البيع قبل القبض الاستاذ الشيخ حسن الجواهري البحث الذي بين يديك هو عبارة عن اجابة لعدة اسئلة قدمت الى سماحة الشيخ الجواهري حفظه الله تدور حول البيع قبل القبض، والتي وجهت اليه من قبل مجمع الفقه الاسلامي في الهند بمناسبة الدورة التاسعة المنعقدة في الفترة ما بين 11 - 14 اكتوبر عام 1996م في جامعة الهداية لبحث مواضيع فقهية عديدة، منها «البيع قبل القبض» بفروعه، الذي اراد لها جوابا شرعيا ينسجم مع العقود المستجدة التي يشتبه ان تكون داخلة تحت البيع قبل القبض. ومن الجدير ذكره انه وردت الاحاديث العديدة في النهي عن البيع قبل القبض، وقد اختلفتالاراء حول تعميمها او تخصيصها تبعا لاختلاف الروايات في ذلك . اولا: احكام القبض والاقباض:ان القبض الذي ورد في الروايات قد رتب عليه احكام عديدة، منها: 1 - ارتفاع ضمان البائع عن المبيع عند تحقق القبض، كما في النص المروي عن النبي(ص) انه قال: «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه». 2 - الوجوب التكليفي للقبض والاقباض في المعاملات، كما في البيع الحال الذي يكون القبض والاقباض شرطا ضمنيا ارتكازيا، وكما في وجوب رد الامانات الى اهلها، كما في قوله تعالى: (ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها). 3 - الوجوب التكليفي للاقباض وان لم يكن في معاملة، كما في وجوب رد مال الغير الذي اخذ غصبا. 4 - قد يكون القبض شرطا في صحة بعض المعاملات، كما في السلم والهبة والوقف. 5 - القبض شرط في صحة المعاملة الثانية اذا اشترى سلعة ولم يقبضها، للاحاديث الناهية عن البيع قبل القبض، ولكن هذا مخصوص بالمكيل والموزون، كما سيتضح ذلك ، فلابد من قبضه وبيعه. حقيقة القبض:ليس للقبض حقيقة شرعية ولا اتفاق من قبل علماء اللغة، اذا فلابد من الرجوع الى العرف. قال الشيخ الانصاري(قدس
سره): اتفق العلماء على ان القبض في غير المنقول هو التخلية، واختلفوا في معنى
القبض في المنقول على اقوال ثمانية، ثم ذكر بعدها: ان القبض هو فعل القابض
(المشتري) وهو الاخذ، والاخذ في الاموال هو الاستيلاء ووضع اليد مطلقا، بلا فرق بين
المنقول وغيره، غاية الامر اختلاف المستولى عليه، ففي غير المنقولات يكون الاستيلاء
عبارة عن عدم وجود مانع بين الانسان المالك وبين المال، بحيثيكون قد تصرف فيه
فعلا. وعلى هذا فان التخلية من دون تصرف ليست قبضا. واما في المنقول، فيكون القبض
هو الاخذ باليد (الاستيلاء)، ثم الاقباض: فهو فعل البائع، وهو دائما يكون عبارة عن
التخلية. وعلى هذا سيكون عندنا امران: الامر الاول: القبض الذي هو فعل القابض (المشتري مثلا). الامر الثاني: القبض الذي هو فعل المقبض (البائع مثلا). ولابد لنا من ملاحظة الخطابات الشرعية لنرى متعلق الحكم التكليفي او موضوع الحكم الوضعي، هل هو فعل القابض او المقبض؟ وهي على قسمين:القسم الاول: اذا كان موضوع الخطاب في مورد هو فعل البائع والغاصب والراهن،
وهو الاقباض، فيكون القبض هو التخلية، وهذا ليس قبضا حقيقيا حتى في غير المنقول. القسم الثاني: واذا كان موضوع الخطاب في مورد هو فعل المشتري (اي القابض)، فيكون القبض هو الاستيلاء من قبل المشتري وتسلطه على الشيء الذي يتحقق به معنى اليد، ويتصور فيه الغصب. وحينئذ نقول: ان موضوعنا الذي نحن بصدده هو من القسم الثاني،
لان القبض الذي اشترطته الروايات في البيع الثاني هو فعل المشتري الذي يكون القبض
فيه هو الاستيلاء على المبيع والسيطرة التي تمكنه من بيعه للاخرين، وعلى هذا فاذا
اوجد البائع التخلية للمبيع ولم يستول المشتري عليه فلا يتمكن من بيعه. كما ان
اعتبار القبض في الهبة دل على حيازة المتهب للهبة، وحينئذ لا تكفي التخلية التي هي
فعل الواهب. قال في المكاسب: «ان القبض للمبيع هو فعل القابض وهو المشتري، ولا شك ان الاحكام المترتبة على هذا الفعل لا تترتب على ما كان من فعل البائع من غير مدخل للمشتري فيه، كما ان الاحكام المترتبة على فعل البائع -كالوجوب على البائع والراهن في الجملة واشتراط القدرة على التسليم لا يحتاج في ترتبها الى فعل من المشتري». ثانيا: هل تختلف صور القبض في الاموال المنقولة عن غيرالمنقولة؟نقول: ان ما تقدم منا هو ظهور النهي عن البيع قبل القبض الحقيقي، والقبض الحقيقي هو قبض المشتري، وهو معنى واحد عبارة عن الاستيلاء على المال، بحيثيكون الاختيار تحتيد المشتري، وهذا هو المعنى العرفي للقبض الذي توافقه اللغة ايضا. انما الاختلاف في مصاديق القبض، ففي مثل الدار يكون مصداق الاستيلاء والاستعلاء هو التخلية بين المالك وبين ملكه، بحيثيتمكن من التصرف فيه باعطائه مفتاح الدار. وفي مثل الامور المنقولة كالجواهر يكون مصداق الاستيلاء هو القبض باليد، وفي مثل الحيوان والسيارة يكون مصداق القبض هو اخذ مقود السيارة او الحيوان (او سوق الحيوان والسير بالسيارة). اذن، تبين ان القبض له معنى عرفي واحد، وهو الاستيلاء والتسلط على الشيء، نعم قد يقع الاختلاف في مصاديق القبض وصوره باختلاف الاموال. ثالثا: هل النهي عن البيع قبل القبض عام، ام فيه استثناء؟ وما هي آراء الائمة وادلتهم؟ان مسالتنا هذه هي في صورة وقوع البيع على سلعة عند
البائع، ثم اراد المشتري بيعها قبل قبضها، فهل البيع الثاني
صحيح قبل قبض المشتري السلعة؟ اقول: ان الاقوال المهمة في هذه المسالة اربعة، هي: القول الاول: يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقا (سواء كان المعقود عليه طعاما ام غيره، وسواء كان مكيلا او موزونا، او عقارا، او منقولا). وذهب الى هذا القول الامام الشافعي، واكثر اصحابه والامام احمد في رواية، وجمع غفير من العلماء. واحتجوا بنهي النبي(ص) عن بيع الطعام قبل قبضه، وبما روى
ابوداود ان النبي(ص) نهى ان تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزها التجار الى رحالهم.
وروى ابن ماجة ان النبي(ص) نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض. وروي ان النبي(ص) لما بعث
عتاب بن اسيد الى مكة قال: «انههم عن بيع ما لم يقبضوه، وعن ربح لم يضمنوه». القول الثاني: يرى جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقا. وذهب الى هذا القول بعض كعطاء بن ابي رباح والبتي. ولكن قال ابن عبدالبر: «وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، واظنه لم يبلغه هذا الحديث، ومثل هذا لا يلتفت اليه». اقول: ان هذا القول الثاني اختاره بعض علماء الامامية على
كراهية، وذلك للجمع بين الروايات المروية عن اهل البيت(عليهمالسلام) التي تنهى عن
بيع الطعام او المكيل والموزون قبل قبضه، والروايات التي اجازت ذلك ، فحملت
الروايات الناهية على الكراهة لقرينة الروايات المجوزة التي منها: 1 - رواية الكرخي: قلت للامام الصادق(ع): اشتري الطعام من الرجل ثم ابيعه من رجل آخر قبل ان اكتاله، فاقول: ابعث وكيلك حتى يشهد كيله اذا قبضته، قال(ع): «لا باس». 2 - ورواية جميل بن دراج عن الامام الصادق(ع) في الرجل يشتري
الطعام ثم يبيعه قبل ان يقبضه، قال(ع): «لا باس»، ويوكل الرجل المشتري منه بقبضه
وكيله؟ قال: «لا باس» . اقول: سياتي الكلام في عدم صحة هذا الجمع لو كانت الروايتان صحيحتين: القول الثالث: التفصيل بين بيع الطعام قبل قبضه فلا يجوز، وبين غيره فيجوز. وقد نقل هذا القول عن الامام احمد فقال: «المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه، سواء كان مكيلا او موزونا، او لم يكن». ولعل دليله هو ما روي عن النبي(ص) انه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، فمفهومه اباحة بيع ما سواه قبل قبضه. وروى ابن عمر فقال: «رايت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله(ص) ان يبيعوه حتى يؤوه الى رحالهم» وهذا نص في بيع المعين. وعموم قوله(ع): «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» متفق
عليهما. ولمسلم عن ابن عمر قال: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول
الله(ص) ان نبيعه حتى ننقله من مكانه». القول الرابع: التفصيل بين بيع المكيل او الموزون قبل قبضه فلا يجوز الا تولية، وبين غيره فيجوز، وقد ذهب الى هذا القول مشهور علماء الامامية قديما وحديثا. ودليله هو الروايات المروية عن ائمة اهل البيت(عليهم
السلام) التي تنقل وتفسر وتوضح ما ورد عن النبي(ص) من نهي، منها:
1 - صحيحة ابن حازم عن الامام الصادق(ع) قال: «اذا اشتريت متاعا فيه كيل او وزن فلا تبعه حتى تقبضه الا ان توليه، فاذا لم يكن فيه كيل او وزن فبعه». 2 - صحيحة الحلبي عن الامام الصادق(ع) قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل ان يكال؟ قال(ع): «لا يصلح له ذلك ». 3 - صحيح الحلبي الاخر، قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن قوم اشتروا بزا (البز: هو الثوب ومنه البزاز) فاشتركوا فيه جميعا ولم يقسموه، ايصلح لاحد منهم بيع بزه قبل ان يقبضه؟ قال(ع): «لا باس به، وقال: ان هذا ليس بمنزلة الطعام، ان الطعام يكال» بناء على ان المراد قبل ان يقبضه من البائع (لا القبض من الشركاء) كما هو الظاهر، اذ لم يلتزم احد بثبوت الباس في بيع احد الشريكين حصته قبل قبضه من شريكه بعد قبضه من البائع ولو بتوكيل شريكه. 4 - صحيح منصور بن حازم قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن رجل اشترى بيعا ليس فيه كيل ولا وزن، اله ان يبيعه مرابحة قبل ان يقبضه وياخذ ربحه؟ قال(ع): «لا باس بذلك ما لم يكن كيل ولا وزن (كما لو بيع بالمشاهدة) فان هو قبضه فهو ابرا لنفسه». وغيرها من الروايات الصحيحة. وواضح من هذه الروايات ان الكيل او الوزن هو كناية عن القبض،
بمعنى انه لا بد من قبضه ثم بيعه للاخرين. وقد ذهب الى هذا القول جماعة من اهل السنة ايضا، فقد روي عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد بن ابي سليمان: ان كل ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه، وما ليس بمكيل ولا موزون يجوز بيعه قبل قبضه. وقد ذكرنا سابقا: ان اعتبار الكيل او الوزن قبل البيع الثاني ليس لاحراز مقدار المبيع ليتم شرط معرفة مقدار المبيع في البيع الثاني، اذ على هذا لم يكن فرق بين التولية وغيرها، بينما فرقت الروايات بين التولية وغيرها، فاجازت الاول دون الثاني، ولهذا يتعين ان يكون الكيل او الوزن لجهة القبض قبل البيع الثاني الذي اشترط في بيع المرابحة دون التولية. هذه هي اهم الاقوال في المسالة. اقول : اما القول الاول: الذي يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه
مطلقا، فهو قول باطل، وذلك لان ادلته -ان سلمنا صحتها، فهي مقيدة او مفسرة في صورة
كون المبيع طعاما او مكيلا او موزونا للادلة الكثيرة التي تقيد النهي عن النبي(ص)
بهذه الصورة. واما القول الثاني: الذي يرى جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقا، فايضا باطل وذلك : للروايات المصرحة بالجواز في صورة عدم كون المبيع طعاما او مكيلا او موزونا. نعم من قال من الامامية بجواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقا على كراهة استند الى الجمع بين الروايات المجوزة والمانعة، حيثحمل الروايات المانعة على الكراهة لقرينة الروايات المجوزة. وهذا وجه غير وجيه من حيث الصناعة الاصولية لو كانت الروايات
المجوزة صحيحة، وذلك : لان التعارض بالاطلاق والتقييد، حيث ان الروايات المجوزة
موضوعها مطلق لصورة كون البيع قبل القبض بنحو التولية او غيرها، فيرفع اليد عن
اطلاقها بالروايات المانعة عن البيع مرابحة، على ان الروايات المجوزة ضعيفة كما
تقدم. نعم، حمل ظاهر النهي على الكراهة اذا كان هناك نص على
الجواز انما يصار اليه لو لم يكن اطلاق وتقييد في البين، كما
اذا كان التعارض بين الدليلين بنحو الاطلاق او بنحو التقييد.
ولذا نرى الفقهاء يتصرفون في موضوع الدليل دون الحكم في
دليل آخر عند تعارضهما بالاطلاق والتقييد، كما في تعارض
«لا تعتق رقبة كافرة» و«اعتق رقبة»، وكذا في تعارض «لا تكرم
زيدا العالم» و«اكرم العلماء» حيثيرفعون اليد عن عموم
الموضوع لا عن ظهور النهي في الحرمة. وحينئذ يكون دليل «لا يجوز بيع المكيل والموزون مرابحة الا
بعد كيله او وزنه» مقيدا لدليل «لا باس ببيع المكيل والموزون
قبل قبضه» بغير صورة المرابحة. ولا نرى مانعا من التعبير عن
الدليل المفصل (وهو عدم جواز بيع المكيل والموزون مرابحة
الا بعد قبضه، وبين جواز بيعه تولية) بانه مفسر للدليل
المطلق عند العرف. اذا لم يبق الا القول الثالث والرابع، وكل منهما له دليله من الروايات المروية عن الشارع المقدس. ولكن في روايات القول الرابع ما يفيد: ان علة المنع من بيع الطعام قبل قبضه هو الكيل، وهي صحيحة الحلبي قال: «سالت الامام الصادق(ع) عن قوم اشتروا بزا ... ايصلح لاحد منهم بيع بزه قبل ان يقبضه؟ قال(ع): لا باس به، وقال: ان هذا ليس بمنزلة الطعام ان الطعام يكال». وبهذا نعرف ان الروايات التي ذكرت الطعام ومنعت من بيعه قبل
قبضه انما كان لعلة كيله، فلاخصوصية للطعام، فيتعين ان يكون القولالرابع هو الصحيح
من بين الاقوال. ولنا ان نقول ايضا: ان معنى الطعام ظاهرا هو الحنطة والشعير، فقد
جاء في لسان العرب: «واهل الحجاز اذا اطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البر خاصة ...
قال: وقال الخليل: العالي في كلام العرب ان الطعام هو البر خاصة»، وهذا هو الذي
يظهر من كلام ابن الاثير في النهاية. وحينئذ نقول: بما ان الحنطة والشعير مكيلان او موزونان، فلا يكون هناك قول ثالث، لان اصحاب القول الرابع يكونون قد اخذوا بكلتا طائفتي الروايات القائلة بان بيع المكيل والموزون ومنه الطعام لا يجوز قبل قبضه، بمعنى ان روايات القول الثالث صحيحة وهي تدل على حكم خاص، وروايات القول الرابع صحيحة وهي تدل على حكم اعم من القول الثالث، ولا تعارض بينهما، اذ لم يعلم ان الحكم واحد، فناخذ بكلتا طائفتي الروايات. رابعا: هل توجد علة للنهي عن البيع قبل القبض؟وللجواب عن هذا السؤال لا بد ان نستعرض ما يمكن ان يقال بعليته للنهي عن البيع قبل القبض، ثم نرى مدى صحته فنقول: 1 - قد يقال ان العلة في نظر الشارع هي عدم جواز الربح بدون تحمل الخسارة، وما دامت السلعة المشتراة لم يقبضها المشتري فخسارتها بالمنظور الشرعي على البائع، لقاعدة: «تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه»، وحينئذ لا يجوز للمشتري ان يربح بدون تحمل للخسارة اذا حصلت في سلعته، وكان هذا هو الميزان العدل في المنظار الاقتصادي والشرعي القائل «من كان له الغنم فعليه الغرم». ويشهد لهذه العلة جواز بيعها على شخص ثالث او على بائعها تولية
بدون القبض. اقول: ولكن رغم معقولية هذا القانون لم يدل عليه اي دليل شرعي، بل نراه غير مرعي في موارد هي: ا - فيما اذا كان المشترى (غير مكيل او موزون) ثوبا او دارا، فان المشتري يحق له ان يبيعه بربح قبل قبضه، مع ان المشتري لا يخسر اذا تلف المبيع لانه غير مقبوض. ب - بيع الثمار بعد بدو الصلاح، فان المشتري له الحق في بيعها وهي على الشجر، ولكن اذا اصابتها جائحة رجع على البائع. ج - اجارة منافع الاجارة، فان المستاجر له الحق في ان يؤجر ما استاجره بربح من نفس جنس الاجرة اذا عمل فيه عملا او يؤجرها باكثر مما استاجرها به اذا كان بغير جنس الاجرة. ولكن اذا حدث تلف في المستاجر فيرجع على المؤجر بمقدار ما تلف. د - بيع المكيل والموزون (الكلي والشخصي) قبل قبضه على بائعه
كما سياتي، وذلك لان ظاهر الروايات المانعة من بيع المكيل والموزون بربح هو المنع
من بيعها على شخص ثالث، اما هنا فان البيع على نفس البائع فلا تشمله الروايات. ثم اننا حتى لو قلنا ان روايات المنع مطلقة لكل بيع، الا ان روايات بيع السلم قبل قبضه على بائعه تقول بجواز ذلك ، ففي صحيحة العيص بن القاسم عن الامام الصادق(ع) قال: «سالته عن رجل اسلف رجلا دراهم بحنطة حتى اذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دوابا ومتاعا ورقيقا، يحل له ان ياخذ من عروضه تلك بطعامه؟ قال(ع): نعم يسمي كذا وكذا بكذا وكذا صاعا». نعم هناك تلازم بين الضمان والتلف، فمن كان ضامنا يكون التلف
عليه، حسب القاعدة القائلة: «كل بيع تلف قبل قبضه فهو من ماله بائعه». ولكن هذا
غير المنع من بيع المكيل والموزون قبل قبضه بربح. 2 - هل يمكن ان تكون العلة في نظر الشارع القدرة على التسليم؟ والجواب: بالعدم، وذلك : لان القدرة على التسليم قد تكون موجودة حتى مع عدم قبض المشتري، كما انها قد لا تكون موجودة حتى مع قبضه، كما لو غصبت بعد القبض. 3 - هل يمكن ان تكون العلة هي الوقوف ضد المعاملات الوهمية التي لا قصد اليها، كما هو الواقع في اسواق البورصة العالمية التي يكون القصد فيها غالبا هو انتظار تقلبات الاسعار للحصول على ربح، وهو ما يسمى بالمضاربة الاقتصادية؟ والجواب: ان كلامنا هو في صورة القصد الحقيقي الى البيع، وبذلك تخرج كل البيوع التي لا قصد فيها الى تسلم المثمن، كما في اسواق البورصة التي لا يكون التسليم والتسلم فيها الا بمقدار 1% بالاضافة الى انتقاض هذا ببيع غير المكيل او الموزون قبل قبضه، كما جوزت ذلك بعض الروايات كما تقدم، وسياتي وعليه جمع غفير من العلماء. خامسا: هل البيع قبل القبض للمكيل او الموزون مرابحة باطل ام محرم ام مكروه؟اقول: تقدم الكلام منا في بطلان كون هذا البيع مكروها فلا نعيد. واما التحريم: فقد عبر بعض الفقهاء بحرمة هذا البيع، كالشيخ الانصاري حيث قال: «الاقوى -من حيث الجمع بين الروايات حرمة بيع المكيل والموزون قبل قبضه الا تولية...». كما عبر بعض آخر بالمنع من هذا البيع في مقابل تعبيره بالجواز في البيع التوليتي، والظاهر من المنع هو الحرمة، قال في منهاج الصالحين: «من اشترى شيئا ولم يقبضه، فان كان مما لا يكال ولا يوزن جاز له بيعه قبل قبضه، وكذا اذا كان مما يكال او يوزن وكان البيع براس المال، اما لو كان بربح ففيه قولان: اظهرهما المنع». ويؤيد هذا القول التعبير الوارد في بعض الروايات المروية على
عهد النبي(ص)، حيث روى ابن عمر قال: «رايت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على
عهد رسول الله(ص) ان يبيعوه حتى يؤوه الى رحالهم». اقول: ان النهي عن المعاملة يكون على انحاء: 1 - قد يكون النهي تكليفيا، كما اذا وجدت قرينة عليه، كما في النهي عن البيع وقت النداء الذي نعلم ان ترك البيع فيه للتحفظ على صلاة الجمعة، وهذا النهي التكليفي لا يقتضي الفساد، كما قرر ذلك في الاصول. 2 - قد يكون النهي تكليفيا ووضعيا، كما اذا قامت قرينة على ذلك ، كما في لعن مشتري الخمر وبائعها، وقوله(ع): «ثمن الخمر سحت»، وكما في المعاملات الربوية كما هو واضح من التشديد والوعيد عليها. 3 - اما النهي عن المعاملة، اذا لم يكن فيه قرينة على الحرمة
التكليفية فيكون ظهوره الاولي هو الارشاد الى عدم الامضاء والحكم بالبطلان (كما في
نهي النبي(ص) عن بيع الغرر)، وحينئذ فيكون ظهور «اذا اشتريت متاعا فيه كيل او وزن
فلا تبعه حتى تقبضه» هو اشتراط القبض في صحة البيع الثاني، فان لم يحصل القبض قبل
البيع الثاني يكون البيع الثاني باطلا. اما اذا كان بيع المكيل او الموزون قبل القبض تولية فلا يشترط فيه القبض قبل البيع، ولا مانع من ذلك ، فان بيعا قد يشترط فيه ما لا يشترط في بقية البيوع، كما في بيع الصرف الذي قد اشترط فيه التقابض في المجلس (قبل التفرق) دون غيره من البيوع، فهنا كذلك حيث ان النهي عن بيع المكيل او الموزون قبل القبض خال عن قرينة تدل على الحرمة التكليفية، او قرينة تدل على ربوية المعاملة المحرمة تحريما تكليفيا، فلا مناص من القول بان النهي عن البيع قبل القبض مرابحة ارشاد الى شرطية القبض قبل البيع في خصوص المكيل او الموزون اذا بيع مرابحة. تنبيهات:1 - ان الادلة المتقدمة -على القول الرابع لا تفرق بين الاشياء التي تباع بالكيل او الوزون، بين ما كان عند البائع قد حصل عليه بالزراعة او قد وهب اليه او اشتراه كليا في الذمة او في المعين، او مبيعا شخصيا قد اشتراه بغير كيل او وزن، فانه في كل هذه الصور لا بد من قبضه بالكيل او الوزن اذا اراد بيعه للاخرين. اما اذا كان البائع قد اشتراه ووزنه او كاله، فيكفي هذا الكيل او الوزن في بيعه للاخرين، اما الاخرون فلا يجوز لهم بيعه الا بعد قبضه وحيازته الى رحالهم. 2 - ان هذه الروايات هي بصدد بيان جواز البيع الثاني مرابحة بعد قبض ما اشتري بالكيل او الوزن، وهذا البحث يختلف عن حقيقة القبض الذي تقدم من انه قد يكون في بعض الامور التخلية التي يرتفع بها الضمان عن البائع. وبعبارة اخرى: ان القبض الذي يرتفع به الضمان عن البائع في المكيل والموزون هو التخلية، ولكن صحة البيع الثاني لا بد فيها من القبض من قبل المشتري التي تحصل بالكيل او الوزن.
3 - قد اجازت هذه الروايات بيع المكيل والموزون قبل القبض اذا كان البيع تولية،
وهذا هو مفاد الروايات المتقدمة عن اهل البيت(ع) عن رسول الله(ص) فتكون حجة. وهنا نريد ان نقول بجواز بيع المكيل او الموزون قبل قبضه اذا كان البيع على نحو الشركة في المبيع، فقد دلت عليه موثقة سماعة، قال: سالته عن الرجل يبيع الطعام او الثمرة، وقد كان اشتراها ولم يقبضها؟ قال(ع): «لا، حتى يقبضها، الا ان يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم من نصيبه من شركته بربح او يوليه بعضهم فلا باس». وقد ذهب الى هذه النتيجة الامام مالك ، فقد جوز البيع تولية
والمشاركة فيه بربح في ما لم يقبض، فقد جاء في المدونة: «قلت: ارايت ان اشتريتسلعة
من رجل بنقد فلم اقبضها حتى اشركت فيها رجلا او وليتها رجلا ايجوز ذلك ؟ قال: لا باس بذلك عند مالك . قلت: وان كان طعاما اشتريته كيلا ونقدت الثمن فوليته رجلا او اشركته فيه قبل ان اكتاله من الذي اشتريته منه؟ قال: قال مالك : لا باس بذلك ، وذلك الحلال اذا انتقد مثل ما نقد. قلت: لم جوزه مالك ، وقد جاء في الحديث الذي يذكره مالك ان النبي(ص) نهى عن بيع الطعام قبل ان يستوفى؟ قال: قد جاء هذا، وقد جاء عن النبي(ص) انه نهى عن بيع الطعام قبل ان يستوفى الا ما كان من شرك او اقالة او تولية. قال سحنون: واخبرني ابن القاسم، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن ابي عبدالرحمن، عن سعيد بن المسيب ان رسول الله(ص) قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه، الا ما كان من شرك او اقالة او تولية». قال: وقال مالك : اجتمع اهل العلم على انه لا باس بالشرك
والاقالة والتولية في الطعام قبل ان يستوفى اذا انتقد الثمن ممن يشركه او يقيله او
يوليه». 4 - ان اصل المنع من بيع المكيل او الموزون قبل قبضه (الا
تولية او شركة) هو على خلاف القاعدة الاولية القائلة بتسلط
الناس على اموالهم، بمعنى انه اذا ملك انسان شيئا يتمكن ان
يبيعه، سواء كان قد قبضه ام لا. فاذا اضفنا الى هذا عدم وجود
علة للنهي عن بيع المكيل او الموزون قبل قبضه، وانما هو
تعبد خاص، فلابد من الرجوع الى نفس الادلة المانعة لنرى
سعتها او ضيقها فنتمسك بها، لانها هي الدليل على النهي
وعلى خلاف القاعدة، ولا علة حتى تتبع. وحينئذ فما لم يكن
داخلا تحت النهي فهو جائز سواء دل عليه دليل خاص ام لا، اذ
يكون داخلا تحت قاعدة تسلط الناس على اموالهم، فيتمكن
من التصرف فيه ببيعه ما لم يكن داخلا تحت عنوان منهي عنه.
وعلى هذا نتمكن ان نذكر عدة امور جائزة قد يشتبه في
دخولها تحت عنوان البيع قبل القبض منها: ا - اذا كان البيع غير مكيل او غير موزون (كالمعدود
والمذروع والمشاهد) فيجوز بيعه قبل قبضه (سلما او
استصناعا او غيرهما) طبقا للقاعدة المتقدمة، مع ورود
الرخصة في ذلك ايضا. ففي ذيل صحيحتي منصور بن حازم
المتقدمتين: «فان لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه» وكذا في
رواية ابي حمزة عن الامام الباقر(ع) قال: سالته عن رجل
اشترى متاعا ليس فيه كيل ولا وزن ايبيعه قبل ان يقبضه؟
قال(ع): «لا باس»، وغيرها. ب - ان الحكم بعدم جواز بيع المكيل او الموزون قبل القبض
مختص بالبيع، كما تقدمت الروايات عن الفريقين تصرح بان
المنع مختص به. وعلى هذا فللمشتري ان يصالح على المكيل
والموزون قبل القبض، وله ان يؤجره قبل القبض اذا كانت له
منفعة يستفاد منها مع بقاء العين، لصحة الصلح والاجارة قبل
القبض، ومع الشك في صحتهما على المكيل والموزون قبل
قبضه نتمسك باطلاق ادلة الاجارة، والصلح جائز بين
المسلمين، او اطلاق (تجارة عن تراض). ج - اذا كان الثمن مكيلا او موزونا والمبيع عروضا، فيتمكن البائع من بيع الثمن المكيل والموزون قبل قبضه طبقا للقاعدة، وعدم المانع، حيث ان الدليل اللفظي الدال على المنع مختص بالمثمن، فتعديته الى الثمن تحتاج الى دليل لفظي عام او مطلق، او اطمئنان بوحدة الملاك فيهما، وبما انه لا يوجد اطلاق ولا عموم ولا اطمئنان بوحدة الملاك، حيث ان الحكم تعبدي على خلاف القاعدة (كما تقدم) فنقتصر على مورد المنع ونتمسك بدليل (احل الله البيع) لصحة بيع الثمن اذا كان مكيلا او موزونا قبل قبضه. نعم من علل عدم جواز بيع المبيع اذا كان مكيلا او موزونا قبل القبض بضعف ملكية المشتري لاحتمال ان يتلف الطعام فتنحل المعاملة، فان هذا الوجه الاستحساني موجود في الثمن الموزون او المكيل قبل القبض. ولكن هذا الوجه ضعيف، اذ لا يكون الملك ضعيفا قبل القبض، ولان
هذا الوجه يقول بعدم جواز البيع حتى تولية، ولغير المكيل والموزون، ولا احسب ان
يقول بنتيجته احد. د - اذا لم يقبض المشتري المكيل او الموزون فيتمكن ان
يبيع بمقداره ونوعه في الذمة، وبعد تمامية البيع يوكل
المشتري (في اخذ المبيع من البائع الذي اشترى بائعه منه
ولم يقبضه) بوكالة غير قابلة للعزل. وهذا ما يسمى ب(السلم
الموازي) او (الوكالة في القبض)، وهي طريقة لا تشملها
الروايات المانعة، لانها تمنع من العقد الثاني اذا جرى على ما
جرى عليه العقد الاول: «لا تبعه حتى تكيله او تزنه». اما هنا
فلم يبع ما جرى عليه العقد الاول، بل وكل دائنه في اخذ
المبيع من مدينه، فهو استيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته
عنه. ه - اذا كان المشتري لم يقبض المكيل والموزون لعدم حلول الاجل في المبيع (كما في السلم) وقد احتاج الى المال، فيتمكن ان يبيع سلما الى ما بعد ذلك الاجل بقليل، ثم يحول المشتري على البائع الذي باع فيستلم المثمن في وقته. وبما ان الحوالة ليست بيعا ولا معاوضة (كما هو التحقيق) بل هي تعيين الدين الذي في ذمة المديون بمال في ذمة فرد آخر، وهو عقد مستقل، فلا يشملها النهي عن بيع المكيل او الموزون قبل قبضه. ويمكن الاستدلال لجواز هذه الحوالة (مضافا الى اقتضاء القاعدة والعمومات ذلك ) بموثقة عبدالرحمن بن ابي عبدالله قال: سالت الامام الصادق(ع) عن رجل عليه كر من طعام، فاشترى كرا من رجل آخر، فقال للرجل: انطلق فاستوف كرك؟ قال(ع): «لا باس به». فالرواية شاملة لما اذا كان الكر في ذمة الانسان بالشراء او
القرض، وشاملة لما اذا كان في ذمة المحيل معوض او عوض، وشاملة لكون المبيع كليا في
الذمة او شخصيا، فتكون دليلا لما نحن فيه. و - اذا باع المشتري المكيل او الموزون الذي لم يقبضه على بائعه فهو جائز ما لم يستلزم محذورا آخر كالربا، وذلك بان يبيعه بجنس آخر او يبيعه بنفس الجنس بلا زيادة ولا نقيصة، ودليل هذا هو: ان ظاهر الروايات المانعة هو المنع عن بيع ما لم يكن مكيلا او موزونا على شخص ثالث، اما هنا فالمبيع على البائع نفسه، فلا تشمله روايات المنع. وحتى لو قلنا بان روايات المنع مطلقة للبيع على شخص ثالث او
على البائع، الا ان الروايات التي جوزت البيع على البائع قد احلت هذه الصورة، فمن
الروايات صحيحة العيص بن القاسم عن الامام الصادق(ع) قال: سالته عن رجل اسلف رجلا
دراهم بحنطة، حتى اذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام، ووجد عنده دوابا ومتاعا ورقيقا،
يحل له ان ياخذ من عروضه تلك بطعامه؟ قال(ع): «نعم يسمي كذا وكذا بكذا وكذا
صاعا...». ز - الاقالة: اذا اشترى انسان مكيلا او موزونا ولم يقبضه فهو لا يتمكن من بيعه على ثالثحسب ما تقدم، ولكن هل له ان يطلب الاقالة من البائع فيرجع اليه ثمنه قبل القبض؟ الجواب: نعم يجوز ذلك ، لجواز الاقالة في كل بيع. فقد ورد في الحديث عن الامام الصادق(ع) انه قال: «ايما عبد اقال مسلما في بيع اقاله الله عثرته يوم القيامة». والاقالة في الحقيقة هي فسخ في حق المتعاقدين برضاهما وليست
بيعا، وذلك لعدم قصد معنى البيع ولا غيره من المعاوضات الموجبة ملكا جديدا، بل هي
تفيد رد الملك بفسخ العقد الذي ارتاى خلافه. ولهذا لا تجوز الاقالة بزيادة عن
الثمن، كما لا تجوز بنقصان لعدم ما يصلح مملكا لما زاد عن الثمن او نقص منه بعد فسخ
العقد. وقد ذهب الى هذا الراي بعض اهل السنة ايضا، فقد ذكر في المغني عن الامام
الخرقي ان الاقالة فسخ، وايد ذلك ابن قدامة وذكر ان هذا هو اختيار ابي بكر وهو مذهب
الشافعي، خلافا لمذهب الامام مالك حيث اعتبرها بيعا. ح - الحطيطة: اذا اشترى انسان مكيلا او موزونا ولم يقبضه فهو لا يتمكن من بيعه على ثالثحسب ما تقدم، ولكن هل له ان يبيعه على ثالث بحطيطة عن الثمن الذي اشتراه به؟ قد يقال: ان الروايات لم تجوز البيع قبل القبض الا تولية او شركة، وحينئذ تكون الحطيطة ممنوعا منها. ولكن يمكن القول: ان الروايات المانعة من البيع الا تولية كان
المقصود منها هو القصر الاضافي بالنسبة الى المرابحة، فحينئذ يكون المعنى بان البيع
بنحو المرابحة قبل القبض لا يجوز، بل يلزم ان يكون تولية، وليس المقصود ان الحطيطة
لا تجوز. وعليه فيمكن الحكم بجواز الحطيطة تمسكا بقاعدة (تجارة عن تراض). ويدل على هذا ظاهر التقابل بين المرابحة والتولية في الروايات، فيجوز ما عدا المرابحة، فقد ذكرت صحيحة علي بن جعفر عن الامام الكاظم(ع) فقالت: «اذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وان كان يوليه فلا باس». اقول: في الرواية المتقدمة شرطيتان اختلف الجزاء فيهما بنحو التضاد (او التناقض) وكل منهما بعض مفهوم الاخر، وحينئذ يكون الظاهر الذي سيق لبيان المفهوم هو الشرطية الاولى فقط، لا كلتاهما، ولا خصوص الثانية، بل الشرطية الثانية هي لصرف بيان بعض افراد مفهوم الشرطية الاولى، وعلى هذا يرتفع توهم التناقض بين الشرطيتين، فيتضح اناطة الحرمة بالمرابحة وجودا وعدما. ويؤيد هذا ما روي عن النبي(ص) انه لما بعث اسيد الى مكة قال:
«انه
هم عن بيع ما لم يقبضوه، وعن ربح ما لم يضمنوه». وبما ان الحطيطة ليست ربحا لما لا
يضمن، بل هي خسارة فلا يشملها النهي. هذا، ولكن توجد رواية ابي بصير القائلة: «الا ان يوليه كما اشتراه اذا لم يربح فيه او يضع». فقيدت عدم الباس في البيع قبل القبض بعدم الربح وعدم الوضع. لكن الرواية ضعيفة بعلي بن ابي حمزة البطائني. اقول: مما تقدم من هذه الاستثناءات يتضح عدم صحة ما ذكر من ان الشركة في المكيل والموزون قبل القبض والتولية والحوالة به كالبيع، كما ذهب الى ذلك ابو حنيفة والشافعي، لعدم دليل يعتد به على ذلك ، على ان الدليل خلافه. سادسا: هل يقوم الضمان مقام القبض؟اذا اشترى انسان شيئا مكيلا او موزونا وباعه قبل قبضه، ولكن اشترط على نفسه فيما اذا تلف المبيع يكون ضمانه عليه (لا على البائع الاول ولا على المشتري الثاني)، فهل يصح ان يقوم هذا الضمان مقام القبض الحسي فتصح المعاملة الثانية؟ اقول: ان القبض الذي يجعل البائع ضامنا للبضاعة اذا لم يحصل،
ويرتفع الضمان عنه اذا حصل، هو غير القبض الذي يجوز للمشتري بيع بضاعته بعده، ولا
يجوز له بيع بضاعته قبله، اذ المراد من الاول التخلية، فلو خلى البائع بين المشتري
وبين البضاعة المباعة فقد خرج عن الضمان وان لم يحصل القبض الحسي من قبل المشتري،
وحينئذ يكون البائع غير ضامن، ومع ذلك لا يجوز للمشتري ان يبيع البضاعة قبل ان
يقبضها قبضا حسيا ويجوزها. وبهذا يفهم ان المراد من القبض في الثاني هو القبض
الحسي. وعليه فاذا خرج البائع عن الضمان بالتخلية وتوجه الضمان على المشتري، ولكن
اذا لم يحصل القبض الحسي فلا يجوز له بيع البضاعة المكيلة او الموزونة، للادلة
المتقدمة المصرحة بلابدية القبض الحسي في البيع الثاني. ثم ان بين ضمان المشتري للمبيع وقبضه تباينا وتضادا، وقد جعل الشارع القبض الحقيقي شرطا لصحة البيع الثاني (اذا كان غير تولية) وحينئذ نقول: لا يمكن ان يقوم مقامه ضمان المشتري للمبيع. على اننا لم نعلم علة لابدية القبض في المكيل والموزون قبل البيع الثاني، ومن يقول بقيام الضمان مقام القبض لا بد له من ان يثبت ان علة القبض في المبيع قبل البيع الثاني انما هي لضمان المشتري السلعة، وهذا دونه خرط القتاد. سابعا: شحن السلعة في السفن:في التجارة الدولية يكون شحن السلعة في السفن مخرجا للبائع عن الضمان فيما اذا تلفت السلع بعد ذلك ، ثم ان المشتري قد يقوم ببيعها وهي في البحر لشخص ثالث، ويكون هذا البيع مخرجا للمشتري الاول عن الضمان فيما اذا تلفت السلع بعد ذلك ، ويتحمل المشتري الثاني الخسارة في صورة التلف، فهل تكون هذه المعاملة صحيحة؟ اقول: هنا مشكلتان: الاولى: الضمان على المشتري قبل ان يقبض المبيع. الثانية: بيع المبيع قبل قبضه. ولاجل حل المشكلتين نقول: اذا كان الشرط في البيع هو التسليم على ظهر السفينة، وكان البائع قد شحن السلعة في السفينة، فيكون قد خلى بين المشتري وسلعته، وحينئذ فقد خرج عن الضمان وقد انحلت المشكلة الاولى. ثم اذا كان ربان السفينة يعد وكيلا عن المشتري، فقد حصل القبض
الحسي بالوكالة الذي يجوز للمشتري ان يبيع هذه السلعة وان كانت مكيلة او موزونة،
اما اذا كانت البضاعة غير مكيلة او موزونة فيجوز بيعها قبل قبضها، كما تقدم ذلك .
ونتمكن ان نتصور وكالة ربان السفينة فيما اذا كان امر ما في السفينة بيد المشتري،
بحيثيتمكن ان يامر ربانها بواسطة الاتصالات الحديثة بالتوجه الى غير بلد المشتري،
او يامره بتسليم البضاعة الى شخص آخر. وحينئذ يتمكن ان يبيع هذه البضاعة الى شخص
ثالث، لانها مقبوضة بالقبض الحسي بالوكالة. وبهذا فقد انحلت المشكلة الثانية. ثم اذا كان امر ما في السفينة بيد المشتري الثاني، بحيث لا يكون للمشتري الاول الذي باع اي تسلط بعد بيعه على البضاعة، فقد خرج المشتري الاول عن الضمان، لحصول التخلية بين البضاعة وبين المشتري الثاني. فان عد ربان السفينة وكيلا عن المشتري الثاني في القبض والتسلط بحيث كان ياتمر بامر المشتري الثاني في التوجه الى اي مكان اراد، فحينئذ تكون البضاعة مقبوضة بالقبض الحسي للمشتري الثاني بالوكالة، فيصح بيعها وان كانت مكيلة او موزونة، وهكذا. وقد ذكر الشيخ الانصاري(قدس
سره) ذلك في كتاب
المكاسب فقال: «لو باع دارا او سفينة مشحونة بامتعة البائع
ومكنه منها بحيث جعل له تحويلها من مكان الى مكان كان
قبضا ...». اما اذا كان الشحن في السفينة لا يعد تخلية كما اذا كان الشراء للسلعة قد اشترط فيها التسليم في بلد المشتري، ففي هذه الصورة لا يكون الشحن في السفن تخلية للسلعة، كما لا يكون المشتري متسلطا عليها بحيثيتمكن ان يامر ربانها بتسليمها الى شخص ثالث او بالتوجه الى غير بلد المشتري، بل يكون امر البضاعة بيد البائع، وحينئذ اذا تلفت السلعة فيكون ضمانها على البائع، لقاعدة «تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه». كما لا يمكن للمشتري بيعها على آخر اذا كانت مكيلة او موزونة، لعدم تسلطه عليها بحيثيكون قابضا. وعلى هذا فان اشترط الضمان على المشتري في هذه الصورة يكون الشرط مخالفا للسنة، ولا يصح بيعها قبل قبضها للادلة المتقدمة على ذلك ، ان كانت البضاعة مكيلة او موزونة. ثامنا: بيع السمك في النهر او البركة:قد يملك انسان نهرا او بركة قد ربى فيها السمك ، فهل يجوز له ان يعقد مقاولة مع آخرين على الانتفاع بهذه البركة او النهر الذي فيه السمك (اكلا او بيعا له بعد اصطياده) مدة معلومة باجر معين؟ والجواب: ان هذه المقاولة يمكن تصويرها بثلاث صور: 1 - بيع السمك الموجود (اذا كان معينا) واجارة البركة مدة
معينة. وبما ان السمك معلوم بالمشاهدة فالبيع صحيح، وبما ان المدة معلومة لاجارة
البركة والاجر معين ايضا فالاجارة صحيحة. 2 - اذا لم يكن السمك معلوما، فيتمكن ان يبيع كمية معلومة منه مع الباقي الذي يجهل مقداره، ويدل على صحة هذا البيع روايات الضميمة، وهي على طوائف: الطائفة الاولى: تدل على جواز بيع اللبن في الضرع اذا ضم اليه شيء معلوم. الطائفة الثانية: تدل على جواز بيع ما في بطون الانعام مع الضميمة لا منفردا. الطائفة الثالثة: تدل على جواز بيع الابق منضما اليه شيء معلوم لا منفردا. الطائفة الرابعة: تدل على جواز شراء ما لم يدرك منضما اليه ما ادرك. الطائفة الخامسة: تدل على جواز بيع الثمار قبل خروج الطلع مع
الضميمة. فمن الطائفة الاولى: موثقة سماعة قال: سالته عن اللبن يشترى وهو في الضرع، فقال: «لا، الا ان يحلب لك منه اسكرجة فيقول: اشتر مني هذا اللبن الذي في الاسكرجة وما في ضروعها بثمن مسمى، فان لم يكن في الضرع شيء كان ما في الاسكرجة». ومن الطائفة الثالثة: صحيحة رفاعة النخاس قال: سالت ابا الحسن موسى(ع) قلت له: ايصلح لي ان اشتري من القوم الجارية الابقة واعطيهم الثمن واطلبها انا؟ قال(ع): «لا يصلح شراؤها الا ان تشتري منهم معها ثوبا او متاعا، فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما، فان ذلك جائز». ومن الطائفة الخامسة: موثقة سماعة عن الامام الصادق(ع) قال:
سالته عن بيع الثمرة، هل يصلح شراؤها قبل ان يخرج طلعها؟ فقال(ع): «لا، الا ان
يشتري معها شيئا من غيرها رطبة او بقلا فيقول: اشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل
وهذا الشجر بكذا وكذا، فان لم تخرج الثمرة كان راس مال المشتري في الرطبة والبقل». 3 - كما يمكن تصور المقاولة بصورة الاجارة للبركة مدة
معلومة على ان ينتفع بها وبما فيها اكلا او بيعا بعد اصطياده،
وهذا نظير اجارة البقرة للانتفاع بها وبلبنها مدة معلومة،
واجارة المراة للرضاع . وهذا الحكم في الصور الثلاث لا يختلف فيما اذا جاء السمك الى النهر او البركة تلقائيا بواسطة الفيضانات، فان المالك للنهر او البركة يملك ما يدخل فيها، وحينئذ اما ان يبيعه اذا كان معلوما ويؤجر البركة لمدة معينة. واما ان يبيع شيئا معلوما منه مع ضميمة الموجود فيها الذي لا يعلم مقداره، او يؤجر البركة على ان ينتفع فيها لمدة معلومة كاجارة المراة للارضاع. كما ان هذا الحكم لا يختلف لو كانت الدولة مالكة للنهر او البركة من باب ملكيتها للانفال. فتملك ما فيهما كذلك ، وتصح المعاملات المتقدمة على هذا السمك الذي في البركة بصوره الثلاث بشرط ان تكون الدولة شرعية، بمعنى قيمومتها الشرعية على المجتمع، كان يكون رئيس الدولة حاكما شرعيا او منصوبا من قبله بحيث تكون الانفال ملكا للمقام. وكذا تصح هذه الصور الثلاث اذا كانت الملكية للمسلمين، وكان المتولي عليهم حاكما شرعيا يصرف حاصل ما باعه او اجره على المسلمين. تاسعا: بيع الحطب:قد تعمد الدولة لبيع احطاب الاشجار التي تغرسها في اطراف
الطرق، او التي تخرج تلقائيا في ارض الحكومة، وهذه
المعاملة ايضا صحيحة اذا كان ما يغرس في الطرق او يخرج
تلقائيا في ارض الدولة (الانفال) او الاراضي الميتة التي تكون
للامام(ع) او في ارض المسلمين اذا قام بها الحاكم الشرعي او
وكيله. اما اذا كانت الحكومة غير شرعية، فالتصرفات فيها على بيع الحطب او المقاولة على السمك بصوره الثلاث المتقدمة مشكلة، لان الحكومة اما ليست بمالكة او ليس لها ولاية على اموال المسلمين، فتحتاج تصرفاتها الى امضاء من الحاكم الشرعي، فان لم يمض الحاكم الشرعي تصرفات الحكومة غير الشرعية في المقاولات على السمك او بيعها له بصوره الصحيحة او بيعها للحطب، فيجب على المشتري لهذه الاسماك او المؤجر للبرك او المشتري للحطب المراجعة والمصالحة مع الحاكم الشرعي، لاخذ الثمن او الاجارة منه وصرفها في مواردها المقررة من صرف موارد الانفال او الصرف على مصالح المسلمين، حتى يكون عمل المشتري صحيحا. والله هو العالم بحقائق الامور. هذا ما اردنا بيانه على الاسئلة الموجهة من مجمع الفقه الاسلامي في الهند لدورته التاسعة. |