«كلمة التحرير» الشيخ خالد الغفورى بسم اللّه الرحمن الرحيم ان عملية الافتاء عندما ننظر اليها من زاوية الواقع العملي
سنذعن بانها ضرورة ملحة.. وهذا من الوضوح بمكان لكون
الاعم الاغلب من ابناء المجتمع لا يملكون القدرة على
استنباط الاحكام من الادلة مباشرة و يتعذر عليهم الاحتياط
عادة .. فينحصر الطريق امامهم في مراجعة اهل الذكر وذوي
الاختصاص من المجتهدين .. اذن فلا ريب في اهمية الافتاء
الذي هو باب الشريعة الذي منه تؤتى و الحصن الحصين الذي
يحميها من الاندراس والانحراف.. ونحن يمكننا ان نتبين
مدى الاهمية الكبرى التي اعطيت لقضية الافتاء والفقاهة من
خلال دراسة النصوص الواردة بهذا الشان .. منها بل اهمها قوله
عز من قائل: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من
كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا
رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) فان في هذه الاية المباركة عدة
اثارات:
الاولى اعتبار التفقه بالدين الحنيف ضرورة ثابتة لا محيص
عنها وقضية حتمية لا ترتفع حتى حال وجوب الجهاد .. بل
ورود الحض فيها على التفقه والامر به لا مجرد بيان كونه
سائغا ومباحا شرعا..
الثانية بيان انحلال الامر بالتفقه وانقسامه على جميع
قطاعات المجتمع.. ولم يكتف بايضاح اصل الحكم اي وجوب
التفقه كما هو المعهود في بيان الاحكام الكفائية نظير قوله
تعالى: (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف
وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) فان المستفاد من
اية النفير ان الاجتهاد ليس حكما كفائيا صرفا.. بل يشبه
العيني، لقوله: (من كل فرقة منهم طائفة) فهو عيني بالنسبة
الى كل فرقة فرقة.. وكفائي بالنسبة الى افراد الفرقة الواحدة،
للاكتفاء باية طائفة منها .. وبهذه المعادلة يتم استيعاب الامة
بكل فصائلها وتغطية حاجتها الرسالية ميدانيا ..
الثالثة لقد طرحت الاية التفقه بما له من المعنى الواسع
الرحب .. ولم تحصره في افاق ضيقة محدودة كما هو لمتعارف
في ازمنتنا هذه.. حيث ان المفهوم عرفا من مصطلح التفقه
والفقاهة هو القدرة على تحصيل واستخراج الاحكام من ادلتها
المحددة وفق ضوابط واسس مثبتة و منقحة من قبل
الاصوليين.. بيد ان التفقه المطلوب والمراد قرانيا هو القابلية
على فهم الرسالة بكل ابعادها العقيدية والاخلاقية و التشريعية
.. وهذا السنخ من التفقه هو الذي يحمي الرسالة من الضمور
والموت .. ويصونها من التعطيل والتحجر لا التفقه الناقص
الذي يقتصر على معالجة الشريعة من زاوية خاصة ..
الرابعة ضرورة ايصال الثقافة الرسالية الى الامة بنحو مؤثر
(ولينذروا قومهم) والذي يكون بدوره طريقا ممهدا لامتثال
المنذرين و مقدمة لا يستغنى عنها لبناء المجتمع المنشود
(لعلهم يحذرون) .. فلاالانذار العقيم وغير المنتجيشبع غرض
الشارع.. ولا الاخبار غير الفاعل والفاقد لعناصر التحريك
يحقق مكسبا مهما .. حيث ان الاية لم تقتصر على ذكر الحكم
وحده .. بل اتت به مسبوقا وملحوقا بجملة من العناصر التي
تشكل بمجموعها مركب الوعي والدفع باتجاه التنفيذ والانقياد
.. و هو ان دل على شيء انما يدل على شدة عناية الشارع
واهتمامه بهذا الامر.. مما يقتضي كون الاستجابة من قبل
المعني والمخاطب بهذا الحكم على مستوى بحيث يتناسب
مع حجم المسؤولية المسجلة في عهدته .. بمعنى ان تكون
حركة المخاطب نحو امتثال هذا الامر الرباني اي التفقه في
الدين وافية بتحقيق المراد بتمامه .. ولا يخفى توقف ذلك
على تشخيص ووعي غرض المولى والهدف المقصود من
الحكم رتبة سابقة ..
وعلى ضوء ذلك يتم تقويم حركة كل طائفة من كل فرقة ..
فقبل بداية النفير لطلب العلم والشروع في التفقه لا بد من
اعتماد خطة احصائية دقيقة لانتداب الكادر المستعد
وانتخاب الطائفة اللائقة بتحمل عبء التفقه بما فيه من
حيثيات وابعاد فعلية ومستقبلية ..
و بعد تجاوز مرحلة البناء والاعداد والوصول الى مرتبة
التخصص والفقاهة المعتبرة يتحتم على تلك الطائفة الانتقال
الى حالة العطاء وممارسة وظيفتها وهي الافتاء (لينذروا
قومهم اذا رجعوا اليهم) .. وقد تقدم انه ليس مطلق الافتاء
بمحقق للملاك .. بل المراد الجدي للشارع الحكيم هو الافتاء
الموجه للجمهور.. والذي من شانه البيان والوضوح بحسب ما
هو متعارف في مخاطبة الراي العام والتاثير فيه على نحو ينتج
تاثر المخاطب وتفعيل حالة التقوى فيه: (لعلهم يحذرون) ..
اي ضرورة توفر لغة الفقه على عنصرين .. هما: الوضوح
والتحريك.. وكل من العنصرين بحاجة ماسة الى دراسة
وتامل دقيقين لمعرفة مدى انطباقهما على الخطاب الفقهي
الفعلي ..
ان الوسيلة المعتمدة اليوم لدى الفقهاء في الخطاب هي
الرسائل العملية .. فهي الناطقة باسم الفقيه والحاوية
لمجموعة فتاواه وارائه ولا ريب في كون العمل بها مبرئ لذمة
المقلد .. فما عليه الا ان يبادر لتطبيق واجراء الاحكام الموجهة
اليه .. وهو الذي يتحمل كامل المسوؤلية في حالات التلكؤ
وعدم الامتثال فان ذمته تبقى مشغولة ومن اللازم عليه
تحصيل اليقين بفراغها.. لكن لا يخفى ان هذا انما يتم في
فرض تحقق الانذار بمحض وصول الرسالة العملية الى المقلد..
ودعوى المفروغية من ذلك غير بينة ولا مبينة .. لان الانذار
لا يصدق على كل افتاء ما لم يتصف بالبيان والتحريك .. في
حين اننا نرى ان المقلد في كثير من الاحايين لا يمكنه
تحديد وظيفته من خلال مطالعة الرسالة فقط .. بل يعاني
من صعوبات في فهم عباراتها فلا يصل بسهولة الى ما يراد منه
شرعا من تكاليف واحكام ..
وفي حالات من هذا القبيل كيف يمكننا ان نلقي باللائمة على
المقلد؟!
بل كيف يمكن ان يقطع المفتي بفراغ ذمته فيما يرتبط
بتكليفه تجاه مقلديه من وجوب انذارهم وتبليغهم احكام اللّه
سبحانه وتعالى؟! والحاصل: ان المقلد والمقلد كليهما يجب عليهما تحصيل
اليقين بفراغ الذمة مما يوجه اليهما من التكاليف .. فكما يجب
على الاول الاخذ والقبول والعمل بما يلقي اليه المقلد يجب
على الثاني ايصال الفتوى اليه وانذاره وارشاده .. والا فلا
يتحقق غرض المولى ..
وهذا امر جدير بان تدور حوله المناقشات وتعقد له الندوات
والمؤتمرات لاجل الوصول الى الصورة النموذجية للرسالة
العملية .. ونحن بدورنا ندلي ببعض الاقتراحات بهذا الصدد
لمن يهمه الامر:
1- سهولة اللغة ووضوح التعابير .. وهذا يختلف بحسب
الحالات فقد يقتضي الامر اضافة كلمة كما في موارد
الاحتياط فيقال: الاحوط وجوبا او استحبابا .. وربما يستوجب
الامر مزيدا من الايضاح ..
2- يستحسن في بعض الاحيان الاتيان بالامثلة والتطبيقات ..
على ان يكون التطبيق متعارفا في زماننا وماخوذا من واقع
الحياة ..
3- تحاشي بعض التعابير التي لا اثر لها على المكلف نحو:
(لايبعد وجوبه) و(لا يخلو من قوة) و(لا يخلو من وجه) و...
فان ذلك وان كان له قيمة علمية الا انه لا ربط له بتحديد
وظيفة المكلف ..
4- استعمال وحدات القياس الحديثة في حساب و تعيين
المسافات والمقادير كالمتر والغرام ونحوهما .. وان ابيت الا
عن ايراد الوحدات المصطلحة والمتداولة بين المختصين
كالدرهم والدينار الشرعيين او مربض الشاة فليذكر ما يساويها
بين معقوفين او يضاف في الهامش..
5- عدم الاكتفاء بطرح الفتاوى بطريقة جافة.. بل اللازم
عرضها محفوفة بالمحفزات والمرغبات في الامتثال .. ورائدنا
في ذلك القران الكريم و الروايات الشريفة فانها كثيرا ما تبين
الحكم محاطا بفضاء دافع ومحرك صوب تطبيق الاحكام ..
و الامثلة في هذا الصدد كثيرة نظير قوله تعالى: (فمن عفي
له من اخيه شيء ...) ..
6- التركيز على المسائل التي هي محل ابتلاء الاغلبية ..
والاكثار من ذكر الفروع فيها.. وكذا الاهتمام بالمسائل
المستحدثة.. وربما يستوجب الامر فتح ابواب فقهية جديدة
واستحداث فصول .. والذي ينفع كثيرا في هذا المضمار ما يرد
من اسئلة واستفتاءات المقلدين ..
7- حذف او اختصار الفصول والمسائل التي لم يعد لها مجال
في واقعنا المعاش نظير الاحكام المرتبطة بالرق وباب الظهار
ونحوهما ..
8- تبويب الاحكام الشرعية تبويبا معاصرا وذلك في سبيل
تيسير وصول المقلد الى مراده .. ولعل التقسيم الرباعي
الجديد وهو الذي ابتكره الشهيد الصدر(قدسسره) في
الفتاوى الواضحة هو المفضل:
(1)- قسم العبادات بالمعنى الاخص .
(2)- قسم الاموال (العامة والخاصة).
(3)- قسم السلوك الخاص.
(4)- قسم السلوك العام.
9- والى جنب الرسالة العملية العامة نقترح تدوين رسائل
موضوعية تقتصر على معالجة جانب معين ومخاطب خاص ..
نحو: رسالة فيما يهم الشباب من الاحكام .. واخرى تضم احكام
النساء الخاصة بهن .. وثالثة تبين مايبتلى به التجار .. ورابعة
للاسرة ..
10- اعداد رسالة ذات مستوى ارقى من الرسالة العامة تكون
اكثر تفصيلا ويحاول فيها قدر الامكان بيان الاستدلال بصورة
مختصرة وميسرة .. خصوصا اذا كان الاستدلال بالقران الكريم
او الروايات الواضحة .. وتعذر ذلك في بعض الموارد لا يقدح
في اصل الفكرة ..
11- السعي لتثبيت رسالة موحدة نظير العروة الوثقى
يقوم باعدادها عدة لجان مختصة .. وتضم تعليقات سائر
المقلدين ..
وانت خبير ان هذا الامر من السهل الممتنع الذي لا يتسنى
لكل احد بل لا يقوى عليه الا الجهاز المرجعي في الحوزة
العلمية المباركة ..
نساله تعالى ان يمن علينا بالتوفيق والسداد .. انه رؤوف
بالعباد .. .. ولا حول ولا قوة الا باللّه .. |