احياء الموات

تقرير بحث سيدنا الشهيد السعيد آية الله العظمى
 السيد محمد باقر الصدر (قدس سره الشريف)

القاه في ليالي شهر رمضان سنة 1391 ه . ق

الشهيد آية الله السيد محمدباقر الصدر(قدس‏سره)

تقرير: سماحة السيد علي رضا الحائري

ونختار منه ثلاث مسائل:

الاولى: في تحقيق ملكية الارض الميتة، وانها بطبعها الاولي هل تكون ملكا -لفرد او لجهة او لا تكون ملكا بل هي من المباحات الاولية؟

الثانية: فيما يكتسب باحياء الارض الميتة.

الثالثة: في بقاء حق المحيي -بعدما اهملها وزواله.

فاما المسالة الاولى: -وهي ملكية الموات بالاصالة:

فلا اشكال عند فقهائنا(قدس‏سرهم) في ان الارض الميتة بالاصالة ملك للامام(ع)، وقد استفاض نقل الاجماع عليه في جملة من كلماتهم، والعمدة في الحكم بالملكية للامام(ع) بعد الاجماع هي الروايات. وبالامكان تصنيف الروايات التي يمكن الاستدلال بها على ذلك الى اربع طوائف:

الطائفة الاولى:

ما دل على ان الارض الميتة للامام(ع) بحيث‏يكون موضوع الحكم بالملكية فيها متطابقا مع موضوع الحكم في الفتاوى وهو عنوان الموات، وينحصر مصداق هذه الطائفة في قوله(ع): «والموات كلها هي له...»، ولم يرد مثل هذا التعبير في سائر روايات الباب، بل قد عبر فيها اما بغير الموات او بالموات مع اضافة بعض القيود.

ولا اشكال في دلالة قوله(ع): «والموات كلها هي له..» على مالكية الامام(ع) للاراضي الميتة بالاصالة، الا انها حيث كانت هي الوحيدة في سنخ تعبيرها وغير تامة السند باعتبار ان الشيخ الطوسي(قدس‏سره) رواها باسناده عن محمد بن الحسن الصفار عن احمد بن محمد عن بعض اصحابنا رفع الحديث... فهي مرسلة ومرفوعة فلا يعتمد عليها.

الطائفة الثانية:

ما دل على ان الارض الخربة للامام(ع)، او ان الارض الخربة التي باد اهلها فهي للامام(ع) بحيث‏ يكون موضوع الحكم بملكية الامام(ع) هو عنوان الخربة اما بلا قيد من قبيل ما ورد في رواية حفص بن البختري عن ابي عبد الله(ع): «وكل ارض خربة وبطون الاودية فهو لرسول الله(ص)، وهو للامام من بعده يضعه حيث‏يشاء». وكذلك من قبيل ما ورد في رواية سماعة بن مهران قال: سالته عن الانفال، فقال: «كل ارض خربة او شي‏ء يكون للمملوك فهو خالص للامام(ع)...».

وايضا من قبيل ما ورد في رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد الله(ع): «وما كان من ارض خربة او بطون اودية فهذا كله من الفي‏ء...».

وايضا من قبيل ما ورد في روايته الاخرى عن ابي جعفر(ع): «وما كان من ارض خربة او بطون اودية فهو كله من الفي‏ء..».

او يكون الموضوع عنوان الخربة مع قيد او عنوان الميتة مع قيد، وذلك من قبيل ما ورد في مرسلة حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن العبد الصالح(ع) في حديث: «والانفال كل ارض خربة باد اهلها...»، او من قبيل ما ورد في رواية داود بن فرقد عن ابي عبد الله(ع): «وكل ارض ميتة قد جلا اهلها...»، الى غيرها من الروايات الدالة على هذا المضمون.

وقد استشكل المحقق الاصفهاني(قدس‏سره) في الاستدلال بهذه الروايات على مالكية الامام(ع) للارض الميتة بالاصالة بقوله: اما الارض الخربة مطلقة كانت او مقيدة فموردها المسبوقة بالعمارة لا الموات بالاصالة.

وحاصل اشكاله هو اختصاص هذه الطائفة من الروايات بالاراضي التي هي موات بالعرض -وهو الخراب لا التي هي موات بالاصالة كما هو محل الكلام، فان الخراب معناه انهدام العمران بعد وجوده وهو غير محل الكلام، وهذا هو ظاهر جملة من الروايات وهي التي ورد فيها الحكم على عنوان الخربة بلا قيد، وصريح جملة اخرى منها وهي التي ورد فيها الحكم على عنوان الخربة بقيد «التي باد اهلها»، فان هذا القيد قرينة على كون المراد من الخربة ما كان مسبوقا بالعمران والاهل.

الا ان للتنظر فيما افاده(قدس‏ سره) مجالا من وجوه ، اذ قد يدعى امكان الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات على مالكية الامام(ع) للاراضي الموات بالاصالة وذلك باحد تقاريب:

التقريب الاول:

ان يقال: ان الروايات المزبورة وان سلم اختصاصها بالاراضي المسبوقة بالعمارة الا انه مع ذلك يمكن استفادة المطلوب منها بالدلالة الالتزامية، وبحسب مناسبات الحكم والموضوع المرتكزة في اذهان العرف، فان العرف يلغي خصوصية كونها مسبوقة بالعمارة ولا يرى لذلك دخلا في موضوع الحكم بمالكية الامام(ع) لها، ويرى ان تمام الموضوع هو كونها ميتة بالفعل، واما كونها مسبوقة بالعمارة فان لم يكن مناسبا -في نظر العرف لعدم ملكية الامام(ع) لها فلا اقل من عدم دخله في الملكية.

التقريب الثاني:

ان يقال: اننا نفرض ارضا عامرة بطبعها وبالاصالة ثم عرض عليها الموت بسبب طبيعي كالزلزال مثلا، فلا اشكال في اندراجها تحت جملة من هذه الروايات، وهي الروايات التي ورد الحكم فيها على عنوان الخربة بلا قيد، فيثبت كونها ملكا للامام(ع)، فاذا ثبت ذلك فيها فيثبت ايضا في الارض الميتة بالاصالة، اذ لا فرق بين ارض ميتة بالاصالة وبين ارض ميتة بسبب طبيعي كالزلزال مثلا.

التقريب الثالث:

ان يقال: ان عنوان الخربة يستعمل تارة بلحاظ كونها مسبوقة بالعمارة واخرى بلحاظ كونها في مقابل المعمورة، وحينئذ فعلى اللحاظ الاول يتم اشكال المحقق الاصفهاني(قدس‏سره) بقطع النظر عما ذكرناه، واما على اللحاظ الثاني فعنوان الخربة له اطلاق للميتة بالاصالة، لانها ايضا خربة في مقابل المعمورة، وعليه يقال: ان عنوان الخربة حقيقة كعنوان الميتة، والاشكال الذي افاده المحقق الاصفهاني(قدس‏سره) بالنسبة الى الخربة بعينه يرد في عنوان الميتة، فيلزم ان لايكون لعنوان الميتة اطلاق للميتة بالاصالة مع انه(قدس‏سره) التزم بالاطلاق هناك.

وتوضيح ذلك: ان عنوان الميتة كعنوان الخربة، فتارة يستعمل بلحاظ كونها مسبوقة بالحياة كما هو مقتضى طبع الكلمة، واخرى يستعمل بلحاظ كونها في مقابل المحياة ويراد منها الارض التي من شانها ان تحيى ولكنها ليست محياة، وعليه فان استظهرنا من عنوان الميتة اللحاظ الثاني اي الميتة في مقابل المحياة -ولو بمناسبات الحكم والموضوع فلابد من استظهار اللحاظ الثاني من عنوان الخربة ايضا بان يستظهر منها الخربة في مقابل المعمورة بحيث تشمل الميتة بالاصالة، وذلك لعدم الفرق بين عنواني الميتة والخربة.

نعم قد اصطلح الفقهاء على التعبير عن الميتة بالاصالة ب «الميتة‏»، وعن الميتة بالعرض ب«الخربة‏»، الا انه اصطلاح فقهي في مقام تصنيف الاراضي واعطاء احكامها، واما بحسب اللغة فلا فرق بينهما.

واما ان لم نستظهر من عنوان الخربة اللحاظ الثاني فلا يكون فيها اطلاق للميتة بالاصالة، فلابد من ذلك ايضا في عنوان الميتة بحيث لايكون له اطلاق للميتة بالاصالة بل يكون مجملا، مع ان المحقق الاصفهاني(قدس‏سره) قد التزم باطلاق عنوان الميتة للميتة بالاصالة، فيلزمه ذلك في عنوان الخربة ايضا.

الطائفة الثالثة:

ما دل على ان الارض التي لا رب لها للامام(ع)، او ان الارض الميتة التي لا رب لها فهي للامام(ع)، بحيث‏يكون موضوع الحكم بملكية الامام(ع) للارض فيها هو عنوان ما لا رب له اما بلا قيد او بقيد الميتة، وذلك من قبيل ما ورد في مرسلة حماد بن عيسى المتقدمة عن العبد الصالح(ع): «وكل ارض ميتة لا رب لها...».

وكذلك من قبيل موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله(ع) التي ورد فيها: «وكل ارض لارب لها...»، الى غيرهما من الروايات الواردة بهذا المضمون.

وتقريب الاستدلال بها على مالكية الامام(ع) للارض الميتة بالاصالة: ان هذه الروايات لو خليت ونفسها لما امكن الاستدلال بها على المطلوب الا بعد اثبات ان الارض لا رب لها ، اذ ذلك هو موضوع المالكية في الروايات، وعليه فاذا احتملنا وجود رب لها -كما اذا احتملنا انها ملك للمسلمين عامة فلا يتم موضوع المالكية للامام(ع)، ولا يمكن التمسك فيها بهذه الروايات، لانه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، اذن فلابد في التمسك بالروايات من نفي رب للارض ليتحقق بذلك موضوع ملكية الامام(ع)، ولو كان نفي الرب باستصحاب عدم جعل مالك لها في الشريعة فانه به يتنقح موضوع المالكية بضم التعبد -وهو استصحاب عدم وجود رب لها الى الوجدان، وهو كونها ميتة.

ويبقى هنا فارق فني بين دلالة الطائفتين الاوليين على المطلوب وبين دلالة هذه الطائفة عليه، وهو عبارة عما اذا دل دليل خارجا على مالكية غير الامام(ع) للموات او لبعض اقسام الموات، فهنا تختلف نسبة هذا الدليل الخارجي الى الطائفتين الاوليين عن نسبته الى الطائفة الثالثة، فان نسبته الى الطائفتين الاوليين هو التعارض، لانه يدل على مالكية غير الامام(ع) للموات، والطائفتان تدلان على مالكيته(ع) لها، فلابد حينئذ من التساقط او التخصيص او غيرهما من قواعد باب التعارض، واما نسبته الى الطائفة الثالثة فهو الورود، فان موضوع الطائفة الثالثة هو ما لا رب له ، والدليل الخارجي يرفع موضوعها ويثبت ان للارض ربا، فهو وارد عليها ورافع لموضوعها. ويظهر اثر هذا الفارق الفني عند التكلم عن المعارضة.

بقيت ثلاثة اشكالات:

الاشكال الاول:

ان الاستدلال بالطائفة الثالثة من الروايات على مالكية الامام(ع) للموات بالاصالة موقوف على احراز ان الارض لا رب لها ولو باستصحاب عدم وجود رب لها، سواء قلنا بمفهوم الوصف في مثل قوله: «كل ارض لا رب لها فهي للامام‏» حيث‏يدل بالمفهوم على ان كل ارض لها رب فهي ليست للامام(ع) او لم نقل بالمفهوم، فانه على كل حال لابد في اثبات مالكية الامام(ع) للاراضي الميتة بالاصالة من تحقق موضوعها -وهو الارض التي لا رب لها ولو بالاستصحاب، وحينئذ فيقال: ان للقضية الوصفية ظهورين:

الاول: ظهورها في انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وهذا هو المسمى بمفهوم الوصف الذي اختلف فيه، وذلك كظهور قوله: اكرم الانسان الابيض في عدم وجوب اكرام الانسان غير الابيض.

الثاني: ظهورها في ان الموصوف قابل لوجدان الصفة تارة ولفقدانها اخرى، اي ان الموصوف بطبعه مقسم لوجدان الصفة وفقدانها، وهذا الظهور ثابت‏حتى عند من ينكر الظهور الاول، وذلك كظهور قوله: اكرم الانسان الابيض في ان الانسان بحسب طبعه قابل لان يكون ابيض ولان يكون غير ابيض، اي ان هناك انسانا غير ابيض ايضا، وحينئذ فقوله(ع) في الطائفة الثالثة من الروايات: «كل ارض ميتة لا رب لها فهي للامام(ع)» قضية وصفية تدل بالظهور الثاني على ان هناك اراضي ميتة لها رب، وهذا مناف مع المطلوب ، اذ المطلوب اثبات مالكية الامام(ع) لجميع الاراضي الميتة بالاصالة لا لبعضها، مع ان الروايات تدل بالظهور الثاني على مالكية الامام(ع) لبعض الاراضي الميتة بالاصالة وهي التي لا رب لها.

الا ان هذا الاشكال غير صحيح ، فان الظهور الثاني في القضية الوصفية وان لم ننكره -فتدل الطائفة الثالثة على ان بعض الاراضي الميتة لها رب الا ان ذلك لايضر بالمطلوب، اذ لعل ذلك البعض من الاراضي الميتة التي لها رب هي الميتة بالعرض -اي التي باد اهلها او نزحوا عنها او اعرضوا عنها او عجزوا عن احيائها او نحو ذلك لا الميتة بالاصالة التي هي محل الكلام، فان محل الكلام مالكية الامام(ع) لجميع الاراضي الميتة بالاصالة، واما الاراضي الميتة بالعرض فليست محل الكلام، فلا تدل الطائفة الثالثة على ان بعض الاراضي الميتة بالاصالة لها رب.

الاشكال الثاني:

انه لا فرق بين الطائفتين الاوليين من الروايات وبين الطائفة الثالثة من حيث انه لابد في الاستدلال بهما على مالكية الامام(ع) للاراضي الميتة بالاصالة من استصحاب عدم وجود رب لها والا فيكون التمسك بهما تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية، وحينئذ فكما ان الطائفة الثالثة تكون مورودة للدليل الخارجي الدال على ان للارض ربا فكذلك الطائفتان الاوليان. اذن فلا فرق بين الطوائف الثلاث، وذلك لان نسبة الطائفة الثالثة الى الطائفتين الاوليين نسبة المقيد الى المطلق، فان الطائفتين الاوليين موضوعهما هو طبيعي الارض الخربة او الميتة، واما موضوع الطائفة الثالثة فهو الارض الميتة التي لا رب لها، فيحمل المطلق الذي هو عبارة عن الطائفتين الاوليين على المقيد المنفصل الذي هو عبارة عن الطائفة الثالثة، فيكون موضوع المالكية هو الارض الميتة التي لا رب لها، ففي مقام الاستدلال على مالكية الامام(ع) لابد من احراز ان الارض لا رب لها ولو بالاستصحاب، فاذا شك في ارض ان لها ربا او لا فلا يمكن التمسك بعموم «كل ارض ميتة لا رب لها...» لاثبات ان الارض ملك للامام(ع) وانه ليس لها رب، اذ هو تمسك بالعام في الشبهة المصداقية. اذن فمصير الطائفتين الاوليين كمصير الطائفة الثالثة من دون فرق.

الا ان هذا الاشكال ايضا غير صحيح بناء على ما هو المختار من جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية التي هي من هذا القبيل، وذلك بعد فرض ان المورد من موارد حمل المطلق على المقيد، فان الطائفتين الاوليين وان قيدتا بالطائفة الثالثة بحسب الفرض فيكون مفادها: كل ارض ميتة لا رب لها فهي للامام(ع)، الا انه يمكن التمسك بعموم قوله: «كل ارض ميتة لا رب لها فهي للامام..» لاثبات ان الارض لا رب لها، فانه وان كان تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية الا انه جائز في امثال المقام بناء على المختار من ان الشبهة المصداقية على قسمين:

الاول: ما يكون القيد المشكوك ثبوته فيها من القيود التي لا يرجع تشخيصها الى المولى بما هو مولى وان رجع اليه بما هو علام الغيوب بل يكون المولى والعبد على حد سواء في الخبروية بالنسبة الى ثبوت القيد، وذلك كما اذا قال: اكرم كل عالم، ثم خصصه بقوله: لا تكرم فساق العلماء، وشك في زيد العالم انه عادل او غير عادل، فحيث ان القيد المشكوك ثبوته وهو العدالة لا يرجع امر تشخيصه الى المولى بما هو مولى، اذ المولى بما هو مولى ليس من شانه تشخيص عدالة زيد وعدمها وان كان -بما هو علام الغيوب خبيرا بحاله، فحينئذ لا يمكن التمسك بالعام لاثبات عدالة زيد ووجوب اكرامه.

الثاني: ما يكون القيد المشكوك ثبوته فيها من القيود الراجع امر تشخيصها الى المولى بما هو مولى بحيث تكون خبروية المولى بثبوته وعدمه اكثر من خبروية المكلف ويترقب من المولى بيان ذلك، وذلك كما في محل الكلام، فان القيد المشكوك ثبوته في الشبهة المصداقية هو كون الارض لا رب لها، وهذا قيد يترقب من المولى -بما هو مولى بيان ثبوته، اذ هو الاخبر بحال الارض من العبد، فهو اخبر من العبد بان الارض هل لها مالك في الشريعة الاسلامية او ليس لها مالك، باعتباره هو الذي يجعل المالكية دون غيره، فحينئذ يمكن التمسك بالعام لاثبات ان الارض لا رب لها وانها ملك للامام(ع) ، فليس من القسم غير الجائز من قسمي التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وتفصيل هذا المبنى موكول الى الاصول.

الاشكال الثالث:

ان بعض الروايات في الطائفة الثانية وردت بلسان كل ارض خربة جلا اهلها فهي للامام(ع)، فهي دالة على ان خصوص الارض الخربة التي جلا اهلها ملك للامام(ع)، واما الارض التي ليست كذلك فهي ليست للامام(ع) بحكم مفهوم الوصف، وتكون هذه الروايات مقيدة لما ورد في الطائفة الاولى وفي بعض الروايات من الطائفة الثانية من ان كل ارض خربة او ميتة فهي للامام(ع)، اذن فلا يتم المطلوب، وهو ان كل ارض ميتة بالاصالة فهي للامام(ع) بل خصوص التي باد اهلها.

الا ان هذا الاشكال غير صحيح حتى بناء على القول بمفهوم الوصف، وذلك لان الروايات الدالة على ان كل ارض خربة جلا اهلها فهي للامام(ع) تدل بالمفهوم على ان كل ارض خربة كان لها اهل ولم ينجل اهلها فهي ليست للامام(ع)، لا ان كل ارض خربة ليس لها اهل فهي ليست للامام(ع).

وبتعبير واضح: ان موضوع الحكم في تلك الروايات هو الارض الخربة التي كان لها اهل وقد انجلى اهلها فهي للامام(ع)، فتدل بالمفهوم على ان الخربة التي كان لها اهل ولم ينجل عنها اهلها فهي ليست للامام(ع)، ولا تدل على ان الخربة التي لم يكن لها اهل ايضا هي ليست للامام(ع) باعتبار عدم الانجلاء، فان عدم الانجلاء هنا من باب عدم الموضوع، فهو نظير ما اذا قال: كل انسان يفقه اولاده فهو صالح، فانه يدل بالمفهوم على ان كل انسان لا يفقه اولاده فليس بصالح، واما الذي ليس له ولد اصلا فلا يندرج تحت المفهوم، لانتفاء الموضوع، فالارض الخربة التي ليس لها اهل اصلا لايشملها المفهوم، لعدم الموضوع، بل هي للامام(ع)، اذن فلا يضر مفهوم الوصف بالاستدلال على ان كل ارض خربة لم يكن لها اهل او كان وانجلى عنها فهي للامام(ع).

اذن فالاستدلال بالطوائف الثلاث على مالكية الامام(ع) للموات بالاصالة تام من ناحية الدلالة، نعم الطائفة الاولى ضعيفة السند كما سبق.

الطائفة الرابعة:

ما دل على ان الارض كلها للامام(ع) بحيث تشكل عموما دالا على مالكية الامام(ع) لكل ارض، فكلما دل دليل على عدم مالكية الامام(ع) لارض كانت الارض خارجة عن هذا العموم تخصيصا، وحيث لم يدل دليل على العدم فتبقى تحت العموم، ومن المعلوم انه لم يدل دليل على عدم مالكية الامام(ع) للاراضي الموات بالاصالة فهي باقية تحت العموم المزبور.

وهذه الطائفة من قبيل ما ورد في رواية ابي سيار مسمع بن عبد الملك، عن ابي عبد الله(ع) (في حديث طويل): «يا ابا سيار، الارض كلها لنا، فما اخرج الله منها من شي‏ء فهو لنا...»، وهي معتبرة من حيث السند.

وقد ادعى جملة منهم كالمحقق الاصفهاني(قدس ‏سره) وغيره ممن قبله انه لابد من حمل الملكية في هذه الرواية على غير الملكية الحقيقية الفقهية التي هي محط غرض الفقيه بما هو فقيه والتي هي منشا الاثار، لوضوح انه مع حملها على الملكية الحقيقية يلزم منه تخصيص الاكثر، فان اكثر الارض ليس ملكا للامام(ع) كما هو واضح، فلابد من حمل الملكية في الرواية على ملكية تكوينية عرفانية خارجة عن غرض الفقيه، وبذلك تسقط الرواية عن الاستدلال بها على مالكية الامام(ع) للموات بالاصالة.

الا ان هذا غير تام، فان حمل الملكية في الرواية على غير معناها الحقيقي يكاد ان يكون خلاف صريح الرواية، فان الامام(ع) بعدما بين ان الارض كلها لنا... قال: «وكل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون...»، فتفريع التحليل على مالكيته(ع) للارض صريح في كون الملكية هي الملكية الحقيقية الفقهية التي هي منشا الاثار العملية دون الملكية التكوينية العرفانية، فانها لا تقع موضوعا للتحليل كما هو واضح، فالصحيح تعين حمل الملكية في الرواية على الملكية الحقيقية المتعارفة، ولا يلزم منه تخصيص الاكثر، فان الارض حسب طبعها الاولي بقطع النظر عن احياء شخص لها لا تخلو من احدى حالتين: الاولى: ان تكون ميتة بالاصالة، الثانية: ان تكون عامرة بالاصالة، وفي كلتا الحالتين تكون ملكا للامام(ع)، اما في الحالة الاولى فلما تقدم من الروايات الدالة على ذلك كما هو محل الكلام، واما في الحالة الثانية فكما هو المشهور والصحيح بين فقهاء الامامية، ولا تخرج بالعوارض والطوارئ عن كونها ملكا للامام(ع)، فان اهم العوارض هو الاحياء، وسوف ياتي في المسالة الثانية ان شاء الله تعالى ان الاحياء لايوجب خروج رقبة الارض عن ملك الامام(ع) بل هي ملك له(ع)، وانما الاحياء يوجب حصول حق الاولوية للمحيي بالنسبة الى غيره من الناس دون الامام(ع).

اذن فالصحيح التحفظ على ظهور الرواية في الملكية الحقيقية الفقهية والعمل عليه ما لم يرد مخصص، وحيث لم يرد مخصص بالنسبة الى الارض الميتة بالاصالة فيصح التمسك بالرواية لاثبات مالكيته(ع) للارض الميتة بالاصالة.

اذن فتبين ان الطوائف الاربع كلها تامة الدلالة على المطلوب، وان كان بعضها ضعيف السند، غاية الامر تفتقر الطائفة الثالثة في اثبات المطلوب الى ضم اصل اليها ينقح موضوعها وهو كون الارض لا رب لها، فالدليل على مالكية الامام(ع) للاراضي الموات بالاصالة اثباتا تام.

البحث في وجود المعارض لمالكية الامام للموات وعدمه:

ثم انه يقع الكلام في وجود معارض لدليل مالكية الامام(ع) للموات بالاصالة وعدمه، فانه قد توقع المعارضة بين دليل مالكية الامام(ع) للموات بالاصالة وبين دليل مالكية المسلمين للاراضي الخراجية المفتوحة عنوة بنحو العموم من وجه، واول من اوقع التعارض بينهما -فيما اعلم صاحب الرياض(قدس ‏سره).

وتقريب التعارض المزبور: ان دليل مالكية الامام(ع) للاراضي الميتة بالاصالة مطلق يشمل الاراضي الميتة المفتوحة عنوة وغيرها، ودليل مالكية المسلمين للاراضي الخراجية المفتوحة عنوة مطلق يشمل الاراضي الميتة والعامرة، فمادة الاجتماع للدليلين هي الارض الميتة بالاصالة المفتوحة عنوة، فيشملها كل من الدليلين باطلاقه ويتعارضان، وحينئذ فلابد من تطبيق قواعد باب التعارض عليهما.

ولا يمكن رفع التعارض بما ذكره السيد الاستاذ -دام ظله كما في تقرير بحثه، من انه يجب تقديم دليل مالكية الامام(ع) على دليل مالكية المسلمين في مادة الاجتماع وهي الارض الميتة المفتوحة عنوة، وذلك لانه لو قدم دليل مالكية المسلمين على دليل مالكية الامام(ع) في مادة الاجتماع المزبورة للزم لغوية دليل مالكية الامام(ع) ، اذ يبقى حينئذ بلا مورد، اذ لازمه ان الارض الميتة المفتوحة عنوة ليست ملكا للامام(ع)، وحينئذ فلا تبقى هناك ارض تكون ملكا للامام(ع) ، اذ ما من ارض ميتة الا كانت تحت ايدي الكفار، فاذا اخذها المسلمون عنوة تكون ملكا لهم، فليست هناك ارض ميتة منذ خلقتها كانت تحت ايدي المسلمين كي لا تكون مفتوحة عنوة فتكون ملكا للامام(ع).

اذن فلو قدم دليل مالكية المسلمين على دليل مالكية الامام(ع) في الارض الميتة المفتوحة عنوة للزم منه الغاء دليل مالكية الامام(ع) راسا، وهذا بخلاف العكس، فانه لو قدم دليل مالكية الامام(ع) على دليل مالكية المسلمين في مادة الاجتماع -وهي الارض الميتة المفتوحة عنوة والتزم بانها ملك للامام(ع) فلا يلزم منه الغاء دليل مالكية المسلمين، اذ يبقى له مورد ايضا وهي الارض العامرة المفتوحة عنوة، فانها ملك للمسلمين من دون ان يعارضهم في ذلك الامام(ع)، فانه(ع) لا يملك العامرة، اذن فيتقدم دليل مالكية الامام(ع) على دليل مالكية المسلمين في مادة الاجتماع لدفع اللغوية، وبذلك يرتفع التعارض.

فان ما افاده -دام ظله غير تام، وذلك لان تقديم اي من الدليلين على الاخر لا يلزم منه الغاء الاخر، فكما ان تقديم دليل مالكية الامام(ع) على دليل مالكية المسلمين لا يلزم منه الغاء دليل مالكية المسلمين كما ذكر، فكذلك تقديم دليل مالكية المسلمين على دليل مالكية الامام(ع) في مادة الاجتماع -وهي الارض الميتة المفتوحة عنوة‏والالتزام بانها ملك للمسلمين لا يلزم منه الغاء دليل مالكية الامام(ع)، اذ تبقى تحت دليل مالكية الامام(ع) موارد ايضا، وذلك كالاراضي الميتة التي اسلم اهلها طوعا، او الاراضي الميتة التي استسلم اهلها صلحا، او القوا السلاح خوفا دون ان يوجف عليها بخيل ولا ركاب، او الاراضي الميتة المستجدة التي تحدث بعد ذلك، فان هذه كلها ملك للامام(ع) وليست ملكا للمسلمين، لان ما هو ملك المسلمين خصوص الاراضي المفتوحة عنوة وهذه الاراضي لم تؤخذ عنوة.

اذن فالتحقيق في علاج التعارض بين دليل مالكية الامام(ع) ودليل مالكية المسلمين في مادة الاجتماع -وهي الارض الميتة المفتوحة عنوة هو ان يقال: ان دليل مالكية المسلمين للاراضي الخراجية المفتوحة عنوة يحتمل فيه احتمالان بدوا:

الاول: ان يكون موضوعه ما كان ملكا للكفار سابقا واخذه المسلمون عنوة بالسيف.

الثاني:ان يكون موضوعه ما كان تحت‏سيطرة الكفار سابقا -سواء كان ملكا لهم او لا واخذه المسلمون عنوة وبالسيف.

فان بني على الاحتمال الاول بحيث‏يكون ميزان مالكية المسلمين كون الشي‏ء سابقا ملكا للكفار فحينئذ لا تعارض اصلا بين دليل مالكية المسلمين ودليل مالكية الامام(ع) بالنسبة الى مادة الاجتماع -وهي الارض الميتة المفتوحة عنوة بل تكون مشمولة لدليل مالكية الامام(ع) بالخصوص. واما دليل مالكية المسلمين فهو قاصر عن الشمول لها، لان دليل مالكية المسلمين انما يشمل الارض الميتة المفتوحة عنوة التي كانت‏سابقا ملكا للكفار -كما هو المفروض فلابد من احراز كونها سابقا ملكا للكفار كي يتم به موضوع دليل مالكية المسلمين، ومن المعلوم انه لم يدل دليل على انها كانت‏سابقا ملكا للكفار كي يشملها دليل مالكية المسلمين، بل غاية ما دل عليه الدليل مالكية الكافر للارض التي يحييها.

اذن فالارض الميتة المفتوحة عنوة خارجة تخصصا عن دليل مالكية المسلمين فهي ملك للامام(ع)، ولا تعارض اصلا بين الدليلين، بل ان دليل مالكية الامام(ع) وارد على دليل مالكية المسلمين ورافع لموضوعه.

واما ان بني على الاحتمال الثاني بحيث‏ يكون ميزان مالكية المسلمين كون الارض المفتوحة عنوة تحت‏ سيطرة الكفار سابقا فحينئذ تكون الارض الميتة المفتوحة عنوة مشمولة لدليل مالكية المسلمين ايضا، لانها كانت‏سابقا تحت‏سيطرة الكفار وجدانا، فيقع التعارض بين دليل مالكية المسلمين ودليل مالكية الامام(ع)، وحينئذ يتم العلاج الفني للتعارض باحد وجوه اربعة:

الوجه الاول:

ان يقال بتقديم دليل مالكية الامام(ع) على دليل مالكية المسلمين، لان الاول عام وضعي، كما في قوله(ع): «كل ارض خربة...» او قوله: «الموات كلها للامام(ع)...».

واما الثاني فهو مطلق حكمي ثابت بمقدمات الحكمة، فيقدم العام الوضعي على المطلق الحكمي، اما لان العام الوضعي وارد على المطلق الحكمي باعتبار ان الاول منجز والثاني معلق، واما لان العام الوضعي اظهر من المطلق الحكمي على اقل تقدير، فينتج ان الارض الميتة المفتوحة عنوة ملك الامام(ع).

الوجه الثاني:

ان يقال: كلما تعارضت طائفتان من الروايات وكانت احداهما منقسمة الى قسمين: قسم يصلح ان يعارض الطائفة الاخرى دلالة وقسم لايصلح لذلك بل لو خلي مع الطائفة الاخرى لكانت الطائفة الاخرى واردة عليه ورافعة لموضوعه، فحينئذ لا تقع المعارضة بين الطائفة الاخرى ومجموع القسمين للطائفة الاولى، بل تقع المعارضة بين القسم الاول للطائفة الاولى مع الطائفة الثانية، وبعد التساقط يرجع الى القسم الثاني للطائفة الاولى.

وهذه القاعدة لها نظائر كثيرة في الفقه، منها: ما هو محل الكلام، فان هنا طائفتين من الروايات متعارضتين: احداهما طائفة الروايات الدالة على مالكية الامام(ع)، والثانية طائفة الروايات الدالة على مالكية المسلمين، الا ان الطائفة الاولى الدالة على مالكية الامام(ع) تنقسم الى قسمين: قسم من الروايات دال على مالكية الامام(ع) منجزا، وقسم من الروايات دال على مالكية الامام(ع) معلقا على كون الارض لا رب لها، فاذا نسب القسم الاول الى الطائفة الثانية الدالة على مالكية المسلمين لكانت النسبة هي التعارض، واذا نسب القسم الثاني اليها لكانت النسبة الورود، فان الطائفة الثانية ترفع موضوع القسم الثاني من الطائفة الاولى وتبين ان للارض ربا وهم المسلمون، فلا يبقى موضوع لمالكية الامام(ع)، فحينئذ لا تقع المعارضة بين الطائفة الثانية مع مجموع القسمين للطائفة الاولى، لاستحالة كون القسم الثاني من الطائفة الاولى معارضا للطائفة الثانية لانه مورود لها، بل الطائفة الثانية الدالة على مالكية المسلمين تعارض بالقسم الاول من الطائفة الاولى الدال على مالكية الامام(ع) منجزا، وبعد التساقط يرجع الى القسم الثاني من الطائفة الاولى الدال على مالكية الامام(ع) معلقا على كون الارض لا رب لها.

وهذا الوجه وان كان صحيحا وفنيا من حيث الكبرى فلقد طبقناه في موارد كثيرة في الفقه الا انه من حيث الصغرى -بعد وقوع المعارضة بين الروايات الدالة على مالكية الامام(ع) منجزا والروايات الدالة على مالكية المسلمين وتساقطهما والرجوع الى الروايات الدالة على مالكية الامام(ع) لما لا رب له يفتقر الى ضم استصحاب عدم وجود رب لها سابقا الى تلك الروايات كي يتم به موضوع مالكية الامام(ع) وهو عدم وجود رب للارض، كما بيناه سابقا.

ومن هنا كان هذا الوجه موقوفا على عدم تشريع مالكية المسلمين قبل تشريع الانفال، فان هنا ثلاثة امور:

الاول: تشريع مالكية الامام(ع) للانفال.

الثاني: تشريع مالكية المسلمين للارض المفتوحة عنوة.

الثالث: وقوع نفس الفتح خارجا الذي هو موضوع الامر الثاني.

فان فرض ان تشريع مالكية الامام كان قبل تشريع مالكية المسلمين من حيث الزمان او كان مقارنا له، فبعد تساقط الطائفة الثانية مع القسم الاول من الطائفة الاولى والانتهاء الى القسم الثاني يصح التمسك باستصحاب عدم وجود رب للارض، وبذلك يتم موضوع مالكية الامام(ع).

واما ان فرض ان تشريع مالكية المسلمين كان قبل تشريع مالكية الامام(ع) فلا يجري استصحاب عدم وجود رب للارض، لان الرب قد ثبت لها سابقا وهم المسلمون، فلا يتم موضوع مالكية الامام(ع).

الوجه الثالث:

ان يقال: سلمنا وقوع التعارض بين الطائفة الدالة على مالكية المسلمين والطائفة الدالة على مالكية الامام(ع) بقسميها وتساقطهما بالتعارض، الا انه بعد ذلك يرجع الى العام الفوقاني الدال على ان الارض كلها للامام(ع)، فان هذا العام الفوقاني ورد عليه مخصص وهو دليل مالكية المسلمين، وقد ابتلي المخصص بالمعارض في خصوص الموات منه وسقط بالمعارضة، فيرجع الى العام الفوقاني الدال على مالكية الامام(ع) لكل ارض، ومنها الارض الميتة المفتوحة عنوة التي هي محل الكلام، والعام الفوقاني عبارة عن قوله(ع) في رواية مسمع بن عبد الملك المتقدمة في الطائفة الرابعة: «الارض كلها لنا، فما اخرج الله منها من شي‏ء فهو لنا...»، وايضا من قبيل قوله(ع) في رواية ابي خالد الكابلي عن ابي جعفر(ع): «والارض كلها لنا...».

الوجه الرابع:

ان يقال: مع التنزل عن كل ما تقدم وفرض التعارض والتساقط وعدم وجود عام فوقاني يرجع اليه، فيرجع الى الاصل العملي وهو عبارة عن استصحاب مالكية الامام(ع) ، فان الارض الميتة كانت ملكه(ع) قبل الفتح، ويشك في ملكيته(ع) لها بعد الفتح، فتستصحب ملكيته(ع) لها.

وهذا الوجه موقوف على سبق تشريع مالكية الامام(ع) زمانا على تشريع مالكية المسلمين، فانه حينئذ يجري استصحاب مالكيته.

واما اذا كان تشريع مالكية المسلمين اسبق من تشريع مالكية الامام(ع) من حيث الزمان فلا يجري استصحاب مالكيته(ع) لها بعد الفتح، اذ بعد الفتح لا يشك في مالكيته(ع) لها بل يقطع بعدمها وانها ملك المسلمين، فان دليل مالكية الامام(ع) حينئذ يعارض دليل مالكية المسلمين ويتساقطان، ويرجع بعد ذلك الى استصحاب مالكية المسلمين.

وكذلك لا يجري استصحاب مالكية الامام(ع) فيما لو فرض ان تشريع مالكية المسلمين كان مقارنا لتشريع مالكية الامام(ع) زمانا، فانه حينئذ يتعارضان ويتساقطان، ولا مجال لاستصحاب مالكية الامام(ع) ، اذ لايقين بثبوتها سابقا، كما لايقين بثبوت مالكية المسلمين سابقا ايضا، اذ المفروض تقارن تشريعهما من دون سبق احدهما على الاخر.

اذن فقد اتضح ان بالامكان رفع التعارض بين دليل مالكية المسلمين ودليل مالكية الامام(ع) بالنسبة الى مادة الاجتماع -وهي الارض الميتة المفتوحة عنوة باحد هذه الوجوه الاربعة واثبات مالكية الامام(ع) لها.

هذا تمام الكلام في المسالة الاولى. وقد تبين من جميع ما ذكرنا: ان الارض الميتة بالاصالة ليست من المباحات الاولية بل هي ملك لفرد وهو الامام(ع)، سواء المفتوحة عنوة منها او غير المفتوحة عنوة.

واما المسالة الثانية: -وهي ما يكتسب باحياء الارض الميتة بالاصالة التي هي ملك الامام(ع):

فلا اشكال في الجملة في ان المحيي يكتسب حقا بسبب الاحياء ولو بنحو القضية المهملة، بحيث تختلف علاقته مع الارض المحياة بعد الاحياء عنها مع الارض قبل الاحياء وعن علاقة غيره مع الارض، الا ان الكلام في تشخيص هذا الحق وانه هل هو حق الملكية بحيث تنتقل ملكية الارض -بسبب الاحياء عن الامام(ع) الى المحيي وتخرج رقبة الارض عن ملكه(ع)، او هو حق الاولوية بحيث‏يكون المحيي -بسبب الاحياء اولى بالارض من غيره من الناس ممن ليس مالكا للارض، واما الامام(ع) فلا يزال مالكا لرقبة الارض وليس المحيي باولى منه(ع) بالارض؟

ومن شؤون الفرق بين حق الملكية وحق الاولوية انه بناء على ان يكون حق المحيي هو حق الملكية فلا معنى حينئذ لاستحقاق الامام(ع) اخذ الاجرة منه، اذ المحيي مالك للارض ولا تؤخذ الاجرة من المالك، واما بناء على ان يكون حق المحيي هو حق الاولوية فحينئذ يكون حال المحيي حال من يتصرف في مال الغير، ومن المعلوم امكان اخذ الاجرة منه من قبل الامام(ع) لانه تصرف في ماله(ع).

ولاجل تشخيص الحق الذي يكتسبه المحيي بالاحياء لابد من ملاحظة الروايات الواردة في الباب، وبالامكان تصنيفها الى اربع طوائف:

الطائفة الاولى:

ما دل بالصراحة العرفية على ان المحيي يكتسب بالاحياء حق الاولوية وعدم خروج رقبة الارض عن ملكية الامام(ع)، وهي من قبيل ما ورد في رواية ابي خالد الكابلي المتقدمة عن ابي جعفر(ع) قال: «وجدنا في كتاب علي(ع): (ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) انا واهل بيتي الذين اورثنا الارض، ونحن المتقون، والارض كلها لنا، فمن احيى ارضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي، وله ما اكل منها...»، فانها واضحة الدلالة جدا على المطلوب، فان الخراج والاجرة انما يؤديه غير المالك، واما المالك فلا معنى لان يؤدي خراجها الى الامام(ع)، فالرواية دالة على ثبوت حق الاولوية للمحيي بالاحياء، فله الانتفاع بالارض وعليه ان يؤدي الخراج الى الامام(ع).

وايضا من قبيل ما ورد في صحيحة عمر بن يزيد قال: سمعت رجلا من اهل الجبل يسال ابا عبد الله(ع) عن رجل اخذ ارضا مواتا تركها اهلها فعمرها وكرى انهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا وشجرا، قال: فقال ابو عبد الله(ع): «كان امير المؤمنين(ع) يقول: من احيى ارضا من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها يؤديه الى الامام(ع) في حال الهدنة، فاذا ظهر القائم فليوطن نفسه على ان تؤخذ منه‏».

فانها كالصريحة عرفا في بقاء ملكية الامام(ع) بالنسبة الى الارض بعد الاحياء، فان قوله(ع): «فهي له...» وان كان في نفسه يناسب ملكية المحيي الا انه بقرينة قوله(ع) بعد ذلك: «وعليه طسقها يؤديه الى الامام(ع)...» واضح الدلالة في بقاء ملكية الامام(ع) وعدم خروج رقبة الارض عن ملكيته(ع)، وان الارض انما تكون للمحيي من حيث الانتفاع لا من حيث الملكية.

ولعل قول امير المؤمنين(ع) المشار اليه في هذه الصحيحة هو نفس ما اشير اليه في رواية ابي خالد الكابلي من انه وجد في كتاب علي(ع): (ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده).

الطائفة الثانية:

ما دل على ثبوت حق للمحيي بالاحياء جامع بين الملكية والاولوية بحيث لم يتعين خصوص الملكية ولا الاولوية، وذلك من قبيل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: «ايما قوم احيوا شيئا من الارض او عمروها فهم احق بها»، فان قوله(ع): «فهم احق بها...» يناسب الملكية كما انه يناسب الاولوية.

الطائفة الثالثة:

ما دل بذاته على ثبوت حق للمحيي وباطلاقه على حق الملكية، وذلك من قبيل صحيحة محمد بن مسلم قال: سالته عن الشراء من ارض اليهود والنصارى، قال: «ليس به باس -الى ان قال: وايما قوم احيوا شيئا من الارض او عملوه فهم احق بها وهي لهم‏».

وكذلك من قبيل صحيحته الاخرى قال: سمعت ابا جعفر(ع) يقول: «ايما قوم احيوا شيئا من الارض وعمروها فهم احق بها وهي لهم‏».

وكذلك من قبيل صحيحة السكوني عن ابي عبد الله(ع) قال: «قال رسول الله(ص): من غرس شجرا او حفر واديا بديا لم يسبقه اليه احد او احيى ارضا ميتة فهي له قضاء من الله ورسوله‏».

فانها تمتاز على الطائفة السابقة في قوله(ع) فيها: «وهي لهم... »، فان اللام تدل بطبعها على الاختصاص، واطلاق الاختصاص يدل على الاختصاص المطلق وهو الملكية، لانها اعلى مراتب الاختصاص، فان الملكية اختصاص من جميع الجهات والحيثيات، فاطلاق الاختصاص يدل عليها.

الطائفة الرابعة:

ما دل بالصراحة العرفية -لا بالاطلاق كما في الطائفة السابقة على ان المحيي يكتسب حق الملكية بالاحياء، وذلك من قبيل صحيحة سليمان بن خالد قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الرجل ياتي الارض الخربة فيستخرجها ويجري انهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه؟ قال: «الصدقة‏»، قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال: «فليؤد اليه حقه‏».

وكذلك من قبيل صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله(ع) قال: سئل وانا حاضر عن رجل احيى ارضا مواتا فكرى فيها نهرا وبنى فيها بيوتا وغرس نخلا وشجرا، فقال: «هي له، وله اجر بيوتها...».

وكذلك من قبيل صحيحة معاوية بن وهب قال: سمعت ابا عبد الله(ع) يقول: «ايما رجل اتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى انهارها وعمرها فان عليه فيها الصدقة...».

فان من الواضح ان السائل لم يسال عن ثبوت الصدقة، اي الزكاة، فان ثبوت الزكاة في الغلات الزكوية مما لا اشكال فيه عند السائل، وانما السؤال متجه الى ثبوت خصوص الاجرة والطسق، فقوله(ع): «عليه الصدقة...» صريح في نفي الخراج والاجرة على المحيي وان شان المحيي مع الارض شان المالك، فلا تجب عليه الا الزكاة من غلاتها.

اذن فروايات الباب على اربع طوائف كما سبق ذكرها، ومن المعلوم ان الطائفة الثانية لا تعارض الطائفة الاولى، لانها دالة على ثبوت حق للمحيي من دون تعيينه، فلا تعارض الطائفة الاولى الدالة على ثبوت حق الاولوية له، كما انها لا تعارض الطائفة الثالثة والرابعة الدالتين على ثبوت حق الملكية له، وانما التعارض الحقيقي ثابت بين الطائفة الاولى الدالة على ثبوت حق الاولوية للمحيي وبين الطائفتين الاخيرتين الدالتين على ثبوت حق الملكية له، فلابد من علاج التعارض بينهما.

وهنا بالامكان بيان وجوه عديدة لعلاج التعارض:

الوجه الاول:

ان يقال: انه في الحقيقة ليس في المقام اي تعارض، وما يتخيل من التعارض فانما هو تعارض بين الحجة واللاحجة لا بين الحجتين، فان الطائفة الاولى الدالة على ثبوت حق الاولوية للمحيي في نفسها ساقطة عن الحجية وان كانت صحيحة السند، وحينئذ فلا تعارض الطائفتين الاخيرتين الدالتين على ثبوت حق الملكية له، وذلك ببيان تقريبين:

الاول: دعوى انعقاد سيرة المسلمين في كل زمان على احياء الاراضي الميتة من دون بناء على استحقاق الامام(ع) الاجرة والخراج عليهم، وهذه السيرة قطعية الى ايام الائمة(عليهم‏السلام)، فلو كان ديدن المسلمين على دفع الخراج والاجرة بعد الاحياء للائمة(عليهم‏السلام) لكان امرا واضحا مشهورا كالخمس، بينما لم ينعكس هذا الامر علينا بوجه من الوجوه، اذن فعدم اتضاح هذا وعدم شهرته يكون دليلا على انعقاد السيرة القطعية المتشرعية من قبل المسلمين على عدم دفع الاجرة والخراج للامام(ع)، ومثل هذه السيرة يوجب الاطمئنان بوجود خلل في الطائفة الاولى الدالة على ثبوت حق الاولوية للمحيي ووجوب دفع الخراج للائمة(عليهم‏السلام)، فتسقط عن الحجية، وحينئذ فلا يمكن لها ان تعارض الطائفتين الاخيرتين الدالتين على ملكية المحيي.

الصفحة التالية