينة تكليفهم يوم القيامة
بان ينفخوا فيها الروح، واطلاق بعض روايات الطائفة الثانية
من جهة ذوات الارواح وغيرها يقيد ببعضها الآخر، كصحيحة
ابي العباس الوارد فيها قوله(ع): «ولكنها تماثيل الشجر
وشبهه» وخبر التحف; فان المستفاد منهما ان تصوير صور غير
ذوات الارواح لا مانع منه. وعليه، فلا ينبغي الاشكال في تحريم عمل المجسمات من
ذوات الارواح، كما لا مجال للاشكال في جواز عمل المجسمات
من غير ذوات الارواح. المقام الثاني في حكم رسم ذوات الارواح من دون تجسيم وقد افتى جماعة بحرمة ذلك، واستدلوا بروايات:
منها: ما رواه الصدوق باسناده عن شعيب بن واقد، عن
الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن ابيه(عليهمالسلام)
في حديث المناهي قال: «نهى رسول اللّه(ص) ان ينقش شيء
من الحيوان على الخاتم». ودعوى رفع الضعف باستناد الفقهاء اليه مع عدم احراز ذلك
كما ترى، وهكذا دعوى استفاضة الرواية مع انه ليس لها طرق
متعددة، غير مسموعة. ومنها: الاخبار الدالة على ان من صور صورة كلفه اللّه يوم
القيامة ان ينفخ فيها وليس بنافخ. بدعوى ان النفخ يمكن تصوره في الرسم بملاحظة محله، بل
بدونها; كما في امر الامام الاسد المرسوم على البساط باخذ
الساحر في مجلس الخليفة، او بملاحظة لون الرسم الذي هو
في الحقيقة اجزاء لطيفة من الصبغ. وفيه: كما في تعليقة الميرزا الشيرازي(قدسسره): انه ليس
مراد القائل عدم امكان تحقق فعل النفخ في غير الجسم حتى
يجاب بما ذكر، بل المراد كما لعله الظاهر من عبارة الجواهر
ان الظاهر ان يكون المنفوخ فيه مما يصير حيوانامن
الحيوانات المتعارفة بمجرد نفخ الروح فيه، ولا ريب ان اللون
لو فرض النفخ فيه وصيرورته بذاك ذا حياة لا يصير بذلك من
الحيوانات المتعارفة; اذ ليس شيء من الحيوانات على هذا
النحو، وارادة الامر بجعله حيوانا من الحيوانات المتعارفة
بالنفخ خلاف الظاهر; اذ الظاهر ارادة مجرد نفخ الروح لا جعل
تجسم زائد فيه لو فرض تجسمه في الجملة الى ان قال: ولا
اقل من كونه موجبا للشك في ارادة الاطلاق منها، انتهى. ثم ان الايراد على هذه الاخبار بضعف السند لا وقع له بعد ما
عرفت من اعتبار بعضها; كموثقة ابن ابي عمير ومحمد بن
مروان، واستفاضة مجموعها. وبالجملة، فشمول تلك الاخبار لمجرد رسم ذوات الارواح غير
ثابت، ولا اقل من الشك، فلا يجوز التمسك بها; لانه تمسك
بالعام في الشبهات الموضوعية. لا يقال: ان اختصاص الاخبار المذكورة بما اذا كانت الحاجة
الى النفخ فقط هو عدم حرمة عمل المجسمات ايضا; لانها
بحسب الاجزاء الداخلية كالقلب والكلى والامعاء ناقصة. لانا نقول: ان المقصود ان صيرورة المجسمات التي ليس لها
اجزاء داخلية ذوات حياة بمجرد النفخ لا يوجب خروجها عن
الحيوانات المتعارفة، وهذا بخلاف صيرورة الرسم ذا حياة، كما
لا يخفى. ومنها: الاخبار الناهية عن الصور والتماثيل: كقوله(ع) في موثقة ابي بصير: «...وينهى عن تزويق البيوت،
قلت: وما تزويق البيوت؟ فقال: تصاوير التماثيل»، بناء على ما
مر من ان الظاهر من التصاوير هو معناها المصدري، فيدل
على النهي عن تصوير التماثيل، وهو يشمل تصوير ذوات
الارواح مع عدم التجسيم ايضا. واورد عليه الميرزا الشيرازي(قدسسره): بان الظاهر اعتبار
التجريد في تصاوير التماثيل; يعني جعل التماثيل، وفي
شموله لما عدا المجسمة تردد، مضافا الى عدم سلامة السند،
فتامل. وكقوله(ع) في خبر تحف العقول: «وصنعة صنوف التصاوير ما
لم يكن مثل الروحاني فحلال فعله وتعليمه». المثل بضمتين جمع المثيل، كالقتيل، وهو الشبيه والنظير. وفيه: مضافا الى ضعف السند، والى انه كما افاد سيدنا الامام
المجاهد(قدسسره) في مقام بيان الصنوف المحللة لا
المحرمة، فلا اطلاق في عقد المستثنى يشمل المجسمات
وغيرها، انتهى، والى ظهور الصنعة في التجسيم لا في الرسم : انه لا يشمل مطلق ذوات الارواح كالحشرات، والطيور والبهائم،
كما افاد في جامع المدارك. وكصحيحة ابي العباس البقباق الدالة على مفروغية حرمة
تماثيل الرجال والنساء. وفيه: ان مورد السؤال هو عمل التماثيل، وشمول العمل
للرسم محل تامل، هذا مضافا الى انه قضية شخصية، فلا
اطلاق لها. وكمعتبرة الخصال: «واياكم وعمل الصور فتسالوا عنها يوم
القيامة». وفيه ايضا ما اوردناه على السابقة. ولعله لذلك افاد سيدنا الامام المجاهد(قدسسره) بانه: «لا
يبعد ظهور قوله: عمل الصور في عمل المجسمة، وانصرافه عن
ترسيمها ونقشها». وكقوله في صحيحة محمد بن مسلم: سالت ابا عبداللّه(ع)
عن تماثيل الشجر والشمس والقمر؟ قال: «لا باس، ما لم يكن
شيئا من الحيوان». قال الشيخ الاعظم(قدسسره): هي اظهر من الكل; فان ذكر
الشمس والقمر قرينة على ارادة مجرد النقش. واورد عليه: بانه لا دلالة لها على عدم جواز التصوير بمعناه
المصدري; حيث ان من المحتمل رجوع السؤال فيها الى اقتناء
الصور او اللعب بها بعد فرض وجودها، فلا يدل الخبر على حكم
ايجادها. والاولى ان يقال: ان السؤال غير مخصوص بالعمل بل يشمل
الاقتناء ايضا، فلا وجه لتخصيصه بالعمل او بالاقتناء، فتامل. كما ان اختصاصه بمجرد الرسم لا وجه له مع امكان تجسيمها،
خصوصا في مثل الشجر وغيره، فمقتضى اطلاق السؤال
وترك الاستفصال هو تعميم السؤال والجواب. ولكن اورد عليه المحقق الايرواني بان: «مقتضى الصحيحة
عدم الباس بالتمثال ما لم يكن تمثال حيوان، وهذه قضية
مهملة بالنسبة الى تمثال الحيوان لا تقتضي عموم الباس
لتمام افراد تمثال الحيوان». ويشهد له ان السائل في مقام السؤال عن تماثيل غير ذوات
الارواح، كما يدل عليه اختصاص سؤاله بمثل الشجر والشمس
والقمر، وعليه فلم يحرز كون الامام(ع) في صدد بيان
خصوصيات حكم تماثيل الحيوان، وانما ذكره تفضلا، وعليه
فشموله للرسم مع اهماله غير واضح; لاحتمال ان يكون
الممنوع هو تجسيم الحيوان. هذا، مضافا الى ما في جامع المدارك من انه يمكن ان يقال: بعد كون الاستثناء منقطعا من جهة المصور حيث انالحيوان
خارج يمكن ان يكون منقطعا من جهة التصوير; بان يكون
النظر الى التصوير مع التجس بالنسبة الى الحيوان. ولا يخفى ما فيه بعد اطلاق المستثنى منه من جهة التجسيم
وغيره; فان المستثنى حينئذ يكون اعم. نعم دعوى الاهمال
في محلها، فلا اطلاق له بالنسبة الى الرسم. وكقوله(ع): «من جدد قبرا او مثل مثالا فقد خرج عن
الاسلام». بدعوى ان المثال والتصوير مترادفان، على ما حكاه كاشف
اللثام عن اهل اللغة، مع ان الشائع من التصوير والمطلوب منه
هو الصور المرسومة على اشكال الرجال والنساء والطيور
والسباع، دون الاجسام المصنوعة على تلك الاشكال. وفيه: ان الرواية ضعيفة السند. هذا مضافا الى ان شان
اللغويين بيان موارد الاستعمال لا بيان المعاني الحقيقية،
فدعوى ان الشائع من التصوير هو الصور المرسومة دون
الاجسام المصنوعة مع شيوع مثل «من صور صورة كلف...»،
مع ان المراد منه هو عمل الاجسام كما ترى. وفي قبال تخصيص المثال والتصوير بالصور المرسومة ما
ذهب اليه سيدنا الامام(قدسسره) من: «ان الاخبار على
كثرتها تدور مدار عنوانين، هما: التصوير والتمثيل، باختلاف
التعابير، الا رواية النواهي المذكور فيها النقش، ولا يبعد ان
يكون الظاهر من تمثال الشيء وصورته بقول مطلق هو
المشابه له في الهيئة مطلقا; اي من جميع الجوانب لا من
جانب واحد، وتمثال الوجه او مقاديم البدن تمثاله بوجه لا
مطلقا، كما ان تمثال خلفه كذلك، واطلاق التمثال على
تمثال الوجه او المقاديم بنحو من المسامحة كاطلاقه على
تمثال الخلف، وان صار في الاولين شائعاحتى على خصوص
الوجه مع عدم كونه حقيقيا بلا اشكال. واما الصورة فهي بمعنى الشكل الذي هو الهيئة، وهيئة الشيء
كتمثاله; ما يكون شبهه في جميع الجوانب، واطلاقه على
النقوش والتصاوير بنحو من المسامحة; ولذا يطلق على تمثال
الوجه فقط. والاطلاق الشائع على النقش والرسم في الروايات
على فرض تسليمه وعدم دعوى ان الوسائد وغيرها مما
وردت فيها الروايات لعلها كانت الصور والتماثيل فيها بنحو
التجسيم; كهيئة غزال مثلا نائم او قائم بحيث كان صدق عليه
الغزال المجسم كان لاجل القرائن; ولهذا لو سئل منالعرف ان
هذه الصورة او المثال صورته من جميع الوجوه لاجاب بالنفي،
ولا اقل من كون الصدق الحقيقي محلا للشك سيما مع
الشواهد المذكورة فيالجواهر وغيره». واستشهد في الجواهر بما دل على تغيير رؤوس الصور او
قطعها او كسرها في حال الصلاة; بدعوى ان لها نوع اشعار
بالتجسيم، فذهب الى الجواز في غير المجسمة. ويمكن ان يقال: ان التصوير والتمثال كما يصح اطلاقهما على
الاجسام المصنوعة كذلك يصح اطلاقهما على الرسوم ايضا،
ولا يصح سلبهما عنها عرفا; فكما يطلق على مجسمة
الفردوسي انها تمثال وتصوير الفردوسي كذلك يطلق على
صورته انها تصوير الفردوسي، ولا يجوز ان يقال انها ليست
تصويره وتمثاله، وهذا علامة اعميتهما، وعليه فلا وجه
لتخصيصهما بالمجسم، ولذلك افاد استاذنا الاراكي(قدسسره)
بان: «اطلاق التماثيل والتصاوير على النقوش ايضا شائع». وحمل جميع الموارد على قيام القرائن كما ترى; الا ترى
قوله(ع): «لا باس بان تصلي على التماثيل اذا جعلتها تحتك»
مستعملا في الصورة المرسومة من دون قرينة! وليس ذلك الا
لشيوع استعماله فيها ايضا، ومثله كثير. واما قولكم: انه لو سئل من العرف ان هذه الصورة او المثال
صورته من جميع الوجوه لاجاب بالنفي، ففيه: ان سلب التشابه
من جميع الوجوه لا يمنع من صدق التشابه معه من بعض
الوجوه، ولو لزم في الصدق التشابه من جميع الجهات والوجوه
للزم ان لا يصدق التصوير والتمثال فيما اذا كانت الصورة اكبر
او اصغر من جهة الابعاد بالنسبة الى ذيها، مع انه خلاف
المرتكز والمشهود; لان المجسمات ربما تكون اصغر او اكبر
ومع ذلك يصدق عليها التصاوير والتماثيل، فيعلم من ذلك
ان التشابه في جميع الجهات ليس لازما في صدق التشابه،
فاذا كان كذلك في ناحية المجسمات فليكن كذلك في
الرسوم. وبالجملة: المعيار هو الصدق العرفي، وهو موجود في الرسوم
والاجسام المصنوعة كليهما، فلا مجال للاشكال من ناحية
معنى التصوير والتماثيل، بل الاشكال من جهة قصور الادلة
سندا، ومن جهة عدم كونها في مقام البيان، وغير ذلك. ثم ان الشيخ الاعظم(قدسسره) ايد حرمة الصور المنقوشة
على اشكال ذوات الارواح بحكمة التشريع حيث قال: «انالظاهر ان الحكمة في التحريم هي حرمة التشبه بالخالق
في ابداع الحيوانات واعضائها على الاشكال المطبوعة التي
يعجز البشر عن نقشها على ما هي عليه، فضلا عن اختراعها،
ولذا منع بعض الاساطين عن تمكين غير المكلف من ذلك،
ومن المعلوم ان المادة لا دخل لها في هذه الاختراعات
العجيبة، فالتشبه انما يحصل بالنقش والتشكيل لا غير». وفيه:
اولا: انه لا وجه لتخصيص الحكمة بذلك مع احتمال ان يكون
من وجوه المنع ايضا هو التشبه بعابد الصنم. وثانيا: انا لا نسلم عدم مدخلية المادة في التشبه; لان الدال
عليه هو اخبار تكليف المصور بالنفخ، وهي ظاهرة في المجسم
كما مر، وعليه فلا وجه لتعميم الحرمة لرسم الصور اخذا
بالحكمة المذكورة. وثالثا: ان الاستدلال بالحكمة مبني على معممية الحكمة
كالعلة، ولعله كذلك، فلا تغفل. فتحصل: ان الاخبار قاصرة اما سندا او دلالة بالنسبة الى
حرمة رسم ذوات الارواح، فبعض اخبار التمثيل وان كان
مطلقا كما ذكر ويشمل الصور المرسومة لكن لا سند له، فلا
يمكن الاعتماد عليه، وبعضها الآخر مقرون بقرينة تدل على
اختصاصها بالاجسام المصنوعة، ولا اقل من الشك، فلا اطلاق
له. هذا مضافا الى ما يقال: من ان النهي عن التصاوير والتماثيل
يشمل الاقتناء ايضا، فاذا قلنا بجواز الاقتناء في الصور بل
المجسمات يدور الامر بين التخصيص والحمل على الكراهة،
وهكذا النهي عن التماثيل وعمل الصور يشمل غير ذوات
الارواح، فمع القطع بعدم الحرمة في غير ذوات الارواح ايضا
يدور الامر بين التخصيص بذوات الارواح، وحفظ العموم،
وحمل النهي على الكراهة، ومع الدوران فلا يتعين القول
بحرمة التصاوير والتماثيل، نعم يتعين القول بالحرمة في
المجسمات من ذوات الارواح; لما عرفت من استفاضة الاخبار
على معذبية المصور حتى ينفخ الروح في صور صورها; اذ
العذاب لا يجامع الكراهة. ولكن يمكن الذب عن ذلك: بان اخراج موارد الجواز عن
المطلقات هو مقتضى الجمع العرفي بين المطلقات ومقيداتها،
فلا مجال بعد امكان الجمع العرفي بحمل المطلقات على
المقيدات لحمل المطلقات على الكراهة حتى يدور الامر بين
الامرين. اللهم الا ان يقال: كما افاد سيدنا الامام المجاهد(قدسسره)
: «ان الادلة على فرض اطلاقها وعمومها وشمول مثل قوله: «من مثل مثالا فكذا، ومن صور صورة فكذا» تماثيل جميع
الموجودات وان ذكر النفخ فيها لمجرد التعجيز لا للتناسب،
يوجب ذلك وهنا على المطلقات والعمومات; لان عدم ذكر
المتعلق فيها يدل على العموم. وهذه العناوين اي التصوير
والصورة والتمثال تصح اضافتها الى كل موجود جسماني بل
وروحاني، وكذا الى اجزاء واعضاء كل موجود، بل بعض اعضائه،
فيصدق تمثال الراس وصورة الرجل واليد والشجر وساقه
وورقه، وهكذا. فحينئذ يكون اخراج جميع الموجودات كلا
وبعضا عن العمومات والاطلاقات وابقاء الصور التامة للحيوان
فقط تحتها من التخصيص الكثير المستهجن، فيكشف ذلك
عن قرائن حافة بها حين الصدور خرجت بها عن الاستهجان،
والمتيقن هو حرمة المجسمات المدعى عليها الاجماع. ودعوى الانصراف الى خصوص الصور التامة او خصوص صور
الحيوانات كما ترى الى ان قال: لكن الانصاف ان هذا الوجه
قابل للمناقشة، واللّه العالم». ولعل وجه المناقشة فيه: ان التخصيص العنواني لا يوجب
الاستهجان، هذا مضافا الى ان بعض الاخبار كاخبار النفخ
مختص بالمجسمات من ذوات الارواح بقرينة النفخ; لظهوره
في تكميل الصورة بما يناسبها من نفخ الروح، وعليه فلا يشمل
غير ذوات الارواح، فلا تغفل. فروع:
الاول: انه هل يكون عمل المجسمة ولو كانت غير كاملة
محرما، او لا؟
قال في الجواهر: «ان المدار في صورة الحيوان على صدق
الاسم، وتصوير البعض مع عدم صدقه عليه وكون المقصود
من اول الامر البعض خاصة لا مانع منه». وتبعه شيخنا الاعظم(قدسسره) حيث قال: «ان المرجع في
الصورة الى العرف، فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الاعضاء،
وليس فيما ورد من رجحان تغيير الصورة بقلع عينها او كسر
راسهادلالة على جواز تصوير الناقص. ولو صور بعض اجزاء الحيوان ففي حرمته نظر بل منع، وعليه
فلو صور نصف الحيوان من راسه الى وسطه فان قدر الباقي
موجودا بان فرضه انسانا جالسا لا يتبين ما دون وسطه حرم،
وان قصد النصف لا غير لم يحرم الامع صدق الحيوان على هذا
النصف». ولذلك قال شيخنا الاستاذ الاراكي(قدسسره): «لو صور
جسما بلا راس او راسا بلا جسم او يدا واحدة او رجلا كذلك او
غير ذلك مما لا يصدق عليه انه صورة الحيوان فليس بحرام». وذلك لان العناوين المحرمة هي: «صورة الحيوان» و«تماثيل
الحيوان والانسان» و«عمل الصور»; اي صور الحيوان والانسان،
ومن المعلوم ان الظاهر منها هو تصوير الشيء بحيثيصدق
عليه عنوان الحيوان والانسان بالحمل الشائع من دون عناية، لا
ابعاضه واجزائه، وعليه فليس تصوير بعض الاعضاء تصويرا
لصورة الحيوان او الانسان، بل ليس تصوير نصف الحيوان من
رجله الى وسطه او بالعكس تصويرا لصورة الحيوان الفلاني، الا
اذا كان الباقي مقدرا فيها بحيثيصدق صورة الحيوان او
الانسان عليه، ولا اقل من الشك في صدق الحيوان على
الصورة الناقصة، فلا يحرم; لاصالة البراءة. وربما استدل على حرمة الابعاض والاجزاء باطلاق قوله(ع):
«من صور صورة» او «مثل مثالا»، واطلاق قوله(ع): «ما لم يكن
شيئا من الحيوان» بناء على تعميمه بالنسبة الى الاجزاء كما
يكون كذلك بالنسبة الى الافراد والانواع. وفيه: ان المراد من الصورة او التمثال هو الصورة المضافة الى
الحيوان وتمثاله لا مطلق الصورة والتمثال، كما تشهد له
معتبرة محمد بن مروان، حيث قال: «من صور صورة من
الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها». هذا، مضافا الى ان الظاهر من اخبار النفخ ان يكون المنفوخ
فيه مما يصير حيوانا من الحيوانات المتعارفة بمجرد النفخ فيه،
فالناقص الذي لا يصدق عليه اسم الحيوان المتعارف لا يكون
مشمولا لاطلاق الدليل. وايضا لم يثبت تعميم قوله(ع): «ما لم يكن شيئا من الحيوان»
بالنسبة الى الاجزاء لو لم نقل بظهوره في الافراد والانواع. ومما ذكر يظهر بعد ما احتمله المحقق الايرواني(قدسسره)
حيث قال: «ان من المحتمل قريبا حرمة كل جزء جزء او حرمة
ما يعم الجزء والكل». وعلى ما ذكر ينقدح جواز تصوير الراس فقط على الدراهم
والدنانير او غيرهما، سواء قلنا باختصاص الحرمة بعمل
المجسمة او لم نقل; لانه ليس صورة كاملة للحيوان او الانسان. واما تصوير الحيوان الكامل على الحجر وغيره، فلو كان بنحو
الرسم فلا يحرم بناء على عدم حرمة الرسم، واما اذا كان
التصوير على الحجر على نحو التجسيم، فان كان التصوير كاملا
ولو بنحو تقدير باقي الاعضاء او تقدير الخلف فيحرم; لصدق
تجسيم الحيوان وتصويره، والا فصدق الحيوان المتعارف عليه
مع انه لا خلف له ولو مقدرا محل اشكال. الثاني: ان المحرم في تصوير الحيوان وتمثيله هل هو تصوير
الاجزاء، او تصوير مجموع الاجزاء، او تصوير الجزء الاخير، او
تصوير الصورة المنطبقة على تمام الاجزاء؟
لا مجال للاول; لان الحكم متعلق بعنوان تصوير الصورة لا
الاجزاء، ولذا فان من صور بعض الاعضاء بقصد الاتمام ثم بدا له
في اتمامه لم يفعل الحرام، فلو كانت الاجزاء محرمة لزم
الحكم بكون ما اتى به من فعل حراما. قال سيدنا الامام
المجاهد(قدسسره): «تصوير بعض الاعضاء ولو بقصد الاتمام
ليس تصوير الصورة، وعليه فلو اشتغل بصورة شيء ولكن بدا له
قبل اتمامها او منعه مانع عن الاتمام لم يفعل الحرام وان كان
متجريا». ومما ذكر يظهر ما في كلام الشيخ الاعظم(قدسسره) حيث
قال: «ولو اشتغل بتصوير حيوان فعل حراما حتى لو بدا له في
اتمامه. وهل يكون ما فعل حراما من حيث التصوير او لا يحرم
الا من حيث التجري؟ وجهان; من انه لم يقع الابعض مقدمات
الحرام بقصد تحققه، ومن ان معنى حرمة الفعل عرفا ليس الا
حرمة الاشتغال به عمدا فلا تراعى الحرمة باتمام العمل،
والفرق بين فعل الواجب المتوقف استحقاق الثواب على
اتمامه وبين الحرام هو قضاء العرف». وذلك لما عرفت من ان متعلق الحرمة هو تصوير الصورة، ولم
يحصل مع البداء، ولا فرق بين التكليف الايجابي والتحريمي
بعد وحدة المتعلق، فكما انه لو امر بتصوير الصورة اي صورة
الحيوان واتى المكلف بنقش او رسم بعضها او تجسيم بعضها
لم يات بالواجب ولم يستحق الثواب، كذلك لو نهي عن تصوير
صورة الحيوان واتى ببعض الاجزاء وحصل له البداء لم يات
بالحرام ولم يستحق العقاب على الحرام اعني الصورة وان
استحقعقوبة التجر ي، ولعله لذلك امر بالتامل. وكيف كان
فلا وجه للتردد في المسالة كما لا يخفى. لا يقال: ان الصورة هي الاجزاء بعينها، فالنهي عنها نهي عن
الاجزاء. لانا نقول: ان الصورة هي هيئة خاصة تركيبية ومتحدة مع
الاجزاء مع كيفية خاصة، والنهي عنها ينحل على الاجزاء ولكنه
بتبع النهي عن الصورة، فما دامت الصورة لم تتحقق لم يتوجه
النهي الى الاجزاء، فاتصاف كل جزء بكونه حراما مشروط
بتحقق الاجزاء الاخر مع كيفية معتبرة فيها، والمفروض في
المقام انه لم تتم الاجزاء، فلا دليل على حرمة ما اتى به بعد
حصول البداء. ومما ذكر يظهر ان مجموع الاجزاء بما هو مجموع الاجزاء
ايضا ليس محرما; لان الادلة تدل على حرمة تصوير الصورة،
وهي وان كانت منطبقة على مجموع الاجزاء ولكنها غير هذا
العنوان، ويترتب عليه انه لو كان المحرم هو مجموع الاجزاء
فابتدا بالتصوير واحد واتمه آخر لم يفعل اي واحد منهما
حراما، وهذا بخلاف ما اذا كان المحرم هو الصورة; فان من اتم
ما صوره الآخر صدق على اتمامه تصوير الصورة، فيحكم
بالحرمة، والمتبع هو موضوع الادلة. وهكذا لا وجه لجعل المحرم هو الجزء الاخير، مع ان موضوع
الادلة الدالة على الحرمة هو تصوير الصورة، وهي لا تصدق
على الجزء الاخير فقط. فتحصل: ان المحرم هو الاخير، وهو تصوير الصورة المنطبقة
على الاجزاء بكيفية خاصة. الثالث: انه لو اشترك اثنان او اكثر في عمل صورة فالظاهر انه
يشمله قوله(ع): «اياكم وعمل الصور...»; فاناطلاقه يشمل
صورة الاشتراك ايضا. هذا، مضافا الى اطلاقات النهي عن التماثيل والتصاوير بناء
على ان النهي عن عملها لا عن خصوص اقتنائها، كما مر
البحث عنه، فحينئذ تدل على النهي عن عملها، وهو باطلاقه
ايضا يشمل صورة الاشتراك. وما يقال: من ان مفادها هو النهي عن كون الشخص عاملا
للصور والتماثيل، وهو ظاهر في الموجد للصورة المستند
ايجادها اليه وحده. كما ترى; اذ لا وجه للتخصيص بالوحدة بعد اطلاقها. هذا، مضافا الى امكان الغاء الخصوصية في مثل قوله(ع): «من
قتل نفسا...» الظاهر في الفاعل الواحد، فكما انه لو اشترك
اثنان او اكثر في قتل نفس محترمة لكان فعلهما محكوما
بالحرمة بالغاء الخصوصية من وحدة الفاعل، كذلك نقول في
المقام: بان من صور صورة او مثل مثالا وان كان ظاهرا في
وحدة الفاعل الا انه يشمل صورة الاشتراك بالغاء الخصوصية
عرفا، ويكون محكوما بالحرمة. ومع الغمض عما ذكر كله يشكل الحكم في صورة الاشتراك
كما افاد سيدنا الامام المجاهد (قدسسره) من جهة قصور
الادلة عن اثبات الحرمة لفعل كل من الفاعلين او الاكثر بعد
عدم صدق عنوان «صور الصور» او «مثل المثال» على واحد
منهما بلا ريب; ضرورة ان التمثال والصورة عبارة عن مجموع
الصورة الخارجية، والاجزاء لا تكون تمثالالحيوان ولا صورة له،
والفاعل للجزء لا يكون مصورا للحيوان، من غير فرق بين
اشتغالهما بتصويره من الاول الى الآخر او تصوير احدهما نصفه
والآخر نصفه الآخر، او عمل واحد منهما الاجزاء وتركيب الآخر
بينها; لعدم الصدق في شيء منها; فان الظاهر من قوله: «من
صور صورة» كون صدور الصورة اي هذا الموجود الخارجي
الذي يقال له التمثال من فاعل، والفرض عدم صدورها منه،
وهو نظير قوله: من قال شعرا، او من كتب سطرا، او من مشى
من بلده الى مكة. واحتمال ان يكون المراد بهما انه من اوجد
هيئة الصورة او هيئة المثال وهو صادق على من اتمهما اما
باتيان النصف الباقي او بتركيب الاجزاء بعيد عن ظاهر اللفظ،
ومخالف للمتفاهم من الاخبار. وهذا هو المحكي عن الشيخ الاراكي(قدسسره)، حيث قال:
«ان الموجد للصورة انما يصدق اذا كان وجود الصورة بتمام
ابعاضها بايجاد واحد واختيار واحد، كما ان الماشي فرسخا لا
يصدق فيما اذا مشى نصفه واحد ونصفه الآخر آخر، وممسك
النهار لا يصدق الا مع الامساك في تمام النهار اذا كان بتمامه
صادرا من اختيار واحد، وكذلك المصلي لا يصدق اذا صدر
تمام الصلاة من اختيارين. وبالجملة، قد اخذ في مفهوم الموجد للصورة وحدة الفاعل
والمختار، مضافا الى عدم تعقل توجيه نهي واحد الى شخصين
الى ان قال: فعلم مما ذكرنا انه لا وجه لكون كل من
المشتركين مصورا; لان ما هو الصادر منه ليس ايجادا للصورة
وانما هو ايجاد بعض الصورة، وهو غير العنوان المحرم كما
عرفت، والصادر من صاحبه لا ربط له به الى ان قال: نعم من
الممكن في مقامنا ايضا تعلق الحرمة بالعنوان الاوسع; اعني
مطلق الدخالة واعمال القوة في وجود الصورة، سواء صدق
عليه ايجاد الصورة او صدق عليه ايجاد بعضها، لكنه محتاج
الى الاثبات، ولا مناط منقح في البين حتى يلاحظ انه شامل
لصورة الاشتراك او لا». يمكن ان يقال: ان عنوان «من صور صورة او عملها» وهكذا «من
مثل مثالا» اعم من ان يكون موجدا لجميع الاجزاء من البدء
الى الختم، او متمما للاجزاء الموجودة بفعل آخر، او من دون
فعل احد، كما اذا كان بعض الاجزاء موجودا بمقتضى الطبيعة،
كاغصان الاشجار مثلا المتخذ منها بدنا او يدا او رجلا
لصورة حيوان او انسان، فلو كان من اللازم ان تكون جميع
الاجزاء مصنوعة بفعله لما صدقت الصورة على فعل من اتخذ
من الاشجار او الاخشاب او غيرهما من الفلزات الموجودة
لتصوير صورة حيوانية، مع ان الظاهر هو صدق الصورة على
فعله، وهو شاهد على ان المراد من قوله: «صور صورة» او «مثل
مثالا» اعم من ان تكون جميع الاجزاء من عمله. ولعل منشا القول بعدم الصدق هو توهم لزوم الاتيان بجميع
ما له دخل في الصورة من فاعل واحد في صدق التصوير، مع
انك عرفت عدم لزوم ذلك في الصدق. وعليه، فاعتبار وحدة الفاعل لا يمنع من صدق المصور على
من اتم الاجزاء عقيب ايجادها بفعل شخص آخر. والقول: بان المحرم هو تصوير كل مكلف صورة الحيوان او
الانسان لا اتمام صورتهما، وتصويرهما لا يصدق على مجرد
اتمامهما كما انه لا يصدق على تصوير بعضهما. كما ترى بعد ما عرفت من اطلاق قوله: «صور صورة» او «مثل
مثالا»، فتدبر جيدا. وذهب في الجواهر الى صدق الاستناد الى الاول ايضا، حيث
قال: «ومع التدرج ففي شرح الاستاذ ان المدار على الاخير. قلت: لعل الاقوى التعلق بالاول ايضا اذا فرض كون المقصود
لهما ذلك من اول الامر; لصدق الاستناد اليهما». وفيه: ان الاستناد اليهما صحيح، ولكن ظاهر «من صور او
مثل» هو وحدة الفاعل، فلا يشمل صورة الاشتراك. هذا بناء على عدم تمامية الادلة والغمض عنها، واما بناء على
تماميتها كما هو الاقوى فلا اشكال في الحرمة عند اجتماع
اثنين او ازيد للشركة في صنع الصورة من الابتداء الى الختام;
لاطلاق الادلة الدالة على حرمة عمل الصور والتصاوير
والتماثيل، ففعل كل واحد ممن اشترك في عملها محكوم
بالحرمة; لاشتراكه في عمل الصورة. واذا افترق الافراد في التصوير; بان اوجد النصف الاول شخص
واتمه آخر، فقد عرفت ان الاخير هو الموجد للصورة، فيترتب
على فعله الحرمة. واما الموجد للنصف الاول ففيه تفصيلات على ما افاده شيخنا
الاستاذ الاراكي(قدسسره)، حيث قال: «فان كان عالما بعدم
اتمامه بالحاق النصف الآخر لا من نفسه ولا من غيره فلا
اشكال في معذوريته، فان الحق النصف انكشف كون عمله
دخالة واعمالا للقوة في وجود الصورة وانه كان محرما واقعيا
معذورا فيه. وكذلك الحال في صورة الشك في الحاق النصف الآخر
وعدمه; لانه شبهة موضوعية، والاصل فيه البراءة ولو فرض
كونه بحسب الواقع بواسطة لحوق النصف الآخر داخلا في
العنوان المحرم. كما لا اشكال فيصورة علمه بالالحاق وانه معصيةواقعية معه
وتجر مع عدمه. ثم عطف حكم صورة البداء عليه وقال:
ومن هنا يظهر الكلام فيما اذا اشتغل بالتصوير قاصدا للاتمام
ثم بدا له في الاثناء ورفع اليد، فانه حين رفع اليد عن التتمة لا
يخلو: اما ان يكون عالما بلحوق النصف الآخر اما منه واما من
غيره او بعدم اللحوق، واما شاك، فان كان عالما باللحوق فلا
كلام، وان كان شاكا فلا يورث هذا الشك معذوريته لو الحق
التتمة واقعا متمم، كما يورثها لو كان الشك من ابتداء العمل،
فانه نظير من شرب الخمر عالما بحرمتها وبعد الفراغ صار
شاكا في الخمرية فانه لا يورث المعذورية، وهو واضح. بل نقول في صورة العلم بعدم اللحوق ايضا: لو الحقه ملحق
استحق العقوبة; اذ الفرض ان العمل كان مبغوضاواقعا وهو
ايضا كان عالما، فالتكليف موجود مع شرائط تنجزه، فلا
يجدي انقلاب العلم بعد العمل بالعلم بالخلاف في رفع
الاستحقاق، وهذا ايضا واضح، فيجب بحكم العقل في كلتا
الصورتين الاحتياط بمحو ما اتى به من الصورة». ولكن لا يخفى عليك ان مع البداء ورفع اليد كليا لا وجه
لعطفه على صورة استمرار القصد والعلم بالالحاق; اذ استناد
المبغوض وهوصورة الحيوان الى الاول مشروط ببقاء القصد،
فمع عدم استمرار القصد لا وجه لاستناده اليه في صورة العلم
باللحوق، فضلا عن صورة الشك او العلم بعدم اللحوق، والعمل
ما لم تنطبق عليه الصورة لا يكون مبغوضا، والمفروض انه
قبل انطباق الصورة عدل عن نية الادامة، وعليه فبعد العدول
لا يكون محكوما بالحرمة الا من جهة التجري الصادر منه، ولا
تكليف له حينئذ الا مخالفة الاتمام من جهة النهي عن المنكر. وهكذا لا وجه للحكم بالحرمة الواقعية فيما اذا اوجد النصف
وكان عالما بعدم اتمامه بالحاق النصف الآخر لا من نفسه ولا
من غيره; فان المحرم هو فعل المتمم لو الحق اتفاقا بعد ما
عرفت من اطلاق «من صور الصور» على مثله ايضا، لا فعل من
اوجد النصف مع العلم بعدم اتمامه; لان فعله ليس بمبغوض
ظاهرا وواقعا، وانما المبغوض هو فعل المتمم. الرابع: انه هل تعتبر في حرمة تصوير الصورة مباشرة الفاعل بيده بلا وساطة واسطة في البين غير ما هو من قبيل الآلة، او لا تعتبر مطلقا، او يفرق بين ما اذا كانت الواسطة فاعلا مختارا كما اذا اكره او بعث انسان انساناعلى التصوير فلا يصدق على المكره والباعث انه مصور، وبين ما اذا كانت الواسطة فاعلا طبيعيا بلا شعور، فيصح حينئذ اسناد التصوير الى الانسان الذي اعمل هذا الفاعل، نظير اسناد الاحراق الى من القى الحطب في النار، وكما يقال: ان فلانا خاط الثوب اذا اعمل الآلة المعدة للخياطة؟ ذهب شيخنا الاستاذ الاراكي(قدسسره) الى التفصيل حيث
قال: «الظاهر في مادة التصوير ايجاد الصورة باي نحو كان،
وفيما كان الواسطة فاعلا مختارا لا يصدق انه الموجد للصورة،
وفيما كان فاعلا طبيعيا يصدق ذلك ... نعم بعض المواد يعتبر
فيه عدم وساطة هذا القسم ايضا كما في الاكل والكتابة، حيث
انه لو اعمل الآلة المعدة للكتابة لا يقال على من اعمله انه
الكاتب». ويشهد على ذلك قوله(ع): «واياكم وعمل الصور»; اذ مقتضى
اطلاقه هو عدم دخالة المباشرة، وهكذا قوله(ع): «نهى
النبي(ص) عن التصاوير والتماثيل» من دون تقييده بالمباشرة،
بناء على عدم اختصاصه بالاقتناء. والقول: بان المتداول في التصوير والتمثيل في تلك الاعصار
تحصيلهما بمباشرة اليد وقدرة الصنع دون المكائن والقوالب;
فظاهر الادلة هو ما كان المصنوع بيد الفاعل مباشرة. كما ترى بعد كون القضايا بنحو الحقيقية لا الخارجية، وان
المبغوض هو نفس عمل الصور وايجادها من دون خصوصية
للمباشرة كالقتل، فعمل الصور وان لم يكن بمباشرته، منهي
عنه باطلاق ادلة مبغوضية عمل الصور. فكما انه لو صنعت ماكنة لاعدام الاشخاص وباشر شخص
توصيل الكهرباء بها فاعدموا بذلك، اسند القتل اليه وترتب
عليه احكامه وان لم يفعل الا مباشرة التوصيل المذكور وانما
الماكنة اعدمتهم. كذلك لو فرضت ماكنة صنعت لايجاد المجسمات وباشر
شخص توصيل الكهرباء بها فخرجت لاجلها الصور المجسمة
منها، اسند اليه عمل الصور واتى بالمبغوض وان لم يباشر
التصوير والتمثيل بنفسه. و مما يذكر يظهر ما في دعوى ان الظاهر من قوله: «من مثل
صورة او مثالا» هو تصوير الصورة وتمثيلها بقدرته وعلمه بذلك
الصنع، والمباشر لاتصال القوة بالماكنة او لالقاء الجص في
القالب ربما لا يكون مصورا وعالمابالتصوير ولا قادرا عليه. وذلك لما عرفت من ان المستفاد من معتبرة الخصال
«واياكم وعمل الصور» وغيرها من مطلقات الاخبار هو ان
نفسعمل الصور باي نحو وجد مبغوض، فالنهي عن عمل
الصور يشمل الايجاد التسبيبي من دون حاجة الى الغاء
خصوصية المباشرة حتى يشكل في ذلك: بان ظاهر هيئة
الفعل هو الايجاد المباشري، وان امكن الجواب عنه: بان العرف
للمباشرة خصوصية، وعدم التداول في تلك الاعصار لا يمنع
لا يرى من الغاء الخصوصية في عصرنا هذا، فاذا ورد مثلا
استحباب ايقاد السراج في ليلة كذا، لم يختص ذلك بالمتعارف
في تلك الاعصار مما يكون بالمباشرة، بل يكون عاما لمثل زماننا
مما يكون بالتسبيب ايضا. هذا، مضافا الى ان الحكمة في ممنوعية التصوير هي التشبه
بالخالق في عمل هياكل الحيوانات، وهي حاصلة في ايجاد
هياكل الحيوانات بالمعامل الكهربائية. اللهم الا ان يقال: ان الحكمة متحققة فيما اذا كان التصوير
بالمباشرة لا بتسبيب المعامل. ولكنه كما ترى; لان الخلقة من اللّه تعالى اعم، فربما تكون
من دون تسبيب كخلقة آدم(ع)، وربما تكون مع الاسباب
كتوالد الحيوانات والانسان، فالحكمة وهي التشبه لا تختص
بما اذا لم يكن سبب، بل هي موجودة فيما اذا كان بسبب
المعامل. وبالجملة، اطلاق الروايات واطلاق الحكمة يقتضيان عدم
اعتبار المباشرة. ثم لو قلنا بحرمة الرسم يقع الكلام في حرمة الصور المنطبعة
بآلات التصوير، وقد ذهب سيدنا الامام المجاهد(قدس سره)
الى ان المصور ليس مصورا وممثلا الا بضرب من التاويل
والتجوز، ولا يصار اليه الا بدليل وقرينة، من غير فرق بين
الصور المنطبعة في الزجاجة والمنعكسة منها الى الصحائف،
وان كان عدم الصدق في الاول اوضح. وهو كذلك; لان انعكاس الصورة في فلم آلة التصوير وكذا
انعكاس الصورة على الصحائف بجعل آلة التصوير قبال صور
الاشخاص او جعل الصحائف قبال الفلم، كجعل المرآة بحذاء
شخص لا اشكال فيه، والتصوير المنعكس فيالفلم والصحائف
يتحقق بنفسه لا بفعل المصور، وانما فعله هو حفظ ما انعكس
في الفلم او الصحائف، وعليه فلا يكون المباشر مصورا، ولا
يكون ذلك عمل الصور وايجادا لها ولو بالتسبيب ايضا، بل هو
عمل على بقاء الصورة الواقعة من الشيء في الشيء الآخر
بنفسه. وقال شيخنا الاستاد الاراكي(قدسسره): «لا شبهة في عدم
صدق المصور لا على من الصق وراء الشيشة ما اعده للحكاية
ولا على القائم بحذاء الشيشة المذكورة بل والماء، وكذلك
الحال في العكس فانه مركب من عملين: احدهما: وضع
الشيشة بحذاء الجسم، والثاني: وضع دواء مخصوص على سطح
الشيشة من خاصيته امساك ما وقع في الشيشة من صورة
الجسم المحاذي، فالوقوع هنا حاله حال الوقوع في المرآة،
وقد عرفت عدم صدق المصور على من وضعها بحذاء الجسم
لتقع صورته فيها، غاية ما في الباب ان العكاس يتصرف
بتوسط دواء او غيره في هذه الصورة الواقعة فيجعلها ثابتة
بحيث لا تزول بعد المحاذاة ايضا، فهو كما لو تصرف احد في
الصورة الواقعة في المرآة فجعلها ثابتة، فكما لا يصدق على
هذا المثبت انه مصور فكذلك على العكاس. نعم، لا اشكال في صدق التصوير على النقل من الشيشة الى
الكاغذ ونحوه، لكن لا يوجب حرمة العمل الاول; لعدم كون
مقدمة الحرام حراما الا ما ينسلب بعدها الاختيار، وهنا ليس
كذلك، نعم لو كان من قصده التوصل به الى العمل الثاني
كان تجريا، كالحاضر عند العكاس اذا حضر بقصد ان ينقل
العكاس عكسه، فانه اعانة على الاثم لو ترتب النقل، وتجر لو لم
يترتب. اللهم الا ان يلتزم بصدق المصور على من اثبت الصورة الواقعة
في المرآة ونحوها; فان التصوير هو احداث الصورة الثابتة،
ويكفي في صحة استناد ذلك الى الشخص كون الثبات
باحداثه ولو لم يكن اصل الصورة حاصلاباحداثه، وقد التزم
بذلك الاستاذ دام ظله والاحتياط في محله. ويمكن ان يقال: اثبات الصورة الثابتة غير ايجاد الصورة، وعلى
هذا فالتصوير المتعارف في زماننا من قبيل الاول، ومع الشك
في مفهوم التصوير الاصل البراءة; لكون الشبهة مفهومية دائرة
بين الاقل والاكثر». ولقد افاد واجاد، ولكن لا يخفى عليك ان ما حكاه عن استاذه
من صدق التصوير على النقل من الفلم الى الكاغذ ونحوه
منظور فيه; فان الكاغذ كالمرآة بالنسبة الى الفلم، فكما ان
جعل المرآة محاذية لشخص لا يكون حراما كذلك جعل
الكاغذ محاذيا للفلم، فمع انعكاس الصورة من الفلم الى الكاغذ
بنفسه الذي هو كانعكاس الصور في المرآة لا يكون عمل
المصور الا اثبات تلك الصورة المنعكسة في الكاغذ وان لم
تكن مرئية، لا ايجاد الصورة. وعليه، فلو قلنا بحرمة تنقيش ورسم ذوات الارواح لم يكن
التصوير المتعارف في زماننا هذا محرما; لان جميع مراحله من
قبيل اثبات الصورة لا ايجادها. نعم، لا يبعد صدق ذلك في المطابع الرائجة، فانها تطبع الصور على الورق، ولذا قال في مصباح الفقاهة: «لا يفرق في حرمة التصوير بين ان يكون باليد او بالطبع او بالصياغة او بالنسج، سواء كان امرا دفعيا كما اذا كان بالآلة الطابعة ام تدريجيا» |