«المسائل المستحدثة في الطب‏»

 القسم الاول

آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

 ذكرنا فيما سبق ان المراد من المسائل المستحدثة هي تلك الموضوعات التي لم يكن لها وجود و تحقق في السابق، بل نشات و حدثت بسبب التطور المستمر في المجتمعات البشرية، والتقدم العلمي في مختلف مجالات الحياة. وبما ان الدين الاسلامي دين العالمية والشمول والخلود كان من الضروري بحث هذه المسائل و معالجتها، وذلك من خلال تتبعها في مصادر الفقه الاسلامي لاستنباطها ومعرفة احكامها. وسبق لنا ان ذكرنا ايضا مقدمات كلية لهذه المسائل، كما و اشرنا الى قسم منها، وهو المسائل المالية، ونشرع الآن في بيان قسم آخر وهو المسائل الطبية:

المسالة الاولى:

التشريح:

 تعريف التشريح: هو العلم باعضاء البدن واجزائها وكيفية بنائها وتركبها من العظام والعضلات والاعصاب والعروق وغيرها. واما وظائفها وما لكل عضو من عمل حيوي فهي امور اخرى تبحث في علم وظائف الاعضاء او ما يسمى ب «علم الفسلجة‏».

نبذة وجيزة عن تاريخ علم التشريح:

لقد كان هذا العلم متعارفا بين العلماء قديما، لكنه لم يكن بهذا التطور، فعن بعض المتخصصين في هذا المجال ان هذا العلم ظهر ولاول مرة بين اليهود قبل عشرات القرون ثم نسب الى بقراط الحكيم، الا انه لم يثبت انه بنى علمه في ذلك على اساس تشريح بدن الانسان.

واستمر الامر على هذا الحال الى الفترة ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم بعد ذلك اتسع هذا العلم حتى وصل الى ما هو عليه في عصرنا الحاضر.

و قد واصل علماء هذا الفن دراساتهم المستمرة على بدن الانسان وسائر الحيوانات، وتوصلوا في تحقيقاتهم الى نتائج مهمة و نافعة، خلصوا من خلالها الى الاعتقاد بان علم الطب يتوقف على هذا العلم ويكتمل به، ولذلك خصصوا للتشريح دروسا عملية و نظرية تعد من جملة المواد الاساسية المطلوبة لاستكمال البحث والدراسة في هذا العلم.

وهنا ينقدح سؤال: وهو انه هل يجوز تشريح البدن وتقطيع اعضائه واجزائه؟ وما حكمه في نظر الشريعة الاسلامية؟ وانه لو كان جائزا فما هي حدوده، وما هي شرائطه واستثناءاته؟ والجواب عن هذه الاسئلة يستدعي البحث في عدة مقامات:

المقام الاول: حكم التشريح في الشريعة الاسلامية

اولا: الحكم الاولي للتشريح:

لا شك في حرمة التشريح اذا كان لبدن المسلم، ويدل على ذلك امور:

الاول: ما ورد في لسان الروايات المختلفة من حرمة المثلة وهي على ما في الجواهر وغيره: «قطع الانوف والاذان ونحو ذلك من الحي والميت، والمثلة في الاصل كما عن المفردات : الانتصاب ( اي القيام)، قال تعالى: (فتمثل لها بشرا سويا)، اي: صار جبرئيل (ع) منتصبا بين يدي مريم(عليهاالسلام)، ومنه المثال: مقابلة شي‏ء بشي‏ء هو نظيره، او وضع شي‏ء ما ليحتذى به فيما يفعل، و المثلة: نقمة تنزل بالانسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال‏» وهي كثيرة:

1- ما ورد في آداب جهاد العدو من النهي عن المثلة بالكفار، مثل ما عن مالك بن اعين، قال: حرض امير المؤمنين(ع) الناس بصفين فقال في حديث طويل : «ولا تمثلوا بقتيل‏». والحديث مع ارساله معمول به بين الاصحاب، وتقريب الاستدلال به ان الخارج على الامام المعصوم كافر.

2- وما رواه مسعدة بن صدقة عن ابي عبداللّه(ع)، قال: «ان النبي(ص) كان اذا بعث الى ان قال : لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا...». ومورده قتال اهل الشرك. وفي معناه ما عن معاوية بن عمار، قال: اظنه عن ابي حمزة الثمالي عن ابي عبداللّه(ع)، قال: «كان رسول اللّه(ص) اذا اراد ان يبعث سرية دعاهم الى ان قال: لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تغدروا».

 3- وما ورد في وصية مولانا اميرالمؤمنين(ع) في حق قاتله عبدالرحمان ابن ملجم انه اوصى ان لا يمثل بقاتله، وقال: «فاني سمعت رسول اللّه(ص) يقول: اياكم والمثلة ولو بالكلب العقور». وبما ان التشريح من اقسام المثلة، بل من اشدها في كثير من الاحيان للحاجة فيه غالبا الى تقطيع الاعضاء، فهو مصداق له ومحرم.

ولا يضر الاشكال في اسانيد بعض هذه الاحاديث بعد تضافرها وتعاضدها وعمل الاصحاب بها، بل يظهر من الجواهر كون الحرمة اجماعية. ويمكن الجواب عن هذا الاستدلال بما تقدم بيانه عن اهل اللغة: من ان المثلة ليست مجرد قطع الاعضاء، بل هي القطع تعذيبا في الاحياء و انتقاما في الاموات، فالمقصود منها هو التعذيب او الانتقام، و ليس شي‏ء من هذين الامرين متحققا في التشريح، لانهما من الامور القصدية بخلاف التشريح فانه يستهدف اغراضا عقلائية نافعة، فاين هذا من ذاك ؟!

ثم انه من الواضح ان هذا الدليل لو تم لشمل بعمومه المسلم والكافر والذمي والمحارب.

الثاني: ان التشريح بقطع ابدان الاموات وتمزيقها وتفريق جميع اجزائها هتك لحرمتها، وهو محرم. والهتك وان كان من العناوين القصدية، الا ان القصد اليه في المقام قهري، نظير ما ذكر في باب الاعانة على الاثم الذي لا تنفك بعض اقسامه عن القصد القهري، كمن صب الخمر في اناء من يعلم انه يشربه، وما نحن فيه من هذا القبيل، فتامل. وهذا الدليل يختص بالمسلم والذمي ولا يشمل المحارب.

الثالث: ما دل على تعلق الدية بقطع راس الميت او شي‏ء من جوارحه، بناء على كونه دليلا على الحرمة كما سياتي. وهو مجموعة من الروايات وردت بهذا الخصوص تدل باجمعها على حرمة قطع راس الميت، وان فيه الدية مئة دينار كدية الجنين، و في بعضها التصريح بانه ان قطعت يمينه او شي‏ء من اعضائه ففيه الارش، وان كان فيها اختلاف من حيث كون ديته للامام (ع) او صرفها في وجوه البر، وتفصيل ذلك موكول الى محله.

والحاصل: ان وجوب الدية دليل على حرمة نفس العمل، وانه من قبيل الجناية المستوجبة لذلك. لا يقال: ان الدية ليست دليلا على الحرمة مطلقا، لانفكاكها عن الحرمة في دية الخطا.

لانا نقول: ان الدية فرع الاتلاف او ارتكاب جناية لو علم بها لكانت محرمة، ودية الخطا تاكيد على احترام النفوس وما يتعلق بها، وسبب للتحفظ الشديد عليها، فهي ليست دليلا على عدم الحرمة بل دليل على تاكيدها عند العلم بالموضوع والحكم، فيكون مقتضى هذا الدليل حرمة قطع الاعضاء باي قصد كان في من تتعلق به الدية، فيعم المسلم والذمي دون الكافر الحربي، لعدم الدية فيه.

الرابع: ما دل على وجوب احترام الميت، وان حرمته ميتا كحرمته وهي حي. وهو عدة روايات:

1- ما رواه عبداللّه بن سنان عن ابي عبداللّه(ع) انه قال: «...لان حرمته ميتا كحرمته وهو حي‏». ومثله ما رواه محمد بن سنان عمن اخبره عنه(ع)، وما رواه عبداللّه بن مسكان.

2- وما ورد في صحيحة جميل عن غير واحد من اصحابنا عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «قطع راس الميت اشد من قطع راس الحي‏». ولعل كونه اشد من باب شدة القبح وتنفر الطباع منه، الا انه سياتي ما يدل على ان الدية فيه اخف بمراتب.

3- وما رواه محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) في حديث قال: «ان اللّه حرم من المؤمنين امواتا ما حرم منهم احياء».

4- وعن مسمع كردين قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن رجل كسر عظم ميت، قال: «حرمته ميتا اعظم من حرمته وهو حي‏». ومثله ما رواه صفوان عن ابي عبداللّه(ع).

5- وما رواه العلاء بن سيابة عن ابي عبداللّه(ع) عن رسول اللّه(ص) انه قال: «حرمة المسلم ميتا كحرمته وهو حي سواء». ومن الواضح ان التسوية في اصل الحرمة لا في مقدارها، كما صرح به شيخ الطائفة(رحمه‏اللّه) فيما حكاه عنه في الوسائل.

و المتحصل من هذه الروايات: ان اجساد الاموات ليست كالاحجار المتفرقة في البراري والصحاري او كاشجار الغابات والاجام، بل لها حرمة مثل حرمتها حال حياتها، فكما لا يجوز التعدي عليها بقطعها او جرحها او كسرها حال الحياة فكذا لا يجوز بعد الممات. ومقى هذا الدليل حرمة تشريح جسد المسلم والذمي دون الحربي. فتلخص من جميع ما ذكرنا ان: تقطيع جسد المسلم والذمي بعد موتهما حرام.

 كما ان ظاهر الاطلاقات عدم الفرق بين الاغراض المقصودة من هذا العمل.

ثانيا: الحكم الثانوي للتشريح:

وخلاصة القول فيه: انه لا ينبغي الريب في ان لهذا العلم سيما مع المشاهدة اثرا بالغا في معرفة اعضاء جسم الانسان، بحيث صار هذا العلم في العصر الحاضر من مقدمات علم الطب الضرورية التي يتوقف على معرفتها انقاذ المرضى من الهلاك وشبهه، ومن الواضح ان مقدمة الواجب واجبة. ومن هنا افتى غير واحد من اكابر العصر بجوازه، وان خالف فيه بعضهم، والظاهر ان منشا مخالفتهم عدم الاعتراف بالضرورة المذكورة، والا لافتوا به قطعا كمافي غيره من موارد الضرورة، فيجوز للمخالف ايضا الفتوى بجوازه مشروطا بها، واحراز الموضوع على عاتق المقلد. وحيث ان دليل الجواز هو الضرورة، والضرورات تتقدر بقدرها، فلا بد عند الفتوى بجوازه من تحقق شروط ثلاثة:

الاول: ان يكون غرضه من التشريح تعلم الطب الذي لا يكتمل الا به، فيكون التشريح حينئذ مقدمة لانقاذ النفوس المحترمة. الثاني: ان لا يجد سبيلا الى اجساد الكفار الحربيين، بل اذا دار الامر بين المسلم والذمي كان الذمي مقدما، لانه اقل محذورا كما لا يخفى. الثالث: ان لا يتعدى المقدار اللازم منه. اذن فمع تحقق هذه الشروط الثلاثة يكون التشريح جائزا. والانصاف ان احراز موضوع الضرورة للعارف بشي‏ء من علم الطب في عصرنا هذا سهل جدا.

ثالثا: الفرق في الحكم بين الحربي وغيره وبين المسلم والذمي:

مما ذكرنا ظهر انه لا شك في الفرق بين الحربي وغيره، وكذلك بين المسلم والذمي اذا دار الامر بينهما، فان الذمي وان كان محترما ايضا ولكن فرق بينه وبين المسلم حيا وميتا فلا بد من رعاية سلسلة المراتب في المقام، وهو ظاهر.

المقام الثاني: اختلاف حكم التشريح باختلاف اغراضه

ويظهر الحال فيه مما تقدم في دليل المسالة، فان كان الغرض منه معرفة الطب وتعلمه مع الشروط المذكورة كان جائزا. وكذا يجوز ان كان لمعرفة علة الجناية وكشفها اذا كان كشفها واجبا شرعيا يترتب عليه احقاق الحقوق او دفع الخلاف والمفاسد الناشئة منه، وغير ذلك.

واما اذا كان لمجرد مشاهدة آثار قدرته تعالى وآياته في الخلق فلا يجوز، لعدم انحصار طريق معرفته تعالى بذلك ليكون واجبا. وكذا القطع للترقيع، فانه انما يجوز اذا كان هناك واجب اهم.

وسياتي الكلام فيه وفي لزوم استجازة الاولياء في ذلك، او وصية الميت نفسه في حال حياته.

المقام الثالث: في احكام التشريح

ان التشريح سواء قلنا بجوازه او حرمته يقع الكلام فيه في عدة جهات: فتارة يبحث فيه من حيث‏حلية بيع الاجساد وحرمته لغرض التشريح، واخرى من حيث تعلق الدية بالتشريح وعدم تعلقها، وثالثة من حيث جواز النظر الى عورة الميت عند التشريح وعدم جوازه، ورابعة من حيث تكفين الميت المشرح ودفنه، وخامسة من حيث جواز الوصية بتشريح بدنه بعد موته وعدم جوازها، وهل هي نافذة او لا؟

اما الجهة الاولى: فان بيع ابدان المسلمين لغرض التشريح عند الضرورة اليه مشكل جدا، لمنافاته مع احترامها، ولذا لابد من التماس طرق اخرى للوصول اليه.

واما ابدان الكفار فبناء على نجاستها بالذات، او على الاقل بالموت، فبيعها ايضا مشكل، نظرا الى بطلان بيع الميتة.

اللهم الا ان يقال: ان ذلك مختص بما اذا لم تكن هناك منفعة محللة، والمفروض وجودها في المقام، فتكون محترمة، فيجوز بيعها، وهذا كحرمة بيع الدم في السابق وجوازه في عصرنا الحاضر، وذلك لما فيه من المنافع المقصودة كانقاذ المرضى والمجروحين، فتامل.

واما الجهة الثانية: فان ظاهر اطلاقات الدية فيما مر ذكره من الاخبار هو تعلقها بالتشريح.

ولكن لقائل ان يقول: ان الدية فرع الجناية الفعلية او الحكمية، واذا وجب التشريح لكونه مقدمة لنجاة نفوس المسلمين فلا تتعلق به الدية. وان شئت قلت: ظاهر الاطلاقات الواردة في ابواب الديات منصرفة عن محل الكلام، اعني ما وجب بحكم الشارع المقدس، كما ان القصاص بالحق لا يوجب الدية، واي فرق بين ما وجب او جاز بالعنوان الاولي او الثانوي؟!

ولذا لم يرد وجوب الدية في مسالة شق بطن المراة الميتة لاخراج الولد الحي، اذ لو وجب لصرح به في النص، ولم نر من افتى بوجوبها فيه.

ان قلت: هل هذا الا كالاكل في المخمصة، وكالاءكل من مال الناس عند الضرورة، حيث‏حكموا بالجواز مع الضمان؟ قلت: الفرق بين المسالتين ظاهر، فان الاتلاف يختلف عن الدية، لان مورد الاتلاف انما هو في الاموال، وليست اعضاء الحر من الاموال، لان المدار فيها على الجناية، بل وكذا مع عدمها، كمن لطم وجه غيره فاحمر، فان فيه الدية.

توضيح ذلك: ان جميع الروايات الثماني او الست المذكورة في ابواب الاحتضار تشترك في الحكم بوجوب شق بطن المراة اذا ماتت وفي بطنها الولد يتحرك، وقد ورد الامر في ثلاث منها بلزوم خياطة بطنها بعد ذلك، وليس في شي‏ء من هذه الروايات عين او اثر بالنسبة الى الحكم بوجوب الدية ولو كانت واجبة شرعا لما ترك ذكرها في هذه الروايات على كثرتها، وهي وان كان بعضها معتبرا وبعضها غير معتبر، لكن في المجموع كفاية.

ولا فرق بين مورد تلك الروايات وبين ما نحن فيه من مسالة التشريح بعد كون المفروض حرمة كل منهما بالعنوان الاولي ووجوبهما بحكم الضرورة.

نعم، قد ورد في الرواية الثالثة المروية عن وهب بن وهب عن ابي عبداللّه(ع) بعد ذكر هذا الحكم ما نصه قال: في المراة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها؟ قال: «لاباس بان يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه‏». ويمكن حملها على رضا الوالدين بذلك، والدية لهما في الجنين دون دية الميت، فتدبر جيدا.

واما الجهة الثالثة: فانه يجوز النظر الى عورة الميت عند التشريح اذا كان داخلا تحت عنوان الضرورة التي مضى الكلام فيها و لكن لا بد في ذلك من الاكتفاء بالمقدار الواجب منه، وقد ورد التصريح في بعض روايات ابواب الاحتضار انه اذا مات الولد في بطن امه وكان يتخوف عليها يجوز للرجل ادخال يده في فرجها وتقطيع ولدها الميت واخراجه، ومحل الكلام من هذا القبيل.

واما الجهة الرابعة: فان الظاهر وجوب الكفن والدفن في اول فرصة ممكنة، لاطلاق الادلة، نعم لا تجب الاكفان الثلاثة، لعدم بقاء موضوعها، بل يلف في خرقة، والاحوط ان تكون ثلاث خرق ثم يدفن، ولا بد من الصلاة عليه قبل ذلك.

واما الجهة الخامسة: فانه هل تجوز الوصية بتشريح بدنه بعد موته او لا؟ وهل تكون الوصية بذلك نافذة او لا؟ يمكن ان يقال: انه لا اثر لمثل هذه الوصايا، فان الحكم كما عرفت يدور مدار الضرورة.

المسالة الثانية: الترقيع والزرع

يمكن القول اجمالا انه اذا كان في ترقيع الاعضاء وزرعها تكامل لعلم الطب في عصرنا الحاضر وتطور في جميع المجالات لا سيما بعد ان اجريت عمليات جراحية معقدة بالنسبة الى زرع وترقيع اعضاء الانسان الاصلية منها وغيرها، بل من المتوقع في المستقبل القريب امكان وصل راس انسان بجسد انسان آخر فلا ريب في جوازه هنا كما تقدم.

ويستفاد من بعض الروايات ان زرع الاسنان كان قديما نظير ما رواه زرارة عن ابي عبداللّه(ع)، قال: ساله ابي وانا حاضر عن الرجل يسقط سنه فياخذ سن انسان ميت فيجعله مكانه، قال: «لا باس‏».

وليس هذا بالامر الهين، لاحتياجه الى جملة من المقدمات الطبية، والا فمجرد جعل سن مكان آخر لا يوجب التئامه واتصاله بالفك، وقد واصل الاطباء في عصرنا الحاضر ذلك عن طريق زرع الاسنان بطرق علاجية حديثة، فصار ينتفع بها على احسن وجه. وعلى كل حال فان البحث في الترقيع والزرع يتضمن عدة مقامات:

المقام الاول: اقسام الترقيع والزرع

وهي كثيرة:

منها: اخذ بعض اعضاء الانسان لترقيعها في نفس بدنه، كما هو المتعارف في الاخذ من عظام الخاصرة لترميم بعض العظام المكسورة، او اخذ شي‏ء من جلد الارجل ووصله بالجلد المحترق من الوجه، او الاخذ من عروق الرجل لترميم عروق القلب.

ومنها: الاخذ من بدن انسان وزرعه في بدن غيره، والماخوذ منه قد يكون مسلما، و قد يكون كافرا كتابيا او مشركا، وكل هذا قد يكون من الحي وقد يكون من الميت.

ومنها: اخذ بعض اعضاء الحيوان المحلل او المحرم ووصله بالانسان، كاخذ اجزاء من عينه او كبده وزرعه فيه.

ومنها: ترقيع بعض الاعضاء بوضع اجزاء اصطناعية كما في عمليات الجراحة البلاستيكية.

هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى تارة يكون في موارد تتوقف عليها الحياة، كما في زرع القلب والكلية، واخرى يكون في الاعضاء المهمة مما لا تتوقف عليها الحياة، كما في زرع العين والاسنان، وثالثة فيما يكون من قبيل التجميل، ورابعة فيما يكون من قبيل تزريق الدم.

المقام الثاني: حكم الاقسام من حيث الجواز والحرمة

اولا: حكمها الاولي:

لا ينبغي الشك في حرمة الاخذ من اموات المسلمين بالعنوان الاولي، واما الاخذ من الاحياء او من الانسان نفسه او من الحيوان وشبهه فهو مما لا دليل على حرمته بعنوانه الاولي اذا كان مع الرضا ممن يعتبر رضاه.

ولا يعتبر رضا الكافر الحربي في ذلك، واما اذا كان ميتا فلا مانع من اخذ العضو منه، لعدم صدق المثلة عليه، لانها كما عرفت عبارة عن قطع الاعضاء تعذيبا للحي او تعذيبا لاهل الميت، او انتقاما منه او منهم، وليس شي‏ء من ذلك في مسالة زرع الاعضاء وترقيعها.

نعم، لا يجوز بالعنوان الاولي اخذ العضو من الميت المسلم، لما فيه من الهتك، ولكونه من الجناية التي تتعلق بها الدية. فتحصل: ان الاخذ من الحي يتوقف على رضاه اذا كان انسانا محترما دون غيره، واما الاخذ من الميت فلا يجوز اذا كان من المسلم وشبهه دون غيرهما.

ثانيا: حكمها الثانوي:

اذا توقف انقاذ حياة مسلم على اخذ العضو ووصله في بدنه جاز ذلك قطعا، لما فيه من الاولوية والضرورة. وان شئت قلت: دار الامر هنا بين الاهم والمهم، ولاريب في ان الترجيح للاهم.

واما اذا كان العضو مما لا تتوقف عليه الحياة كما في زرع العين الماخوذة من الميت فانه قد يقال بعدم جواز اخذه في الموارد المحرمة بالعنوان الاولي، كالاخذ من ميت المسلم، فان مجرد المصلحة غير كافية في تجويز المحرمات ما لم تكن مصلحة ملزمة اهم من المفسدة الملزمة.

اللهم الا ان يقال: ان الانسان وان كان قادرا على العيش مكفوف العين او مشلولا، ولكن لا اشكال في عد العرف وجود العينين كليهما و رفع الشلل من الضروريات التي يهتم بها الشارع المقدس، و ان حفظ سلامة الانسان الحي في نظر الشارع اهم من حفظ سلامة بدن الميت المسلم، فيجوز حينئذ الاخذ من الميت وترميم اعضاء الحي.

ويمكن الاستشهاد له بما مر في اخذ السن من الميت المسلم وجعله مكان السن الساقط من الحي، فان السن مما لا تتوقف عليه حياة الانسان.

نعم، لا يجوز ذلك في التجميل وشبهه ما لم يبلغ القبح فيه حدا يوجب لصاحبه العسر والحرج الشديدين كما هو المشاهد في بعض موارد حرق الوجه او الاصابع او غير ذلك ، فلو بلغ هذا الحد دخل في القسم الثاني.

المقام الثالث: في بيان الاحكام الفرعية المترتبة على اخذ الاعضاء

هناك جملة من الاحكام تترتب على اخذ الاعضاء سواء في موارد جواز الاخذ او حرمته، اعني اننا اذا قلنا بحرمة ذلك مطلقا او في بعض موارده، فمع الاخذ تترتب من حيث الجواز والحرمة احكام الفروع التالية:

الاول: في حكم الاعضاء المبانة من الحي او الميت التي تصير ميتة بعد انفصالها:

فعلى ما هو المشهور من حرمة بيع الميتة يحرم بيعها وشراؤها مطلقا، وعليه فلا يجوز بيع الكلى ولا سائر الاعضاء ولا الجلود وشبهها، لاندراجها تحت عنوان بيع الميتة.

نعم، يمكن استثناء العظم والسن بناء على انهما ليسا مما فيه روح، فلا تنجس بالموت، ولا تشملها ادلة حرمة بيع الميتة بناء على ان المراد منها الميتة النجسة.

اقول: لنا كلام في عدم كونهما مما ليس فيه روح، لان الانسان قد يتالم بكسر بعض عظامه بما لا يتالم بغيرها وهذا دليل على وجود الروح فيها. وكذا بالنسبة الى السن الذي كثيرا ما يتاثر بالاطعمة او الاشربة الشديدة الحرارة او البرودة، يعرضه من الداء العياء ما لا يعرض غيره؟! فكيف يعد مما لا روح فيه؟! وكيف يقاس بالشعر او الوبر وشبههما؟!

ومن ناحية اخرى يمكن ان يقال: ان ادلة حرمة بيع الميتة ناظرة الى ما ليس فيه منفعة محللة مقصودة، نظير بيع اللحوم في السابق، حيث لم تكن لها منافع محللة معتد بها في ذلك الوقت.

اما في عصرنا فتعد مما يترتب عليها اهم المنافع الحياتية المحللة. فيجوز بيع الكلى والجلود والعظام من الاحياء والاموات، فان منافعها كانت نادرة في السابق، اما اليوم فتعد منافعها غالبة مقصودة، فلا يقاس احدهما بالاخر.

ان قلت: ان من منافع اليات الميتة الاسراج بها، وهو منفعة غالبة، وقد صرح في بعض روايات الباب بجوازه مع حرمة بيعها، وهذا دليل على حرمة بيع الميتة وان كانت لها منافع مقصودة محللة.

قلت: يمكن ان يكون هذا التحريم لاجل منع المشتري من الانتفاع باكلها مثلا، ولكن الامر ليس كذلك فيما نحن فيه، ولعل مجرد هذا الاحتمال كان كافيا في انصراف روايات الباب عن مثل بيع اعضاء الانسان وشبهها.

هذا، ولكن مقتضى الاحتياط ان يؤخذ الثمن في مقابل اخذ هذه الاعضاء من بدنه اذا كان حيا، لا في مقابل نفس هذه الاعضاء ليرد الاشكال عليه بما مر.

الثاني: انه على فرض جواز بيعها لا اشكال في كون ثمنها لصاحبها اذا كان حيا، كما انه لا ينبغي الاشكال في كونه للميت يصرف في اداء ديونه، او في اعمال البر والخير له اذا لم يكن عليه دين. هذا فيما اذا اخذ من الميت باذن اوليائه او بوصية منه في ذلك.

الثالث: في حكم الدية في المقام:

وتفصيل الكلام فيه: انه ان اخذ من الحي برضاه فلا دية، وهو ظاهر، لعدم شمول اطلاقات ادلة الدية لمثله، مضافا الى كونه اولى من مسالة براءة الطبيب اذا اخذ البراءة من المريض مع كون المسالة منصوصا عليها.

والقول بانه من قبيل اسقاط ما لم يجب، كالاجتهاد في مقابل النص، وقد ذكرنا في محله ان اسقاط ما لم يجب جائز اذا حصل مقتضيه وان لم تحصل علته التامة، كما اذا اسقطت الزوجة حقها في القسم قبل دخول الليل.

وان اخذ من الحربي فعدم الدية اظهر، ولو من جسده.

واما اذا اخذ من جسد المسلم برضاه في حال حياته او وصيته به فالظاهر عدم الدية ايضا، لان الحق له وقد اجازه.

يبقى الكلام فيما اذا لم يوص بشي‏ء ووجب اخذ العضو من جسده بحكم الشارع المقدس، فياتي فيه ما سبق في مسالة التشريح من ان الدية انما هي للجناية الفعلية او الحكمية، وحيث ان الزرع هنا بحكم الشارع المقدس مقدمة للواجب او شبهها فلا جناية ولا دية.

ولكن فرق بين المقام وبين مسالة التشريح، لان نفي الدية لا يوجب نفي المالية، والضمان فيه من باب الاتلاف، فيكون المقام من قبيل الاكل في المخمصة، فلو اضطر انسان الى الاكل من مال الغير كما في عام المجاعة وشبهه جاز له ذلك، لكنه ضامن لمثله او قيمته، وهكذا فيما نحن فيه، فانه اضطر الى اخذ العين او بعض اجزائها مثلا من جسد الميت المسلم، فهو وان لم يكن ملزما باداء الدية لكنه ملزم باداء القيمة من باب كونه تصرفا في مال الغير وانه انتفع به، لكن جوازه لايدل على عدم ضمانه القيمة.

الرابع: حكم ما يؤخذ من حيث الطهارة والنجاسة:

قد يتوهم انه بعد الزرع يبقى العضو على نجاسته، لكن الانصاف انه لا وجه للحكم بالنجاسة، وذلك:

اولا: لخروجه بعد الزرع عن كونه مصداقا للميتة بتبدل موضوعه وصيرورته حيا، فيكون طاهرا.

نعم، قد يشكل الحكم بطهارته بعد الزرع وقبل ثبوت الحياة وجريان الروح الحيوانية فيه.

وثانيا: لو شككنا في الطهارة والنجاسة بعد الزرع لا يجري فيه استصحاب النجاسة، اما على المختار من عدم جريانه في الشبهات الحكمية فواضح، واما على المشهور من جريانه فيها فلان الموضوع غير باق، فلا تتحد القضيتان المتيقنة والمشكوكة، فلا يجري الاستصحاب.

و ثالثا: لامكان الاستئناس له بما جاء في بعض الروايات الواردة في ابواب القصاص، فعن اسحاق بن عمار، عن جعفر، عن ابيه (ع): «ان رجلا قطع من بعض اذن رجل شيئا، فرفع ذلك الى علي(ع) فاقاده، فاخذ الاخر ما قطع من اذنه فرده على اذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الاخر الى علي(ع) فاستقاده، فامر بها فقطعت ثانية، وامر بها فدفنت، وقال: انما يكون القصاص من اجل الشين‏».

والظاهر عمل الاصحاب بها، فانه لو كان نجسا بعد الالتئام والبرء لكان اللازم التنبيه عليه، لانه كان يصلي معه ويمسه و يعامله معاملة الطاهر طيلة تلك المدة، الا ان يقال: الرواية ليست في مقام البيان من هذه الجهات.

وهل يجري هذا الحكم في ابواب الحدود ايضا كما في اليد المقطوعة بالسرقة مثلا لا سيما بعد امكان الزرع والوصل بمحل القطع في ايامنا هذه؟

الظاهر انه لا يجوز ايضا، للتعليل الوارد في نفس الرواية، اذ القصاص والحدود في هذا الحكم سواء.

ورابعا: سلمنا بقاءه على النجاسة، لكن ذلك في غير الكلى وباطن العين وعروق القلب وشبهها، واما مما يعد من البواطن فيها فلا يقدح في شي‏ء من الصلاة وغيرها، غاية الامر انه يكون من قبيل المحمول النجس، وهو غير مضر، سيما اذا كان في الباطن، لعدم الدليل على اشتراط صحة الصلاة بعدمه.

نعم، في الاجزاء الظاهرة كما في زرع الجلود يحصل الاشكال من ناحية مسها، لانها على فرض النجاسة واجبة الاجتناب، واما من ناحية الصلاة فلا اشكال فيها، لانها ليست من اللباس بل هي من المحمول، فليس الاشكال فيها من ناحية النجاسة ولا من ناحية استصحاب الميتة النجسة، لما عرفت من تبدل الموضوع.

هذا كله فيما اذا كان العضو ماخوذا من انسان، واما لو كان ماخوذا من حيوان غير ماكول اللحم كالكلية الماخوذة من القرد مثلا فقد يقع الكلام فيه من جهة كونه من قبيل الصلاة فيما لا يؤكل، فلايجوز.

ولكن الانصاف انه بعد صيرورته جزء من بدن الانسان يتغير حكمه ويتبدل موضوعه، ولا اقل من الشك، وحيث ان الاستصحاب غير جار في المقام لما عرفت، فيكون مجرى للبراءة كما لا يخفى، فتدبر.

ولو سلمنا انه من قبيل الصلاة في غير ماكول اللحم، لكن ادلة بطلان الصلاة في اجزاء غير الماكول منصرفة عن مثل ذلك قطعا، ولذا لو قام الى الصلاة من اكل لحم غير الماكول واللحم في معدته لم يهضم بعد لم يضر ذلك بصلاته، ولم تكن من قبيل الصلاة في غير الماكول، والمقام اولى بالصحة.

الخامس: في حكم الوصية:

لقد ظهر مما ذكرنا ان الاخذ من بدن الميت المسلم جائز عند الضرورة سواء اوصى بذلك ام لم يوص، للاذن في ذلك من الشارع المقدس.

وتظهر الثمرة في وجوب العوض وعدمه، فلو اوصى بان تعطى بعض اعضاء بدنه مجانا لكل من يحتاج اليه او لشخص بعينه لم يجب عليه العوض، واما لو كان ذلك بدون الايصاء به فقد عرفت وجوب العوض، وانه حق متعلق بالميت تؤدى منه ديونه، والا يصرف في وجوه البر، وثوابه له.

السادس: حكم شراء الجاهل بغصبية الاعضاء الماخوذة من الحي او الميت:

لو اشترى شخص بعض الاعضاء الماخوذة من بدن الحي او الميت كالماخوذة في بعض العمليات الجراحية التي تجري من قبل اطباء غير ملتزمين بموازين الشرع والاخلاق لبيعها باثمان باهضة وكان جاهلا بغصبيتها، ثم علم بذلك بعد الانتفاع بها وجب رده ان امكن وان كان فرض الرد نادرا والا كان كالمغصوب التالف، ووجب عليه رد ثمنه الى صاحبه، ويرجع بما اداه على الغاصب، ولو بذل للمالك اكثر مما بذله للغاصب كان له الرجوع عليه باخذ الفارق لدخول ذلك في الغرر المنهي كما لا يخفى ومنه يظهر حال الدم المغصوب وشبهه.

السابع: حكم زرع اعضاء الكافر في بدن المسلم وبالعكس:

اما الاول: فمقتضى القاعدة الاولية كونه نجسا، سواء اخذ من الحي او الميت، وسواء على القول بنجاسة الكافر نجاسة ذاتية او لا، فانه بمجرد وصله ببدن المسلم والتئامه يصير جزء منه، فيتغير حينئذ الموضوع، ويكون الحكم فيه هو الطهارة، وهذا نظير من شرب لبن الكافر فصار جزء منه، وعلى فرض الشك في طهارته لا يجري الاستصحاب فيه، لعدم بقاء الموضوع على حاله بعد لحوقه ببدن المسلم، فتجري فيه اصالة الطهارة.

واما الثاني: و هو زرع اعضاء المسلم في بدن الكافر ، فان كان ذميا كان جائزا، لكنه بعد وصله فيه يكون نجسا بناء على نجاسة الكافر.

وتوهم كون ذلك من قبيل السلطة والسبيل المنفي بقوله تعالى: (ولن يجعل اللّه للكافرين على المومنين سبيلا).

باطل، لان الظاهر ان المراد من السبيل هو الحجة او السلطة بنحو الحكومة او المالكية التشريعية على المؤمنين، لا مجرد اخذ بعض الاعضاء، والا لم يجز للمراة المسلمة ان ترضع ولدا كافرا ذميا، ولا اظن احدا يفتي بالحرمة.

واما الكافر الحربي، فان كان بذل الاعضاء له في باب اعانتهم وتقويتهم فحرام كما في سائر الموارد، واما في موارد جواز بيع الطعام لهم فيجوز بيعها، لعدم الفرق بين البابين.

الثامن: هل يجوز زرع اعضاء الحيوان سواء كان محلل اللحم او محرمه او نجس العين في بدن الانسان او لا يجوز؟

لا اشكال في جواز ذلك في المحلل، لانه وان كان بحكم الميتة بعد الابانة لكنه يصير بعد الزرع جزء حيا من بدن الانسان، فيخرج عن عنوان الميتة ويدخل في عنوان الحي فيكون حينئذ طاهرا، ولا اشكال فيه من ناحية الصلاة وغيرها.

وكذا الحال بالنسبة الى غير الماكول، لما عرفت من انه بعد ما صار جزء من بدن الانسان يكون حينئذ بحكمه، ومع فرض عدم كونه بحكمه لم يضر ايضا بصحة الصلاة، لما تقدم من عدم شمول ادلة حرمة الصلاة فيما لا يؤكل لحمه لهذا المورد، لانه من قبيل من صلى وفي بطنه لحم من حيوان محرم، فانه مما لا شك في صحة صلاته في تلك الحالة، و لا اظن ان هناك من يفتي بفساد صلاته باعتبار انه صلى في غير ماكول اللحم. وهذا اذا كان العضو باطنيا، وهو واضح.

وكذا اذا كان العضو ظاهريا كالجلد ونحوه كما لا يخفى. ومثله ايضا ما اذا كان العضو ماخوذا من نجس العين، لما تقدم من الدليل عليه في غير الماكول بكلا حاليه، وان كان الاحوط الاجتناب هنا مهما امكن، ولكنه عند الضرورة لا محيص عنه.

التاسع: حكم تزريق دم الانسان للغير:

قد ظهر مما ذكرنا حكم تزريق دم الانسان لغيره، مسلما كان او كافرا، ذميا او حربيا، رجلا كان او امراة، انسانا كان او حيوانا، محللا او محرما، لان الدم في كل ذلك يصير جزء من بدن الاخذ، وبعد صيرورته كذلك لا يبقى هناك اي فرق بينه وبين سائر اجزاء البدن وهو باق ببقائه وحي بحياته.

ولا دليل على حرمة تزريق دم المراة الاجنبية للرجل الاجنبي، لعدم دخوله تحت‏شي‏ء من ادلة الحرمة.

ولو شك في شي‏ء من ذلك من ناحية الطهارة او الصلاة او اصل جواز التزريق فالمرجع فيه اصالة الاباحة والبراءة، ولا يجري الاستصحاب هنا، لما عرفت من تبدل الموضوع، وعدم وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة.

ومما ذكرنا ظهر حكم بيع الدم وشرائه، بل الامر فيه اسهل، لعدم صدق عنوان الميتة عليه، فلا اشكال فيه من ناحية حرمة بيع الميتة وان كان نجسا.

العاشر: حكم وصل الشعر بالشعر وحكم زرعه:

الشعر تارة يوصل بغيره من الشعر من غير زرعه في الراس او غيره ولا يكون جزء من بدن الانسان، وهذا مما لا كلام ولا اشكال في جوازه.

ولا مانع من وصل شعر امراة بشعر اخرى، ولا يحرم النظر الى الشعر المفصول من الاجنبية، لعدم قيام دليل على الحرمة في هذه الصورة، لانه انما يحرم النظر اليه اذا كان جزء من بدنها لا ما اذا انفصل عنها، ولا يجري الاستصحاب، لتبدل الموضوع قطعا، وعليه لا فرق بينه وبين الموصول بشعر امراة اخرى.

نعم، اذا كان الشعر من حيوان غير ماكول اللحم لم تجز الصلاة فيه، لشمول ادلة حرمة الصلاة فيما لا يؤكل لحمه لمثله.

واخرى يزرع الشعر مع اصله وبصله في بدن انسان آخر بحيث يصير جزء من بدنه وهذا لا اشكال فيه من ناحية الاصل والبصل. وكذا اذا نما بحيث ذهب الشعر السابق وبقي النامي.

لكن يشكل الامر اذا كان الشعر السابق موجودا، لعدم جريان الروح فيه، فانه مما لا روح له لعدم تبدل موضوعه. نعم، بالنسبة الى بصله يكون الموضوع قد تبدل. وكذا اذا نما بحيث ازيل السابق بالمقراض وبقي الشعر النامي.

هذا تمام الكلام في المسالة، وهناك فروع كثيرة اخرى يعلم حالها مما ذكرنا، والحمد للّه رب العالمين.