«كلمة التحرير»

الشيخ خالد الغفورى

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 ان الفكرة اية فكرة في عالم التصور من حيث هي ليست الا هي والدليل وحده هو القادر على ان يمدها بعناصرالقوة والبقاء .. فيحيلها من فرضية متزلزلة الى نظرية مستقرة .. وكلما استحكمت الادلة المثبتة لها وتكثرت كلماازدادت رسوخا .. وكلما تقلبت على بساط النقد و المناقشة كلما تضاعفت القناعة بهاو تصاعدت و ثاقتها..

ونحن وان كنا قد بينا قبلا التبرير الاصولي لفقه النظرية ضمن‏محاولتين وعرجنا بعدها على بيان الثمرات وتشريح الآثار المترتبة على النظريات العامة الا ان طرح الاشكالات و بيان ردودها يزيد في قوة المدعى .. من هنا نورد بعض ما يمكن ان يذكر من المناقشات:

الاولى: ربما يظن احد ان فقه النظرية لا ربط له بالفقه بالمعنى المتداول ولاعلاقة له بالاجتهاد المعروف في‏الاوساط العلمية .. وليس بين الامرين الا مجرد التشابه الاسمي .. فبامكان اي مفكر وان لم يكن فقيها ان يخلص الى فرضية واحدة تفسر طائفة من الاحكام الفرعية .. ولا حاجة الى‏اعمال قواعد الاستنباط كتطبيق الاصول اللفظية او اجراء الاصول العملية او اعمال ضوابط التزاحم بين الاحكام اوالاستفادة من قوانين التعارض بين الادلة .. فكل من يتمتع بذهنية عصرية ومرونة عقلية وذوق منهجي يتسنى له التصدي لهذا النمط من البحث ويتمكن من استنباط نظرية عامة في‏مجال معين .. فلا خصوصية للفقيه هنا ما دام دوره دورالتنظير الصرف .. بل ممارسة الفقيه لفقه النظرية يعد متعبة له ومشغلة عن وظيفته الاصلية.. وربما يدعى ان غيره قد يكون اقدر على ذلك وقد يتحمس لهذه المناقشة رعيل من الكتاب‏والمفكرين الذين مارسوا بشكل صريح او غير صريح استنباط النظريات العامة في دراساتهم‏وقاموا بمحاولات بهذا الصدد ..

الثانية: قد يستبعد البعض فقه النظرية من دائرة البحث العلمي‏بذريعة ان طريقة البحث تفتقدالضابطة التي يتم على ضوئها حركة العقل من المعلوم الى المجهول .. فلا يدرى كيف يتم‏انتخاب وانتقاء الفرضية ابتداء دون سائر الفرضيات؟! . . ولماذا تغفل الفرضيات الاخرى طرا حتى‏يخلو الجو للنظرية المحظوظة وحدهالاشريك لها؟! وماهوالضمان لعدم التحيز المقصوداو غير المقصود من قبل الباحث .. ومن اين لناان نحرز الموضوعية في بحثه؟! ..

الثالثة: ربما ينطلق بعض الاستصحابيين في رفضه وعدم قبوله هذا المنهج من شبهة الحداثة وتوهم عدم الاصالة وكونه منهجا دخيلا .. اذ من يتخذ هذا السبيل‏لا ضمان لصحة ما ينتهي اليه من النتائج.. فهو لا ينجو من الوقوع في احد محذورين خطيرين: اما محذور المخالفة الدينية وتقليد الافكار المستوردة ومحاكاة ماابتدعه الوضعيون من قوانين ونظريات لتنظيم الحياة انطلاقا من توجهاتهم المادية وتصوراتهم‏الخاصة .. والا فلا عين ولا اثر لذلك فيما بين ايدينا من كتب ومصنفات علماء الاسلام رضوان اللّه عليهم..

او محذور المخالفة المذهبية والتخلي عن بعض المباني المسلمة‏عندنا وانتحال مباني المدارس الفقهية الاخرى كمدرسة الراي و القياس والاستحسان .. وهل هذا الا قضاء على اصول المذهب وقواعده؟! وفي مواجهة هذه التشكيكات وغيرها يتحتم علينا التزام الموضوعية‏التامة وان نعد كامل العدة للاجابة المقنعة لوجداننا قبل الآخرين :

مقدمة نقول: ان ما كتبناه في العددين السابقين من مجلتنا حول موضوع فقه النظريات العامة اعتقد بانه يكفينا مؤونة الاجابة عن كثير من هذه المناقشات‏المذكورة ويخفف من شدة وطئتها .. ومهما يكن من امر فاننا سوف نتصدى للاجابة بما يتناسب مع المقام : لايخفى ان مهمة استنباط النظريات العامة عملية علمية وفنية تفتقر الى التخصص الفقهي بارقى درجاته .. و لا يكفي في صلاحية الباحث في هذا الصعيد الاطلاع الاجمالي و العام على الفقه .. بل لا محيص من تحليه بالاستعداد التام وتوفره على معدات تؤهله للورود في البحث.. لذا فان الفقه ومؤسساته لا يتحمل مسؤولية المحاولات التي صدرت من بعض المفكرين الاسلاميين الذين يتمتعون بثقافة فقهية عامة لا تصل الى مستوى التخصص والخبروية .. وذلك لان مهمة اكتشاف النظرية العامة في ميدان معين يتوقف بالضرورة على توفر مجموعة عناصر في الباحث:

احدها الاحاطة الكاملة فعلا لا قوة بشتى الاحكام الفرعية والهيمنة‏على قواعد الشريعة واساسياتها .. ولا يلقاها الا من سبر غور الادلة على تنوعها واشرب في‏قلبه الفقه وذاق عسيلته .. واطلع على معاريض الكلام .. سيما اذا لاحظنا ان الفقيه في مثل هذه‏الابحاث ينهض باعباء مسؤولية التاسيس ويعالجها فردا.. يجرب فيها مهارته بكل ما اوتي من قوة‏ملتقطا الادلة من هنا وهناك ..وبعبارة اخرى ان الفقيه في اثناء بحثه عن النظرية العامة يواجه‏مركبا معقدا يتالف من عدة عمليات استنباط طولية وعرضية:

فعليه اولا ان يجتاز مهمة استنباط الادلة وتحديد مظانها وجمعها.. وثانيا استنباط ذات النظرية من تلك الادلة وبمر الصناعة .. وثالثا محاكمة النظرية على ضوء الاهداف الكبرى والاطمئنان من مدى‏انسجام النظرية المكتشفة مع الاتجاهات العامة للشريعة والتاكدالكامل من عدم ابتلائها بالمعارض الفوقاني.. والذي يعبر عنه في كلمات فقهائنا بمذاق الشارع‏الذي يتطلب ادراكه شامة فقهية خاصة .. ورابعا تقييم النظرية ومحاكمتها من خلال الواقع العملي ..لا بمعنى‏الاستسلام.. بل بمعنى الافادة من التجارب السابقة والمعاشة من اجل التكميل والاحكام ..والتثبت من عدم وجود فراغ او خلل او اية نقطة ضعف في البين .. والتاكد من امكانية اجرائهاوعدم شذوذها ..

وواضح ان كل واحدة من هذه العمليات لها مشكلاتها وصعوباتها.. فاذن الخوض في دراسة واستنباط النظريات العامة وظيفة شاقة في غاية الصعوبة .. وهو في‏حقيقته وواقعه استنباط مركب لا بسي ط من هنا يمكن القول باننا حتى لو سلمنا صلاحية الفقيه المتجزي كما يرى البعض للافتاء ببعض الفروع او للقضاء في الخصومات باي معنى فسرنا التجزي فلا يمكن التسليم بصلاحيته هنا وقابليته على اكتشاف النظرية العامة .. ولا يمكن قياس المقام عليه..

اضف الى ذلك ان اكتشاف النظرية يتوقف على عناصر اخرى ايضا من قبيل المعرفة القانونية الواسعة والاطلاع على الفقه‏الوضعي والنظريات الحقوقية الحديثة ومبانيها .. ويتطلب اشرافاكافيا على المجال الذي يريد استنباط النظرية فيه كالاقتصاد او السياسة او الادارة وغير ذلك .. وكذلك ضرورة تحلي المستنبط بذهنية مرنة قادرة على‏الابتكار بحيث لا تعوق حركتها مخلفات ما مضى .. ولا يدفعها تطلعها للمستقبل الى العجلة‏وارتجال الراي..

ومن الواضح ان هذه الخصال كلها لا تجتمع الا في الاوحدي من‏الفقهاء وما ادري كيف يبرر ممارسة ذلك من قبل غير المتخصص ومن لم يكن واجدا للشرائط‏التي يندر اجتماعها في فرد .. وهل يكون مثله في ذلك الا كحاطب ليل او زارع في غير ارضه ..ولعل اثمه اكبر من نفعه وان كان ذلك منه عن حسن نية وقصد القربة ..

واما دعوى عدم اصالة هذا المنهج فيدفعها ان المعيار في الحكم على‏امر بكونه اصيلا او لا هو صحة الاسناد والنسبة الى الشريعة فبعد قيام الدليل المحكم على‏قضية من القضايا يصح وصفها بالاصالة‏وكونها منتمية الى الشريعة ولا عيب في اسنادها واضافتهاللدين الحنيف.. فليست الاصالة مساوقة للقدم ولا الحداثة تساوق الابتداع فكم من بدعة قديمة عاشت بين الناس دهورا .. وكم‏من فكرة حقة التفت اليها المتاخرون. . وكم ترك الاول للآخر ..

فاننا لو رجعنا الى الشريعة واستنطقناها وامكننا تحصيل بعض الخيوط لنسيج نظرية مستقاة من معين الادلة الشرعية فاية غضاضة في ذلك؟! .. وهل‏ان‏التصد ي لاكتشاف عناصر القوة في الفقه المعطاء يعد امرا مستهجنا؟! .. وهل هذا الا رجوع‏الى تلك المقولة المشؤومة الداعية الى غلق باب الاجتهاد بمغاليق التحجر واقفال الذيلية غير المشروعة؟! .. وتعطيل العقل ومنعه عن الكدح لتحصيل اليقين بفراغ الذمة امام البارئ عز وجل والخروج من عهدة التكاليف الشرعية والفوز بمرتبة الامتثال والطاعة ..صحيح ان الافكار الوافدة من الغرب كان لها دور ملحوظ في اثارة البحث والتساؤل عن النظريات العامة في الاسلام مما فتح باب التفكير في ذلك على‏مصراعيه.. فكانت‏حيثية تعليلية لهذا النمط من البحث العلمي في داخل الاطار الاسلامي.. وهذاغير دعوى عدم اصالة هذا المنهج وكون فقه النظريات قالب دخيل ومستورد.

اجل .. انه مجال خطير يمكن ان تزل فيه الاقدام فلا يسوغ لكل احداعطاء الراي كما تقدمت الاشارة الى ذلك مفصلا .. بل لا بد للباحث من التوفر على ما يعصمه‏من الانزلاق فعليه الاحتياط التام كما يحتاط في الفتيا في الفروع الجزئية بل ان الامر هنا اخطر واهم ..

ونذكر بانه قد تبنى هذا المسلك وبشر به بعض كبار فقهائنا الاعلام ممن كان في قمة التخصص الفقهي .. فهي مشروع واطروحة نابعة من صميم المؤسسة الفقهية ولم يعرض عليها من خارجها .. نسال اللّه ان يهدينا سواء السبيل .. انه نعم المولى ونعم الوكيل .. ولا حول ولا قوة الا باللّه ..

ِرئيس التحرير