التذكية الشرعية وطرقها الحديثة- القسم الثاني -الاستاذ الشيخ حسن الجواهريطرق اخرى للتذكية:
هناك طرق اخرى قديمة وحديثة متداولة لازهاق الروح
لابد من تسليط الضوء عليها لمعرفة انها هل تعتبر تذكية
شرعية يمكن الحكم بحلية الحيوان الذي وقعت عليه ام لا؟
وهذه الطرق بنحو الاختصار هي:
اولا : تدويخ الحيوان قبل الذبح، وهو على صور:
1 - تدويخ الحيوانات الكبيرة، كالماشية والخيول، وذلك
بضرب العظم الجبهي للحيوان بمطرقة ضخمة تحدث الما
شديدا للحيوان وتفقده الوعي وينهار، ثم يذكى باليد.
وهذه الطريقة قديمة قد تخلت عنها المجازر الحديثة،
واستبدلتها بطرق حديثة للتدويخ سنشير اليها.
2 - تدويخ الحيوان بواسطة المسدس الواقذ الذي يحدث ثقبا
في جوف الجمجمة -دماغ الحيوان يؤدي الى فقدان الوعي
بشكل فوري نتيجة لتمزيق جزء من البنية الحية من الدماغ،
وهذا هو المسدس الواقذ الابري، وهناك قسم من المسدسات
تحدث انهداما في العظم الجبهي يفضي الى فقدان الوعي،
وهذا هو المسدس الواقذ الكروي.
3 - التدويخ بالصدمة الكهربائية: وهي طريقة حديثة -نص
عليها القانون البريطاني سنة 1958متستعمل في بعض
الحيوانات ، كصغار العجول والشياه والارانب وخلاصتها: امرار
تيار كهربائي -ذي شدة معينة ولمدة ثابتة الى صدغي
الحيوان يحدث فقدان الوعي مباشرة، ثم يحدث طور من
التقلص العضلي المزمن قبل الارتخاء التام.
وقد نقل ان في نهاية الثمانينات من القرن العشرين تستخدم
المجازر النيوزلندية الصدمة الكهربائية لتدويخ الماشية،
وذلك باستعمال تيار كهربائي شدته (5/2) آمپير يؤدي الى
توقف القلب.
4 - التدويخ بغاز ثاني اوكسيد الكاربون: وهي طريقة قد يلجا
اليها لتدويخ الشياه والماشية، وقد استعملت في احد المصانع
المحلية بامريكا سنة 1950م، ثم انتقلت الى الدانمارك ثم
شملت معظم الدول الاورپية.
وخلاصتها: حبس الحيوان في بيئة هوائية تحتوي على 70%
من غاز ثاني اوكسيد الكاربون، فيبقى الحيوان محتفظا بوعيه
خلال عشرين ثانية، ثم يفقد وعيه مباشرة، ويتبعه منعكسات
حركية تستمر لمدة عشر ثوان، ثم تحدث حالة الارتخاء
العضلي جراء حالة التخدير العميق، وتستمر هذه الحالة عادة
من دقيقتين الى ثلاث دقائق، ولا يؤدي ذلك -بواسطة الغاز
المذكور الى توقف القلب الا في حالات نادرة.
وفي حالة التدويخ يلاحظ ان زمن النزف للدم اطول من
الوقت المعتاد بدون تدويخ.
5 - التخدير قبل الذبح بواسطة مادة مخدرة كالبنج بشكل
حقن، او اكل بتقديم طعام فيه مادة البنج.
ثانيا: الخنق بالطريقة الانجليزية: وهي طريقة تعتمد على خرق جدار الصدر بين الضلعين
الرابع والخامس، ومن خلال هذا الخرق ينفخ بمنفاخ فيختنق
الحيوان نتيجة لضغط هواء المنفاخ على رئتي الحيوان، وهذا
الاختناق يحول دون نزيف الدم وانهاره.
والى هنا انتهينا من ذكر الطرق الحديثة والقديمة للتذكية،
فما هو الحكم الشرعي اتجاهها؟
والجواب:
1 - بالنسبة للخنق بالطريقة الانجليزية حيث تؤدي الى موت
الحيوان بالاختناق، فالحكم بالتحريم واضح، اذ المنخنقة
محرم اكلها بالنص القرآني (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم
الخنزير وما اهل لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية
والنطيحة وما اكل السبع الا ما ذكيتم...).
وكذا الحكم جار في كل خنق يؤدي الى ازهاق الروح،
كاطلاق غاز ثاني اوكسيد الكاربون في غرفة مقفلة يؤدي الى
ازهاق الروح.
2 - واما التدويخ بصوره المتقدمة، فتارة نفترض ان هذا
التدويخ قد ادى الى وقف قلب الحيوان وموته -وهو نادر قبل
اجراء الذبح عليه، ففي هذه الحالة يكون الحيوان ميتة ولا
ينفعه الذبح بعد الموت. واخرى نفترض ان هذا التدويخ قد
ادى الى جعل الحيوان فاقد الوعي -كما هو الفرض وسيعود
الوعي اليه بعد مدة معينة، ففي هذه الحالة يكفي اجراء
التذكية عليه لحليته، فيكفي خروج الدم المتعارف في امثال
هذه الحيوانات المدوخة، وان كان زمن النزف فيه اطول من
الوقت المعتاد بدون تدويخ.
واما اذا شككنا في حياة الحيوان بعد التدويخ، فيكفي للحكم
بالحياة حركته بعد التذكية، كحركة الذنب والاذن، وذلك
للروايات الصحيحة:
1 - منها: صحيحة الحلبي عن الامام الصادق(ع) المصرحة
باعتبار الحركة بعد الذبح، قال: سالته عن الذبيحة؟ قال: «اذا
تحرك الذنب او الطرف او الاذن فهو ذكي».
2 - ومنها: صحيحة زرارة عن الامام الباقر(ع)، قال: «فان
ادركتشيئا وعين تطرف او قائمة تركض او ذنب يمصع، فقد
ادركت ذكاته، فكله».
نعم، هناك رواية الحسين بن مسلم التي اكتفت بخروج الدم
المعتدل (الخارج بدفع لا يتثاقل)، لكن سندها غير تام، ومن
اعتمدها من الفقهاء جعل احد الامرين كافيا في حلية الذبيحة،
وبعض اعتبر اجتماعهما شرطا لحلية الذبيحة، لكن الاقوى هو
الاكتفاء بحلية الذبيحة بالحركة بعد التذكية، لصحة دليله
وضعف غيره.
وعلى هذا، فمن الطبيعي حرمة الحيوان المشكوك حياته اذا
اجريت عليه التذكية ولم يتحرك منه شيء، وهذا هو مفهوم
صحيحتي الحلبي وزرارة المتقدمتين، او لم يتحرك منه شيء
ولم يخرج الدم بصورة معتدلة على الراي الاخر.
تنبيه:
ان التدويخ المتقدم اذا اجري على عشرين راس من الغنم،
وحصل لنا قطع بوقف قلب بعضها من هذا التدويخ، وحصل
الذبح للجميع، ولم نعلم على وجه التعيين ذلك البعض الذي
وقف قلبه نتيجة التدويخ، فالحكم هو حرمة الجميع، للعلم
الاجمالي بحرمة بعضها في الشبهة المحصورة.
الاداب الشرعية في التذكية:
روي عن النبي(ص) انه قال: «ان اللّه كتب الاحسان على كل
شيء، فاذا قتلتم فاحسنوا القتلة، واذا ذبحتم فاحسنوا الذبح،
وليحد احدكم شفرته فليرح ذبيحته».
وقد قال النبي(ص) لمن حد شفرته امام الشاة: اتريد ان
تميتها ميتتين، هلا احددت شفرتك قبل ان تضجعها. وقال
الامام علي بن ابي طالب(ع):
«لا تذبح الشاة عند الشاة ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر
اليه».
ومن هذه النصوص المتقدمة نفهم ان الاسلام اراد اراحة
الحيوان عند الذبح، ولكن كيف لنا اراحة الحيوان عند الذبح؟
ذهب البعض الى ان اراحة الحيوان بصورة موضوعية تكون
من خلال علامات رئيسية هي الالم والكرب والوعي، فالالم
يسبب الكرب، والكرب قد يحدث لاسباب عديدة احدها
الاحساس بالالم، وحينئذ اذا افقدنا وعي الحيوان فيزول
الكرب والاحساس بالالم.
اقول: لا بد لاراحة الحيوان من غياب الالم او انقاصه الى الحد
الادنى عند الذبح، الذي هو العنصر الرئيسي في اراحة الحيوان،
وهذا يتوقف على ان تكون آلة الذبح حادة جدا، ولكن حدها
ينبغي ان لا يكون امام الحيوان الذي يتولد له حزن وكرب من
هذه الحالة.
وعلى هذا ينبغي ان نتجنب اي عملية تخيف الحيوان عند
الذبح، مثل الضجيج الذي يحدث عند الذبح ورائحة الدم الذي
يخرج من الحيوان نتيجة الالم والخوف، حيث ثبت ان الدم
الذي يخرج على الصفة المتقدمة يؤدي الى كرب الحيوانات
الاخرى، بخلاف الدم الذي يخرج من حيوان هادئ، حيث لا
يسبب اي خوف للحيوانات الاخرى، بل تقوم الحيوانات
الاخرى بلعق هذا الدم الذي خرج بهدوء.
اما فقد الوعي في الحيوان بواسطة مسدس واقذ، او بواسطة
الصعقة الكهربائية، او بغاز ثاني اوكسيد الكاربون، فان ثبت ان
هذه الامور لا توجد اي اذى او خوف عند الحيوان، ولا توجب
توقف قلبه واماتته، فلا باس بها، وتكون منسجمة مع النصوص
الشرعية التي امرت باراحة الذبيحة عند الذبح، ومصاديق
جديدة لها. اما اذا كان فيها نوع اذى وخوف للحيوان، فتكون
منافية للغرض التي جاءت من اجله، حيث اوجدت خوفا اواذى
للحيوان، وقد تكون اكثر من خوفه واذاه عند الذبح، وهو
واجد لوعيه تماما، ولهذا نرى ان فقدان الوعي في الحيوان انما
يكون من الاداب الشرعية اذا خلا من الاذى والكرب للحيوان،
والا فلا يكون من آداب الذبح.
حكم ما جهل اسلام ذابحه:
وهذه المسالة قد عبر عنها علماء الامامية ب «الشبهة
الموضوعية» حيث ان الحكم واضح من حيثحلية الذبيحة اذا
كان الذابح مسلما، وحرمتها اذا كان غير مسلم، كما هو
الصحيح. ولكن الاشكال في حلية الذبيحة قد يحصل من
الموضوع الخارجي الذي حقق الذبح، هل هو مسلم او غير
مسلم؟
وهذا البحث لا يكون عمليا اذا شككنا في اسلام الذابح او
كتابيته، بناء على ما ذهب اليه مشهور اهل السنة وبعض من
غيرهم من حلية ذبيحة الكتابي وذبح ما يستحله، لان الذبيحة
حلال على كل حال اذا توفرت بقية شروط الذبح.
نعم، يكون هذا البحث مثمرا لدى اهل السنة ومن يرتئي
رايهم في صورة كون الشك في اسلام الذابح، او كونه كافرا
غير كتابي، فتكون الشبهة موضوعية ايضا، بمعنى انها نشات
من الموضوع الخارجي مع معرفة الحكم في صورة كون الذابح
مسلما، او كونه كافرا غير كتابي.
وعلى كل حال: فقد يعمم موضوع البحث لما اذا شك في
تحقق شروط الذبيحة او لم يسم عمدا، او شك في تركه
توجيه الذبيحة الى القبلة عمدا او سهوا، او نشك في فري
الاوداج الاربعة بآلة حادة، او بالسكين بناء على من يشترطها
او يشترط الفلز الخاص، او قطعها بيده، وهكذا مما يرجع
الشك معه الى الموضوع الخارجي.
وفي حكم هذه المسالة توجد عندنا قاعدة واستثناء:
اما القاعدة:
فهي عامة في كل حكم قد شرط بامر آخر، فما لم يتحقق
ذلك الامر لا يتحقق الحكم خارجا، وحينئذ يكون الحكم في
موردنا عدم جواز الاكل من الذبيحة لمن شك في اسلام
الذابح، فلا يدري انه مسلم او ملحد، او لا يدري انه مسلم او
غير مسلم بناء على الراي الاخر.
وقد طابق هذه القاعدة ايضا اصل عدم التذكية، لان شرط
الاكل هو التذكية الشرعية، وهذا الامر مشكوك في تحققه،
كما هو الفرض، والاصل يقتضي عدم التذكية، لانها امر
وجودي يشك في تحققه، فتبقى حرمة الاكل على حالها.
وهكذا الامر بالنسبة الى الصلاة التي اشترط في صحتها ان
يكون الملبوس غير ميتة، فالقاعدة تقتضي عدم جواز الاكل
وعدم صحة الصلاة الا بما علم انه مذكى.
وقد اشار الى هذا صاحب الجواهر، اذ قال: «اذ المشكوك فيه
باعتبار عدم العلم بتذكيته وعدم امارة شرعية تدل عليها
محكوم بانه ميتة، لاصالة عدم التذكية».
والدليل على ذلك بالاضافة الى ما تقدم النصوص الشرعية
التي منها:
قول الصادق(ع) لزرارة في موثق ابن بكير: «... فان كان مما
يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وشعره وبوله وروثه والبانه وكل
شيء منه جائز، اذا علمت انه ذكي وقد ذكاه الذبح». بناء على
ان التذكية شرط في حلية الاكل، كما هو شرط في لباس
المصلي، او نستفيد ذلك من قوله(ع): «وكل شيء منه جائزة»
اذا لم تكن راجعة الى البانه.
واما الاستثناء:
فهو في صورة ما اذا شككنا في اسلام الذابح، او شككنا في
توفر شرائط الذبح، ولكن كان المشكوك في يد المسلمين، بان
كان في سوقهم او ارضهم، وكان عليه اثر الاستعمال فيما
يشترط فيه الطهارة، فانه يجوز اكله والصلاة في جلده، وقد
دل على هذا الاستثناء روايات صحيحة منها:
1 - صحيح الحلبي، قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن الخفاف
التي تباع في السوق، فقال(ع): «اشتر وصل فيها حتى تعلم انه
ميتة بعينه».
2 - صحيح احمد بن ابي نصر عن الامام الرضا(ع)، قال: سالته
عن الخفاف ياتي السوق فيشتري الخف لا يدري اذكي هو ام
لا، ما تقول في الصلاة فيه، وهو لا يدري؟ ايصلي فيه؟ قال(ع):
«نعم، انا اشتري الخف من السوق، ويصنع لي واصلي فيه،
وليس عليكم المسالة».
وفى موثق اسحاق بن عمار عن العبد الصالح(ع) انه قال: «لا
باس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في ارض الاسلام»،
قلت: فان كان فيها غير اهل الاسلام؟ قال(ع): «اذا كان الغالب
عليها المسلمين فلا باس».
وقد يقال هنا بجريان قاعدة اخرى في خصوص ما اذا شككنا
في شرائط الذبيحة بعد احراز ان الذابح مسلم، وهي قاعدة
حمل فعل المسلم على الصحة التي هي مقدمة على اصالة
عدم التذكية.
ولكن ذكر الشيخ النائيني(قدسسره) في فوائد الاصول: «ان
اصالة الصحة انما تكون حاكمة على خصوص اصالة عدم النقل
والانتقال وبقاء المال على ملك مالكه،... واما اذا كان في مورد
الشك اصل موضوعي آخر يقتضي الفساد، كاصالة عدم بلوغ
العاقد، او عدم قابلية المال للنقل والانتقال فلا تجري فيه
اصالة الصحة».
تنبيهات: 1 - ما المراد من الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة؟
ان المراد من الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة هو الاستعمال الاقتضائي او
الاستعدادي لا الفعلي من كل جهة، فان كان الجلد الذي يعرض للبيع يمكن ان يجعل ظرفا
للماء، كما يمكن ان يجعل ظرفا للقاذورات، وكان اللحم المعرض في السوق للبيع يمكن ان
ياكله الانسان، كما يمكن ان يقدم غذاء للقطط، فهذا كاف في صحة الاستعمال في ما
يشترط فيه الطهارة.
كما ان الموجود في سوق المسلمين او ارض الاسلام لا يكفي
في الحلية للاكل او جواز الاستعمال في الصلاة، اذا لم يعلم
استعماله الاقتضائي او الاستعدادي فيما يشترط فيه الطهارة،
كما اذا وجد في السوق مع احتمال ارادة احراقه او اعطائه
للحيوانات احتمالا معتدا به، او احتمل ان يكون فريسة سبع
كذلك.
2 - ما المراد من السوق الوارد في الروايات؟
ان كلمة السوق في الروايات منصرفة الى سوق المسلمين،
وذلك لعدم وجود سوق للكفار في بلاد المسلمين يتعاطون
فيها ما يعتبر فيه التذكية من لحوم او جلود او شحوم، كما ان
الروايات ذكرت عدم العبرة بسوق الكفار، كصحيحة الفضيل
وزرارة ومحمد بن مسلم انهم سالوا ابا جعفر(ع) عن شراء
اللحوم من الاسواق ولا يدرى ما صنع القصابون؟ فقال(ع):
«كل اذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسال عنه».
3 - ما هو ميزان معرفة سوق المسلمين؟
ان الميزان في معرفة سوق المسلمين او ارضهم من غيرهم
هو الميزان الذي ذكره الامام الصادق(ع) في جواب سؤال
اسحاق بن عمار المتقدم: «اذا كان الغالب عليها المسلمون فلا
باس» وهذا الميزان غير مناف للعرف ايضا، فيميز سوق
الاسلام باغلبية المسلمين فيه، سواء كان حاكمهم مسلما ام لا،
وحكمهم نافذا ام لا.
4 - لا موضوعية لسوق المسلمين او ارضهم:
ذكر الفقهاء انه لا موضوعية لسوق المسلمين او ارضهم،
بمعنى ان سوق المسلمين او ارضهم يكون كاشفا نوعيا عن
كون البائع مسلما، والا فلا دخل للبناء في السوق من غرف او
سقف. وعلى هذا فان ما وجد في سوق المسلمين او ارضهم
هو عبارة عن امارة يد المسلم اذا كان المسلم يستعمل ما في
يده فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة مثلا، فلا اثنينية بين
امارة سوق المسلمين ويد المسلم في الحكم بتذكية
المشكوك الذي نحن بصدده.
وبعبارة ادق، انما يكون المقصود اولا وبالذات في امارة
التذكية هو يد المسلم وتصرفه في اللحم او الجلد فيما يشترط
فيه الطهارة، ويكون السوق طريقا اليها، فلا تكون يد المسلم
في قبال سوق المسلمين. وهكذا نخلص الى ان ما وجد في يد
المسلم او سوق المسلمين او ارضهم ولا يعلم ذابحه قد حكم
الشارع بحلية الذبيحة -كما ذكرت الروايات وحكم الشارع
على الذابح بانه مسلم، ولذا يجب تغسيله ودفنه وغيرهما من
احكام المسلمين.
وعلى ما تقدم لا يجوز الشراء من معلوم الكفر ولو كان في
سوق المسلمين، لما ذكرنا من ان العبرة هي يد المسلم الذي
يستعمل السلعة فيما يعتبر فيه الطهارة، ولا خصوصية للسوق.
ومن نافلة القول ان نبين ان المفروض في كل مسلم معرفته
بالاعمال المشترطة فيها الطهارة ومقيد بها غالبا.
5 - هل يستحب الاجتناب عن مشكوك الذابح؟
بعد ان ذكرنا حلية اكل اللحم المشكوك ذابحه -او المشكوك
حلية اكله من ناحية الشبهة الموضوعيةفهل يوجد دليل على
استحباب اجتنابه ؟
والجواب على ذلك: ان الشيخ الانصاري(قدسسره) ذكر
حسن الاحتياط بترك الاكل، حيث ان الاحتياط حسن عقلا
وراجح شرعا في كل موضع لا يلزم منه الحرام، وما قيل من
ان الاحتياط يلزم منه العسر والحرج واختلال النظام، فانه في
صورة وجوب الاحتياط، لا في حسنه واستحبابه. وعليه
فيستحب اجتناب اللحم المشكوك ذابحه بلا كلام.
هذا، وقد ذكر صاحب الجواهر(قدسسره) ان «ما يباع في
اسواق المسلمين من الذبائح واللحوم والجلود يجوز شراؤه،
ولا يلزم الفحص عن حاله انه جامع لشرائط الحل او لا، بل لا
يستحب، بل لعله مكروه للنهي عنه في صحيحة الفضلاء، سالوا
الامام الباقر(ع) عن شراء اللحم من الاسواق ولا يدرون ما
صنع القصابون؟ فقال(ع): «كل اذا كان ذلك في اسواق
المسلمين ولا تسال عنه».
وعلى هذا فيكره السؤال عما وجد في ارض المسلمين يباع
ويشترى، وهذا لا ينافي استحباب الاجتناب كما هو واضح.
مقتضى الاصل العملي:
ان ما تقدم كان عبارة عن الادلة الدالة على حلية اكل لحم ما
جهل اسلام ذابحه مما حل اكل لحمه. واما هنا فنريد ان نثبت
ان الاصل العملي -الذي يلجا اليه في حالة عدم قيام دليل
في المسالة يؤدي الى نفس نتيجة ما ادى اليه الدليل اللفظي،
حيث ان ادلة البراءة عن حرمة الاكل فيما نحن فيه جارية،
فيحل الاكل كما تجري قاعدة الطهارة ايضا، كما قرر ذلك
في الشبهة الموضوعية.
وهنا يرد اشكال: لقد قرر المشهور من علماء الامامية ان
الشبهة الموضوعية المحكومة بالحلية والطهارة انما تجري
فيما اذا لم يكن اصل موضوعي يقتضي الحرمة، اما في موردنا
فتوجد اصالة عدم التذكية التي تقتضي حرمة اللحم ونجاسته
على المشهور، فيحكم على اصالة الاباحة ويتقدم عليه.
والجواب: لقد ذكر السيد السبزواري(رحمهاللّه) في مهذب
الاحكام: «ان اصالة عدم التذكية لا تجري في المقام، اما للعلم
الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة، وهي عدم الذبح، او لما
تقدم من الاخبار في جواز الاكل» واذا لم تجر اصالة عدم
التذكية فتبقى اصالة البراءة تقتضي عدم حرمة الاكل فيما
نحن فيه.
ولكن نقول: اذا استندنا الى الاخبار في تكميل البراءة فلا
حاجة الى الاصل العملي حينئذ، لعدم الشك في التذكية.
واما اذا غضضنا النظر عن الاخبار، ولم تجر اصالة عدم
التذكية للعلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة، كما قرره
السيد السبزواري(رحمه
اللّه)، فتجري اصالة الاباحة بلا مانع،
لعدم جريان اصالة عدم التذكية.
ولكن الصحيح والمشهور ان اصالة عدم التذكية تجري
وتتقدم على اصالة الاباحة، وذلك لان الشارع المقدس حرم
علينا (حرمت عليكم الميتة والدم... الا ما ذكيتم). وحينئذ
يكون الاصل في الحيوان عدم التذكية ، الا ان تثبت تذكيته
بامارة معتبرة، لان التذكية امر وجودي، سواء كانت عبارة عن
الافعال المخصوصة، او شيئا بسيطا حاصلا منها، فيستصحب
عدمها عند الشك فيها، وهو معنى اصالة عدم التذكية.
حكم اللحوم المستوردة:
لا حاجة للبحث عن حكم اللحوم المستوردة من البلاد
الاسلامية التي تكون لحومها بايديهم يتصرفون فيها
ويستعملونها فيما يشترط فيه الطهارة، حيثيكون الحكم هو
حلية الاكل كما هو واضح. انما الكلام في اللحوم المستوردة
من بلاد الكفر -الذي يكون كل اهلها او اكثرهم كفارا وهذا
البحثيشمل حكم اللحوم التي تكون بيد الكفار او ارضهم
ايضا.
اقول: ان الاصل الذي هو عدم التذكية -حيث ان التذكية امر
وجودي كما تقدم، فاذا شككنا في حصوله فالاصل عدمه
محكم هنا بلا اشكال، وهو يقتضي بطلان المعاملة عليها اذا لم
يكن لها منفعة محللة غير الاكل، وحرمة اكلها واستعمالها
ونجاستها على المشهور، وبما انه لا توجد هنا امارة تتقدم على
هذا الاصل -كيد المسلم مثلا فيبقى اصل عدم التذكية
محكما، وهو يقتضي حرمة الاكل وعدم جواز الصلاة في الجلد
المستورد ونجاسته على المشهور، حيث نكون قد عرفنا الحرام
من جهة الاصل.
بل توجد بعض الروايات التي يستفاد منها الحكم بعدم
التذكية المعاضد للاصل وهي:
1 - موثق اسحاق بن عمار عن العبد الصالح -اي الامام
الكاظم(ع) انه قال: «لا باس بالصلاة في الفراء اليماني وفي ما
صنع في ارض الاسلام». قلت: فان كان فيها غير اهل الاسلام؟
قال(ع): «اذا كان الغالب عليها المسلمين فلا باس». ومفهومها
وجود الباس في ما صنع في ارض الكفر، بضميمة عدم الفرق
في استعمال ما يصنع او اكل ما يوجد عندهم، او بان يكون
الاكل من مصاديق الاستعمال الذي ذكر في الرواية، لان
الكلام عن الصلاة، فاللباس في الصلاة هو استعمال للملبوس.
2 - رواية اسماعيل بن عيسى، قال: سالت ابا الحسن(ع) عن
جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من اسواق الجبل، ايسال
عن ذكاته اذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال(ع): «عليكم
انتم ان تسالوا عنه اذا رايتم المشركين يبيعون ذلك، واذا
رايتم يصلون فيه فلا تسالوا عنه».
ومنطوق الرواية هو انه: اذا راينا المشركين يبيعون ذلك
فعلينا ان نسال، ولا يفيد السؤال هنا الا في صورة حصول
العلم بالتذكية او الحجة الشرعية بها، لعدم حجية خبر الكافر،
وحينئذ في صورة الشك في التذكية فالاصل عدمها.
ولنفس النكتة يحكم بعدم التذكية لما وجد في يد الكافر وان
كان في ارض المسلمين، وكذا الحكم في اللحم الماخوذ من
يد مجهول الحال في غير سوق المسلمين او المطروح في
ارض المسلمين، اذا لم يكن عليه اثر الاستعمال.
وبالجملة: كل مشكوك الذبح اذا لم توجد قرينة يد المسلم
الدالة على الحلية تجري فيه اصالة عدم التذكية، ولا نرى
ضرورة للتنبيه على ان هذا الحكم ليس مختصا باللحوم، بل
يجري في الشحوم والجلود ايضا، فيكون الحكم فيها جميعا هو
الحرمة وعدم جواز الصلاة في الجلود.
الماخوذ من يد المسلم اذا علم انه قد اخذه من يد الكافر:
اننا اذا علمنا ان تلك اللحوم التي في يد المسلم قد اخذها
المسلم من يد الكافر -كما هو المتعارف في هذه الايام في
الدول الاسلامية فهل تجري القرينة السابقة على التذكية
وتقدم على اصالة عدم التذكية؟
والجواب: ان يد المسلم اذا كانت مسبوقة بيد الكافر تكون
على اقسام:
القسم الاول: اذا علمنا اجمالا باشتمال يد الكافر على المذكى
وغيره، كما اذا كان في بلاد الكفر نسبة معتبرة من المسلمين،
وكان هذا الكافر يحصل على اللحوم والجلود من المسلمين
وغيرهم، او كان هذا الكافر يستورد الجلود واللحوم من
المسلمين وغيرهم، ثم يصنعها ويبعثها اليهم، ففي هذه
الصورة قد يقال: بعدم جريان اصالة عدم التذكية، وذلك
لوجود العلم الاجمالي بوجود المذكى، ولم يثبت كون يد
الكافر امارة على عدم التذكية، اذن يكون المرجع في هذه
الشبهة الموضوعية اصالة الحل والطهارة.
اقول: ولكن هذا الكلام باطلاقه خلاف التحقيق، حيث تجري
اصالة عدم التذكية في جميع اطراف الشبهة الموضوعية،
وذلك لعدم حصول مخالفة عملية حتى تتحقق المعصية او
يتحقق القبح، بل الذي يحصل من جريان اصالة عدم التذكية
المخالفة الالتزامية، ولم يثبت وجوب الالتزام بالحكم الواقعي
الفرعي مع قطع النظر عن العمل.
ولو تنزلنا عن ذلك والتزمنا بمسلك الشيخ الاعظم
الانصاري(قدسسره) القائل بان اصالة عدم التذكية لا تجري،
للمناقضة بين الصدر والذيل في قوله:
«لا تنقض اليقين بالشك، بل انقضه بيقين آخر» . فحينئذ
تصل النوبة الى اصالة الاباحة في اطراف الشبهة الموضوعية،
ولكنها لا تجري في المقام لوجود العلم الاجمالي بوجود غير
المذكى، حيثيكون جريانها موجبا للمخالفة العملية التي هي
معصية.
اذن يكون العلم الاجمالي بوجود غير المذكى موجبا لحرمة
الاجتناب عن الجميع، تطبيقا لقاعدة منجزية العلم الاجمالي
او جريان اصالة عدم التذكية في جميع الاطراف كما تقدم.
وبهذا نعرف ان فتوى السيد السبزواري(رحمهاللّه) في جريان
اصالة الحل والطهارة مبنية على جواز جريان اصالة الاباحة
والطهارة في اطراف العلم الاجمالي، وهو مسلك ضعيف.
القسم الثاني: اذا لم يعلم باشتمال يد الكافر على المذكى
وغيره ولم يتفحص المسلم عن المذكى، لانه لم يكن مباليا
بكون اللحم ميتة او مذكى، ففي هذه الصورة تجري اصالة
عدم التذكية، فيحرم اللحم وينجس على المشهور، ولا توجد
امارة حاكمة على هذا الاصل.
القسم الثالث: اذا كانت هنا امارة على تفحص المسلم حين
شرائه بان كان ملتزما ملتفتا الى حرمة ذبائح الكفار، متثبتا
في كل اموره التجارية، ففي هذه الصورة يجوز الاعتماد على
قوله وتفحصه حملا لفعله على الصحة. ومثل هذا ما اذا كانت
الدولة مطبقة للاسلام تتفحص في شراء الذبائح المذكاة
بارسال هيئات للدول المصدرة للحوم، تشرف على كيفية
ذبحها وتسويقها الى الدول الاسلامية او الى بلادها، ففي هذه
الصورة يحل اللحم المستورد بواسطة الدولة المثبتة في عملها
هذا.
خلاصة البحث في التذكية الشرعية وطرقها الحديثة
يكون بعدة نقاط:
1 - بعد بيان الذبح الشرعي وشروطه عند طائفتي الامامية
واهل السنة، راينا ان لا اشكال في ما يذبح بالمكائن الحديثة
من ناحية التسمية واستقبال القبلة، اذا كان الذابح مسلما
على راي مشهور الامامية، او مسلما او كتابيا على راي اهل
السنة وبعض من الامامية.
2 - كما لا اشكال ايضا من ناحية الذبح بالالات الحادة في
المكائن الحديثة اذا كانت الالة من جنس الحديد المعروف
على راي مشهور الامامية، او حتى اذا لم تكن من جنس
الحديد المعروف اذا كانت الالة حادة قاطعة على راي آخر
يوافق عليه كل اهل السنة.
3 - كما لا اشكال في حلية الذبيحة اذا قطعت الرقبة بواسطة
الذبح وان كان هناك نهي عن قطع الرقبة حين الذبح، لان
النهي وان كان دالا على حرمة الفعل الا ان حلية اللحم
مستندة الى توفر شرائط التذكية المفروض توفرها عند الذبح.
ولكن الحلية في الصور المتقدمة مشروطة بعدم حصول علم
اجمالي بموت بعض هذه الحيوانات قبل التذكية، وان لا
يحصل علم اجمالي بموت بعضها نتيجة لضرب الالة الحادة
راس الذبيحة او صدرها.
4 - ان خنق الحيوان حتى الموت بالطريقة الانجليزية محرم
بنص القرآن الكريم، وكذا كل خنق يؤدي الى الموت، كالخنق
بغاز ثاني اوكسيد الكاربون.
5 - التدويخ بكل صوره اذا ادى الى وقف القلب وموت
الحيوان قبل التذكية فهو محرم الاكل، لانه ميتة.
6 - التدويخ بكل صوره اذا جعل الحيوان فاقد الوعي -كما هو
الفرض وسيعود اليه وعيه بعد مدة معينة، ثم اجريت عليه
التذكية الشرعية حال فقدان الوعي، وخرج منه الدم
المتعارف، فهو حلال الاكل.
7 - اذا شككنا في حياة الحيوان بعد التدويخ، فيكفي للحكم
بحياته قبل الذبح حركته بعد الذبح، كما صرحت بذلك
الروايات عن اهل بيت العصمة سلام اللّه عليهم.
8 - اذا حصل من التدويخ علم اجمالي بموت البعض قبل
اجراء التذكية، فلا نحكم بحلية اي واحد من هذه الحيوانات
التي جرى عليها التذكية وكان بعضها ميتا قبل التذكية،
وذلك للعلم الاجمالي بحرمة بعضها في الشبهة المحصورة.
9 - اذا شككنا في حلية الذبيحة من ناحية جهلنا باسلام
الذابح مما حل اكل لحمه، فالقاعدة تقتضي حرمة الاكل
وعدم جواز الصلاة في جلد هذه الذبيحة، لوجود الروايات
القائلة بان جواز الاكل وجواز الصلاة في الجلد لا يكون الا فيما
علم تذكيته.
10 - اذا شككنا في حلية الذبيحة من ناحية جهلنا باسلام
الذابح، او جهلنا بتوفر شروط الذكاة، وكانت في يد المسلم
يتعامل معها معاملة المذكى، فالحكم هو حلية اكل اللحم
وصحة الصلاة في جلد هذه الذبيحة، للروايات القائلة بان ما
وجد في سوق المسلمين او ارض الاسلام يتعامل معه معاملة
المذكى اذا كان المسلم يتعامل معه كذلك.
11 - واما اللحوم المستوردة من الدول الكافرة، فالحكم فيها
حرمة اكلها وعدم جواز استعمال جلودها في الصلاة، ويحكم
بنجاستها على المشهور، وذلك لاصالة عدم التذكية الذي لا
توجد امارة حاكمة عليه. كما يحكم بعدم صحة المعاملة عليها
اذا لم يكن لها منفعة محللة غير الاكل، وكذا يحكم بحرمة
اكل ما وجد في يد الكافر وان كان في ارض الاسلام.
وكذا يحكم بحرمة اكل اللحم الماخوذ من يد مجهول الحال
في غير سوق المسلمين، او المطروح في ارض المسلمين اذا
لم يكن عليه اثر الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة، كل
ذلك لاصالة عدم التذكية الموجب لذلك ولا حاكم عليها.
12 - اما الماخوذ من يد المسلم اذا علم انه قد اخذه من يد
الكافر فيحل منه ما اذا علم ان المسلم قد اخذه من الكافر،
بعد تفحص عند الشراء، بان كان ملتزما ملتفتا الى حرمة ذبائح
الكفار ومتثبتا في اموره كلها.
وفي غير هذه الصورة يحكم بحرمة اللحم لاصالة عدم
التذكية. هذا خلاصة ما اردنا بيانه، والحمد للّه اولا وآخرا، والصلاة على خير خلقه محمد وآله وصحبه الميامين. |