«العربون‏»

آية اللّه السيد محمود الهاشمي

قد تعورف في ازمنتنا ان يتفق الطرفان على البيع او الايجار ولكن بنحو التواعد والقرار الابتدائي لا النهائي ليبتان في ذلك فيما بعد، وقد يدفع المستاجر او المشتري ضمن هذا القرار الابتدائي مقدارا من المال يسمى بالعربون، فما هو حكم هذا القرار المعاملي؟ وهل هو مجرد وعد ابتدائي غير ملزم، او انشاء للايجار والعربون جزء من الاجرة، او هو عقد آخر مستقل؟ ولتوضيح حكم هذه المسالة المبتلى بها كثيرا ينبغي البحث في جهتين: الاولى: في حكم التوافق على البيع او الايجار، وانه هل يكون ملزما ام لا؟ الثانية: في حكم العربون المعطى، وكيفية تخريجه.

الجهة الاولى (في حكم التوافق على البيع او الايجار): لقد جاء في الفقه الغربي ان التوافق على البيع او الايجار في المستقبل بنفسه عقد والتزام، فاذا كان من الطرفين كان ملزما لهما وقد سماه الفقه الوضعي بالاتفاق الابتدائي واذا كان من احد الطرفين بان التزم ان لا يبيعه الى راس الشهر مثلا من اجله كان ملزما لذلك الطرف وقد سماه بالوعد بالتعاقد فاعتبر ذلك عقدا صحيحا يترتب عليه الآثار، الا ان الاثر ليس هو حصول الحق العيني والنقل والانتقال في المال، بل اثره لزوم الوفاء بما التزم به، وهو اجراء البيع او الايجار في المستقبل، ولهذا يمكن اجباره على ذلك لو امتنع، ومن هنا تجري فيه شروط صحة العقد والالتزام من الاهلية والتراضي وفقدان عيوب الارادة وغير ذلك من الشروط العامة لانعقاد العقود او صحتها.

بل يظهر من كلمات بعض الباحثين للفقه الوضعي ان العقد المذكور بنفسه يصبح عقدا نهائيا بمجرد حلول موعد الاتفاق على العقد النهائي في مورد الاتفاق الابتدائي الملزم للطرفين او ظهور الرغبة والتصرف الخارجي من الموعود له في الوعد بالعقد الملزم لطرف واحد بلا حاجة الى تجديد العقد والتراضي من جديد.

والصحيح ان يقال:

تارة: يفترض تحقق الاتفاق العقدي على البيع او الايجار من اول الامر، ولكن يجعل لكل واحد من الطرفين او احدهما حق عدم التسليم وحق الفسخ الى زمان معين كزمان الاثبات الرسمي للعقد او غيره، وهذا لا اشكال في صحته ونفوذه، الا ان هذا يؤدي الى ان يكون حصول عقد الايجار او البيع من حين الاتفاق الاول، فيتحقق النقل والانتقال وتترتب الحقوق العينية كلها من حينه، كما انه لا بد من توفر تمام شروط الصحة اللازمة في ذلك، واذا فسخ يكون الفسخ من حينه لا من حين العقد.

واخرى: يفترض ان عقد البيع او الايجار بعد لم يتحقق، فان كان مجرد وعد او قول ابتدائي بالبيع او الايجار من دون التزام وتبان على ذلك اصلا فهذا لاشك في عدم كونه عقدا ولا ملزما; اذ لا دليل عليه، بل ذكر الفقهاء الاجماع على عدم لزوم الوعد الابتدائي والوعد مجرد القصد والميل ولو ابرز من دون انشاء التزام وتعهد واعتبار على النفس وان كان التوافق على البيع او الايجار في المستقبل، بان التزما معا او التزم احدهما للآخر بان يبيع او يؤجر الدار منه في ذلك الوقت وتبانيا على ذلك فهذا لاشك في انه نحو قرار وتعهد، اي التزام وانشاء وتحمل للمسؤولية مع التوافق عليه.

وهذا يتصور تارة: بان يلتزم ويتعهد بالملكية اي التمليك من الآن في ذلك الوقت، فهذا عقد تعليقي باطل عندنا، واخرى: بان يلتزم بان يبيع منه في الوقت المقرر، وهذا هو محل البحث.

ولا ينبغي الاشكال في الفرق بين هذه الحالة ومجرد الوعد والقول الابتدائي; اذ ليس الوعد والقول تعهداوالتزاما ، بل مجرد بيان واظهار انه سوف يفعل. ولو فرض ان الوعد اعم من ذلك بحيث‏ يشمل موارد القول مع الالتزام والتعهد مع ذلك نقول: ان الدليل على عدم لزومه دليل لبي قدره المتيقن ما اذا لم يكن تبان من الطرفين على الالتزام والتعهد، فلا يمكن التمسك بالاجماع لاثبات بطلان مثل هذا القرار والتعهد المتفق عليه.

فلا بد من البحث عما يمكن ان يكون دليلا على نفوذ هذا التعهد كما يراه الفقه الوضعي فاذا ثبت وتم دليل على ذلك ثبت وجوب الوفاء به فيجب تكليفا، ولو امتنع كان للحاكم اجباره على البيع والا باع من قبله; لانه ولي الممتنع. نعم، لا يتحقق البيع من دون بيع منه ولا من الحاكم، فلا تترتب الحقوق العينية من النقل والانتقال.

وما يمكن ان يستدل به على ذلك احد وجوه:

الوجه الاول: التمسك بعموم «المؤمنون عند شروطهم‏» لان الشرط هو الالتزام.

وفيه: ان الشرط ظاهر في ما يكون تحقق الشي‏ء منوطا به، ومن هنا يكون ظاهره الشروط والالتزامات في ضمن العقود والتي يناط بها الالتزام العقدي، فلا يكون نفس الالتزام العقدي شرطا، ولهذا لم يصح‏ الاستدلال بهذه القاعدة لاثبات صحة العقود، بل قيل: ان هذه القاعدة خاصة بالشروط الضمنية، وفي المقام الالتزام المذكور بنفسه قرار والتزام وتعهد متفق عليه، لا انه شرط في العقد.

 الوجه الثاني: التمسك بعموم (اوفوا بالعقود) لاثبات صحة مثل هذا التعهد ولزومه، باعتبار ان العقد هو التعهد والالتزام المبرم كما يذكره اللغويون، ويشهد عليه ما جاء في رواية ابن سنان المفسرة للآية بالعهود، فتشمل الآية كل تعاهد والتزام مبرم ومتفق عليه بين الطرفين، سواء كان متعلقه التمليك والتملك، او عملا من الاعمال ومنها الايجار او البيع منه دون غيره، فيجب الوفاء به ويمكن اجباره عليه. نعم، هذا وحده لا يكفي لتحقق الانتقال والملكية للعوضين، بل لا بد من انشاء عقد البيع او الايجار بينهما ليتحقق ذلك، فما لم ينشا ذلك لا انتقال في الملكية ولا ينشا اي حق عيني. ويمكن للحاكم اجباره او اجراء العقد عنه اذا امتنع، كما تقدم.

وفيه: ان هذا الوجه انما يتم لو كان العقد بمعنى مطلق العهد، وليس كذلك، والرواية المذكورة غير معتبرة سندا. بل العقد هو التعهد بما يترتب عليه الحقوق العينية ونحوها، اي الاحكام الوضعية كالتمليك والضمان في باب الاموال والاعمال، فمجرد التعهد بعمل لا ينشا منه تمليك وتملك، او ضمان اي حق‏عيني لا يكون عقدا، كما اذا اتفقا على ان يزوره مثلا، فان هذا ليس عقدا ولا مشمولا ل (اوفوا بالعقود) وان كان تعهدا، ولعل السر في ذلك ان عنوان العقد ليس دالا بنفسه على التعهد، وانما استفيد ذلك من الامر بالوفاء، واما العقد فيدل على حيثية العقدية والمعقودية، وهي في الامور المعنوية غير الحسية اعني باب المعاملات انما تكون بلحاظ الحقوق المنشاة والمتعهد بها ضمن العقود; لانها التي تربط بين الطرفين، وليس مجرد تعلق الالتزام والتعهد بمتعلقه او بمن له الالتزام عقدا، وعلى هذا الاساس لو لم يكن التعهد متضمنا لذلك فلا يصدق عليه العقد، وفي المقام مجرد التعهد بالبيع او الايجار منه لا يتضمن تمليكا وتملكا وحقا عينيا، ولذلك يكون التعهد به من قبيل التعهد بزيارته.

نعم، قد يفرض حصول حق في نفس العين بلحاظ بيعه او اجارته، نظير حق السرقفلية فيبيعه المالك هذا الحق فيكون عقدا بل بيعا، الا ان متعلقه ليس نفس العين بل حق بيعه او ايجاره، وهو من الحقوق العينية التي يكون نقلها عقدا بل بيعا، وليس مجرد تعهد بفعل او ترك، فلو اراد المالك ان يعطي للمستاجر او المشتري الحق المذكور في قبال بدل يدفع له صح وكان ملزما، ونتيجته ان المالك لا يحق‏له البيع او الايجار، بل ذلك للمشتري وان كان للمالك الاجرة او الثمن المتفق عليه.

الا ان هذا هو السرقفلية التي قد ياتي الحديث عنها في مجال آخر، وليس المراد بالوعد بالايجار او البيع او الاتفاق الابتدائي ذلك جزما.

نعم، لو تصورنا في المقام ملكية نفس البيع او الايجار او قل ملكية حق البيع والايجار امكن ان يقال بصدق العقد في المقام، حيث‏يكون تمليكا للالتزام فيملك المتعهد له التزام المالك ان يؤجر او يبيع منه، وتكون نتيجته انه لا يصح بيعه من غيره.

الا ان هذا التخريج غير تام ايضا; اذ لو اريد تمليك حق البيع والايجار والسلطنة الثابتة للمالك على ماله بحيث‏يصبح مسلوب السلطنة عليه فهذه السلطنة والحق حكم شرعي قانوني لا معنى لنقله الى الغير، وادلة صحة العقود ليست مشرعة لمضمون لم يثبت‏شرعيته في نفسه، كما اذاشك في اصل صلاحية الكافر لتملك المصحف او العبد المسلم، اوشك في اصل قابلية حق للنقل والانتقال فانه لا يمكن اثبات صحة ذلك بعمومات (اوفوا بالعقود). وان اريد تمليك عمل البيع والايجار منه كتمليك عمل الخياطة بالاجارة مثلا فهذا مضافا الى انه لا مالية ولا منفعة لمثل هذه الاعمال القانونية مستقلا، فلا يصح قياسها على الاعمال الحقيقية، ولا يصح تمليكها بناء على اشتراط ذلك في العقود انه لا يمنع عن صحة بيعه من غيره ايضا، كما لا يخفى.

الوجه الثالث: التمسك بمثل قوله تعالى: (واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا). والاستدلال به مبني على ان يراد باللام فيه الجنس كي يشمل كل عهد لا العهد الخاص، اي عهد اللّه سبحانه.

وفيه: ان سياق الآية وذيلها قرينتان على ارادة الثاني لا الاول; فان المراد من السؤال هو السؤال يوم القيامة، وعندئذ لا يكون المراد من العهد المعنى المذكور والذي هو محل الكلام، لوضوح ان المراد بعهد اللّه احكامه وتكاليفه. وعليه، لا يكون الامر بالوفاء عندئذ الا ارشادا الى حكم العقل بلزوم الطاعة لا الحكم المولوي باللزوم ووجوب الوفاء فانه ايضا حكم شرعي كالاحكام الشرعية الاخرى المعبر عنها بعهد اللّه، فتدبر جيدا.

وهكذا يتضح: انه لا يمكن الجزم بلزوم مثل هذه التعهدات والالتزامات وان صدرت بين اثنين وبنحو التباين والاتفاق عليها، فيكون مقتضى الاصل الجواز، وعليه لا يمكن تصحيح الوعد بالبيع او الايجار بعنوان عقد مستقل ملزم للواعد، كما ذهب اليه الفقه الوضعي.

الوجه الرابع: انه قد يستدل على عدم اللزوم بروايات بيع العينة وما يشابهها، كموثقة معاوية بن عمار «قال: قلت لابي عبداللّه(ع) يجيئني الرجل يطلب «مني‏» بيع الحرير وليس عندي منه شي‏ء فيقاولني عليه واقاوله في الربح والاجل حتى نجتمع على شي‏ء، ثم اذهب فاشتري له الحرير فادعوه اليه. فقال: ارايت ان وجد بيعا هو احب اليه مما عندك ايستطيع ان ينصرف اليه ويدعك، او وجدت انت ذلك اتستطيع ان تنصرف اليه وتدعه؟ قلت: نعم، قال: فلا باس‏».

وصحيح ابن مسلم عن ابي جعفر(ع) «قال: سالته عن رجل اتاه رجل فقال: ابتع لي متاعا لعلي اشتريه منك بنقد او نسية، فابتاعه الرجل من اجله، قال: ليس به باس انما يشتريه منه بعد ما يملكه‏».

وصحيح عبدالرحمن بن الحجاج «قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عن العينة فقلت: ياتيني الرجل فيقول: اشتر المتاع واربح فيه كذا وكذا فاراوضه على الشي‏ء من الربح فنتراضى به، ثم انطلق فاشتري المتاع من اجله لولا مكانه لم ارده، ثم آتيه به فابيعه، فقال: ما ارى بهذا باسا لو هلك منه المتاع قبل ان تبيعه اياه كان من مالك، وهذا عليك بالخيار ان شاء اشتراه منك بعد ما تاتيه، وان شاء رده فلست ارى به باسا».

ورواية يحيى بن الحجاج عن خالد بن الحجاج «قال: قلت لابي عبد اللّه(ع): الرجل يجي‏ء فيقول: اشتر هذا الثوب، واربحك كذا وكذا، قال: اليس ان شاء ترك، وان شاء اخذ؟ قلت: بلى، قال: لا باس به انما يحل‏الكلام، ويحرم الكلام‏».

حيث يقال: ان مفادها عدم صحة الالزام والالتزام بالبيع في المستقبل، فيشمله باطلاقه التعهد بالبيع او الايجار اذا اريد ان يكون ذلك ملزما وان لم يكن قد باع من اول الامر.

وفيه: ان الجهة المنظور اليها في هذه الروايات انما هي البيع لما لا يملكه وايجابه قبل الشراء، او بيع شي‏ء نسيئة باكثر بعد شرائه باقل نقدا، ويجعل ذلك بنحو بحيث يكون للمشتري نسيئة من اول الامر، اي بمجرد شرائه بالنقد بحيث لا يتحمل صاحب النقد الخسارة ولكن يربح التفاوت، الذي فيه شبهة الربا او ربح ما لم يضمن، وهذا ما لا يرضى به الشارع.

وكل هذه الامور اجنبية على محل البحث، والذي يكون فيه التعهد من المالك بان لا يبيع او يؤجر ماله الامنه من دون وجود بيعين من شخصين، اي لا يوجد اشخاص ثلاثة بل هما البائع والمشتري، ولا ربح بازاء الاجل والنسيئة، فلا يمكن افتراض ان‏مفاد هذه الروايات بطلان الالتزام والتعهد بالبيع فيما بعد بين البائع والمشتري بنحو يكون ملزما لهما من اول الامر. كما ان الالتزام بالبيع والنقل منه عمل يملكه بالفعل، وليس كالمال الذي لا يملكه بعد.

فالحاصل: ليس مفاد هذه الروايات بوجه من الوجوه انه لا يمكن للانسان ان يلزم نفسه ببيع شي‏ء في المستقبل من خلال ملزم كالعقد او الشرط في ضمن عقد، وانما تمام النظر فيها الى احدى النكات المذكورة في بيع ما لا يملكه بعد قبل تملكه باكثر نسيئة. فالروايات المذكورة اجنبية عن هذا البحث.

هذا كله، مضافا الى ان هذه الروايات واردة في خصوص البيع، ولا يمكن التعدي منه الى الوعد بالايجار او غيره من التعهدات لوفرض تمامية المقتضي لنفوذها.

فالاصح في المنع عن لزوم مثل هذه التعهدات هو المنع عن عموم المقتضي، كما عرفت.

الجهة الثانية (في حكم العربون):

انه لا اشكال في صحة اخذ العربون اذا كان لمجرد انه مقدار من الثمن او الاجرة يقدم للمالك لالزامه بالعقد من دون ان يكون هناك خسارة على تقدير الفسخ.

وكذلك الحال لو فرضنا ان العربون ثمن في قبال تمليك المالك التزامه بعدم الايجار او البيع من غيره، بناء على كونه عقدا تاما، فلا يكون جزء من الثمن او الاجرة عندئذ، بل يكون في قبال نفس تمليك التعهد والالتزام; اذ انه عقد مستقل قد يقع مجانا وقد يقع في قبال عوض، سواء اشترى او استاجر بعد ذلك ام لا، واثره انه لو لم يف بالتزامه كان له استرجاع ذلك.

وانما الكلام في حالة ثالثة هي المتعارفة خارجا، وهي ان العربون يدفع ليكون قسطا من الثمن او الاجرة على تقدير تمامية الاتفاق، ويكون بدلا عن الفسخ اذا اراد صاحبه ان يتخلف فلا يشتري او لا يؤجر، كما ان المالك اذا رجع عن قراره لا بد وان يرجع العربون مع خسارة مقداره للمشتري، فهل يجوز اخذ العربون على هذا الوجه ام لا؟

ويمكن ان يستدل على عدم الجواز بوجوه:

الوجه الاول: انه اكل للمال بالباطل، فيشمله النهي الدال على بطلان تملكه; اذ المراد بالباطل في الآية (ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض) كل تملك واخذ للمال من دون ما بازاء ومقابل مع عدم كونه تمليكا مجانيا من قبل مالكه، ولهذا طبق عنوان الباطل في الروايات على السرقة والقمار والربا، فان الاخذ في كل ذلك يكون اخذا بالباطل، لانه بلا اذن وتمليك من المالك مجانا، ولا في قبال عوض ليكون تجارة. وفي المقام اذا لم يتحقق الاتفاق ولم يتم العقد كان اكل العربون بلا ما بازاء، والمفروض انه لم يكن تمليكا مجانيا، بل بعنوان جزء من الثمن او الاجرة، فيكون اكلا للمال بالباطل لا محالة فيبطل.

وفيه: ان الباطل في الآية اما ان يراد به الباطل العرفي كما اذا فرض الاستثناء منقطعا، او يراد به الباطل الشرعي كما اذا فرض الاستثناء متصلا، والمراد لا تاكلوا اموالكم بينكم بغير التجارة عن تراض; لانه باطل.

وعلى كلا التقديرين لا يصح الاستدلال بها في المقام، وذلك:

اما على الاول، فلمنع صدق الباطل العرفي; لان المال اي العربون مبذول عرفا في قبال الجامع بين جزء من المبيع او المنفعة المستاجرة، او ما قام به المالك من الامتناع عن بيع ماله او ايجاره، والذي قد يكلفه خسارة، فان هذا الامتناع حين لا ينتهي الى بيع العين او ايجارها يكون مضمونا عرفا على الطرف الآخر المتعهد بالشراء او الايجار حينما يتخلف، هذا اذا كان دفع العربون عند التواعد بالبيع او الايجار، بناءعلى صحته ولزومه. واما اذا كان قد تحقق عقد البيع او الايجار من اول الامر، فيكون العربون مدفوعا في قبال حق الفسخ الى حين تثبيت المعاملة مثلا او تسليم العين، بمعنى ان كلا من المتعاملين له الحق في ان يشتري التزامه بالعقد الذي اعطاه للآخر وهو معنى اللزوم الحقي في العقود اللازمة بالعربون، اي في قبال اقالته. وهذا نظير اسقاط حق الخيار او الشفعة في قبال العوض; اذ يكون له مالية عرفا، فلا يكون من اكل المال بالباطل.

واما على الثاني، فلان التجارة عن تراض لا يراد بها خصوص المبادلة بين مالين، بل يعم دفع العوض في قبال حق ايضا، والا لزم بطلان دفع المال في قبال اسقاط حق الخيار او الشفعة او غير ذلك، وهو كما ترى.

وبما ذكرناه ظهر ان قياس المقام بالمقامرة والربا والسرقة مما هو من اكل المال بالباطل قياس مع الفارق.

الوجه الثاني: التمسك برواية (ابي البختري) عن ابي عبداللّه(ع): «قال: كان امير المؤمنين(ع) يقول: لا يجوز بيع العربون الا ان يكون نقدا من الثمن‏». فان ظاهرها النهي عن اخذ العربون الا بعنوان انه نقد من الثمن، اي دفع مقدار من الثمن، فلا يجوز اخذه بعنوان الغرامة والخسارة على تقدير التخلف او الفسخ.

وفيه: ان هذه الرواية وان كانت واضحة الدلالة على المطلوب الا انها غير تامة سندا، فان ابا البختري مطعون فيه.

الوجه الثالث: التمسك بصحيح الحلبي «قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن رجل اشترى ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه ثم رده على صاحبه، فابى ان يقيله «يقبله خ‏ل‏» الا بوضيعة، قال: لا يصلح له ان ياخذه بوضيعة، فان جهل فاخذه فباعه باكثر من ثمنه رد على صاحبه الاول ما زاد» بتقريب حاصله: ان‏ظاهرها عدم ثبوت حق الفسخ باخذ شي‏ء من الثمن ممن يطالب بالفسخ، وهي وان كانت واردة في الاقالة الا ان العرف بمناسبات الحكم والموضوع يستفيد منها نكتة كلية، وهي عدم جواز اخذ شي‏ء من المال في باب المعاوضات مجانا وبلا ما بازاء، سواء كان ذلك بنحو الاقالة بوضيعة او بنحو شرط حق الفسخ بوضيعة من اول الامر.

و فيه: انه كما يحتمل ان تكون نكتة هذا الحكم ما ذكر، يحتمل ان يكون ملاك الحكم بالبطلان عدم تحقق الاقالة في نفسها مع الوضيعة، للزوم التهافت والتناقض; اذ الاقالة تقتضي فسخ العقد السابق وهو يقتضي رجوع الثمن بتمامه الى المشتري، فاشتراط الوضيعة خلاف مقتضى الاقالة، فيكون كالشرط المخالف لمقتضى العقد، ولهذا لا اشكال في جواز بيعه عليه ثانية باقل وقد دلت على ذلك روايات في ابواب مختلفة بل ذيل الرواية يناسب ما ذكرناه، حيث ان الامام (ع) لم يحكم بحرمة اخذ الوضيعة من قبل مالك الثوب، وانما حكم ببطلان الاقالة حيث انه امر بان يرجع اليه تمام ما زاد على الثمن في بيعه الثاني، مع انه لو كان النظر الى بطلان اخذ الوضيعة لكونه اكلا بالباطل كان المناسب ان يكون النظر الى اخذه للوضيعة وتحريمها على البائع.

ومن الواضح ان هذه النكتة غير جارية في المقام الا اذا اريد اشتراط حق الفسخ بوضيعة من الثمن الذي يكون مخالفا ومناقضا مع مقتضى الفسخ، اما اذا كان مقدار العربون يدفع من مال آخر ثمنا لحق الفسخ او عوضا في التعهد والتواعد الاول بازاء الجامع بين جزء من المبيع او الامتناع عن بيعه، فلا تنطبق عليه النكتة المذكورة للبطلان.

وقد يقال: ان عنوان الوضيعة في الرواية وان كان ظاهرا بحسب اللفظ في بذل شي‏ء من الثمن، الا ان العرف لا يفرق بين بذل جزء من الثمن بازاء حق الفسخ او الاقالة او بذل مال آخر بمقداره ثم استرجاع تمام الثمن، فيكون مفاد الرواية مطلبا كليا هو عدم صحة اخذ شي‏ء من المال بازاء فسخ العقد، وان بذل مال بازائه يكون من اكل المال بالباطل، سواء كان بنحو الاقالة او بنحو الشرط، وسواء كان المال جزء من الثمن او مالا آخر.

وفيه: اولا: ان هذا الاستظهار القائم على اساس مناسبات الحكم والموضوع العرفية انما يكون له وجه فيما اذا كان ظاهر الحديث النظر الى حرمة اخذ الوضيعة، لا ما اذا كان ظاهره النظر الى بطلان انشاء الاقالة وانها لا تتحقق الا برجوع كل من العوضين الى صاحبه، فان هذه نكتة في نفس انشاء الاقالة وشروط صحتها من دون دخل لما يترتب على ذلك من ربح او خسارة لاحد الطرفين في نكتة المنع، وكون هذه النكتة مربوطة بحيثية الانشاء والسبب لا تمليك المال امر يفهمه العرف ايضا، فلا يتعدى من موردها الى ما لا يكون فيه ذلك، كما اذا بذل بازاء الاقالة مالا آخر.

وهذه فذلكة مهمة لا بد وان يلتفت اليها في الموارد التي يراد التعدي فيها عن مورد الدليل; فانه اذا كان المنع في المورد مربوطا بخصوصيات في السبب الناقل والانشاء فلا يمكن التعدي الى ما لا يوجد فيه ذلك المحذور من الاسباب والنواقل، بخلاف ما اذا كان المنع مربوطا بالنتيجة، وهو التملك للمال واكتسابه بلا ما بازاء كما في تحريم الربا او بلا رضا المالك كما في اكل المال بالباطل، فانه قد يمكن التعدي منه الى مورد سائر المعاملات التي لم يرد فيها الدليل على اساس اعمال مناسبات الحكم والموضوع.

 ومن هنا نجد ان المشهور قد افتوا بجواز اخذ مال آخر بنحو الجعالة او الشرط في قبال الاقالة، وانما خصصوا المنع بما اذا كانت الاقالة بوضيعة او زيادة في الثمن او المثمن، والذي يكون مناقضا مع معنى الاقالة ومفهومها.

كما انهم فهموا النكتة التي اشرنا اليها من الصحيحة، ولذا حكموا بعدم صحة الاقالة مع شرط الوضيعة، سواء كان من الثمن او شرط الزيادة في المثمن رغم ان الصحيحة واردة في الوضيعة من الثمن.

وثانيا: لو تنزلنا عما ذكرناه فغاية ما تفيده الصحيحة بطلان اخذ المال بازاء الاقالة والفسخ ولو بنحو الاشتراط من اول الامر، واما اذا كان العربون بازاء التعهد بالانتظار والامتناع عن البيع او الايجار من احد غيره الى المدة المعينة والذي تكون له مالية عرفا، ويكون مضمونا على المتعهد اذا لم يقدم في الوقت المقرر على البيع او الايجار فلا يكون مثل هذا مشمولا للصحيحة جزما، لا بالاطلاق اللفظي كما هو واضح، ولا بالغاء الخصوصية والتعدي العرفي; لان العرف يرى نوع خسارة للمالك فيما اذا تخلف المتعهد له، بل يرى ان التعهد والامتناع المذكور له قيمة ومالية تستوفى بالجامع بين تنفيذ البيع او دفع العربون.

واوضح من ذلك في عدم الالحاق ما اذا كان تخريج العربون على اساس بيع جديد بثمن اقل، اي بالثمن السابق ناقصا منه العربون.

خلاصة البحث:

ونستخلص من مجموع ما تقدم جواز اخذ العربون على اساس احد التخريجات التالية:

1- ان يكون عوضا عن الاقالة، بان يجعل ذلك جعلا او شرطا في الاقالة، وهذا يشترط فيه ان يكون من مال آخر لا جزء من الثمن او المثمن، كما ان هذا يمكن جعله بنحو الشرط حين العقد بان يشترط المشتري مثلا على البائع حق الفسخ مع بذل العربون من مال آخر، فيكون البائع ملزما بذلك.

2- ان يكون العربون قبل اجراء عقد البيع او الايجار حين التواعد بهما، بان يدفع العربون ليكون جزء من الثمن اذا تحقق البيع او الايجار في وقته المحدد، والا يكون بازاء امتناع الآخر عن الاقدام على العقد، وهذا ان جعلناه معاملة وعقدا لازم الوفاء في نفسه استحق المتعهد بذلك الجامع بين الاقدام على العقد او دفع العربون، والا امكن مع ذلك تخريجه على اساس ان امتناع الطرف عن البيع او الايجار بنفسه عمل محترم له مالية عقلائيا، وقد كان بامر دافع العربون فيكون مضمونا عليه.

وان شئت قلت: فوت عليه فرصة امكان البيع او الايجار في تلك المدة، وهو نحو خسارة وضرر عليه عرفا، فيكون مضمونا ويكون العربون قيمته.

الا ان هذا يتوقف على امكان تطبيق قاعدة الاتلاف والضمان على مثل هذه الحقوق والالتزامات، والا فليس هناك تلف لعين او منفعة خارجية.

وعلى هذا التخريج لا مانع ان يقع العربون بنفسه جزء من الثمن على تقدير الاقدام على العقد، كما هو واضح.

 3- ان يكون العربون تخفيضا لثمن السلعة في بيع جديد، بان يبيع او يؤجر عليه المال بعد ان ملكه باقل من ثمنه. وهذا ايضا يمكن الزام المالك به اذا فرض اشتراطه عليه في العقد الاول، ولا محذور فيه; لان هذا الشرط من المشتري على البائع، لا بالعكس لتاتي فيه شبهة الحرمة الثابتة في روايات العينة،كما لا يخفى.