«المسائل المستحدثه في‏ الطب‏»

 القسم الثاني

آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

المسئلة الثالثة: اسقاط جنين

ان من المسائل المستحدثة مسالة اسقاط الجنين، فنذكر اسباب الاسقاط ثم حكمه من الادلة الاربعة وحكم ما يتعلق باسقاطه من الدية ، وهل يلحقه حكم القصاص ان كان عن عمد وقد ولجته الروح ؟ وانه هل يجوز اسقاطه اذا توقفت حياة امه عليه ؟ الى غير ذلك من المسائل التي سوف نتعرض لحكمها تباعا.

اولا: اسباب الاسقاط:

يمكن ذكر عدة اسباب في هذا المجال، منها:

1- انقاذ الام من الخطر والضرر اذا كان بقاء الجنين سببا في مرضها او موتها.

2- قد يعلم من الاختبارات القطعية او القريبة من القطع ان الجنين سيولد ناقص الخلقة جسما او عقلا، او كليهما، مما يكون في ذلك العسر والحرج الشديدين عليه وعلى ابويه او على المجتمع، فيكون في ولادته كذلك سببا في الالام النفسية والجسمية للجميع، فهل يجوز اسقاطه في مثل هذه الحالة؟

3- اذا خيف على المجتمع من تزايد النفوس الذي قد يسبب مشاكل كثيرة، حتى قيل ان ضرر تزايد النفوس يفوق ضرر القنبلة الذرية، فهل يجوز اسقاطه دفعا لذلك؟

ثانيا: الحكم الاولي للاسقاط:

ان اسقاط الجنين من المحرمات القطعية في الشريعة الاسلامية بعنوانه الاولي، وعلى ذلك دلت الادلة الاربعة من الكتاب والسنة والعقل والاجماع.

ا - الكتاب العزيز:

لايبعد شمول آيات حرمة قتل النفس له بعد تمام الخلقة وولوج الروح فيه، في مثل قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه الا بالحق)، لصدق النفس عليه كذلك.

نعم، شمولها لدون ما ذكر من مراحل تكامل الجنين كما اذا تم ولم تلجه الروح بعد مشكل جدا فكيف بما دون ذلك من المراحل؟! اذ لا حياة انسانية له وان كان ذو حياة نباتية.

ب - السنة:

ومما يدل على حرمته الروايات الكثيرة البالغة حد التواتر او القريبة منه، المروية في الجوامع المعروفة بين الفريقين، الدالة على وجوب الدية عليه. وقد عرفت انها بالدلالة الالتزامية تدل على حرمته، لانها جابرة للخسارة الحاصلة عن الاسقاط بالجناية عليه وعلى الغير، وان العمد في ذلك حرام قطعا بدون اذن الشارع المقدس.

ج - العقل:

فهو يدل على حرمة الظلم، واسقاط الجنين ظلم فاحش، بل من افحش الظلم، لانه اعتداء على من لا يقدر على الدفاع عن نفسه ، وقد راج ذلك في بعض المجتمعات الغربية التي لا تابى عن ارتكاب الشنائع والمظالم التي يحكم العقل والوجدان البشري بمنعها لقبحها.

د -  الاجماع:

وقد اجمع علماء الاسلام على ايجابه الدية جبرا للخسارة بسبب الجناية العمدية على الغير وهي محرمة، وفي ذلك قال شيخ الطائفة: «دية الجنين التام اذا لم تلجه الروح مئة دينار، وقال جميع الفقهاء ديته غرة عبد او امة، وقال الشافعي:

قيمتها نصف عشر الدية خمسون دينارا او خمس من الابل.

دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم، وطريقة الاحتياط تقتضي ايضا ذلك‏».

فالاءقوال في ذلك ثلاثة: مئة دينار، وخمسون دينارا، وعبد او امة، هذا كله مع كون الجنين تام الخلقة لكن لم تلجه الروح بعد، واما فيما دونه فالدية اقل من ذلك. وقد عرفت ان الاصل في وجوب الدية كونها بسبب الجناية، والجناية العمدية محرمة قطعا.

ان قلت : اليست الدية واجبة على من يريد الاخذ بحق القصاص من رجلين قتلا رجلا، اذ لا بد من دفع نصف دية كل منهما ليجوز القصاص منهما.

قلت: لا يجوز القصاص منهما الا باذن الشارع، ومن دونه يكون محرما قطعا، ومثل هذا الاستثناء لا يمنع من حرمة الجناية العمدية بعنوان كونها قاعدة كلية بسبب وجوب الدية.

فتحصل مما ذكرنا ان حرمة اسقاط الجنين بعنوانه الاولي مما لاينبغي الريب فيها، ولا يعتريها ادنى شك، فان قيل بجوازه في بعض المواضع فذلك لطرو العناوين الثانوية عليه. هذا مضافا الى ما ورد في بعض الروايات الخاصة مثل رواية اسحاق بن عمار، قال: قلت لابي الحسن (ع): «المراة تخاف الحبل، فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها؟ قال: لا، فقلت: انما هو نطفة، فقال: ان اول ما يخلق نطفة‏».

وظاهر النهي الحرمة، وقوله: «تخاف الحبل‏» دليل على عدم الجواز حتى في فرض الشك احتياطا في النفوس، الا ان يكون المراد من خوفها الحبل هو الحبل المعلوم الذي تخاف من عواقبه.

ثالثا: حالات الجنين:

وهي عديدة، والعمدة فيها ثلاث حالات:

1- ما لم يتم خلقه بحصول الصورة الانسانية له، كما اذا كان نطفة او علقة او مضغة او عظاما، وقبل ان تكسى العظام لحما، وقبل ان يشق له السمع والبصر وتتم سائر اعضائه.

2- اذا تم خلقه ولم تلجه الروح بعد، فيكون حيا حياة نباتية لا انسانية، وهو من هذه الجهة كالانسان الميت الذي لا روح له.

3- اذا ولجته الروح بتمام الاربعة اشهر على ما هو المعروف ويكون حيا بحركته في بطن امه، ولذلك حالتان: فتارة يولد حيا كما اذا اتى عليه ستة اشهر تامة على قول او سبعة على آخر، واخرى يولد ولا يبقى حيا كما اذا كان اقل من ستة اشهر.

و من الواضح ان لكل واحدة من الصور المذكورة حكما، ففي الاولى لا يصدق عليه انه انسان بالفعل دون القوة‏ لا حيا ولا ميتا، فالنطفة ليست انسانا بالفعل، وان كان لها قابلية ذلك في المستقبل، واطلاق الانسان عليه مجازي كاطلاق النخلة على النواة.

وكذا الكلام في الصورة الثانية، فان له بالانسان الميت شبها من بعض الجهات، ولذا ورد في الروايات تشبيهه به، وحكم الشارع باتحاد ديتهما ، فالجناية عليه كالجناية على جسد الميت لكن لا من جميع الجهات.

نعم، في الصورة الثالثة يصدق عليه عنوان الانسان ويكون قتله كقتل الانسان في الجملة لما سياتي من ان اجراء جميع احكام المتولد الحي عليه لا يخلو من اشكال.

رابعا: الدية في الجناية على الجنين:

لا ريب في ثبوت الدية في الجناية على الجنين، فالمشهور ان النطفة فيها عشرون دينارا، والعلقة اربعون، والمضغة ستون، والعظام ثمانون، وفي تام الخلقة من دون ان تلجه الروح مئة، وفي ولوج الروح دية كاملة، فان كان الجنين ذكرا ففيه الف دينار وان كان انثى فخمسمئة.

وحيث ان الدية بمثابة التدارك لما يفوت العائلة من المنافع الاقتصادية تكون دية الذكر اكثر من دية الانثى، اذ من الواضح ان ما يفوت بموت الرجل من المنافع المادية اكثر مما يفوت بموت الانثى كما هو الغالب، فالفرق بين الذكر والانثى لا يعود الى الانسانية لتكون المراة بمنزلة نصف الذكر، بل يعود لما ذكرنا.

استند المشهور في كل ذلك الى معتبرة ظريف المروية بطريق الكليني (رحمه اللّه) باسانيده الى كتاب ظريف عن امير المؤمنين (ع)، قال: «جعل دية الجنين مئة دينار، وجعل مني الرجل الى ان يكون جنينا خمسة اجزاء، فاذا كان جنينا قبل ان تلجه الروح مئة دينار... ، والمئة دينار خمسة اجزاء، فجعل النطفة خمس المئة عشرين دينارا ، وللعلقة خمسي المئة اربعين دينارا، وللمضغة ثلاثة اخماس المئة ستين دينارا، وللعظم اربعة اخماس المئة ثمانين دينارا».

وايضا الى ما رواه سليمان بن صالح عن ابي عبداللّه(ع): «في النطفة عشرون دينارا، وفي العلقة اربعون دينارا، وفي المضغة ستون دينارا، وفي العظم ثمانون دينارا، فاذا كسي اللحم فمئة دينار، ثم هي ديته حتى يستهل، فاذا استهل فالدية كاملة‏»، الى غير ذلك من روايات الباب.

والمراد من الاستهلال بقرينة ما ذكر في سائر روايات الباب ولوج الروح فيه، كما صرحت به بعض الروايات ولاشتهاره بين الاصحاب.

وقال الاسكافي: «بان الدية فيه غرة عبد او امة‏»، وقال العماني:

«بان فيه الدية كاملة استنادا الى روايات لا تقاوم ادلة المشهور ولاعراض الاصحاب عنها».

خامسا: حكم القصاص فى الجنين:

وهل يكون في الجنين القصاص اذا كانت الجناية عليه عن عمد؟ لاريب في عدم ثبوت القصاص في الحالتين الاولى والثانية قطعا، انما الكلام فيما اذا تم خلقه وولجته الروح، فهل يقاد الجاني عليه؟ الذي يظهر من بعض الكلمات شمول القصاص له، فلو ضرب الحامل عالما بحملها، فاسقط ما في بطنها، يقتص منه ولو لم يقتلها، و لعل مقتضى اطلاقات القصاص في القتل العمدي هو شمولها له، لصدق عنوان قتل النفس عليه.

لكن ظاهر غير واحد من النصوص، بل الفتاوى عدم ترتب غير الدية عليه كما عن المحقق، قال: «ولو القت المراة حملها مباشرة او تسبيبا فعليها دية ما القته، ولانصيب لها من هذه الدية‏»، وهو شامل لقتل العمد، بل ظاهر قوله: «لانصيب لها من الدية‏» كونه كذلك لمانعية القتل من ارث الدية. وقد اقره في الجواهر على ذلك بعد نقل المتن بقوله : «بلا خلاف ولا اشكال في ثبوت الدية عليها بل وفي عدم ارثها ايضا مع العمد»، وهو ظاهر في كون المسالة اجماعية من دون تفصيل بين صورتي ولوج الروح وثبوت القود والقصاص فيها بقتل الجنين وعدمه، بل ظاهر روايات الباب ذلك، منها:

1- ما رواه سعيد بن المسيب، قال: سالت علي بن الحسين(ع) عن رجل ضرب امراة حاملا برجله فطرحت ما في بطنها ميتا الى ان قال: «وان طرحته وهو نسمة مخلقة له عظم ولحم مزيل [مرتب] الجوارح قد نفخت فيه روح العقل فان عليه دية كاملة‏».

2- ما رواه ابو عبيدة في الصحيح عن ابي عبداللّه(ع) في امراة شربت دواء وهي حامل لتطرح ولدها فالقت ولدها، قال:

«ان كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فان عليها دية تسلمها الى ابيه‏» الى ان قال: قلت: فهي لا ترث من ولدها من ديته؟ قال: «لا، لانها قتلته‏»، وهي صريحة في كون الجناية عن عمد وفي كون الولد كاملا، وانها كالصريحة في عدم القود مع ان المعروف ان الام تقتل بقتل ولدها عمدا، وبذلك صرح في الجواهر بانه لا يجد فيه خلافا الا من الاسكافي الذي وافق العامة على ذلك، قياسا على الاب و استحسانا، فلو كان القصاص هو الواجب الاولي لوجب ذكره في الحديث مع اعتبار سنده.

3- عن محمد بن مسلم، عن ابي جعفر(ع)، قال: سالته عن الرجل يضرب المراة فتطرح النطفة فقال : «عليه عشرون دينارا» ، الى ان قال: «اذا كان عظما شق له السمع والبصر ورتبت جوارحه، فاذا كان كذلك فان فيه الدية كاملة‏» ، وهي مطلقة تشمل صورة العمد وغيرها.

والحاصل : فروايات دية الجنين واسقاطه عمدا او خطا على كثرتها ليس فيها ما يدل على القصاص والقود، وفي ذلك دليل على عدم ثبوت القصاص، ولو سلمنا الشك في المسالة يكون المورد حينئذ من موارد درء الحد والقصاص بالشبهة.

ومن كل ذلك يعلم اهتمام الشارع بحياة الام و الجنين الذي في بطنها، حيث عده كسائر افراد الانسان الا في حكم القصاص لدليل خاص.

ثم ان في مسالة سقط الجنين حالات ست، ثلاث منها تتعلق بفرض عدم ولوج الروح والثلاث الاخرى تتعلق بفرض ولوجها، وفيما يلي نذكرها حسب الترتيب:

الاولى توقف حياة الام على الاسقاط:

اذا توقفت حياة الام على اسقاط الجنين الذي لم تلجه الروح بعد، ولم يبلغ حد الانسان الكامل بحيث لا يصدق عليه انه انسان او نفس محترمة، فلا اشكال في جواز الاسقاط حفاظا على حياة الام التي هي اهم في نظر الشارع. وكذا اذا خيف على حياتها وان لم يعلم علما قطعيا بالخطر و الضرر، فحينئذ يدور الخوف عليها مدار سيرة العقلاء، لعدم حصول اليقين غالبا، حيث يجعلون الخوف طريقا الى الواقع، فيجوز الاسقاط كذلك.

وهل تترتب الدية في اسقاطه على الام باعتبار كونها قاتلا، وذلك بان تؤديها لمن سواها من ورثته؟ فيه وجهان:

من شمول عمومات الدية للمقام، ومجرد جواز الاسقاط لا يمنع من تعلق الدية، نظير الاكل في المخمصة الذي لا ينافي الضمان.

ومن ان الدية فرع الجناية وليس المقام من مصاديقها، فتكون المسالة هنا نظير اجراء الحد او القصاص بحكم الشارع المقدس، فكما ان الحداد ومجري القصاص لا يضمنان الدية كذلك ما نحن فيه.

وان شئت قلت بانصراف العمومات عن مثل هذا، وان قياسه على الاكل عند المجاعة قياس مع الفارق، لان الضمان من آثار مطلق الاتلاف والدية ليست كذلك حتى مع اذن الشارع كما في موارد الحدود الالهية على الاقوى، ولذا قلنا في مبحث التشريح الواجب او الجائز شرعا بعدم الدية.

الثانية الاسقاط بسبب مرض الام:

اذا خيف على الام الحامل من مرض شديد او نقص لبعض الاعضاء في بدنها، كما لو اصيبت بالعمى وتداوت بدواء يسقط به الجنين الذي لايصدق عليه بعد انه انسان، او ذو نفس محترمة، حيث ان مداواتها بذلك الدواء وانقاذها ارجح واهم جاز لها التداوي به والاسقاط . وكذا فيما لو ابتليت الام مثلا بمرض السرطان وكان طريق علاجها منحصرا بالمداواة بالادوية الكيمائية الموجبة حسب الفرض لاسقاط الجنين و ان لم يكن ذلك الداء مؤديا لموت الام مثلا، وحينئذ لا تتعلق الدية ايضا بنفس البيان المتقدم.

الثالثة الخوف على الجنين من النقص في الاعضاء:

اذا خيف على الجنين من نقص في الاعضاء، او علم بانه سيكون ناقص الخلقة كفقد السمع او البصر، او مصابا بالشلل في يديه او رجليه فيكون في ذلك بلاء وامتحانا له ولابويه مدى العمر، والمفروض انه لم تلجه الروح ولم يصور على صورة الانسان الكامل، فلا يبعد جواز الاسقاط حينئذ لامكان دعوى انصراف ادلة حرمة الاسقاط عن مثل هذه الصورة التي لايكون الاسقاط فيها جائزا لمجرد الاشفاق على الجنين فحسب، بل لما في ذلك من الحرج الشديد على والديه والمجتمع.

وقد عرفت ان عمدة ما يدل عليه هو الملازمة بين وجوب الدية على فرض الاسقاط وحرمته تكليفا، وثبوت الدية في هذا الفرض اول الكلام، فتامل.

ثم ان القول بجوازه منوط بتحقق العلم او الظن المتاخم له المورث للاطمئنان، والا فلا يجوز بمجرد الاحتمال.

الرابعة الخوف على الام بعد ولوج الروح:

اذا كان الجنين كاملا وقد ولجته الروح ولم يعلم بنقص فيه على الاقل وخيف على حياة امه، فهل يجوز جعل الجنين فداء لامه فيما اذا دار الامر بينه وبينها؟

الانصاف انه امر مشكل ، لعدم الفرق بين النفسين من حيث كون كل منهما نفسا محترمة مؤمنة او ملحقة في الحكم بها، فهما من هذه الجهة سواء، لا يجوز قتل احدهما لحفظ حياة الاخر.

اللهم الا ان يقال : ان ثبوت القصاص في احدهما دون الاخر دليل رجحان حفظ حياة الام على الجنين وان تساويا من حيث النفس الانسانية و من حيث الدية، فاذا دار الامر بين حفظ حياة الام وحياة الجنين جاز تقديم حياة احدهما على الاخر.

ثم ان في الدية ما تقدم من ثبوتها في فرض وقوع الجناية المحرمة لا ما اذا كان مباحا باجازة الشارع المقدس ، فمن البعيد جدا ترتب الدية عليه حينئذ.

هذا فيما اذا قلنا بجواز الاسقاط بالبيان المتقدم. واما ان قلنا بالحرمة، فالواجب تركهما على حالهما حتى يقضي اللّه بينهما، فان ماتت الام وبقي الجنين حيا بمجرد تولده منها، او ماتت الام وامكن اخراج الجنين حيا من بطنها بسرعة، او مات الجنين سقطا وبقيت الام سالمة فما ذلك الا بقضاء اللّه تعالى وقدره لعلمه بمصالح العباد.

ولعل فرض دوران الامر بين حياة الام وحياة الجنين فرض نادر لدوران الامر في الغالب بين موتهما معا وموت الجنين فقط، و ذلك لانه اذا بقي في بطن امه ادى الى قتلها ثم موته بعدها لارتباط حياته بحياتها، وحينئذ لا يبعد جواز اسقاطه لدوران الامر بين موت نفسين وموت نفس واحدة، فباسقاطه تبقى الام على قيد الحياة، وهذا بخلاف ما اذا علم ببقاء احدهما وموت الاخر، فان ترجيح احد النفسين على النفس الاخرى يكون حينئذ امرا مشكلا، اللهم الا ان يستدل للترجيح بما مر من مسالة اختصاص القود بقتل احدهما دون الاخر، فتدبر.

الخامسة العلم بتولده ناقصا بعد ولوج الروح:

اذا علم علما قطعيا او ظنيا يطمان به بان الجنين سيولد ناقصا بعد ولوج الروح فيه، وليس في بقائه ضرر او خطر على الام، فهل يجوز اسقاطه؟ فيه وجهان:

الوجه الاول : القول بعدم الجواز لصدق عنوان الانسان الحي عليه، فانه كما لا يجوز قتل ناقص الخلقة كالمجنون او المصاب بقطع بعض اعضاء بدنه من نخاع وغيره‏ بعد ولادته كذلك لا يجوز قبلها بعد ولوج الروح وكونه انسانا كاملا، لشمول اطلاقات حرمة قتل المؤمن لمثل المجانين والاطفال من غير فرق بينهم، ولا اختصاص لها بالانسان السوي العاقل، وكذا شمول عمومات حرمة قتل الجنين وما يترتب عليه من الدية.

ان قلت: تقدم فيما سبق عدم القود في قتل الجنين، وان الحكم فيه هو الدية خاصة.

قلنا : ليس الكلام فعلا في القصاص والقود، بل الكلام في الحرمة التكليفية وما يترتب عليها من الاثار، فانه لا فرق من هذه الجهة بين الصحيح والسقيم والكامل والناقص عقلا او عضوا.

الوجه الثاني: الجواز نظرا الى ما يترتب على وجوده ناقصا من الحرج والعسر عليه وعلى ابويه وعلى المجتمع، والضرورات تبيح المحظورات، لاسيما مع الفرق بين حرمة الجنين مع المولود الحي كما عرفت.

والانصاف ان مثل هذه الضرورات غير كافية في اباحة مثل هذه المحظورات، وانه لا يصح الاستناد الى مثل ذلك، فلا يجوز قتل الجنين بعد ولوج الروح فيه، كما لا يجوز قتل المجانين والمصابين بالعاهات البدنية ممن لا يرجى صحتهم، على الاقوى.

السادسة اسقاط الجنين لكثرة النفوس:

هل يجوز اسقاط الجنين بسبب كثرة النفوس اذا كانت سببا للمشاكل الكثيرة بحصول العلم اليقيني بذلك او بشهادة ذوي الخبرة الثقات؟ لا شك في عدم جوازه بعد ولوج الروح، فانه لا يجوز قتل النفس استنادا الى ذلك.

واما قبل ولوجها بان كان الجنين في مراحله الاولى ككونه نطفة او علقة، فكذلك يحرم اسقاطه وان لم يكن في الحكم من قبيل اسقاط الانسان الكامل او النفس المؤمنة ومن يلحق بهما، فلا يجوز ذلك الا عند الضرورة، بل يوجب الاسقاط غالبا الاضرار بالام لانه امر غير طبيعي. علما بان طرق المنع من التكاثر كثيرة لا تنحصر بمثل هذا المحرم ليحصل التزاحم بين الاسقاط والامور الاخر.

وعلى كل حال فالافتاء بجواز الاسقاط في اي مرحلة من مراحل الجنين مشكل جدا، خصوصا بعد العلم بعدم وجود الضرورة لذلك.

بقى هنا فروع: الفرع الاول: مما يتفرع على ذلك هو ما يسمى في عصرنا بالاماتة ارفاقا ورحمة بالمريض، وذلك اذا كان الانسان يعاني من الالام فوق طاقته بسبب مرض او عاهة بدنية او نقص في الخلقة بحيث يكون موته بعد شهر او شهرين مقطوعا به، فهل يجوز للطبيب او للمريض ان يقتل نفسه تخلصا من الالام ؟ علما ان بعض الدول جوزت ذلك للاطباء اذا اراد المريض نفسه ذلك ووضعوا له قانونا مع شرائط خاصة.

الانصاف ان ذلك لا يجوز، لعدم انسجامه مع مذاق الشريعة الاسلامية بعد ما عرفت من عدم جواز اسقاط الجنين اذا ولجته الروح، وذلك لورود الادلة على حرمة قتل المؤمن، او ان المؤمن لا يقتل نفسه.

وقد ورد في ذلك روايات عديدة نقتطف منها ثلاثا افرد لها في الوسائل بابا تحت عنوان: باب تحريم قتل الانسان نفسه وهي:

اولا: عن ابي ولاد، قال: سمعت ابا عبداللّه (ع) يقول: «من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها». والتعبير بالخلود قرينة على عدم خروجه من الدنيا مؤمنا، او بمعنى اللبث في جهنم طويلا.

ثانيا: ما رواه الصدوق، قال: قال الصادق(ع): «من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها، قال اللّه عز وجل: (ولا تقتلوا انفسكم ان اللّه كان بكم‏رحيما × ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على اللّه يسيرا)».

وفي الاية دلالة على المطلوب بعد استدلاله(ع) بها، وان احتمل تفسيرها بقتل الانسان لغيره كما في قصة بني اسرائيل في قوله تعالى: (فاقتلوا انفسكم).

ثالثا: ما رواه ناجية، عن ابي جعفر(ع)، قال: «ان المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة الا انه لا يقتل نفسه‏». وهي تشمل بعمومها حالات الانسان، فتدبر.

فتحصل:ان هذه الادلة لا دليل على تخصيصها او تقييدها فتبقى على اطلاقها او عمومها، ومجرد العسر والحرج الشديد لا يبرر القتل، فلا يجوز قتل الغير رحمة وارفاقا، بل لا يجوز له قتل نفسه لذلك.

ولو اقدم الطبيب على اماتة المريض او تسريع موته فهل يعد قاتلا يجوز ان يقتص منه او تؤخذ منه الدية، ام لا يكون شي‏ء منهما؟

للمقام مسالة معروفة مشابهة منصوصة في كلمات الفقهاء، وهي: انه لو قال انسان سليم لاخر: اقتلني والا قتلتك، لم يجز قتله، لان الاذن لا يرفع الحرمة، ولكن لو اثم وقتله لم يجب القصاص عند الشيخ في المبسوط والعلامة في بعض كتبه والشهيد الثاني في المسالك على ما حكي عنهم ذلك، مستدلين عليه بان المقتول اسقط حقه بالاذن فليس للوارث حق القصاص، وفرع في الجواهر على هذا القول عدم وجوب الدية ايضا، لانها ملك للميت اولا وبالذات، ومن ثم تنتقل الى الوارث، ولذا تؤدى منها ديونه، فالمقتول باذنه اسقط حقه.

ولكن ناقشه في ذلك كله في الجواهر ومال الى الحكم بالقصاص او الدية على فرض عدمه.

والانصاف ان شمول ادلة القصاص و الدية للمقام لا يخلو عن اشكال، لدرء القصاص بالشبهات كالحدود، وان الاصل في الدية البراءة.

ان قلت: لا يصح حمل المقام على تلك المسالة، لان المفروض هناك اكراه المقتول للقاتل بقوله: اقتلني والا قتلتك، وليس في المقام اكراه بل هو يطلب من الغير ويرجوه قتله، فلا يجوز قياس احداهما على الاخرى.

قلت: ليست المسالة منصوصة بنص خاص حتى يستند الى عدم جواز القياس، بل الذي استند اليه في الحكم بعدم ثبوت القصاص او الدية هو اذن المقتول فلا تشمله ادلة القود والديات. ومن الواضح ان الاذن حاصل هنا ايضا، فبعين الدليل يستدل على عدم القصاص والدية. نعم، الفرق بين المسالتين انه في المقام يثبت التعزير على ذلك لكونه من الكبائر، ويمكن ابتناء الحكم في المسالة المعروفة على التعزير ايضا.

الفرع الثاني : قد عرفت مما تقدم انه في الموارد التي لا يجوز اسقاط الجنين يجب فيها الدية، والدية انما هي على المباشر فقط، فلو كان المباشر في الاسقاط هو الطبيب وجب عليه اداء الدية الى ابويه، ولو كان ذلك بطلب الابوين او احدهما لم يكن عليهما شي‏ء، واستقرت الدية على الطبيب كما صرح بذلك الاصحاب في بعض الفروع المشابهة. ففي الجواهر قال:

«اذا اكرهه على القتل فالحكم فيه عندنا نصا وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه ان القصاص على المباشر الكامل دون الامر المكره، بل ولا دية، بل ولا كفارة، بل ولا يمنع من الميراث، وان استشكل فيه في القواعد»، ثم استدل عليه بان المباشر هو القاتل لغة وعرفا.

والذي يظهر ان المسالة مورد اتفاق الاصحاب في الجملة، وصريح عبارة الجواهر عدم جريان شي‏ء من الاحكام الاربعة اعني : القصاص، والدية، والكفارة، والمنع عن الميراث في غير المباشر، ومن الواضح ان الحكم بذلك في المقام اولى، لعدم تحقق الاكراه بالنسبة للطبيب.

اللهم الا ان يقال: ان الطبيب وان كان مباشرا مع اذن الابوين له في الاسقاط، يكون جانيا مستحقا للتعزير، وكذا الابوين لو كانا هما السبب في ذلك، لكن الابوين لم يستحقا شيئا من الدية لمكان اذنهما له بذلك، لما تقدم من ان الاذن في امثال المقام يوجب سقوط الحق كما مر في مسالة لو قال احدهم للاخر اقتلني فقتله لم يكن عليه قصاص ولا دية استنادا الى كون القتل باذن، والاذن مسقط، وانه من البعيد شمول الاطلاقات لما نحن فيه، ولو فرض الشك فيها فالاصل هو براءة الطبيب. ومن ذلك يظهر حال ما لو طلب احد الابوين ذلك واذن فيه سقط حقه فقط دون الاخر، فهل تكون الدية بكاملها للاخر او له سهمه فقط؟

الظاهر هو الثاني، لسقوط سهمه بالاذن، لا انه ممنوع من الميراث حتى يرثه غيره.

ولو شربت الام دواء فاسقط جنينها، فهنا انعكس الامر فكان الطبيب آمرا والام مباشرة، وجبت الدية عليها لابيه لكونها المباشر في القتل، ولو مات ابوه قبل ذلك فالدية للاخوة والاخوات والجدة والاجداد وهكذا. وكذا الحال فيما لو وصف لها الطبيب دواء لاسقاط الجنين فشربته او هي طلبت منه دواء فاعطاها فشربته فاسقطت جنينها، كانت هي المباشر في ذلك، ووجبت عليها الدية. ويتبع الحكم المتقدم ما لو ابتاع الاب لها دواء لهذا الغرض فشربته كانت الدية عليها. واما لو اعطاها زوجها دواء يعلم انه يسقط الجنين وكان قاصدا لاسقاطه، وزعم انه نافع لتقوية الجسم مثلا فشربته كان القاتل هو الاب دونها، لعدم استناد الفعل اليها، وكذا الحال فيما لو كانت قاصرة العقل.

والحاصل: فالمدار في كل ذلك على الاسناد العرفي، فانه من الواضح اسناد الفعل الى المباشر مع وجود السبب، الا ان يكون المباشر ضعيفا بان يكون مغلوبا على امره مقهورا على العمل، او كان المباشر قاصر العقل بالصبا او الجنون، او كان جاهلا بالواقع بالمرة كما تقدم آنفا، فان الفعل في جميع ذلك يسند الى السبب لقوته وضعف المباشر. واما لو كان المباشر بالغا عاقلا عالما مختارا فالفعل يسند اليه دون السبب، للصدق العرفي في ذلك، مضافا الى دلالة جملة من الروايات الواردة في ابواب مختلفة:

1- منها: ما رواه زرارة، عن ابي جعفر(ع): في رجل امر رجلا بقتل رجل فقتله قال: «يقتل به الذي قتله، ويحبس الامر بقتله في الحبس حتى يموت‏».

2- ومنها: ما عن السكوني، عن ابي عبداللّه (ع)، قال: «قال امير المؤمنين(ع) في رجل امر عبده ان يقتل رجلا فقتله، فقال امير المؤمنين(ع): وهل عبد الرجل الا كسوطه او سيفه، يقتل السيد ويستودع العبد السجن‏».

3- ومنها: ما عن سماعة، في رجل شد على رجل ليقتله، والرجل فار منه فاستقبله رجل آخر فامسكه عليه حتى جاء الرجل فقتله، فقتل الرجل الذي قتله، وقضى على الاخر الذي امسكه عليه ان يطرح في السجن ابدا حتى يموت فيه.

4- ومنها: ما دل على قتل شاهد الزور اذا كان هو السبب في القتل، نظير ما رواه مسمع عن ابي عبداللّه (ع): «ان امير المؤمنين(ع) قضى في اربعة شهدوا على رجل انهم راوه مع امراة يجامعها، فيرجم الى ان قال: وان قالوا: شهدنا بالزور، قتلوا جميعا »، والمراد من ذلك قتلهم مع اداء ثلاثة ارباع الدية الى اولياء كل واحد منهم ، لما ثبت من سائر الروايات مضافا الى ضرورة العقل.

هذا كله فيما اذا تزاحم السبب والمباشر، وكانت نسبة الفعل الى الاقوى منهما.

الفرع الثالث : دية الجنين كسائر الديات يرثها المناسب والمسابب على حسب طبقات الارث ويحرم القاتل من الدية في المقام كسائر المقامات. وقد مر التصريح بذلك في بعض روايات الباب، نظير ما رواه ابو عبيدة عن الصادق(ع): في امراة شربت دواء وهي حامل لتطرح ولدها فالقت ولدها، قال(ع): «ان كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فان عليها دية تسلمها الى ابيه‏» الى ان قال: قلت:

فهي لا ترث من ولدها من ديته؟ قال(ع): «لا، لانها قتلته‏»، وفي هذه الصحيحة غنى وكفاية في اثبات المراد، وان لم يذكر الوارث في غالب روايات الباب على كثرتها بل اطلق فيها الدية، والاطلاق في المقام من قبيل الاطلاق المقامي لا اللفظي، والذي يدل على ان مصرف الدية هنا مصرفها في سائر المقامات عدم ذكره هنا مع كونهم(ع) في مقام البيان، فتدبر جيدا.

المسالة الرابعة: ضمان الطبيب لما يتلف بطباطته:

من المسائل التي لها صلة بالموضوع مسالة خطا الطبيب في التشخيص والعلاج. اما الموارد التي ذكرت في منشا الخطا فمنها ما كان في زمان التشريع و بعضها الاخر صار مستحدثا في زماننا، وهي عبارة عن:

اء ما يتلف بسبب عدم كفاءته العلمية ومع ذلك يتصدى للطبابة.

ب ما يتلف بتقصير منه في الفحص وعدم الدقة في الكشف عن حال المريض.

ج ما يتلف بسبب ما لبعض الادوية من‏العوارض والمضاعفات الجانبية التي تعورف عند ذوي الاختصاص محظورية استعمالها لمن مرضه يستدعي تناولها، وقد ورد في الحديث انه: «ليس من دواء الا ويهيج داء»، ولذا ينبغي اجتناب تناول الادوية مهما امكن لما لها من العوارض الجانبية المضرة.

د ما يتلف بسبب عدم استخدام الوسائل والاجهزة الحديثة لتشخيص المرض، كاخذ الصور الفوتوغرافية او الاشرطة الدماغية او تحليل الدم، واكتفاء الطبيب بالفحص العادي وعدم التوصية بالامر المذكور، ويعود السبب في ذلك اما لعدم اهتمام الطبيب بهذه الامور، او رافة بحال المريض و تجنب ارهاقه ماليا، او حرصا على اختصار الوقت والتعجيل في استكمال العلاج.

ه التلف بسبب استفادة المريض من الادوية قليلة الثمن، لعدم التوصية بالاستفادة من الادوية الممتازة من الدرجة الاولى ذات الكلفة الباهضة لتجنب تعريض المريض لضغط مالي.

و التلف الحاصل بسبب اهمال الممرض، فان التمريض يكون احيانا اكثر اهمية من العلاج، سيما بعد اجراء العمليات الجراحية المهمة مثل عمليات القلب والكلية.

ز ما يحصل بسبب اجتماع اكثر من مرض في المريض. وقد تستدعي معالجة احدهما الاضرار بالاخر ، مما يقتضي التوسل بطرق واساليب تفيد الاول ولا تضر بالثاني. وكذا ما يحدث بسبب عدم توصية المريض بما لا بد له من الامتناع عنه واجتنابه واشباه ذلك.

بعد هذه المقدمة لابد لنا من‏تنقيح اصل مسالة ضمان الطبيب و عدمه بنحو كلي وبيان قواعدها واصولها لترجع الفروع المتعلقة بها الى تلك الاصول.

فنقول: قد ذكر الفقهاء هذه المسالة في كتابي الديات والاجارة لمناسبتها للمقامين، فعن المحقق في الشرائع انه قال:

«الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه ان‏كان قاصرا او عالج طفلا او مجنونا لا باذن الولي او بالغا لم ياذن. ولو كان الطبيب عارفا واذن له المريض في العلاج فآل الى التلف، قيل: لا يضمن لان الضمان يسقط بالاذن، لانه فعل سائغ شرعا، وقيل: يضمن لمباشرته الاتلاف، وهو اشبه‏». ثم تعرض لمسالة الابراء التي ستاتي الاشارة اليها ان شاء اللّه تعالى.

ويظهر من كلماتهم ان القول الثاني هو المشهور بينهم، بل يظهر من المصنف في النكت اتفاق الاصحاب عليه، وعن الغنية دعوى الاجماع على الضمان، والقول الاول محكي عن ابن ادريس وهو شاذ.

ويظهر من بعض كلمات العامة القول الاول، بل لعله المشهور بينهم لعدم ذكر مخالف فيه. قال ابن قدامة: «ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا متطبب اذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن ايديهم، وجملته ان هؤلاء اذا فعلوا ما امروا به لم يضمنوا بشرطين:

احدهما: ان يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ولهم بها بصارة ومعرفة.

الثاني: ان لا تجني ايديهم فيتجاوزوا ما ينبغي ان يقطع‏».

ومثله من بعض الجهات ما ذكره في موضع آخر منه.

وقال شيخ الطائفة (قدس سره) : «الختان والبيطار والحجام يضمنون ما يجنون بافعالهم، ولم اجد احدا من‏الفقهاء ضمنهم، بل حكى المزني: ان احدا لا يضمنهم، دليلنا اجماع الفرقة‏».

والظاهر عدم الفرق بين الختان والبيطار والطبيب من هذه الجهة، لاتحاد الدليل في البابين.

وقد حكي عن الحنفية والمالكية: ان الطبيب لا يضمن اذا قام بواجبه واحتاط ولم يتجاوز الحد. وعن الحنابلة: وكذا لا يضمن الطبيب المعروف بالحذق اذا لم يخطئ في عمله.

ويظهر مما ذكرنا من كلام المحقق وغيره ان عمل الطبيب على اقسام:

1- قد يكون مقرونا بالحذق والاذن.

2- قد لا يكون مقرونا بالحذق والاذن.

3- قد يكون الطبيب حاذقا وليس بماذون.

4- قد يكون ماذونا ولم يكن حاذقا.

اما الصور الثلاثة الاخيرة فمما لاينبغي الاشكال في ضمان الطبيب فيها لا سيما مع فقدان الوصفين المذكورين، انما الكلام في الصورة الاولى. وقد فصل السيد الامام الخميني (قدس سره) في تحرير الوسيلة تفصيلا آخر وافقه عليه عدة ممن تقدم عليه او تاخر عنه، وهو ما افاده في كتاب الاجارة، حيث قال: «الطبيب ضامن اذا باشر بنفسه العلاج بل لايبعد الضمان في التطبيب على النحو المتعارف وان لم يباشر.

نعم اذا وصف الدواء الفلاني وقال: انه نافع للمرض الفلاني ، او قال:

ان دواءك كذا من دون ان يامره بشربه فالاءقوى عدم الضمان‏»، وله في موضع من كتاب الديات نظير هذا التفصيل.

اذا عرفت ذلك نعود الى ادلة المسالة ونبحث عن مقتضى القاعدة اولا، ومن ثم نبحث ثانيا الادلة الخاصة في المقام.

اما مقتضى القاعدة في الصور الثلاث الاخيرة فالظاهر فيها هو الضمان، لما ذكرنا في التفصيل الاول من تفريطه مع عدم الحذق وحرمة تصرفه مع عدم الاذن. فعليه ضمان كل ما اتلفه وكل خسارة نشات من فعله، لقاعدة الاتلاف.

واما الصورة الرابعة: فان قلنا بان الاذن في الشي‏ء اذن في لوازمه، وان ما حصل من الخسائر البدنية والمالية كلها من اللوازم القهرية في امر الطبابة، مع تحقق الاذن، حينئذ لا يبقى مجال للقول بالضمان او اجراء قاعدة الاتلاف.

واما ان قلنا بانه ماذون في العلاج وشفاء المريض من الالام والامراض لا غير، فهو لم ياذن بقتله ونقص عضوه مثلا وشبه ذلك، فاللازم حينئذ الحكم بضمانه، لما عرفت.

ولكن الانصاف ان المريض لو علم بالملازمة العرفية ملازمة العلاج لطرو بعض العوارض احيانا كان الاذن منه في ذلك اذنا في لوازمه، لعدم امكان انفكاكهما، فهل يمكن ان ياذن المريض بالعملية الجراحية مثلا من دون ان يتحمل تبعاتها ومخلفاتها في الالام الحاصلة بعدها او الاثار التي تبقى منها في البدن احيانا؟! نعم، يمكن ان يقال: ان غفلة كثير من الناس عن تلك الملازمة الخارجية في هذا المجال يمنع عن مثل هذا الاستدلال، هذا فيما يتعلق بالتفصيل الاول.

هذا، وانه بالاستناد الى اذن الشارع المقدس بالطبابة و انها عمل سائغ، لا يمكن القول بعدم ترتب ضمان عليه، فكم من عمل سائغ اذن الشارع فيه، ولكن ترتب عليه الضمان كقضاء القاضي المعرض للخطا، فانه مضمون من بيت المال ان لم يكن مضمونا عليه. ومثله مثل جميع موارد الجنايات الخطا او شبه العمد. فهي غيرمحرمة مع ما فيها من الدية، فتامل.

واما التفصيل الثاني: وهو التفرقة بين صورة مباشرة الطبيب او عدم مباشرته مع التطبيب على النحو المتعارف بان يامر المريض بشرب ذاك الدواء وذاك بنحو خاص، وبين مجرد توصيفه من دون مباشرته وامره. فالضمان في الاولين دون الاخير. والوجه فيه هو صحة اسناد التلف الى الطبيب في الاولين اما الاول فهو واضح، واما الثاني فلقوة السبب على المباشر دون الاخير، لان الاسناد فيه الى المكلف المريض نفسه.

هذا، ولكن ما يجنيه الطبيب بيده بالتجاوز عن الحد اللازم في الختان وفي العمليات الجراحية، فهو امر مضمون على كل حال لعدم الملازمة العرفية، بخلاف بعض عوارض الادوية مما لا يمكن الاجتناب عنه عادة.

ويمكن الاستدلال لعدم الضمان بقوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) ، بتقريب: ان عمل الطبيب مصداق ظاهر للاحسان، سيما مع عدم اخذ الطبيب الاجر على عمله، والضمان سبيل، ولذا قد ورد في الحديث عن السكوني عن جعفر عن ابيه(ع) : ان رجلا شرد له بعيران فاخذهما رجل فقرنهما في حبل فاختنق احدهما ومات، فرفع ذلك الى علي(ع) فلم يضمنه، وقال: «انما اراد الاصلاح‏».

وقد يناقش: بانه لا سبيل الى المحسن في احسانه، والمفروض انه اخطا في احسانه ولم يحسن بل اراد الاحسان، مضافا الى ان نفي السبيل ظاهر في نفي العقوبة و شبهها واما ضمان الاتلاف فهو امر آخر، فتامل.

واما الرواية المتقدمة: فهي غيرناظرة الى حدوث الموت بسبب تفريط الاخذ، لان الموت حدث بسبب حركة الابل لا بسبب فعل الاخذ لها.

ثم ان الادلة الخاصة في المسالة جملة من الروايات، وهي:

1- ما ورد في باب مطلق الاجير مثل صحيحة الحلبي، عن ابي عبداللّه (ع)، قال: سئل عن القصار يفسد، فقال: «كل اجير يعطى الاجرة على ان يصلح فيفسد، فهو ضامن‏».

2- عن ابي الصباح، قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن القصار هل عليه ضمان؟ فقال: «نعم، كل من يعطى الاجر ليصلح فيفسد، فهو ضامن‏»، ومثله غيرهما.

وتقريب الاستدلال، ان يقال: ان هذه الاحاديث عامة وشاملة للطبيب والبيطار والختان وجميع ارباب التخصص.

ولكن الانصاف انها ناظرة الى صورة التعدي والتفريط ولو من باب الخطا وشبهه لا عن عمد كخرق القميص ببعض ما في يده، اما لو عمل بما هو وظيفته من دون اي نقص في عمله، ولكن حصل الفساد من ناحية عيب في الثوب مثلا كما لو غسله عدة مرات فانخرق كما هو حال الثياب فالتفريط لم يكن من جهة الخياط والقصار.

وكذا الحال في الطبيب، فانه لو اثر الدواء في‏المريض اثرا بسبب بعض الحالات النادرة كالحساسية التي لا تنكشف بالاختبار او بعض الامراض الكامنة التي لا اثر لها ظاهرا ولم يكن يعلم بها الطبيب والمريض فاضر به الدواء لبعض هذه الامور ومات او حصلت في بدنه عاهة او نقص لم يكن الطبيب بمقتضى هذه الروايات ضامنا.

3- ما دل على خصوص الطبيب وذكر حكمه، مثل ما رواه السكوني عن ابي عبداللّه (ع)، قال: «قال امير المؤمنين(ع):

من تطبب او تبيطر فلياخذ البراءة من‏وليه، والا فهو له ضامن‏».

وفي معناه ما في المستدرك عن الجعفريات عن علي(ع) .

واخذ البراءة من الولي ناظر الى ما اذا كان المريض صغيرا او كان بحد لا يقدر ان ينظر في مصالحه ومفاسده.

وقد يتوهم ان اخذ البراءة من قبيل اسقاط ما لم يجب وهو مخالف للقواعد، ويدفعه ان ذلك جائز اذا حضر المقتضي له، مثل اسقاط حق القسم في عقد النكاح او اسقاط كافة الخيارات في العقد، مع انها لم تجب بعد، لا سيما بعضها الذي لا يتحقق الا بعد مضي مدة من العقد كخيار التاخير او خيار الغبن بناء على انه لا يكون الا بعد ظهور الغبن وكذا خيار العيب.

ودلالة الحديث على الضمان لولا البراءة ظاهرة، فلا يتوجه اليه الاشكال الا من ناحية السند، فان العمل بروايات السكوني فيما تفرد به مشكل على ما بيناه في محله، اللهم الا ان يقال بانجبار ضعف السند فيه بعمل المشهور . ولكن يحتمل استنادهم الى العمل بمقتضى القاعدة القاضية بالضمان، او الى العمل بما مر من روايات الاجير، فتدبر جيدا.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: ان الضمان في الجملة هو مقتضى القاعدة والروايات العامة والخاصة.

حدود الضمان الثابت بالجناية و شروطه:

الظاهر ان القدر المتيقن منه هو ما اذا جنت ايديهم او وقع الخطا في تشخيص الامراض وتعيين الادوية كما وكيفا وما شابه ذلك. واما لو عملوا بما هو المتعارف بحسب وظيفتهم، ولم تجن ايديهم ولم يقع لهم السهو والخطا، وانما حصلت الخسارة من جهات اخرى، فالظاهر عدم الدليل على ضمانهم.

اذا عرفت ذلك فلنعطف الكلام على ما تقدم من المسائل، فنقول: هاهنا صور ثمان:

الصورة الاولى: اذا قدم على العمل وحصلت الخسارات بسبب قصوره في العلم مع علمه بذلك او عدم علمه به، بان كان جاهلا بسيطا او مركبا، فلا شك في ضمانه لما جنت يديه او لما وقع له من الخطا.

الصورة الثانية: ما اذا حصل التلف بسبب قصوره في الفحص او عدم الدقة في الكشف على المريض، فيكون ضامنا بلا شك، بل الظاهر اجماع العلماء عليه، بل العقلاء جميعا وكذا الصورة السابقة، لاستناد التلف اليه على كل حال.

الصورة الثالثة: اذا كان التلف مستندا الى الاثار المضرة المترتبة على الدواء فحسب، وهي على قسمين:

اء الاثار الغالبة الموجودة في جميع الادوية او اكثرها ، و الظاهر عدم ضمان الاثار المترتبة من جهتها، لاءن ذلك من اوضح مصاديق «الالتزام بالشي‏ء التزام بلوازمه‏»، مع علم غالب الناس بما لتلك الادوية من العوارض الجانبية المضرة، ولكن الاولى تاكيد الاطباء على تلك العوارض والاثار وكذلك تاكيد مراكز صناعة هذه الادوية عليها، للحد من استعمال الادوية والاقتصار في استعمالها على موارد الضرورة وبالمقدار اللازم.

ب الاثار النادرة جدا بحيث لا يعتني بها اهل هذا العلم، والا لزم الاجتناب عن جميع الادوية، لان موارد الخطر بهذا المقدار توجد في الجميع.

وان شئت قلت: يوكل المريض في الغالب امره الى الطبيب في معالجته على النحو المتعارف، وهذا هو المالوف، فما يترتب عليه من اللوازم يكون مقبولا ماذونا من ناحية المريض اجمالا، فهو في حكم اخذ البراءة منه.

الصورة الرابعة: عدم اعتناء وعدم مبالاة الطبيب بالاجهزة الطبية المتعارفة في الفحص عن حال المريض، كاخذ الصور (الفتوغرافية)، والاشرطة والتحليل، وغيرها، والاكتفاء بالفحص العادي اما مراعاة لحال المريض من حيث المصارف والكلفة او غير ذلك على نحو ما مر آنفا.

ثم ان التلف تارة يكون مستندا الى عدم الرجوع الى تلك الاجهزة والوسائل في تشخيص المرض لقصور الطبيب او تقصيره، فان الامراض مختلفة، فبعضها لا يجوز الاكتفاء فيه بالفحص العادي المجرد من هذه الامور الاجهزة ، فلو وقع فيه خطا كان الطبيب مقصرا ضامنا. وبعضها ليس كذلك ويكتفى فيه عادة بالفحص العادي.

واخرى، اذا لم يكن هناك طريق الى تلك الاجهزة اما لعدم وجودها في تلك البلاد، وعدم امكان الوصول اليها في البلاد الاخرى، او عدم استطاعة المريض المالية للوصول اليها مع وجودها، فيقتصر على المقدار المتعارف العادي، فلا ضمان حينئذ على الطبيب، لما عرفت من انه موكل بالطبابة على النحو المتعارف ولم يتجاوز عنه.

والحاصل: ان المدار على صدق التعدي او التفريط فيما صنعه في طبابته، او صدور خطا منه، لحصول بعض الحوادث غير المترقبة.

الصورة الخامسة : اذا حصل التلف نتيجة خطا الاجهزة في تشخيص المرض، فالظاهر ان الضمان على المتصدي لتلك الاجهزة اذا كان بتقصير منه في اداء وظيفته، والطبيب غير ضامن اذا كان المتصدي لتلك الاجهزة ممن يطمان به وبعمل اجهزته ظاهرا، فانه حينئذ من قبيل قوة السبب على المباشر فينسب التلف اليه.

نعم، اذا كان بعض الخطا في الاجهزة مما لا يمكن الاجتناب عنه، فقد يخطئ بنسبة واحد في الالف او في العشرة آلاف، فوقع هذا الخطا امكن الحكم بعدم ضمان المتصدي للاجهزة ايضا لانه موكل بالفحص بها على النحو المتعارف، واما ما لا يمكن الاجتناب عنه من خطا الاجهزة فهو غير مسؤول عنه.

الصورة السادسة : وهي تشترك من بعض الجهات مع الصورة السابقة. فلو كان هناك انواع مختلفة من الدواء لمرض واحد وكان بعضها اغلى ثمنا ولا يقدر المريض على تحصيلها، فلو علم الطبيب بعدم قدرة المريض على شراء الاغلى ثمنا فوصف له الاقل ثمنا الذي قد يكون فيه بعض المضرات، فهل يكون ضامنا؟

وبعبارة اخرى: قد يكون الطريق الوحيد للمريض منحصرا بالدواء الزهيد، ولا دواء للمرض غيره، ولكن قد يكون فيه بعض الاخطار، حينئذ لو حصل التلف يمكن ان يقال انه ليس ضامنا، لاداء وظيفته من دون اي تقصير وقصور لكون المشكل في بعض الادوية.

والاحوط في مثل هذه الموارد اعلام المريض بذلك ليكون على بصيرة من امره، ويكون ذلك بحكم اخذ البراءة منه.

الصورة السابعة : وهي قصور او تقصير الممرض عن اداء ما عليه من المسؤوليات التي لا تقل اهمية عن العمليات الجراحية او الطبابة، بل تعد اهم في بعض الاحيان، و لولاها لم تنجح تلك العمليات الجراحية، وهذه الصورة على انحاء ثلاثة:

تارة: يكون تقصيره مستندا الى‏عدم توجيهات الطبيب اللازمة، فانه لا شك في ضمان الطبيب هنا، لكونه من مصاديق قوة السبب على المباشر.

واخرى: يكون بسبب تقصيره بعد معرفة وظيفته ومسؤوليته، ولا شك في ضمانه هنا لكونه المباشر في ذلك.

وثالثة: يكون بسبب استخدام من ليس له خبرة بامر التمريض من قبل الطبيب او مدير المستشفى، والضمان هنا ايضا ثابت، وقد تتفاوت الحالات بان يكون السبب اقوى في بعضها دون المباشر، وفي البعض الاخر العكس.

الصورة الثامنة: وهي على اقسام ايضا : فتارة: يمكن تشخيص المرض بادنى فحص او بالفحص بالمقدار اللازم، فلو تركه الطبيب وكان تركه سببا في تلف او خسارة كان ضامنا.

واخرى: يمكن تشخيص المرض بالسؤال عن المريض ولم يسال كان ضامنا، وكذا لو كان الدواء مضرا بالحمل ولم يسال الطبيب عن المريضة هل هي حامل ام لا ؟ فسبب ذلك خسارة على جنينها. فاللازم عليه السؤال عن امثال ذلك.

وثالثة: اذا لم يمكن تشخيص المرض عن طريق الاختبار ولا عن طريق السؤال عن المريض، فاضر بعض الدواء بحاله فان ضمان الطبيب حينئذ يكون بعيدا، لما عرفت من انصراف الاطلاقات عن مثل المقام ، وكونها ناظرة الى ما يعد عند العقلاء انه من اسباب الضمان.

وقس على هذه الصورة ما سواها من المسائل، فان الادلة واضحة ومباني المسالة ظاهرة، ورد فروعها اليها يعلم مما ذكرنا.