«التذكية الشرعية وطرقها الحديثة» القسم الاول الاستاذ الشيخ حسن الجواهري المقدمة ان من الموضوعات المهمة التي طرحها مجمع الفقه الاسلامي بجدة في دورته العاشرة هو التذكية الشرعية وطرقها الحديثة، الذي سوف نتعرض فيه الى معنى التذكية وشروطها الشرعية، لنخلص الى ان الذبح بالمكائن الحديثة هل يطلق عليه، او يمكن ان يطلق عليه التذكية الشرعية اذا روعيت فيه شروط؟ كما اننا سوف نتعرض ثانيا الى حكم ما جهل اسلام ذابحه مما حل اكل لحمه، او بالاحرى نتعرض الى حكم ما جهل تحقق احد شروط التذكية الشرعية مما حل اكل لحمه، ليكون البحث اكثر نفعا واعم مما طرح في موضوع الذبائح. كما اننا سوف نتعرض لحكم اللحوم المستوردة
التي ابتلي بها المسلمون في هذه الايام وغزت الدول الاسلامية. وطبيعي سوف يقتصر
كلامنا على تذكية البهائم والطيور التي تقع عليها الذكاة مع القدرة عليها. التذكية لغة:
التذكية هي الذبح، وذكيتم، اي: ذبحتم، والذبح بالفتح هو
قطع الحلقوم من باطن عند النصيل، وهو موضع الذبح من
الحلق، واصل الذبح هو الشق، وهو مصدر قولك: ذبحت
الحيوان فهو ذبيح ومذبوح. التذكية شرعا: واما والتذكية الشرعية فقد وقع الاختلاف في معناها عند الفقهاء، فقد ذكر مشهور علماء الامامية ان التذكية عبارة عن قطع الاعضاء الاربعة التي هي: 1- المريء: وهو مجرى الطعام. 2- الحلقوم: وهو الحلق ومجرى النفس. 3 و 4- الودجان: وهما عرقان محيطان بالحلقوم. هذا، وذكر صاحب نهاية المرام وعن محكي المهذب الاجماع عليه. ولكن ذهب الاسكافي الى ان التذكية عبارة عن قطع الحلقوم وخروج الدم، وقد ذكر في الدروس انه يظهر من الخلاف، ومال اليه الفاضل، وربما مال اليه في المسالك.
ولعل دليل المشهور هو صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سالت الامام ابا
ابراهيم الكاظم(ع) عن المروة والقصبة و.. فقال: «اذا فرى الاوداج فلا باس بذلك». فان مفهومها ثبوت الباس اذا لم تفر اي تقطع الاوداج. واما دليل المخالف للمشهور، فقد ذكرت صحيحة زيد الشحام عن الامام الصادق(ع) انه قال: «اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس به».
وبما ان النسبة بين صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج
وصحيحة زيد الشحام العموم من وجه، حيث
يجتمعان في
صورة ما اذا قطع الحلقوم والاوداج الثلاثة، ويفترقان في
صورة قطع الحلقوم خاصة، او قطع الاوداج الثلاثة بدون
الحلقوم، فيقع التعارض بينهما في صورة قطع الحلقوم فقط،
خصوصا اذا نظرنا الى ان التذكية حكم شرعي يحتاج الى
التوقيف. وقد نقل صاحب الجواهر(قدسسره) امكان ان لاتكون معارضة بين صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج وصحيحة زيد الشحام. بناء على ما ذكره المقداد «من ان الاوداج الاربعة متصلة بعضها مع بعض، فاذا قطع الحلقوم او الودجان فلابد ان ينقطع الباقي معه، ولعله كذلك في الذبح المتعارف المسؤول عنه في النصوص، لا ما اذا قصد الاقتصار على احدها..
وحينئذ فالانتهاء بالذبح المتعارف الى منتهى الحلقوم يستلزم قطع الجميع،
لانها مع اتصالها به على وجه الاحاطة ونحوها لا يزيد عن عرضها على عرضه..». ومع تحكيم المعارضة، فاذا شككنا في حصول التذكية الشرعية بقطع الحلقوم وجريان الدم، فالاصل عدمها، كما ان التقديم يكون كما ذكره المشهور من معنى التذكية الشرعية على ما ذكره غيره، كما هو واضح. وقد وقع الخلاف ايضا في معنى التذكية الشرعية عند اهل السنة، فقال بعض: يشترط قطع الحلقوم والمريء، وبهذا قال الشافعي. وعن احمد رواية اخرى انه يعتبر مع هذا قطع الودجين، وبه قال مالك وابو يوسف، لما روى ابو هريرة، قال: نهى رسول اللّه (ص) عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولاتفري الاوداج، ثم تترك حتى تموت . رواه ابو داود.
وقال ابوحنيفة يعتبر قطع الحلقوم والمريء واحد الودجين». ولكن اتفق علماء
السنة على ان الاكمل في التذكية هو قطع الاوداج الاربعة. الشروط الشرعية للتذكية ذكر الفقهاء شروطا اربعة في الذبح: الاول اسلام الذابح:
وهذا شرط ذهب اليه مشهور الامامية، ودلت عليه روايات
كثيرة منها:
صحيحة سليمان بن خالد، قال: سالت الامام الصادق (ع) عن
ذبيحة الغلام والمراة هل تؤكل؟ فقال(ع): «اذا كانت المراة
مسلمة فذكرت اسم اللّه على ذبيحتها، حلت ذبيحتها،
وكذلك الغلام اذا قوي على الذبيحة فذكر اسم اللّه...»
وبما ان الاحكام يشترك فيها الرجل والمراة فتدل على
المطلوب. اما ذبيحة الكافر: فان كان وثنيا او ملحدا او مرتدا او مغاليا او ناصبيا ونحوهم: فذبيحته محرمة عند الامامية، بل في المسالك وغيرها انه مجمع عليه بين المسلمين.
وان كان الكافر كتابيا: فالاقوال ثلاثة عند الامامية، ثالثها التفصيل بالحلية
مع السماع لتسميتهم، والحرمة مع عدمها. ولكن المشهور شهرة عظيمة عند الامامية حرمة
ذبيحته، «بل استقر الاجماع في جملة من الاعصار المتاخرة عن زمن الصدوقين على ذلك،
بل والمتقدمة كما حكاه المرتضى او الشيخ بعد اعترافهما بانه من منفردات الامامية،
بل كاد يكون من ضروريات المذهب في زماننا، مضافا الى ان النصوص المستفيضة التي ان
لم تكن متواترة بالمعنى المصطلح فمضمونها مقطوع به..».
نعم، هناك روايات وردت عن ائمة اهل البيت (عليهم السلام)
تجوز اكل ذبائحهم، الا ان هذه الروايات المجوزة مطلقا او
المفصلة قد بلغت من الاختلاف الشديد حتى عد صاحب
الجواهر اثني عشر طائفة من هذه الروايات ما يوجب القطع
بانها لم تصدر لبيان الحكم الواقعي.
اقول: ان الادلة الدالة على اسلام الذابح، والروايات الدالة على
عدم اكل ذبائح اهل الكتاب والناهية عن ذبحهم ان كانت
مرشدة الى ميتة المذبوح، فهي تعارض الروايات المجوزة
لاءكل ذبائح اهل الكتاب، وحينئذ ناخذ بروايات التحريم
للترجيح. ومع تحكم المعارضة، فان الشك في حلية الذبيحة
يؤدي الى جريان اصل عدم التذكية الشرعية، خصوصا اذا
علمنا ان التذكية حكم شرعي يحتاج الى التوقيف.
اما علماء اهل السنة: فقد اتفقوا على حلية ذبيحة الكتابي
مستندين الى قوله تعالى: (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل
لكم) حيث فسر الطعام بالذبائح، لما رواه البخاري عن ابن
عباس ومجاهد وقتادة من ان طعامهم يعني ذبائحهم.
واختلفوا في ذبائح العرب من اهل الكتاب، وذبائح نصارى
بني تغلب، ومن كان احد ابويه غير كتابي مما لا تحل ذبيحته.
وقد استدلوا لحلية ذبائحهم ايضا بعموم الاية القرانية.
كما قد اختلفوا فيما يذبحه الكتابي لكنيسته واعياده، فحرمه
بعض، لانه اهل به لغير اللّه، واحله بعض استنادا الى عموم اية:
(وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم).
اقول: جاء في لسان العرب: «واهل الحجاز اذا اطلقوا اللفظ
بالطعام عنوا به البر خاصة.. قال: وقال الخليل: العالي في
كلام العرب ان الطعام هو البر خاصة»، وهذا هو الذي يظهر
من كلام ابن الاثير في النهاية.
ثم ان الروايات المروية عن اهل البيت (عليهمالسلام) تؤكد ان
المراد من الطعام في الاية هو البر وسائر الحبوب، فكان
الروايات عن اهل البيت (عليهمالسلام) تقول ان الاية نزلت
على لغة اهل الحجاز.
فعلى هذا لا يشمل هذا الحل لحوم اهل الكتاب. على ان حلية
ذبائح اهل الكتاب من دون توفر شروط حلية الذبيحة التي
منها التسمية يؤدي الى نتيجة قد لا يلتزم بها احد من
المسلمين، وهي كون اهل الكتاب احسن حالا من المسلمين
عند اللّه تعالى، لان المسلم اذا ذبح من دون تسمية عمدا
حرمت ذبيحته، اما الكتابي الذي يذبح من دون تسمية تحل
ذبيحته للمسلمين، على ان التمسك بحلية كل طعامهم
يستلزم تحليل الخمر والخنزير، فهل يمكن الالتزام بهذه
النتائج؟!
ولهذه النتيجة التي لا يلتزم بها مسلم ذهب الامامية الى ان
حلية الحبوب ايضا جهتية، بمعنى عدم المانع من طعامهم من
ناحية كونهم اهل كتاب لا من الجهات الاخرى. الثاني تسمية الذابح:
وهذا الشرط لا خلاف فيه عند الامامية في حل الاكل، قال
تعالى: (ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه وانه لفسق). وقد
خصصت الروايات هذا الشرط في صورة التذكر، ففي صحيح
الحلبي عن الامام الصادق(ع) انه ساله عن الرجل يذبح
فينسى ان يسمي اتؤكل ذبيحته؟ فقال(ع): «نعم، اذاكان لا
يتهم»، بمعنى تصديقه بدعوى النسيان اذا كان مسلما يرى
وجوب التسمية. وعلى هذا فسيكون الجاهل بالتسمية كذلك
اذا كان لا يتهم، بمعنى تصديقه بدعوى جهله بوجوب
التسمية، وان كان هناك من يذهب الى حرمة ذبيحة الجاهل،
لعدم النص على حلية ذبيحته، فيدخل تحت اطلاقات حرمة
ما لم يذكر اسم اللّه عليه. والتسمية عبارة عن ذكر اسم اللّه تعالى مع التعظيم كقوله: بسم اللّه الرحمن الرحيم، او بسم اللّه واللّه اكبر ونحوهما كما يفهم ذلك العرف من ذكر اسم اللّه تعالى. اما ذكر كلمة اللّه لوحدها فيشك في تحليلها، فتجري اصالة عدم التذكية.
هذا، وقد ذكر مشهور علماء اهل السنة شرطيتها في حال الذكر ايضا وسقوطها
بالسهو، ولكن ذهب الامام احمد في احد قوليه الى استحبابها، وبه قال الشافعي. الثالث الاستقبال بالذبيحة: وقد ذهب الى اشتراطه الامامية وبعض من غيرهم كما سياتي، ففي حسنة محمد بن مسلم عن الامام الباقر(ع)، قال: سالته عن الذبيحة؟ فقال(ع): «استقبل بذبيحتك القبلة».
وصحيح الحلبي عن الامام الصادق(ع) وقد سئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة؟
فقال(ع): «لا باس اذا لم يتعمد»، ويدل بمفهومه على ثبوت الباس اذا ترك الذابح
الاستقبال عمدا، وعليه تكون الذبيحة حلالا في صورة النسيان والجهل بجهة القبلة. ولا ريب ان هذا الشرط انما يتحقق اذا استقبل بمقاديم الذبيحة التي منها مذبحها، ولا يشترط استقبال الذابح معها، خصوصا بملاحظة النص القائل: «استقبل بذبيحتك القبلة».
اما مشهور علماء اهل السنة فقد جعلوا الاستقبال سنة، ولكن قد اشترط الاستقبال
ابن حبيب، فقد جاء في الجواهر الثمينة قوله: «و اما الذبح فقال محمد: السنة ان تضجع
الذبيحة برفق على الجانب الايسر مستقبلة القبلة، وراسها مشرف... فان لم يستقبل
القبلة ساهيا او لعذر اكلت، ولو تعمد الترك اكلت ايضا على المشهور. وقال ابن حبيب
لا تؤكل». الرابع ان تكون الالة من حديد: لقد ذكر الفقهاء من الامامية عدم صحة التذكية الا بالحديد مع القدرة عليه، وقد دلت على ذلك الروايات: 1- منها صحيحة محمد بن مسلم، قال: سالت الامام الباقر(ع) عن الذبيحة بالليطة وبالمروة، فقال(ع): «لا ذكاة الا بحديدة». ومنها صحيحة الحلبي عن الامام الصادق(ع) قال: سالته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال(ع): «قال علي(ع): لا يصلح الا بالحديدة». 2- ومنها: صحيحة زيد الشحام عن الامام الصادق (ع) انه قال: «اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود اذا لم تصب الحديدة...». ومن هذه الروايات يفهم ان الامام(ع) نفى وقوع الذكاة الشرعية بالعود والحجر والقصبة مع القدرة على الحديد. وهذا واضح، ولكن ما المراد من الحديد او الحديدة؟ والجواب: لقد ذكرت كتب اللغة للحديد معاني منها: 1- الحاد: ومنه قوله تعالى: (فبصرك اليوم حديد)، اي حاد او نافذ، وهو اي حديد من صيغ المبالغة، فحديد فعيل، بمعنى فاعل اي حاد. 2- القطعة من الحديد: وهو الفلز المعروف في مقابل بقية الفلزات، ومنه «خاتم حديد» واسم الصناعة الحدادة، والحداد معالج الحديد. وحينئذ فهل المراد من الحديد: المعنى الاول الاشتقاقي، وهو الحاد، ومؤنثه حديدة، اي القطعة الحادة القاطعة بحدتها التي شاع استعمالها في السلاح «الة الذبح والقتل والقطع» وهي ما يعد ويصنع من المعادن الصلبة على شكل سكين او سيف او مدية او شفرة في الزمن القديم، وعلى شكل اخر في الوقت الحاضر لاجل القتل والجرح؟ او المعنى الثاني، وهو المعدن الخاص المعروف، وهو معنى جامد ومؤنثه حديدة ايضا؟
والجواب: لقد ذهب مشهور علماء الامامية الى المعنى الثاني، بل ادعي عليه
الاتفاق والاجماع، كما سياتي عن صاحب الجواهر(قدسسره). ولكن نقول: ان المراد من الحديد هو المعنى الاول، وهو الحاد، وذلك لعدة قرائن:
الاولى: ان مقتضى المقابلة بين الحديد وبين العود والحجر والقصبة في الروايات
يعني النظر الى حيثية الحدة، اما لو كان النظر الى حيثية الفلز الخاص لكانت
المقابلة بين الحديد وبين بقية الفلزات من الرصاص والنحاس وغيرهما. الثانية: ان بعض الروايات ذكرت السكين بدلا من الحديدة في سؤال السائل، مما يدل على ان الحديد في تلك العصور يطلق على الحاد القاطع بصورة واضحة، وهو المراد من الحديد في بقة الروايات، ففي صحيح عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سالت ابا ابراهيم اي الامام الكاظم (ع) عن المروة والقصبة والعود يذبح بهن الانسان اذا لم يجد سكينا؟ فقال(ع): «اذا فرى الاوداج فلا باس بذلك». وكذلك صحيحة زيد الشحام قال: سالت الامام الصادق(ع) عن رجل لم يكن بحضرته سكين ايذبح بقصبة؟ فقال(ع): «اذبح بالحجر والعظم وبالقصبة و العود اذا لم تصب الحديدة».
وهاتان الروايتان و ان وردتا في مقام عدم القدرة على السكين اي الحديد الا
انهما توضحان المراد من الحديد الوارد في الروايات الاخر، بان المراد منه السكين
القاطع اي الحاد لا الفلز الخاص، حيثكان سؤال الراوي في صورة عدم وجود السكين،
وكان الجواب مبنيا على عدم وجود الحديد، فيفهم ان الحديد هو السكين الذي سال السائل
عن عدم وجوده.
الثالثة: لا يمكن ان يكون المراد من الحديد هو الفلز الخاص
المعروف وان لم يكن حادا، اذ لو كان الفلز المخصوص على
شكل عصا فلا يصلح الذكاة به اتفاقا، وما ذلك الا لانها
ليست حديدة بالمعنى الاول اي الحاد. و بهذا يفهم ان الحديد
الوارد في الروايات قد اخذ فيه معنى الحدة. الرابعة: ان روايات اهل السنة في هذا الشرط المنقولة عن النبي(ص) لم يرد فيها التعبير بالحديد، بل ورد الذبح بمحدد يقطع او يخرق، وقد ذكر علماء اهل السنة انه يشترط في الة الذبح شرطان: ا - ان تكون محددة تقطع او تخرق بحدها لا بثقلها. ب - ان لا تكون سنا او ظفرا. وهذه الروايات تلقي الضوء كقرينة على المراد من الحديد في رواياتنا، وانه هو الحاد القاطع لا الفلز الخاص. الخامسة: قد وردت روايات عن النبي(ص) مؤكدة على لزوم تحديد الشفرة (السكين الحاد) واراحة الذبيحة عند الذبح، مما يؤيد ان المراد من الحديد هو الحاد، سواء كان من جنس الحديد او بقية الفلزات. فقد روي عن النبي (ص) انه قال: «ان الله تعالى شانه كتب عليكم بالاحسان في كل شيء، فاذا قتلتم فاحسنوا القتلة، واذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة، وليحد احدكم شفرته وليرح ذبيحته» وفي نبوي اخر انه (ص) امر ان تحد الشفار وان توارى عن البهائم.
وقد ذكر في المسالك من وظائف الذبح تحديد الشفرة وسرعة القطع ناسبا لها الى
النص. السادسة: معتبرة الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن علي(عليهم السلام) انه كان يقول: «لا باس بذبيحة المروة والعود واشباههما، ما خلا السن والعظم».
ثم انه هل اخذت خصوصية الحدة والفلز المخصوص في الة الذبح؟ بمعنى ان الروايات
التي ذكرت انه لا ذكاة الا بحديد او حديدة قد نظرت الى كون الالة من الفلز الخاص
المعروف وان يكون حادا، وبهذا لا يجوز الذبح بغير الحاد من الفلز الخاص، كالسكين من
الذهب او الرصاص او غيرهما. الجواب : ان بين معنى الحديد بمعنى الحاد، ومعنى الحديد بمعنى الفلز الخاص تباينا، كما انهما قد يجتمعان في مصداق واحد وقد يفترقان، وحينئذ اذا كان المراد من الحديد كلتا الخصوصيتين المتباينتين في المعنى، فهو استعمال لمادة الحديد في كلا المعنيين، و هو غير جائز كما بين ذلك في الاصول. وحينئذ اما ان يكون المراد من الحديد الحاد، كما هو ظاهر المقابلة بين الحديد والحجر والقصبة، او يكون المراد من الحديد الفلز المعروف. وبما اننا قد ذكرنا عدة قرائن لارادة الحاد من الحديد، فيتعين ارادته من الحديد.
وبهذا نخلص الى ان الة الذبح في الحالات الاعتيادية لا بد ان تكون حادة قاطعة
نافذة، في قبال الحجر والقصب والعصا واشباه ذلك مما لم يكن حادا بطبعه. شرطية الفلز الخاص (الحديد): قد يدعى الاجماع عند الامامية على خصوصية الفلز الخاص في الذبح، و هو الذي عليه فتوى الفقهاء المتاخرين، وهذا يجعلنا نشك في النتيجة التي توصلنا اليها من عدم الخصوصية للحديد اي الفلز الخاص في الذبح وامكان الذبح بكل فلز حاد، سواء كان حديدا او نحاسا او غيرهما، فهل هذا الاجماع حجة يمنعنا من التمسك بالنتيجة السابقة؟
الجواب: لقد نقل صاحب الجواهر(قدس سره) الاجماع، فقال: «واما الالة فلا تصح
التذكية ذبحا او نحرا الا بالحديد مع القدرة عليه وان كان من المعادن المنطبعة،
كالنحاس والصفر والرصاص والذهب وغيرها، بلا خلاف فيه بيننا، كما في الرياض، بل في
المسالك (عندنا) مشعرابدعوى الاجماع عليه كما عن غيره، بل في كشف اللثام اتفاقا كما
يظهر، لانه المتعارف في التذكية على وجه يشك في تناول الاطلاق لغيره مع القدرة
عليه، فيبقى على اصالة العدم».
ولكن عبارة الجواهر النافية للخلاف في الرياض والمثبتة
للاتفاق في كشف اللثام ونقله لعبارة المسالك (عندنا)
المشعرة بدعوى الاجماع نفسها تدل على عدم وجود اجماع
ولا دعواه عند المتقدمين، بل والمتاخرين، وذلك لان زمان
صاحب الرياض وكشف اللثام يعد اصطلاحا من زمن
متاخري المتاخرين، فيكفي في عبارة الجواهر المحيط باراء
القدماء والمتاخرين عدم نقل الاجماع عنهم.
واما فتاوى العلماء من المتقدمين والمتاخرين فهي تابعة
لتعبير الروايات، فالمهم في الامر هو معنى الروايات القائلة: «لا
ذكاة الا بحديد»، وقد تقدم ان الظاهر منها ما يكون حادا في
طبعه، في مقابل الحجر والليطة وامثالهما مما لا حدة فيه
بطبعه. هل توجد خصوصية للحديد؟
اقول: ذكر المشهور وجود خصوصية للحديد اي الفلز
الخاص في مقابل الحجر والقصبة والصفر والنحاس و امثالها،
ولابد ان يكون الذبح بالحديد مع القدرة عليه، اما مع عدمها
فيجوز الذبح بالحجارة والمروة والصفر والرصاص اذا فريت
الاوداج وسال الدم بصورة متعارفة.
و لكن: تقدم منا عدم الخصوصية للحديد الفلز الخاص ، بل
يجوز الذبح بكل فلز حاد، سواء كان حديدا او نحاسا او غيرهما
من الفلزات.
اما الان فنريد ان نقول بعدم وجود الخصوصية للفلز مطلقا،
وانما العبرة بما يفري الاوداج من الاشياء الحادة، سواء كانت
فلزا او لا. والدليل على ذلك هو:
ان المستفاد من بعض الروايات ضابطة كلية في الذبح، هي:
قطع الاوداج، او الحلقوم، وخروج الدم المتعارف، والروايات
هي: 1- صحيحة زيد الشحام، قال: سالت الامام الصادق(ع) عن رجل لم يكن بحضرته سكين ايذبح بقصبة؟ فقال(ع): «اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود اذا لم تصب الحديدة، اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس به»، فجملة «اذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا باس به» بمثابة قاعدة في حلية الذبح، ولكن هذه القاعدة واضحة وجلية في الذبح بالسكين والحديد، ويخشى من الذبح بغيرها من الحجر والعود والقصب عدم تحققها فحصل السؤال وجاء الجواب. 2- صحيح عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سالت ابا ابراهيم(ع) عن المروة والقصبة والعود يذبح بهن الانسان اذا لم يجد سكينا؟ فقال(ع): «اذا فرى الاوداج فلا باس بذلك». و الفهم العرفي من هذه الرواية هو ان السائل انما سال عن الذبح بالقصبة اذا لم يجد سكينا للخشية من عدم تحقق الذبح الصحيح من قطع الاوداج وخروج الدم المتعارف، وهذه الخشية تحصل عادة في صورة عدم وجود الشيء الحاد بطبعه كالسكين، وقد جاء الجواب من الامام(ع) بان اللازم هو قطع الاوداج و خروج الدم المتعارف وان حصل من الليطة والحجر.
وبهذا الفهم لا تكون عدم القدرة على الحديد قيدا في الذبح الصحيح بغير الحديد
كما ذكر المشهور، بل هو سبب لحصول الشك في التذكية الشرعية بشيء لم يكن بطبعه حادا
قاطعا، فحصل السؤال وجاء الجواب مقيدا جواز التذكية بما هو قاطع للحلقوم وخروج الدم
بصورة متعارفة، وهو القاعدة المتقدمة لصحة التذكية وحل الحيوان، ولا نرى معارضا
لهذا الفهم من الروايات، وذلك لان الروايات المعتبرة على قسمين: القسم الاول: الروايات الناهية عن الذكاة الا بالحديد، ففي صحيح محمد بن مسلم، قال: سالت الامام الباقر (ع) عن الذبيحة بالليطة وبالمروة؟ فقال: «لا ذكاة الا بحديدة».
وهذه الرواية لم تنه عن الذبح بالليطة والمروة، بل قررت ان التذكية لا بد ان
تكون بشيء حاد، وبما ان الليطة والمروة على قسمين، الاول: ما يكون حادا والثاني:
غير ذلك، فهي قد جوزت الذبح بالمروة والليطة الحادتين فكانها قالت: لاذبح الا
بالحاد. القسم الثاني: الروايات المجوزة للذبح بالعود والمروة واشباههما ما عدا السن والعظم، ففي معتبرة الحسين بن علوان عن الامام الصادق(ع) عن ابيه، عن علي(عليهمالسلام) انه كان يقول: «لا باس بذبيحة المروة والعود واشباههما ما خلا السن والعظم». وبما ان الذبح معناه القطع، فيكون المعنى: لا باس بقطع المروة والعود للاوداج اذا خرج الدم.
وهذه الرواية لم تكن في صورة عدم وجدان السكين او الحديد، بل هي مطلقة، ولا
حاجة لحمل المطلق على المقيد، لعدم العلم بان الحكم واحد، اذ يجوز ان يكون الحكم هو
جواز التذكية بالحديد والسكين، وبالمروة الحادة والليطة الحادة ايضا.
وهاتان الطائفتان من الروايات لا تعارض الروايات المتقدمة
التي فهم منها ان كل ما قطع الحلقوم او الاوداج واخرج الدم
فلا باس به.
و يؤيد هذا الفهم ما افتى به القاضي في مهذبه، حيث قال:
«والذباحة لا تجوز الا بالحديد، فمن خاف من موت الذبيحة
ولم يقدر على الحديد جاز ان يذبح بشيء له حدة، مثل
الزجاجة والحجر الحاد او القصب. والحديد افضل واولى من
جميع ذلك». اقول: ان هذا الاستظهار وان كان يتفق مع الفهم العرفي القائل بان السكين ان وجدت وهي حادة وقاطعة بطبعها فالذبح انما يكون بها لتسهيل عملية الذبح واجادته واراحة الذبيحة، وعندما لم توجد السكين فيجوز الذبح بكل الة قاطعة من الحجر او الليطة و اشباههما، اذ العرف لا يفهم بان عدم وجود السكين يكون قيدا في صحة التذكية بالحجر الحاد وا لليطة الحادة.
ولكن عندما نرجع الى الروايات التي يسال فيها الامام (ع) عن الذبح بالليطة
والمروة، فياتي الجواب بصيغة: «لا ذكاة الا بحديدة» او «لا يصلح الا بالحديدة» او
«اذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة اذا لم تصب الحديدة» نرى ان هذه الروايات كانها
تقيد جواز الذبح بالحجر الحاد اذا لم توجد الحديدة، كما فهم المشهور. و لكن اقول: ان الروايات التي استفيد منها القاعدة الكلية هي روايات صحيحة السند، وقد اكدت ان قطع الحلقوم او الاوداج وخروج الدم كاف في التذكية، وهذه الروايات تكون قرينة على ان المراد ب «لا ذكاة الا بحديدة» هو انه لا ذكاة محققة و مطمان بها الا بحديدة، والا فان الذكاة بغير الحديدة قد جوزتها الروايات المتقدمة، وهذا من قبيل: «لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد».
اذن لم يبق عندنا الا مخالفة فهم المشهور فقط، ولا باس به مع مساعدة الدليل
عليه. واما اهل السنة: فقد اشترطوا في الة الذبح ان تكون محددة بحيث تنهر الدم اذا فري الاوداج بها سواء كانت من الحديد او غيره حتى الليطة او الحجر المحدد بشرط ان لا تكون سنا او ظفرا على خلاف في السن والظفر على ثلاثة اقوال عندهم. ودليلهم ما رواه رافع بن خديج عن النبي (ص) حيث قال: «ما انهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوا ما لم يكن سنا او ظفرا». وفي خاتمة هذه المقدمة نذكر بان التذكية الشرعية وشروطها التي تقدمت هي عبارة عن قطع الاوداج الاربعة من قبل مسلم بالة حادة مستقبلا للقبلة مع التسمية.
وقد ذكر الاطباء فوائد مهمة صحية لهذه العملية التي هي في العرف الطبي عبارة
عن صدمة نزيفية تجتذب كل الدم السائل الى الدورة الدموية، واخراجه من خلال العروق
المقطوعة حتى يتوقف القلب وينقطع النفس. التذكية بالمكائن الحديثة
بعد هذه المقدمة في معنى التذكية وبيان شروطها الشرعية،
فهل يطلق على الذبح بالمكائن الحديثة الذكاة الشرعية او لا؟
والجواب: يمكن ان تطرح عدة اشكالات ليستنتج منها عدم
تحقق التذكية، او عدم تحقق الشروط المعتبرة فيها. الاشكالات الواردة على الذبح بالمكائن: الاشكال الاول: انتساب الذبح للالة من حيث ان الذبح اذا تم بالماكنة الحديثة يكون الانتساب الى الالة قهريا، بينما ذكرت الاية القرانية في حلية الاكل من الذبيحة ان يكون انتساب التذكية الى الانسان.
فقد قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير اللّه به
والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع الا ما ذكيتم..).
هذا بالاضافة الى ان التذكية هي فعل الانسان فلا تصدق
بفعل غيره، وقد دلت على ذلك الروايات الدالة على انه لا
يكفي في الحلية زهاق روح الحيوان من قبل نفسه او بفعل
حيوان اخر ولو بقطع مذبحه واوداجه ما لم يدركه الانسان
فيذكيه، فعن ابي بصير عن الامام الصادق (ع) قال: «لا تاكل
من فريسة السبع ولا الموقوذة ولا المتردية الا ان تدركها حية
فتذكى». الاشكال الثاني: عدم تحقق التسمية
وذلك لوجود الفاصل الزمني بين ذبح الحيوان وبين زمان تشغيل الالة، او ربط
الحيوان بها اذا صدرت التسمية من الذابح حين تشغيل الالة، او ربط الحيوان بها لاجل
الذبح، اذ يكون الذبح بلا تسمية حين صدوره. الاشكال الثالث: عدم تحقق الاستقبال
وهذا الاشكال مبني على اشتراط الاستقبال في حلية الذبيحة، اذ لا يحصل عند
الذبح بالماكنة توجيه مقاديم الذبيحة الى القبلة، او وضعها على الجهة اليسرى متوجهة
للقبلة. الاشكال الرابع : الذبح بغير الحديد
وهذا الاشكال ياتي في صورة كون الذبح بالماكنة المشتملة على الة الذبح بغير
الفلز المعروف. الاشكال الخامس : وهو قطع المنحر
وهذا الاشكال نتيجة وجود الروايات الناهية عن قطع المنحر، فتكون الذبيحة محرمة
لذلك. الاجابة على الاشكالات الخمسة:
جواب الاشكال الاول: وهو انتساب الذبح للالة لا للانسان:
فلا ارى له وجها بعد صدق عنوان الذبح بالماكنة، اذ ان
الانتساب الى الفاعل عرفا يكفي فيه ان يحصل الذبح بفعل
الانسان ويترتب عليه ترتبا طبيعيا، ولذا يصدق القتل وينسب
الى الانسان اذا سدد رصاصته من بندقيته، فحكم الماكنة
التي يشغلها الانسان لاجل الذبح هو حكم البندقية و السكينة
التي تفعل القتل او الذبح، فيصدق عنوان القاتل او الذابح على
الانسان اذا حصلت النتيجة بفعله من دون تخلل شيء بين
عمله وبين حصول النتيجة، وكانت النتيجة قهرية لعمله. جواب الاشكال الثاني: وهو عدم تحقق التسمية من الذابح: ان الظاهر من ادلة اشتراط التسمية هو حصولها حين الشروع في الذبح الذي هو عمل اختياري للفاعل، وان تحقق الذبح في الحيوان متاخرا عن ذلك زمانا. وبما ان الذبح في الماكنة يكون الشروع فيه عند تشغيلها او عند تعليق الحيوان على الشريط السيار المؤدي الى الذبح، فان التسمية في هذا الحين تكون تسمية عند الشروع في الذبح، فيصدق انه سمى حين الشروع في الذبح. ومثل هذا ما ورد في الصيد الذي اشترطت التسمية فيه حين رمي السهم او ارسال الكلب المعلم، مع ان الاصابة متاخرة زمانا عن ذلك. على ان الفاصل الزمني اذا كان قصيرا يعده العرف بحكم المتصل بزمان الذبح، فيشمله اطلاق ذكر اسم الله تعالى عليه.
و يمكن ايضا التخلص من هذا الاشكال بتكرار الذابح للتسمية الى حين حصول الذبح
بالماكنة. تنبيهان: الاول: بما ان الذبح بالماكنة يستوجب تشغيل عمال عديدين لاجل انجاز العمل، وان التسمية لا بد ان تكون من الذابح، فمن هو الذابح الذي يجب عليه التسمية لاجل حلية الذبيحة؟ و الجواب: ان تعيين الذابح في الماكنة يكون بتعيين الشخص الذي يتحقق على يده الجزء الاخير من سبب الذبح، فلو فرضنا ان شخصا معينا شغل الماكنة وجاء اخر واخذ بتعليق الذبائح على الشريط المتحرك لاجل الذبح، فان الشخص الاخير يعد هو الذابح الذي يتحقق الذبح بعد عمله، فيجب عليه التسمية.
كما اننا اذا فرضنا ان شخصا اخذ بتعليق الذبائح والشريط ساكن، ثم جاء اخر
وشغل الماكنة لاجل الذبح، فان هذا الشخص الاخير المحرك للماكنة يعد هو الذابح الذي
يتحقق الذبح بعد عمله ويترتب عليه ترتبا طبيعيا. اذن يجب التسمية على من يحقق الجزء
الاخير الذي يحصل الذبح بعده.
الثاني: اذا كانت الذبائح المعلقة على الشريط الدائري للذبح
كثيرة، فهل يكفي تسمية واحدة عليها جميعا، او لا بد من
تعدد التسمية بتعدد الذبائح؟
والجواب على هذا التساؤل يختلف باختلاف الماكنات المعدة
للذبح، فان كانت الماكنة المعدة للذبح تذبح اعدادا كبيرة مرة
واحدة، فيكفي للحل تسمية واحدة، لصدق اسم اللّه تعالى
عليها.
اما اذا كانت الماكنة المعدة للذبح تذبح اعدادا كبيرة
بالتدريج، فلا يكفي للحل تسمية واحدة، لانه لا يصدق عليها
حين الذبح انها مما ذكر اسم اللّه تعالى عليها. نعم يصدق
عليها ذكر اسم اللّه تعالى قبل الذبح، وهو غير كاف في حلية
الذبيحة. وحينئذ لا بد من تكرار الذابح للتسمية على كل
ذبيحة حين الشروع في ذبحها. جواب الاشكال الثالث: وهو عدم تحقق الاستقبال للقبلة في الذبيحة حين ذبحها: اما بناء على اشتراط الاستقبال كما ذهب اليه الامامية وبعض من غيرهم كما تقدم فيكفي فيه ان تكون مقاديم الذبيحة حين الذبح او يكون منحرها مواجها للقبلة، فانه يصدق عليه انه ذبح لجهة القبلة. واما ان يكون مضجع الذبيحة حين الذبح على شمالها او يمينها فهذا ليس عليه اي دليل.
وعلى هذا فيكفي في صدق استقبال القبلة بالذبيحة ان يكون الذبح بشكل عمودي على
ان توجه المقاديم او المنحر الى القبلة. واما بناء على عدم اشتراط الاستقبال في
حلية الذبيحة، بل هو سنة باعتبار ان جهة القبلة افضل الجهات، فلا اشكال في اصل عدم
استقبال الذبيحة القبلة ايضا. جواب الاشكال الرابع: وهو ان الذبح بالماكنة يكون بغير الحديد من الفلزات الاخرى، وقد ورد ان الذبح لا يكون الا بالحديد: ما تقدم من ان المراد بالحديد هو الحاد في مقابل الذبح بشيء ليس بحاد، كالقصبة او الحجارة او غيرهما مما لا يكون حادا في ذلك الزمان، ولذا نجد الروايات والفقهاء تبعا لها قد جعلت الحديد في مقابل الزجاج والحجر والقصب، ولم تجعله في مقابل بقية الفلزات، حتى يفهم من الفلز الخاص المعروف.
واما بناء على ما ذهب اليه مشهور علماء الامامية فلا يرتفع الاشكال الا بان
تكون الالة الذابحة من جنس الحديد (الفلز الخاص)، فاذا حصل هذا فلا اشكال من ناحية
الذبح بالالة عند الفريقين. جواب الاشكال الخامس: وهو ان الذبح بالماكنة يؤدي الى قطع الراس عمدا وقد نهي عنه، فتكون الذبيحة محرمة: ان النهي الوارد في ابانة الراس عمدا في صحيحة محمد بن مسلم عن الامام الباقر(ع)، اذ قال: «لا يقطع الرقبة بعدما يذبح» قد اختلف الفقهاء في افادته للحرمة، فذهب جمع الى الكراهة، وذهب اخر الى الحرمة، ولكن الصحيح على كلا التقديرين عدم حرمة الذبيحة بهذا الفعل. فقد ذكر الشهيد الثاني في الروضة البهية، فقال: «ويكره ابانة الراس عمدا حالة الذبح، للنهي عنه في صحيحة محمد بن مسلم عن الامام الباقر(ع): «لا ينخع ولا يقطع الرقبة بعدما يذبح»، وقيل والقائل الشيخ في النهاية وجماعة بالتحريم لاقتضاء النهي له مع صحة الخبر، وهو الاقوى. وعليه هل تحرم الذبيحة؟ قيل نعم، لان الزائد عن قطع الاعضاء يخرجه عن كونه ذبحا شرعيا فلا يكون مبيحا، ويضعف: بان المعتبر في الذبح قد حصل، فلا اعتبار بالزائد، وقد روى الحلبي في الصحيح عن الامام الصادق(ع) حيث سئل عن ذبح طير قطع راسه ايؤكل منه؟ قال: «نعم، ولكن لا يتعمد قطع راسه» وهو نص، ولعموم قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه) فالمتجه تحريم الفعل دون الذبيحة». وقد ذهب مشهور اهل السنة الى حلية الذبيحة بهذا الفعل، قال في المغني: «ولو ضرب عنقها بالسيف فاطار راسها حلت بذلك. نص عليه احمد، فقال : لو ان رجلا ضرب راس بطة او شاة بالسيف يريد بذلك الذبيحة، كان له ان ياكله.
وروي عن علي (رضىاللّهعنه) انه قال: «تلك ذكاة وحية». وافتى باكلها عمران
بن حصين، وبه قال الشافعي وابو حنيفة والنوري. وقال ابو بكر لابي عبداللّه فيها
قولان، والصحيح انها مباحة، لانه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح فابيح كما
ذكرنا، مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف».
النتيجة: وبما تقدم من رد الاشكالات الخمسة على طريقة
الذبح بالمكائن الحديثة يتضح انه لا اشكال في الذبح بالماكنة
اذا حصلت التسمية من الذابح مع توجيه مقاديم بدن الذبيحة
الى القبلة اذا كان الذابح مسلما على راي مشهور الامامية،
وحتى كتابيا على راي مشهور اهل السنة، وكانت الشفرة اي
السكين من جنس الحديد على راي مشهور الامامية، او من
غير جنس الحديد على ما ذكرنا، وذلك لتوفر شروط حلية
الذبيحة. اثارة اشكالين اخرين: 1- ان الغالب في هذه الطريقة ان يجتمع معها الصعق بالكهرباء قبل وصول الحيوان الى الالة الذابحة بوقت قصير، لغرض ان يكون الحيوان مشلولا ومنعدم الحركة، فاذا اضفنا الى ذلك قول المتخصصين بان بعض الحيوانات يموت بهذا الصعق، فحينئذ يحصل عندنا علم اجمالي بموت بعض الحيوانات قبل اجراء التذكية لها، وبهذا لا يمكن الحكم بحل اي ذبيحة من هذه الحيوانات التي نعلم بحصول ميتة فيها، وهي محصورة. 2- ان الذبيحة المعلقة على الشريط الدوار ليست كلها على نسق واحد من ناحية الطول ، وحينئذ فقد تضرب الالة الحادة موضع الذبح، وقد تضرب الراس نفسه او الصدر فتموت من اثر ذلك. نعلم اجمالا بعدم تذكية بعضها ويجب التجنب عن الجميع. وحينئذ لايمكن الحكم بحلية الذبيحة بهذه الطريقة، الا اذا تاكدنا من ان الحيوان الذي صعق بالكهرباء لم يمت، وقد ذبحته الالة الحادة في موضع التذكية. |