كلمة التحرير الشيخ خالد الغفورى «بسم اللّه الرحمن الرحيم»
وعودا على بدء .. حيث اثرنا في العدد السابق احد الموضوعات
المهمة الا وهو (فقه النظرية) وذكرنا ان المراد به عملية
استنباط الموقف الفقهي العام تجاه مجال معين من مجالات
الحياة المختلفة، نحو: المجال الاقتصادي او الاداري او
القضائي وغيرها .. ثم بلورة هذا الموقف وصياغته في اطار
نظرية عامة محكمة تكون بمثابة قاعدة كلية جامعة لشتات
الاحكام الفرعية .. وكانت لدينا محاولة لتخريج فقه النظرية
فنيا .. فاوردنا بهذا الصدد وجهين صناعيين .. اجد من اللازم
البحث في مدى جدوى النظرية العامة فهل ثمة فوائد و آثار
عملية يمكن ان ترتب على ذلك او لا؟ فقد يظن الظانون
والذين يلقون الكلام بغير حساب ان ذلك لا يعدو ان يكون
تحليلا صرفا لا طائل تحته .. لذا ينبغي فهرسة الثمرات
العملية وتشريح الانعكاسات الواقعية و الآثار الناشئة من تلك
النظريات وعلى اصعدة شتى .. وسنبوب هذه الثمرات حسب الابعاد المتوقعة لفقه النظرية: 1- البعد الثقافي:
تشكل النظرية العامة رقما صعبا في المعادلة
الثقافية والفكرية .. وتوفر امامنا فرصا ذهبية للامتداد وتقصر المسافات وتقرب
البعيد .. حيثيتم بواسطة الصياغات العامة ضغط الكم الهائل من الاحكام الممتدة
افقيا والتي يتعذر عادة الاحاطة بها تصورا من قبل الملا العام فضلا عن القناعة بها
ضمن قوالب ناجزة وقواعد معدودة يسهل دركها ولا يصعب تصديقها .. ففرق كبير بين الخطاب المنفوش والبيانات الموزعة و بين الخطاب المركز والحاوي
لعصارات المنهج الاسلامي وخلاصات البرنامج الحضاري المتبنى .. ولا ريب في رجحان
الاسلوب الثاني باعتباره يخلق في الاذهان وضوحا وانكشافا .. ويرفع النفوس الى مستوى الشهود الرسالي .. ونحن وان
استطعنا ان نزرع في الساحة الثقافية جوا من الوضوح في
الاطار العقائدي الا ان ذلك وحده غير كاف .. فانه يدفع
الجمهور الى نصف الطريق حيثيمدهم برؤية كونية ويعرفهم
هويتهم الوجودية ويقف عند هذا الحد .. ولايعرفهم
هويتهمالحضارية .. مما يجعل الحاجة الى مكمل لهذه الرؤية
اكثر الحاحا .. وهذا المتمم يتمثل بتحصيل الرؤية الحياتية
ووعي الموقف .. وان فقه النظرية بتامين ذلك لجدير .. فمن
خلاله يمكن تقديم صورة متجانسة لوجهي الواقع .. اي الواقع
الموجود والواقع المطلوب .. فيزيد المؤمنين ايمانا مع ايمانهم
ويكسبهم الثقة العالية بدينهم والاطمئنان الراسخ برسالتهم .. وتثبت بذلك اقدامهم على الحقالمبين ولا يهنوا تجاه امواج
الغزو الثقافي .. بل يمكنهم حينئذ الانطلاق لخوض المنافسة
مع الغير .. فان للنظرية العامة لبهاء وسحرا وانعليها لطلاوة
تاخذ بمجامع العقول وتجتذب الافئدة .. ولا نريد ان نبالغ في ان بعض الاباطيل استطاعت ان تجد لها
مكانا وتسبغ على نفسها سمة المسلك لانها تسربلت بزي
النظرية العامة .. وهذه حقيقة لا ينكرها الا مكابر .. فان
النظرية العامة هي العملة الرائجة في سوق الافكار .. وهي
اللغة المفضلة في عصرنا الراهن ..
2- البعد التنفيذي:
مقدمة نقول: ان التكاليف الشرعية على قسمين
فردية واجتماعية .. ولا يعرف الفرق بينهما من خلال لحاظ صيغة الافراد او الجمع في
الخطاب .. بل ان الفرق ابعد من ذلك واعمق .. فهو ناشئ في مرحلة المبادئ والملاكات
ويستمر الى مرحلة الامتثال بل يتجاوز ذلك ويمتد الى الآثار واللوازم .. والعلة في
ذلك تعود الى الاختلاف بين طبيعة الفرد والمجتمع .. فالمجتمع ليس هو حصيلة تصاعد
كمي وعددي مسبب عن ضم فرد الى آخر واضافته رياضيا .. بل هو مركب ذو ماهية مستقلة
وشخصية ذات كيان خاص .. وهذا الفرق ينسحب الى احكام ووظائف كل منهما .. فان التفاوت بين الاحكام والتكاليف الفردية جوهري .. من هنا نلمس البون الشائع
بين خطاب (اقيموا الصلاة) وبين خطاب (السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) رغم اتحاد
الصيغتين لفظا .. فان الخطاب الاول موجه الى فرد او مجموعة افراد لا يصدق عليهم اي
جامع حقوقي فكل مكلف يمكنه امتثال هذا الامر .. بينما الثاني يقصد به الكيان والجهة
.. فالامة من حيث هي كيان ذات شخصية حقوقية مسؤولة عن
اقامة الدين وحدوده .. لا ان كل مكلف يسوغ له اجراء ذلك
وتنفيذه .. وليس من الصحيح تصوير الفرق بين النحوين على
اساس العينية والكفائية في التكاليف .. فان (صلاة الاموات)
من الاحكام الكفائية الا انها ليستحكما اجتماعيا .. كما ان
العكس صحيح ايضا فرب تكاليف واحكام اجتماعية تكون
عينية يوكل امرها الى طائفة معينة بل الى شخص واحد
كالاحكام المرتبطة بولي الامر .. وعلى اية حال فان الكتب الفقهية عكفت على تشخيص
التكاليف الفردية وربما بعض التكاليف الاجتماعية احيانا
بصورة مفصلة وبيان كيفية تطبيقها وامتثالها وتفصيل
شرائطها .. في حين ان وظيفة فقه النظرية التصدي لمعالجة
وبحث التكاليف الاجتماعية .. ثم انه من البديهي ان تطبيق
الشريعة كنظام يتوقف على تحديد الاتجاهات العامة للتشريع. والا تكون التجربة ساذجة ومتعثرة تحكم على نفسها بالفشل. وهذه الحقيقة تبرز في المجالات التالية: المجال الاول : التقنين: وهذا ما يمكن ان نتصوره على
مستويين: المستوى الاول : تحديد الاسس الكلية للقوانين .. او ما
يصطلح عليه بالدستور: ومن المعلوم اننا لو قصرنا النظر على
دائرة الاحكام الفرعية والفردية ولم نتقدم خطوة الى الامام
في اقتناص النظريات العامة فسوف نعجز عن اراءة الحل
الاصيل .. ولانهتدي الى تحصيل الاتجاهات والبنى التحتية
التي تقف عليها كل التفاصيل والفروع .. المستوى الثاني: سن القوانين والانظمة اللازمة لادارة
المجتمع: فمع رفضنا للفقه الوضعي وما يتبنى من تقنينات .. كيف يمكن تامين هذه الحاجة وملء الخلا .. فهل من المعقول
الاستغناء عن نظام التربية والتعليم ام هل يمكن غض النظر
عن نظام البلديات ام هل يمكن اهمال تنظيم الجيوش
والقدرات الدفاعية وسائر الدوائر؟! فان ما لدينا من الاحكام الفرعية والفردية مع قلتها وعدم
نظرها الى هذه الزوايا سرعان ما تتاكل بسبب ما تبتلى به
من تزاحم .. فلو تصدينا مثلا لمعالجة النظام المصرفي من
خلال ما نمتلك من احكام فرعية فقط كحرمة الربا .. فيا ترى
هل يحالفنا التوفيق في تقديم النموذج الناضج! الحق: اننا ما
لم نكتشف التكييف الشرعي للمعاملات المصرفية على ضوء
النظرية الاقتصادية العامة وفي ظلالتصو ر التام حول الثروة
وحقيقة المال وسائر العناصر المقومة لحركة الاقتصاد
فستنحسر الحلول في عمليات الترقيع والترميم .. وربما سعى بعض الفقهاء لحل المشكلة من زاوية النظر الى
الفرد .. فيتفنن في تصيد طريق شرعي ولو صوري ومتكلف
غير ملتفت الى ان هذه مجرد عمليات تسكين لا ترقى الى
مستوى الحل .. ولذا نرى المكلف يستلم فتاوى لا ترضي
وجدانه .. لانها معالجات مقطعية تنظر الى المراد الشرعي
بعين واحدة ومن افق ضيق .. المجال الثاني: ممارسة الاحكام الولائية المباشرة: من المسلم
فقهياانهناك جملة من الحوادث تركت الشريعة امر معالجتها
الى ولي الامر سواء آمنا بتمامية ادلة ولاية الفقيه او ناقشنا
في ذلك وتمسكنا بحبل الحسبة .. فانه لا شك من وجود
مساحة مرنة لكي يتحرك فيها المتصدي ويحدد فيها الموقف. . ومن المعلوم ان تحديد الموقف مشروط اولا : بمراعاة
المصلحة العامة وثانيا: بما يكون منسجما مع مذاق الشارع .. والقيد الاول احرازه عن طريق دراسة الظروف داخلا وخارجا ووعي المرحلة والتقديرات
المستقبلية .. واما احراز القيد الثاني فهو امر صعب مستصعب .. لانه ما من حكم ولائي
الا ويتزاحم مع بعض الاحكام سواء كانت واقعية او ظاهرية ترخيصية او الزامية وان
كانت الترخيصية اخف اشكالا واهون من قبيل التصادم مع مبدا سلطنة الناس على نفوسهم
واموالهم وشؤونهم الخاصة بهم .. ولا سبيل للخروج من هذا المازق الا بتوفر ولي الامر
على رؤية واضحة ومحيطة بالاتجاهات العامة للشريعة ومذاقها الذي هو بمثابة ملكوت
الاحكام الشرعية وام الكتاب لها فحينئذ يمكن تحديد الخطوط الحمراء التي لا يمكن
تخطيها بحال .. المجال الثالث: النظام القضائي والحقوقي: فان التعامل مع باب القضاء والحقوق طبقا
للاحكام الجزئية والحدود والديات وبعض الابواب المتفرقة لا يؤمن لنا العدالة
المنشودة .. بل ربما يؤول الامر الى اشاعة الفوضى واختلال النظم العام .. لان كل
مجتهد يقضي وفق اجتهاده فتجد الحالة الواحدة لها اكثر من معالجة نتيجة لاختلاف في
الاجتهاد .. وكذلك الحال بالنسبة الى الموقف تجاه وسائل الاثبات وطرق التحقيق
والاستجواب . . وهل هناك مجال لاعطاء حق الدفاع وجعل الوكيل الحقوقي من قبل الفرد .. وكيفية
التعامل مع نظام العقوبات البدنية او المالية او الحقوقية او السياسية .. وعشرات
المسائل الاخرى التي لو لوحظت مستقلة لانتهينا الى نتائج غير متسقة واذا لوحظت
كاجزاء من كل او جزئيات لكلي لاعطت نتائج ليست مقصودة وغير مرضية للشارع .. 3- البعد التشريعي :
ان فقه النظرية بمقدار ما يساهم في تكوين
نظرة متكاملة وتحصيل رؤية شاملة سوف يدخل بنفسه كعنصر مؤثر في استنباط الاحكام
الفرعية ايضا .. فان النظريات العامة تعطي للادلة الشرعية بعدا جديدا شانها في ذلك
شان اية قاعدة فقهية اخرى لكن بافق ارحب واوسع .. وبذلك يتطور لدينا مفهوم القاعدة الفقهية .. وتبرز موارد
جديدة لها .. هذا من جانب ومن جانب آخر ان فقه النظرية
سينفع باتجاه تفعيل عملية الاجتهاد وادخال عنصري الزمان
والمكان في الاستنباط .. وانتخبير بان اخضاع عملية
الاجتهاد لتاثير الزمان والمكان مطلقا ومن دون وضع حدود
يعني مسخ الشريعة ومحقها .. الا اننا يمكننا تحصين الاجتهاد
من تلك الاخطار بفقه النظرية الذي هو بنيان مرصوص .. نساله تعالى ان يهدينا سواء السبيل .. انه نعم المولى ونعم الوكيل .. ولا حول
ولا قوة الا باللّه ..
رئيس التحرير |