الصفحة السابقة

 المقام الثامن: في دائرة التجسس:

ولا يخفى عليك ان النظام الاسلامي يتكون من اركان:

منها: القوة المقننة.

ومنها: القوة القضائية.

ومنها: القوة العاملة (التنفيذية).

ومنها: القوة الدفاعية والحربية بالنسبة الى الكفار والمنافقين والناكثين.

 ومنها: المراكز الثقافية من الجامعات والحوزات العلمية والمؤسسات الاقتصادية.

فعلى رئيس الحكومة ان يراقب مراقبة تامة بالنسبة الى جميع الاركان بنفسه او بواسطة، حفظا للنظام الاسلامي الذي قد عرفت انه من اوجب الواجبات، واهم الامور.

وهذا امر يحكم به العقل، اذ النظام الاسلامي لا يحفظ الا بالمراقبة، وكل ما لا يتم النظام الا به فهو واجب بالضرورة العقلية، فالمراقبة التامة واجبة على رئيس الحكومة.

وهذا هو الواجب الذي لم يدعه النبي(ص) وهكذا وصيه امير المؤمنين(ع) كما يشهد له ما مضى من الاثار.

وقد عرفت اتخاذه(ص) العيون في السرايا والغزوات كالبسيسة في بدر الكبرى، وانسا ومؤنسا، والحباب بن المنذر في غزوة احد، وحذيفة في غزوة الخندق، وبريدة بن الخصيب الاسلمي في غزوة المريسيع، وبسر بن سفيان في غزوة الحديبية، وغيرهم في غيرها من الغزوات والسرايا.

كما عرفت ايضا اتخاذ علي(ع) ذلك بالنسبة الى مخالفيه ممن نقض عهده وحرب معه، ولذا كتب الى قثم بن العباس عامله على مكة: اما بعد فان عيني بالمغرب كتب الي يعلمني انه وجه الى الموسم اناس من اهل الشام -الى ان قال: - فاقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب.

وكتب الى عماله بعد هرب خريت احد بني ناجية نحو البصرة: اما بعد فان رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هرابا ونظنهم خرجوا نحو بلاد البصرة، فاسال عنهم اهل بلادك واجعل عليهم‏العيون في كل ناحية من ارضك ثم اكتب الي بما ينتهي اليك عنهم، والسلام.

وهكذا تشهد الاثار على ان القوة التنفيذية -العمال -كانوا مورد المراقبة، ولذا كتب علي(ع) الى عماله بالتهديد والنصيحة بعد ما اخبرته العيون.

وقد مضى ما كتبه امير المؤمنين(ع) الى عبدالله بن عباس والمنذر بن جارود وابي موسى الاشعري وزياد بن ابيه وعثمان بن حنيف ومصقلة بن هبيرة وكعب بن مالك، وغير ذلك.

وايضا تشهد الاثار ان القضاة والشهود كانوا مورد المراقبة.

منها: ما ورد في شريح من ان اميرالمؤمنين(ع) لما راى انحرافه في الحكم قال له: «هيهات يا شريح هكذا تحكم في مثل هذا»؟

ومنها: ما ورد عن النبي(ص) انه اذا جاءه المدعي بشهود لا يعرفهم بخير ولا شر قال للشهود: اين قبائلكما؟ فيصفان، اين سوقكما؟ فيصفان، اين منزلكما؟ فيصفان، ثم يقيم الخصوم والشهود بين يديه، ثم يامر فيكتب اسامي المدعي والمدعى عليه والشهود، ويصف ما شهدوا به، ثم يدفع ذلك‏الى رجل من اصحابه الخيار، ثم مثل ذلك‏الى رجل آخر من خيار اصحابه، ثم يقول: ليذهب كل واحد منكما من حيث لا يشعر الاخر الى قبائلهما واسواقهما ومحالهما والربض الذي ينزلانه فيسال عنهما، فيذهبان ويسالان ... الخبر.

وايضا تدل الاثار المرغبة نحو النقابة والعرافة على جواز اطلاع النقيب عن الاحوال الشخصية ليخبر من فوقه بها عند الحاجة، وهو ايضا يرتبط بمصلحة النظام دون المصلحة الفردية.

وايضا كان النبي(ص) والائمة الطاهرين(عليهم ‏السلام) مترصدين بالنسبة الى الاشكالات والشبهات التي ترد من ناحية الكفار والمنافقين حتى يدفعونها بالحكمة والموعظة الحسنة. وكذلك كانوا مراقبين بالنسبة الى افساد المفسدين.

وبالجملة: يجب مراقبة كل شان من شؤون المجتمع الاسلامي الذي يكون له دخل تام في حفظ النظام الاسلامي والدولة الاسلامية، وتلك المراقبة تتوقف على مقدمات، منها التجسس، وعليه فالتجسس لازم بلا كلام في النظام الاسلامي كما يشهد له سيرة النبي(ص) وعمل الوصي(ع) وما اوصيا به من رعاية ذلك، كما لا يخفى.

ثم لا يخفى عليك عدم اختصاص موارد جواز التجسس بالامور المربوطة بالنظام، بل يمكن التعدي عن تلك الموارد الى موارد اخر مما يكون المصلحة فيها اهم من مفسدة التجسس، كما اذا توقف حفظ نفس محترمة على التجسس عن احوال شخص آخر.

فالضابط هو تقديم الاهم عند تزاحم حرمة التجسس مع مصلحة اخرى، وعلى هذا فموارد الاستثناء لا تنحصر في عدد معين. كما ذكر الفقهاء بعض تلك الموارد في باب الغيبة كدفع الضرر عن النفوس، وتهذيب الروايات عن روايات الفساق والفجور، وحسم مادة الفساد كفساد المبتدعين الذين يخاف من اضلالهم الناس، ورد من ادعى نسبا ليس له، وحفظ الاعراض والاموال الخطيرة، ونجاة المظلوم، وتربية الاهل والولد، كما يشهد له خبر الحسين بن موسى بن جعفر(عليهماالسلام).

المقام التاسع: في ارتكاب مقدمات الحرام لغرض التجسس:

لا يخفى عليك ان حرمة التجسس تصير شانية لا فعلية عند تزاحمها مع الاهم، فيجوز حينئذ التجسس اذا كان للتجسس مقدمات محللة، والا فلا يجوز التجسس بارتكاب مقدمات الحرام.

نعم، لو توقف التجسس المتوقف عليه الاهم، على ارتكاب المقدمات المحرمة، فحرمتها ايضا تصير شانية، فيجوز ارتكابها حفظا للاهم بحكم العقل.

يؤيد ذلك ما روي عن مولانا امير المؤمنين(ع) في مخاطبته مع المراة التي اخفت كتاب حاطب بن ابي بلتعة الى اهل مكة في عقيصتها: «اما والله لئن لم تخرجي الكتاب لاكشفنك ثم لاضربن عنقك‏».

بناء على‏انحصارالمقدمة في كشف المراة بوسيلة الاجنبي، وبناءعلى‏ان كشف المعلوم‏الاجمالي ايضا تجسس، لعلمه(ع) بالكتاب.

وما روي عنه(ع) في ام انكرت بنوة ولدها لتمنعه عن الارث، انه قال: اين قنبر؟ فاجابه: لبيك يا مولاي، فقال له: امض واحضر الامراة الى مسجد رسول الله(ص)، فمضى قنبر واحضرها بين يدي الامام، فقال لها: ويلك لم جحدت ولدك؟

فقالت: يا امير المؤمنين، انا بكر ليس لي ولد، ولم يمسسني بشر، قال لها: لا تطيلي الكلام انا ابن عم البدر التمام، وانا مصباح الظلام، وان جبرئيل اخبرني بقصتك، فقالت: يا مولاي احضر قابلة تنظرني، انا بكر عاتق ام لا، فاحضروا قابلة اهل الكوفة، فلما دخلت بها اعطتها سوارا كان في عضدها، وقالت لها: اشهدي باني بكر، فلما خرجت من عندها، قالت له: يا مولاي انها بكر، فقال(ع): كذبت العجوز، يا قنبر فتش العجوز وخذ منها السوار، قال قنبر: فاخرجته من كتفها.

ومن المعلوم ان نظر القابلة الى عورة المراة المنكرة او مسها محرم، وكذلك‏تفتيش قنبر بدن العجوز مع المس والنظر حرام، اللهم الا ان يقال: ان التفتيش لا ينحصر في نظر قنبر ومسه بل يمكن بوسيلة المراة الاخرى، وايضا قوله: فاخرجته من كتفها لا يدل على ان قنبر اخرجه، بل يحتمل ان يكون المخرج نفس القابلة.

ثم لا يخفى عليك ان تحليل المحرمات لا يجوز بمجرد توقف كل مقصود عليه كما شاع القول بان الهدف يبرر الوسائل، وبنى عليه المستكبرون من الكفار، بل يختص التحليل بما اذا توقف الاهم الذي لا يرضى الشارع بتركه كحفظ النظام الاسلامي او الدين ونحوهما على ارتكاب بعض المحرمات، لا كل مقصود ومطلوب ولو لم يكن بحيث لا يرضى الشارع بتركه، او كان من الاغراض الباطلة، فاطلاق القول المذكور اعني الهدف يبرر الوسائل ممنوع جدا.

ولو كان ارتكاب بعض المحرمات في صورة انحصار المقدمات في المحرمة موجبا لضعف دين المرتكب، فلا يجوز له ارتكاب ذلك، بل اللازم هو ان يحول ذلك الى غيره من العيون.

ولو توقف الغرض الاهم على التجسس بالمقدمة المحرمة، فاللازم هو الاقتصار على مقدار الضرورة، فلا يجوز ارتكاب الزائد عليه، لان الضرورة تتقدر بقدرها.

ولو توقف الغرض الاهم على التجسس بالمقدمة المحرمة، فاقدم على ارتكابها ثم بان عدم انحصار المقدمة في المحرمة، فلا يجوز له ادامة الارتكاب.

ولو علم بان ارتكاب المقدمة يوجب ضعفا في دينه، ولكن امره به من فوقه -رئيسه- فلا يجوز له ارتكاب ذلك، لان علمه حجة عليه، بل لا يجوز لمن فوقه امره بذلك، لانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ثم ‏انه لا يجوز للعيون ان يخبروا الكفار بما علموا من اسرار النظام الاسلامي الا اذا اكرهوا، فيجوز مع الاكراه ما لم يخف من افشاء الاسرار على الاسلام والمسلمين، والا فلا يجوز لاهمية حفظ الاسلام والمسلمين.

واذا علم العين الاسير انه لا يتحمل الضغط واذية الكفار فيفشي الاسرار التي خيف مع افشائها على الاسلام والمسلمين فهل يجوز له الانتحار في تلك الصورة-اعني صورة تعرض الاسلام والمسلمين للخطر، او صورة الخوف على نفس النبي والوصي(عليهماالسلام)- او لا يجوز؟ فيه وجهان:

احدهما: انه يجوز دفعا للخطر الاهم.

وثانيهما: انه لا يجوز، لحرمة قتل النفس، فعليه ان لا يفش ولا يقتل نفسه، نعم اذا كان التكليف بعدم الافشاء تكليفا لا يطاق فلا حسن لخطاب لا تفش، ومع سقوط خطابه يقدم جانب الاهم الذي لا يرضى الشارع بتركه، وهو في الحقيقة يصير من مصاديق الدفاع عن الاسلام، فافهم.

المقام العاشر: في اختيارات العيون ودائرة عملهم:

ولا يخفى عليك ان الجواسيس مامورون من ناحية الحاكم الشرعي او القضاة، فلا يجوز لهم ان يتعدوا عن موارد الرخصة، فاذا تعدوا صاروا فاسقين.

فلا يجوز لهم الدخول في دار بلا مجوز شرعي، كما لا يجوز لهم التدخل في امور خارجة عن حدود اختياراتهم، فاذا كانوا مامورين للاستخبارات الحربية فلا يجوز لهم التدخل في الامور الاقتصادية ونحو ذلك.

وبالجملة، شانهم هو الاستخبار في دائرة الماذون فيه ولا يجوز التجاوز عنها، كما لا يجوز لهم تعزير المسلم المتهم من دون مجوز شرعي من القاضي او الحاكم الشرعي، لانه ظلم وتجاوز.

نعم، اذا توقف حفظ النظام الاسلامي ودفع الفتنة على التعزير يجب على الحاكم ان يرخص فيه، كما يجب على المتهم اعلام ما عنده مما له مدخلية في دفع الفتنة وحفظ النظام الاسلامي.

ولا ينافي ذلك ما ورد من منع الضرب كخبر الوشاء، قال: سمعت الرضا(ع) يقول : «قال رسول الله(ص): لعن الله من قتل غير قاتله، او ضرب غير ضاربه‏».

وكصحيح الحلبي عن ابي عبدالله(ع)، قال: «قال رسول الله(ص): ان اعتى الناس على الله عز وجل من قتل غير قاتله، ومن ضرب من لم يضربه‏».

لان هذه الروايات منصرفة عن صورة التزاحم وعروض العناوين الثانوية كحفظ النظام.

ويؤيده ما رواه في المغازي: انه بعث رسول الله(ص) عليا(ع) في مئة رجل الى حي سعد بفدك، وبلغ رسول الله(ص) ان لهم جمعا يريدون ان يمدوا يهود خيبر، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى الى الهمج -ماء بين خيبر وفدك-، فاصاب عينا، فقال: ما انت؟ هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: لا علم لي به، فشدوا عليه، فاقر انه عين لهم بعثوه الى خيبر يعرض على يهود خيبر نصرهم على ان يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقدمون عليهم، فقالوا له: فاين القوم؟ قال: تركتهم، وقد تجمع منهم مئتا رجل وراسهم وبر بن عليم.

قالوا: فسر بنا حتى تدلنا، قال: على ان تؤمنوني، قالوا: ان دللتنا عليهم وعلى سرحهم آمناك، والا فلا امان لك، قال: فذاك، الحديث.

والقضية في واقعة ولم يعلم ان الشدة من الضرر او التهديد والتضييق.

ثم لا يخفى عليك ان سنخ عملية المراقبة يختلف بحسب اختلاف الاقوام والافراد، فمراقبة الكفار مقرونة بالشدة والغلظة 0والخشونة بعكس مراقبة العمال والقضاة وافراد الامة الاسلامية، فانها مقترنة باللطف والكرامة كما قال الله تبارك وتعالى: (محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم).

فلا يجوز اعمال سنخ المراقبة للكفار مع العمال والقضاة وافراد الامة الاسلامية الا عند الضرورة، فيجوز مع حكم الحاكم الاسلامي او القاضي، كما عرفت.

ولذلك يلزم النظر الى اعمال المراقبين من قبل جمع آخر، حتى لا يتجاوزوا عن حدود ودائرة اختياراتهم. وهكذا يلزم ان يعين لهم حدود عملية المراقبة وكيفيتها من الحاكم او القاضي، لئلا يدخل احد منهم فيما لا يجوز له. ومع محدودية العملية بالحدود الشرعية فلا يجوز تفويض الامر اليه ولا ترخيصه -المراقب- فيما يراه كما هو المرسوم في استخبارات الحكومات الاستكبارية والاستبدادية.

ثم اعلم انه لا حجية في الاقرار والاعتراف الحاصل بالتعزير فيما لا يفيد العلم، كما هو ظاهر الاصحاب، ويشهد له الاخبار:

منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن رجل سرق سرقة فكابر عنها فضرب، فجاء بها بعينها، هل يجب عليه القطع؟ قال: «نعم، ولكن لو اعترف ولم يجي‏ء بالسرقة لم تقطع يده، لانه اعترف على العذاب‏».

ولعل مفروض الرواية هو صورة عدم احتمال كون المال في يده من غير جهة السرقة، ولذلك عمل بالرواية جماعة بخلاف الحلي والمتاخرين من جهة احتمال كون المال في يده من غير جهة السرقة.

وكيف كان، فالرواية تدل على عدم اعتبار اعتراف من اعترف بالتعزير.

ومنها: خبر ابي البختري عن ابي عبدالله(ع) ان امير المؤمنين(ع) قال: «من اقر عند تجريد او تخويف او حبس او تهديد فلا حد عليه‏».

لا يقال: ان مورد الاخبار المذكورة هو الحدود، فلا تدل على عدم حجية الاقرار والاعتراف في غيرها.

لانا نقول: عموم التعليل المستفاد من قوله «لانه اعترف على العذاب‏» يكفي للتعدي عن مورد الحدود.

هذا مضافا الى عموم قوله(ع): «رفع ... وما استكرهوا عليه‏» بناء على عدم اختصاصه بالاحكام التكليفية.

ثم لا يذهب عليك ان موارد تجويز الحاكم للتعزير تختص بحفظ النظام ورفع الفتنة او احقاق حق من حقوق عامة الناس.

واما التعزير للاقرار بالزنى او اللواط او شرب الخمر ونحوها من المعاصي التي تكون من حقوق الله تعالى المحضة فلا يجوز، ولا يكون اعترافه موضوعا للاثر، بل اللازم على المسؤولين هو ستر المعاصي فيما اذا لم يلزم منه الافساد والاخلال بالنظام.

ثم ان دائرة استخبارات العيون في الاسلام كما تدل عليه بعض الاخبار لا تنحصر في الجوانب السلبية، بل اللازم هو ان يخبروا بحسن عمل العمال والولاة والمجاهدين وغيرهم، حتى يجزوا باحسن الجزاء، بل اللازم في زماننا هذا الاشراف على المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، حتى لا يضعف النظام الاسلامي في قبال الانظمة الاستكبارية، ولا يتاخر عن سائر الدول في المجالات المختلفة.

وعليه فقد اتضحت‏سعة دائرة اعمال واختيارات العيون وعدم اختصاصها بالسلبيات، فالتفتيش له معنى خاص، وهو التفتيش عن الموارد السلبية والمحرمات، ومعنى عام حيث‏يشمل التفتيش عن الايجابيات والمحسنات، وما سبقت اليه يد الاعداء من الاكتشافات والتحقيقات والمنتوجات ونحوها، ومقتضى وجوب حفظ النظام هو التفتيش عن كليهما، لدخلهما في حفظ النظام واستحكامه.

لا يقال: التفتيش عن حسنات الاشخاص مع كراهتهم عن كشفها محرم، لكونه غيبة.

لانا نقول: التفتيش‏ عن‏ المحسنات لا حرمة له واشاعتها ليست غيبة، لان‏الغيبة منصرفة‏الى‏العيوب، ولا تشمل الكمالات والمحسنات.

نعم، لو كانت الاشاعة موجبة لايذاء صاحبها المسلم فلا يجوز من جهة حرمة الايذاء.

لا يقال: ان التفتيش عن التحقيقات والاكتشافات ينافي حقوق اصحابها، لاختصاصها بهم.

لانا نقول: بناء على تعلق الحق بها لا يجوز ذلك فيما اذا كان له احترام كالمسلم، واما الكفار الحربيين وغير المعاهدين فلا حرمة لهم.

نعم، لو امتنع المسلم عن بذل التحقيقات والاكتشافات، وكان رفع ضرورة النظام او الحرج النوعي موقوفا على الاطلاع عليها جاز للحاكم او القاضي الترخيص في كشفها، فلا تغفل.

المقام الحادي عشر: في مواصفات العيون:

وقد عرفت دلالة الاخبار على اوصافهم، كالشجاعة والامانة والقول بالحق والصدق والوثوق والوفاء وغيرها.

ومن المعلوم ان هذه الاوصاف تكون من الاوصاف المقومة في العيون الاسلامية، اذ لا يتمكن الجبان من الاتيان بالاخبار الصحيحة، كما لا اعتماد على صدق من لم يكن من اهل الصدق والقول بالحق، ولا اطمئنان بغير الامين في حفظ الاسرار وعدم اشاعتها وعدم التعاون مع الاعداء والمخالفين.

فاللازم هو انتخاب اشخاص يتصفون بالاوصاف المذكورة ونحوها، والا لا يتمكنون من النهوض باعباء هذه المسؤولية، ولا يمكن الاعتماد والركون اليهم.

قال النبي(ص): «استعينوا على كل صنعة بصالح اهلها».

نعم، الدرجات الزائدة على حد النصاب اللازم تكون من الشروط الكمالية، والنصاب اللازم يعرف بما لو لم يكن للزم الاخلال بالمسؤولية.

وبالجملة: عمل العيون عمل خطير وله مساس بالاعراض والنفوس، فلا يجوز استخدام من لا يكون واجدا للشرائط المذكورة، بل اللازم ان يكونوا ذوي فراسة ومهارة وحدة حتى يصلوا الى اعماق الامور وبواطنها.

كما ينبغي ان يبذل الجهد في استخدام من كان مهذبا من الحقد والحسد والبغضاء والعداوة ومن الرذائل الاخلاقية ليكون في عمله ناصحا للاسلام والمسلمين.

ثم ان من كان افضل في الصفات المذكورة يجب ترجيحه على غيره، ومن لم تجتمع فيه الصفات المذكورة فهو متاخر عن غيره ممن تجتمع فيه الصفات. ولو لم يكن غير من لم تجتمع فيه الصفات، فيقتصر على من كان قوله اقرب للواقع، فمثلا الثقة مقدم على الشجاع ونحوه، فان الموثق يرشد الى الواقع، والشجاع الذي يكذب لا يرشد غالبا الى الواقع، فقول الموثق اقرب الى الواقع، اللهم الا ان تكون قرينة في بعض الموارد تدل على ان الشجاع قوله اقرب اليه، لكنه تابع لوجود القرينة المذكورة.

لا يقال: ان الاخبار التي تاتي بها العيون تقع في النهاية مورد التحقيق عند من هم اعلى رتبة منهم، فلا حاجة الى كون العيون موثقين وواجدين للصفات المذكورة، ولذا كثيرا ما يستفاد من استخبارات الاعداء من الكفار والدول الاجنبية مع انهم كفار وغير موثقين.

لانا نقول: المعتبر هو الوثوق الخبري لا المخبري، واذا لم يكن وثوق خبري كانت مظان الاشتباه كثيرة حتى فيمن كانوا فوق العيون. والاشتباهات الكثيرة في هذه المسؤولية الخطيرة مضرة بالنظام الاسلامي. هذا مضافا الى ان عمل العيون له مساس بالاعراض والنفوس، ومقتضى الاحتياط فيها اعتبار الصفات المذكورة، ولا ينافي ذلك‏استفادة من كان فوقهم رتبة من اخبار غير الثقات والتشكيلات الاستخبارية مع انهم غير واجدين للصفات المذكورة.

المقام الثاني عشر: في كيفية الاخبار:

لا يخفى عليك‏ان كيفية الاخبار تكون مشروطة بامور:

منها: ان لا يخبر العين بما اطلع عليه الا لمن كان ماذونا، اذ الاخبار لغيره ربما يوجب الضعف والوهن او اشاعة الفحشاء، فيحرم التخلف عن مورد الاذن.

وقد امر النبي(ص) الحباب بن المنذر قائلا: «لا تخبرني بين احد من المسلمين الا ان ترى في القوم قلة‏».

وليس ذلك الا لكون الاخبار في العلن يوجب ضعفا ووهنا في المجتمع الاسلامي. وهكذا امر النبي(ص) خوات بان يخبره دون غيره، حيث قال(ص): «فانظر هل ترى لهم غرة او خللا من موضع فتخبرني‏».

فالواجب على العيون هو التحفظ عن غير الماذون في اخبارهم والا كانوا آثمين وفاسقين في ايجاد الوهن والضعف واشاعة الفحشاء والغيبة، لانهم خرجوا بذلك عن دائرة المشروع وابتلوا بحرمة الغيبة واشاعة الفحشاء.

ومنها: ان يكمل الاخبار بجميع ما رآه لاحتمال دخله في تصميم الوالي او المسؤول، فلو اخل به كان مسؤولا.

ومنها: ان لا يزيد فيما رآه، بل يخبر بما رآه على ما هو عليه.

ومنها: ان لا يهمل ما رآه من جهة القرابة او المودة او غير ذلك.

ومنها: ان يعين المرئيات والمسموعات ولا يخبر بالمسموعات كالمرئيات، وهكذا يعين اليقينيات والظنيات ولا يخلطهما.

المقام الثالث عشر: في استخبار المسلم للاعداء:

ولا اشكال في كون ذلك خيانة وعمل محرم، كما دلت عليه الاية الكريمة: (يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون). هذا مضافا الى ان اتخاذ الكفار اولياء وبطانة حرام كما يشهد له قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء تلقون اليهم بالمودة).

ربما يقال: ان التجسس للاعداء ارتداد. ولكنه ممنوع، لان التجسس للاعداء اعم من الارتداد، ويؤيده اطلاق المؤمن على حاطب في الاية الثانية مع انه تجسس لقومه الكفار، وعلى ابي لبابة في الاية الاولى مع انه حين استفسر منه بنو قريظة ماذا يصنع رسول الله بهم؟ اشار بيده الى عنقه، اي انه سيضرب اعناقهم.

فالتجسس المذكور لا يوجب خروج الجاسوس عن الاسلام والايمان، لامكان ان يقصد بذلك النيل من مال ونحوه، لا الاعراض عن الاسلام، نعم هو حرام ويوجب استحقاق التعزير وهو الظاهر من عبائر الاصحاب.

قال الشيخ في المبسوط :«واذا تجسس مسلم لاهل الحرب وكتب اليهم فاطلعهم على اخبار المسلمين لم يحل بذلك قتله، لان حاطب بن ابي بلتعة كتب الى اهل مكة كتابا يخبرهم بخبر المسلمين فلم يستحل النبي قتله، وللامام ان يعفو عنه وله ان يعزره، لان النبي(ص) عفا عن حاطب‏».

قال العلامة في القواعد:«ولو تجسس مسلم لاهل‏الحرب واطلعهم‏ على‏عورات المسلمين لم يحل قتله، بل يعزر ان شاء الامام‏».

ومثله في ايضاح الفوائد، وجامع المقاصد.

ربما يستدل لجواز القتل بتقرير النبي(ص) لعمر بن الخطاب حيث قال: دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق، فاجاب رسول الله(ص) بوجود المانع، فان هذا الجواب يشير الى انه لولا المانع لاستحق القتل، وحيث ان تحقيق ذلك يحتاج الى ملاحظة القصة نذكرها ملخصا كما يلي:

... فرجعوا بالكتاب الى رسول الله(ص) فارسل الى حاطب فاتاه، فقال له: هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، والله ما كفرت منذ اسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا احببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن احد من المهاجرين الا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت عريرا (غريبا) فيهم، وكان اهلي بين ظهرانيهم فخشيت على اهلي فاردت ان اتخذ عندهم يدا، وقد علمت ان الله ينزل بهم باسه وان كتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله(ص) وعذره، فقام عمر بن الخطاب وقال: دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله(ص): وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على اهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

وغير ذلك من المصادر والمراجع الكثيرة التي استدل بها في (الاستخبارات والامن) على جواز القتل بدعوى ان عفوه(ص) عنه بسبب سابقته ومشاركته في بدر، وعدم اعتراضه(ص) على عمر في ارادة القتل، مما يوحي بان النبي(ص) قد اقر عمر على ارادة القتل لولا وجود المانع وهو المشاركة في بدر.

وهكذا استدل بها عليه في (الاستخبارات العسكرية) بان النبي(ص) قد اقر عمر على ارادة القتل لولا وجود المانع وهو شهود غزوة بدر، فهذه العلة هي المانعة من قتل حاطب، فاذا لم تتوفر هذه العلة في غيره كان قتل الجاسوس مشروعا لا مانع منه، وهذه العلة -وهي شهود بدر- لا تتوفر في غير عصر النبوة، ولذا فان الجاسوس المسلم الذي يفشي اسرار المسلمين للاعداء يقتل لاضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الارض، وربما كان بعمله هذا اضر على المسلمين من المحاربين انفسهم.

ويشكل ذلك بان تصديق النبي(ص) حاطب بن ابي بلتعة وقبول عذره قبل قول عمر، مما يشهد على انه لا يستحق القتل، فلا مورد للاستجازة في القتل ممن له ادنى معرفة، وعليه فقوله(ص): وما يدريك ... الخ ردع لعمر.

اما دعوى النفاق لحاطب، فان سابقته في بدر واعتذاره بما صدقه النبي(ص) ينافي كونه من المنافقين.

لا يقال: ان نفي الصغرى لا ينافي تقرير الكبرى المطوية، فان قول عمر مركب من صغرى مذكورة وهي ان حاطب منافق، وكبرى مطوية وهي ان المنافق يقتل، والرسول العظيم ردعه في الصغرى لا الكبرى، فهي تكفي في اثبات جواز قتل المسلم الجاسوس.

لانا نقول: الكبرى المطوية ليس ان الجاسوس المسلم يكون منافقا، بل هي ان المنافق يقتل، ولا تنافي تلك الكبرى مع عدم صيرورة الجاسوس بنفس التجسس من المنافقين، اذا كان له دواع اخر كدواعي حاطب بن ابي بلتعة.

هذا مضافا الى ان النبي(ص) لم يكن في مقام بيان الكبرى المطوية حتى يؤخذ باطلاق بيانه.

وكيف كان، فالقصة المذكورة لا تدل على جواز قتل الجاسوس المسلم بمجرد استخباره للاعداء، كما لا تدل على عدم جواز قتله حتى فيما اذا كان معنونا بعنوان المفسد في الارض ونحوه مما يجوز قتله، بناء على كون الافساد موضوعا لجواز القتل كما يظهر من بعض الاصحاب في بعض الموارد كاعتياد المولى قتل عبيده، وعليه بناء العقلاء.

ومما ذكر يظهر ما في تمسك الشيخ ومن تبعه(رحمه‏الله) بقصة حاطب على عدم‏جواز قتل الجاسوس المسلم من دون تفصيل فلا تغفل.

ثم لا فرق في حرمة التجسس للاعداء بدون واسطة او بواسطة حكومة تابعة للكفار كالحكومات الرائجة الاسلامية في غير بلدنا.

المقام الرابع عشر: في الجاسوس الكافر الغير الذمي ومن يلحق به:

ولا يخفى عليك ان الجاسوس الكافر سواء اختفى في جماعة المسلمين او استامن ثم تخلف وتجسس للكفار محكوم بالقتل لانه حربي، ولا امان له بعد التخلف وصيرورته جاسوسا، بل يجب قتله فيما اذا خيف على النظام الاسلامي من جهة افشاء الاسرار وعورات المسلمين.

ويؤيد ذلك:

1 - ما رواه البخاري، عن اياس بن سلمة بن الاكوع، عن ابيه، قال: اتى النبي(ص) عين من المشركين وهو في سفر، فجلس عند اصحابه يتحدث ثم انفتل، فقال النبي(ص): «اطلبوه واقتلوه‏» فقتله (ابي) فنفله النبي(ص) سلبه.

2 - وما رواه ابو داود من ان رسول الله(ص) امر بقتل فرات وكان عينا لابي سفيان، وكان حليفا لرجل من الانصار فمر بحلقة من الانصار، فقال: اني مسلم، فقال رجل من الانصار يا رسول الله، انه يقول: اني مسلم، فقال رسول الله(ص): «ان منكم رجالا نكلهم الى ايمانهم، منهم فرات بن حيان‏».

3 - وخبر الدعائم، عن ابي جعفر(ع)، عن رسول الله(ص) في حديث انه قال: «والجاسوس والعين اذا ظفر بهما قتلا» كذلك روينا عن اهل البيت(عليهم ‏السلام).

4 - وما رواه الواقدي في غزوة المريسيع لما نزل رسول الله(ص) ببقعاء اصاب عينا للمشركين، فقالوا له: ما وراء؟ اين الناس؟ قال: لا علم لي بهم -الى ان قال:- قال عمر بن الخطاب: لتصدقن او لاضربن عنقك، قال: فانا رجل من بني المصطلق تركت الحارث بن ابي ضرار قد جمع الجموع وتجلب اليه ناس كثير وبعثني اليكم لاتيه بخبركم وهل تحركتم من المدينة؟ فاتى عمر بذلك رسول الله(ص) فاخبره الخبر فدعاه رسول الله الى الاسلام وعرضه عليه، فابى وقال: لست بمتبع دينكم حتى انظر ما يصنع قومي، ان دخلوا في دينكم كنت كاحدهم وان ثبتوا على دينهم فانا رجل منهم، فقال عمر: يا رسول الله، اضرب عنقه؟ فقدمه رسول الله(ص) فضرب عنقه.

5 - وما رواه في السيرة الحلبية من ان النبي(ص) اصاب عينا للمشركين فساله رسول الله(ص) عنهم فلم يذكر من شانهم شيئا، فعرض عليه الاسلام فابى، فامر رسول الله(ص) عمر بن الخطاب ان يضرب عنقه، فضرب عنقه.

ثم لا يخفى عليك انه لو اسلم الجاسوس الكافر لا يجوز قتله لان الاسلام يجب ما قبله، ولكن لا يرسل ان خيف عليه من افشاء اسرار النظام الاسلامي حفظا للنظام حتى يزول الخوف المذكور.

ويلحق بالجاسوس الكافر من كان جاسوسا من قبل البغاة الذين كانوا كالكفار في جواز مقاتلتهم، لانه من فئة البغاة.

6 - وذكر المؤرخون انه لما بلغ معاوية بن ابي سفيان وفاة امير المؤمنين(ع) وبيعة الناس ابنه الحسن(ع) دس رجلا من حمير الى الكوفة ورجلا من بني القين الى البصرة ليكتبا اليه بالاخبار ويفسدا على الحسن(ع) الامور، فعرف ذلك الحسن(ع) ، فامر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة، فاخرج وامر بضرب عنقه، وكتب الى البصرة باستخراج القيني من بني سليم، فاخرج وضربت عنقه.

7 - ويؤيد ذلك ايضا ما رواه البلاذري من ان نعيم بن هبيرة -اخو مصقلة من شيعة علي(ع)- ... كتب اليه اخوه مصقلة: ان صر الي فقد كلمت معاوية في تاميرك واختصاصك ووطات لك عنده ما تحب، وبعث بالكتاب مع نصراني من نصارى بني تغلب يقال له جلوان، فظهر علي(ع) عليه وعلى الكتاب، ورفع اليه ايضا انه يتجسس، فامر به فقطعت‏يده فمات.

ولعل التشديد المذكور لدفع الاخلال بالنظام.

المقام الخامس عشر: في الجاسوس الذمي:

ولا يخفى عليك ان الجاسوس الذمي يخرج بفعل ما ينافي الامان عن الذمة، كامداد المشركين في الحرب والعزم على حرب المسلمين، سواء شرط ذلك في عقد الذمة او لا، كما هو الظاهر من كلمات الاصحاب:

منها: ما في المنتهى حيث قال: «الثاني: ما لا يجب شرطه، لكن الاطلاق يقتضيه، وهو ان لا يفعلوا ما ينافي الامان من العزم على حرب المسلمين وامداد المشركين بالمعاونة لهم على حرب المسلمين، لان اطلاق الامان يقتضي ذلك فاذا فعلوه نقضوا الامان، لانهم اذا قاتلونا وجب علينا قتالهم، وهو ضد الامان، وهذان القسمان ينتقض العهد بمخالفتهما، سواء شرط ذلك في العقد او لم يشترط‏».

ومنها: ما في الرياض: «وزاد جماعة سادسا: وهو ان لا يفعلوا ما ينافي الامان مثل العزم على حرب المسلمين وامداد المشركين، وانما لم يذكره الماتن هنا وكثير لانه من مقتضيات العقد، ولذا لم يجب اشتراطه فيه كما في المنتهى وينتقض بالاخلال به ولو لم يشترط فيه‏».

ومنها: ما قاله في الجواهر في ذيل عبارة صاحب الشرائع: «ويخرجون عن الذمة بمخالفة هذين الشرطين اي قبول الجزية، وان لا يفعلوا ما ينافي الامان مثل العزم على حرب المسلمين وامداد المشركين بلا خلاف اجده فيهما، واستدل للاول بقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية)، وللثاني بانه مقتضى الامان، ولعله لذا لم يذكره كثير منهم‏».

واذا عرفت ذلك.

فان قلنا بان التجسس للمشركين مما ينافي الامان فهو كالعزم على حرب المسلمين وامداد المشركين، فبمجرد ثبوت كون الذمي عينا للمشركين صار خارجا عن الذمة ويترتب عليه حكم الحربي كما هو المحكي عن الشهيدين في الدروس واللمعة، فانهما ذهبا الى انتقاض العهد بذلك وان لم يشترط في العقد...

واما ان قلنا بان التجسس للمشركين مثل ايذاء المشركين للمسلمين كالزنى بنسائهم واللواط بصبيانهم والسرقة لاموالهم، فالتجسس مثلها في انه لو كان تركه مشترطا في عقد الذمة كان فعله نقضا، والا فهم على عهدهم ويفعل بهم ما تقتضيه جنايتهم من حد او تعزير، كما هو ظاهر الشرائع. ونسبه في الجواهر الى غير واحد.

والظاهر هو الاول كما افاده الشهيدان عليهما الرحمة، لانه ينافي الامان..

ولكن اورد عليه في الجواهر: بانه ليس في شي‏ء من الادلة اعتبار ذلك في عقد الذمة، بل مقتضى الاطلاق خلافه، نعم لو اشترط فيه نقض بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل في بعض الكتب دعواه. وهو ان تم الحجة، لا ما قيل من كونه مقتضى الشرطية التي لم يقع التراضي الا عليها، اذ قد يقال: ان مقتضى الشرطية الزامهم به ان لم يفوا به كما في غيره من العقود لا انتقاض العهد به، الا ان الظاهر كون عقد الذمة ليس كغيره من العقود التي لا تقبل التعليق، بل هو ضرب من العهد، فيجوز حينئذ تعليق الامان والذمة على ذلك كالوصية العهدية والامارة ونحوهما، وحينئذ يتجه الحكم بالنقض مع فرض وقوع العقد على هذا الوجه...

ولا يخفى عليك ان التجسس للمشركين او ايواء عين المشركين مما ينافي الامان، وليس مثل الشروط الخارجية، بل هما داخلان في مفهوم الذمة، اذ معنى الذمة هو ان يلتزم بكونه في ظل الدولة الاسلامية ولم يكن ممدا للكفار الحربيين. والتجسس او الايواء للعيون من مصاديق الامداد للكفار الحربيين، كما لا يخفى.

وعليه فلا حاجة في اثباتهما الى دليل آخر. فما ذهب اليه الشهيدان من انتقاض عقد الذمة به هو الاقوى، وان لم نقل بذلك في غيره من الامور كالايذاء والسرقة، فتدبر جيدا.

ربما استدل لذلك بما رواه ابوداود في سننه من ان رسول الله(ص) امر بقتل فرات باعتباره عينا لابي سفيان وكان يعيش في كنف المسلمين ويعتبر من رعايا الدولة الاسلامية وكان يعمل جاسوسا لعدوهم، فلما عرف الرسول(ص) انه ينقل اخبار المسلمين الى عدوهم امر بقتله بسبب تجسسه على المسلمين، ولكن عندما اعلن اسلامه امر رسول الله (عليه الصلاة والسلام) برفع القتل عنه، فهذا يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي. وهذا يدل بوضوح على ان التجسس ينقض العهد ويستوجب القتل، اذ لم يرفع حكم القتل عن فرات الا باعلانه الاسلام.

ولكن لم يعلم انه ممن شرط عليه في عقد الذمة بان لا يفعل ذلك او لم يشرط عليه، فالخبر ساكت عنه، فالاولى هو الاعتماد على ما ذكرناه من ان مثل التجسس او الايواء ينافي عقد الذمة والامان عرفا، ولا حاجة الى دليل خاص، فلا تغفل.

ثم ان التجسس يتحقق بكشف بواطن الامور ولو من ملاحظة الجرائد الداخلية ونحوها واخبارها الى اعداء الاسلام.

المقام السادس عشر: في اعطاء الامان للجاسوس:

فهل يجوز اعطاء الامان للجاسوس في مقابل اخباره عن امور الاعداء، او لا يجوز؟

ان لم يترتب على الامان مفسدة فلا اشكال في ذلك، بل يجب ذلك في بعض الموارد، لاهمية ما عنده من الاخبار.

ويؤيده ما رواه الواقدي عن رسول الله(ص) انه قال لليهودي: ما وراءك؟ ومن انت؟ فقال اليهودي: تؤمني يا ابا القاسم واصدقك؟ فقال رسول الله(ص): نعم، قال اليهودي: خرجت من حصن النطاة من عند قوم ليس لهم نظام-الى ان قال اليهودي:- يا ابا القاسم، احقن دمي، قال: انت آمن، قال ولي زوجة في حصن النزار فهبها لي، قال: هي لك.

ويؤيده ايضا ما رواه الواقدي انه بعث رسول الله(ص) عليا(ع) في مئة رجل الى حي سعد بفدك... فاصاب عينا، فقال: ما انت، هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: لا علم لي به، فشدوا عليه، فاقر انه عين لهم بعثوه الى خيبر يعرض على يهود خيبر نصرهم على ان يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقدمون عليهم، فقالوا له: فاين القوم؟ قال: تركتهم وقد تجمع منهم مئتا رجل وراسهم وبر بن عليم.

قالوا: فسر بنا حتى تدلنا، قال: على ان تؤمنوني، قالوا: ان دللتنا عليهم وعلى سرحهم ‏آمناك والا فلا امان لك، قال: فذاك.

ثم لا يخفى عليك انه لا فرق فيما ذكر بين جاسوس الكفار وبين جاسوس البغاة ممن يستحق القتل، بل يجوز في الجاسوس المسلم الذي لا يستحق القتل اعطاء الامان من التعزير او الحبس او التبعيد ونحو ذلك في مقابل اخباره عن امور الاعداء.

المقام السابع عشر: في تبادل الاطلاعات:

فهل يجوز اعطاء اطلاع واخذ اطلاع آخر؟

ان كان المتبادل امر كالاكتشافات والتحقيقات والصناعات ونحوها فلا اشكال في تبادلها، وان كان من اسرار النظام وعورات المسلمين فلا يجوز افشاؤها للغير، ولو كانت في مقابل اخذ الاطلاعات، اللهم الا ان يكون الماخوذ في حد من الاهمية تسقط معه حرمة الافشاء، ولكن يقتصر في الافشاء على مقدار الضرورة، فلا يجوز الازيد من ذلك.

ثم ‏انه هل يجوز مبادلة الاطلاعات بالمال كان تعطي الدولة الاسلامية مالا في قبال اخبار اسرار العدو ام لا يجوز؟ والظاهر انه يجوز من دون فرق بين كون المبادلة صلحا او جعالة واجارة وغير ذلك، لجوازالصلح والاجارة والجعالة فى مثلها0

نعم ربما يناقش في صحة البيع بان المعتبر في البيع عند العقلاء هو كون البيع عينا، فلا يعم المنافع، ولذا عرفوه بتمليك عين بعوض، والاجارة بانها تمليك منفعة بعوض، ومن المعلوم ان الاطلاع والاخبار عمل، فلا يعتبر المبادلة عليه بالبيع، نعم يجوز بمثل الاجارة ونحوها.

هذا اذا كان مورد المعاملة نفس العمل الخبري، واما اذا كتب ما اطلع عليه وصار كالاسناد وباعه فلا اشكال في صحة البيع ايضا، لان المكتوب عين كسائر الكتب.

وعلى ما ذكر يجوز شراء الاطلاعات من الاعداء بالنسبة الى اعدائهم، كالدول الاوربية بالنسبة الى دولة امريكا وبالعكس. كما يجوز سرقتها واستنقاذها من الحربيين وغيرهم ممن لا معاهدة بينهم وبيننا، لعدم حرمة اموالهم وحقوقهم، نعم مع وقوع المعاملة معهم في ذلك يكون مقتضى عموم ادلة وجوب الوفاء عدم جواز الاخلال بالمعاملة.

المقام‏ الثامن عشر: في الضمان:

وهنا مسائل:

الاولى: اذا اخبر شخص من العيون من دون تحقيق ان الشخص الفلاني قال كذا وكذا مع انه لم يقل الا هزلا، فان اعتمد عليه المقام المسؤول من دون تحقيق واحراز سوء النية في موارد يحتاج فيها الى احراز ذلك، فاورد على ذلك الشخص خسارات مالية او بدنية، فلا اشكال في معصية العين، للتسامح في الاستخبار، ومعصية المقام المسؤول في الاقدام من دون احراز سوء النية، واما الضمان فهو على المباشر العامد لا على العين لعدم التغرير، بل على المباشر، لقوته على السبب، ولكونه عامدا ومختارا.

الثانية: لو كذب العين وخدع في اخباره عمدا، فاعتمد عليه القاضي لوثوقه به واورد على المتهم خسارات مالية او بدنية، فالعين عصى في كذبه وخداعه وتغريره والقاضي لم يعص، ولا غرامة عليه، لانه لم يتسامح بل عمل بالضوابط، بل العين غار وهو ضامن، لان المغرور يرجع الى من غره كما هو المشهور، وعليه بناء العقلاء في معاملاتهم وسائر اعمالهم اذا تضرروا بواسطة تغرير الغير اياهم، فانهم يرجعون الى الغار فيما تضرروا وياخذون منه مقدار الضرر الذي صار سببا لوقوع المغرور فيه.

ويشهد له في الجملة الاخبار الواردة في موارد خاصة، منها: الروايات الواردة في رجوع المحكوم عليه الى شاهد الزور لو رجع عن شهادته وكذب نفسه.

كصحيح جميل بن دراج عن ابي عبدالله(ع) في شاهد الزور، قال(ع): «ان كان الشي‏ء قائما بعينه رد على صاحبه، وان لم يكن قائما ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل‏».

وصحيح محمد بن مسلم عن ابي عبدالله(ع) في شاهد الزور ما توبته؟ قال: «يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله ان كان النصف او الثلث ان كان شهد هذا وآخر معه‏».

وصحيح جميل بن دراج عمن اخبره، عن احدهما(عليهماالسلام)، قال في الشهود اذا رجعوا عن شهادتهم وقد قضى على الرجل: «ضمنوا ما شهدوا به وغرموا، وان لم يكن قضى طرحت ‏شهادتهم ولم يغرموا الشهود شيئا».

ثم ان الظاهر من المختصر النافع هو وجوب شهرة شاهد الزور وتعزيره بما يراه الامام حسما للجراة، ويدل عليه موثق سماعة وخبر عبدالله بن سنان ان: «شهود الزور يجلدون جلدا (حدا)، وليس له وقت، وذلك الى الامام، ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس...».

بل لو شهدوا بالزور بما يوجب القتل او القطع، ثم بعد اجراء القتل او القطع ثبت انهم شهدوا زورا كان القود على الشهود من غير خلاف، ولا ضمان على الحاكم الامر ولا حد على المباشر للقتل. نعم، لو علم مباشر القتل بان الشهادة شهادة زور كان عليه القود دون الشهود، لان المباشر للقتل حينئذ يكون قاصدا للقتل عدوانا وظلما فيثبت عليه القود.

ويدل عليه روايات، منها: معتبرة مسمع كردين عن ابي عبدالله(ع)، في اربعة شهدوا على رجل بالزنى فرجم ثم رجع احدهم، فقال: شككت في شهادتي، قال: «عليه الدية‏»، قال: قلت: فانه قال: شهدت عليه متعمدا، قال(ع): «يقتل‏».

وبقية الكلام في محله.

الثالثة: لو اخطا العين في اخباره من دون عمد وتسامح، واعتمد عليه القاضي لوثوقه به من دون مسامحة، فاورد على المتهم خسارات بدنية او مالية، يقع الكلام في ان الضمان على العين او على القاضي او على بيت المال؟

والظاهر من كلمات الاصحاب هو ضمان العيون كما اشير اليه في المختصر النافع حيث قال في رجوع الشهود: «ولو قالوا: اخطانا، لزمتهم الدية‏».

ويدل عليه: حسنة محمد بن قيس، عن الباقر(ع)، قال: «قضى امير المؤمنين(ع) في رجل شهد عليه رجلان بانه سرق، فقطع يده، حتى اذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت‏يده، انما شبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما ان غرمهما نصف الدية، ولم يجز شهادتهما على الاخر».

هذا مضافا الى دعوى صدق الغار على الجاهل كالعامد، فتامل، لعدم ثبوت صدق الغار على الجاهل، ولا اقل من الشك فلا يصح التمسك به في مورد المشكوك.

واما القاضي الجامع للشرائط فليس عليه شي‏ء، لانه محسن ولم يكن مقصرا في الاجتهاد. وايضا ليس الضمان في عهدة بيت المال، لاختصاص الدليل بالخطا في الحكم كما صرح في الجواهر: «بانه لو اخطا فاتلف بان حكم لاحد بمال او على احد بقصاص او نحو ذلك، ثم ظهر ان الخطا في الحكم ولم يكن مقصرا في الاجتهاد لم يضمن، لانه محسن، وكان على بيت المال بلا خلاف اجده فيه نصا وفتوى.

قال اميرالمؤمنين(ع) في خبر الاصبغ(المروي في الفقيه):«ما اخطاه القضاة في دم‏او قطع فهو على بيت مال المسلمين‏»».

فلا اطلاق لدليل كونه في عهدة بيت المال، ولو سلم الاطلاق فيكفي في تقييده حسنة محمد بن قيس ونحوها. كما لا يخفى، فيدل على ضمان الشهود.

نعم، يختص الضمان بما اذا استند القاضي الى الشهادة المخطئة، والا اذا لم يكن كذلك بل استند الى غيرها من القرائن فالنصوص منصرفة عنه، لاختصاصها بصورة الاستناد، ولا استناد في هذا الفرض الى العيون، بل يشمله دليل كون خطا القاضي في عهدة بيت المال.

بل يمكن ان يقال: ان اخبار العيون ليست في جميع الموارد من باب الشهادة الاصطلاحية، اذ لاتنحصر في المحسوسات او الحدسيات القريبة اليها حتى تكون من الشهادة، بل ربما تكون من الحدسيات البعيدة او التخمينيات او المحتملات ونحوها من الامور التي تكون خارجة عن الشهادة الاصطلاحية.

وعليه فلا يمكن الحكم بالضمان في اخبار العيون عند الخطا في جميع الموارد، لا من جهة الشهادة لما عرفت، ولا من جهة التغرير لعدم وضوح صدقه في مثل المفروض، بل لعدم جهل من اليه ينتهي الخبر بما اذا علم بان الخبر من المحتملات او التخمينيات ونحوها.

لا يقال: ربما يكون الخبر كالجزء الاخير للعلة التامة، فيصدق السبب على العين حينئذ.

لانا نقول: المباشر الملتفت هو السبب لكونه عالما ومريدا لا العين، وحيث ان الضمان بالتسبيب خلاف القاعدة ويحتاج الى اقامة الدليل فبعد عدم صحة اسناد الفعل الى السبب واسناده الى المباشر لا وجه لضمان العين.

وعليه فينحصر الامر في ضمان المباشر، فان كان هو القاضي واخطا في الحكم ففي عهدة بيت المال، والا فلا دليل على كونه في بيت المال لاختصاص الدليل بالقاضي، بل هو في عهدة المباشر.

نعم، ان راى الحاكم مصلحة في جعل ضمان المباشر في بيت المال فلا مانع منه.

ولكن يمكن ان يقال: ان الضمان فيما اذا اخطا المتصدي المجاز في عهدة بيت ‏المال، لانه خطا الحكومة وخطاها يتدارك من بيت‏المال، وعليه فلا فرق بين المتصدي والقاضي في كون الخطا في عهدة بيت المال، فتدبر.

الرابعة: اذا اخبر العين بما راى، وكان مراعيا للشرائط فارسل القاضي او المتصدي جمعا من المامورين للتحقيق، فخاف شخص من ذلك ومات، فهل هناك ضمان ام لا؟ وعلى الاول هل الضامن هو العين، او القاضي او المباشر او بيت المال؟

لا اشكال في عدم ضمان العين، اذ لا تغرير ولا خدعة ولا كذب في اخباره ولا تسبيب لكون المباشر مريدا ومختارا.

واما القاضي او المتصدي فان احتمل موت احد في سبيل التحقيق وجب عليه الامر بالاقدام على وجه لا يلزم منه ذلك، فلو لم يقدم المباشر كذلك كان مقصرا وضامنا.

نعم، لو لم يمكن التحقيق الا بالاقدام مع الاحتمال المذكور دار الامر بين المتزاحمين فاللازم هو تقديم الاهم، ومع وقوع الموت او السقط او خسارة اخرى يحتمل ان يكون الضمان في بيت المال بدعوى ان ذلك مستند الى الحكومة وخسارات الحكومة قابلة للجبران من بيت المال، وانه لم يشمل المقام ما دل على ان خطا القاضي في بيت المال، لعدم خطاه في الحكم حسب الفرض او لعدم كونه قاضيا.

لا يقال: ان مقتضى صحيحة الحلبي -عن ابي عبدالله(ع): «ايما رجل قتله الحد او القصاص فلا دية له‏»- وغيرها من الاخبار هو عدم الضمان اصلا بناء على الغاء الخصوصية وان المراد هو اتفاق الموت بالعمل الحكومي.

لانا نقول: ان مورد الرواية هو ما اذا ثبت استحقاقه للحد والقصاص، فلا يشمل المقام الذي لا يثبت فيه استحقاق شي‏ء ، خصوصا اذا كان الموت عارضا على غير المتهم.

هذا مضافا الى ان موجب القتل هو نفس القصاص او الحد لا فعل المباشر، والغاء الخصوصية مشكل.

لا يقال: ان مقتضى صحيح الحلبي - عن ابي عبدالله(ع) قال: «ايما رجل فزع رجلا من الجدار او نفر به عن دابته فخر فمات فهو ضامن لديته، وان انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه‏»- هو الحكم بضمان المباشر.

لانا نقول: مورد الصحيحة هو ما اذا كان العمل بقصد الاخافة مع عدم كونه موجبا للقتل عادة، فهو اجنبي عن المقام الذي لم يقصد المباشر ذلك فاتفق موته بذلك.

وبالجملة: فالضمان يكون على عهدة بيت المال فيما اذا كان الاقدام لازما، ولو مع احتمال موت احد او فيما اذا لم يحتمل ذلك واتفق موت احد، فضلا عما اذا كانت الاخافة لازمة بنظر الحاكم او القاضي.

ويؤيده عموم قوله(ع): «فانه لا يبطل دم امرئ مسلم‏» كما في صحيحة ابي بصير، في رجل قتل رجلا متعمدا ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه، قال(ع): «ان كان له مال اخذت الدية من ماله والا فمن الاقرب فالاقرب، وان لم يكن له قرابة اداه الامام، فانه لا يبطل دم امرئ مسلم‏». وصحيحة ابن سنان الدالة على عدم بطلان دم امرئ مسلم، معللا بان ميراثه للامام فكذلك تكون ديته على الامام، كما ورد في قضاء امير المؤمنين(ع) «في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله‏». وغير ذلك من الاخبار.

نعم، لو تقابل المتهم ومتعلقوه مع المامورين، فيما جاز لافراد الحكومة التحقيق، وحدثت‏خسارة مالية او بدنية او موت او سقط من جهة المقابلة، فلا ضمان له، لانهم اقدموا على ذلك، فتدبر.

ولو جاوز المباشر عن دائرة المجاز، فلا اشكال في ضمانه وان كان العمل مما يوافقه المتصدي او القاضي لو استجازه، لانه فعل ما ليس بماذون فيه وان كان موافقا لرايه، ومجرد الموافقة لا يكفي في رفع الضمان، الا ترى ان قتل القاتل من دون اذن من الحاكم يوجب القصاص، فلا تغفل.

الخامسة: لو تعدى المامورون عن حدود امر المتصدي او الحاكم وحدثت بسبب فعلهم خسارات مالية او بدنية، كانوا ضامنين لها ولو لم يقصدوا تلك الخسارات. كذلك اذا تصدى شخص لامر خاص يعلم انه لا يليق لذلك فحصلت الخسارة او الجناية بسببه، لانه متعد بقبول المسؤولية مع علمه بعدم اللياقة، فالخسارات والجنايات مستندة اليه لا الى الحكومة، ومجرد الاذن من الحاكم له ليس اذنا مطلقا، لانه اذن لمن يكون لائقا به ولو بحسب الضوابط الظاهرية. والمفروض انه ليس كذلك، واللياقة ولو كانت ظاهرية فهي حيثية تقييدية لا تعليلية، فالاول لا يصدر الا للائق وهو ليس بلائق، وانما كذب او خدع في ادراج نفسه في اللائقين. وعليه ففعله لا يسند الى الحكومة، لعدم شمول الاذن له.

نعم، لو كان جاهلا مركبا بعدم لياقته واحرز المتصدي انه لائق واذن له في الفعل ففعل، فحصل بسببه خسارات مالية او بدنية، ثم انكشف انه ليس واجدا للشرائط امكن القول بان الخسارات مستندة الى الحكومة، لانه منصوب القاضي او المتصدي في الفرض المذكور، اذ لا يتقيد النصب بالواجدية الواقعية، بل تكفي الواجدية الظاهرية، فمع كشف الخلاف لا يرفع النصب السابق في حال ايراد الخسارات.

نعم، يرتفع النصب من حين كشف الخلاف، وعليه فالخسارات في عهدة بيت المال، اللهم الا ان يقال: ان الضمان على الجاهل المركب بدعوى ان جهله المركب لا يرفع الضمان وان كان موجبا لعدم العصيان، فتامل.

السادسة: لو وردت على العيون في طريق الاستخبار او العمليات الاستطلاعية خسارات مالية او بدنية فهل تكون تلك الخسارات على عهدة بيت المال ام لا؟

يمكن ان يقال: ان هذا الشغل من الواجبات التي تكون بطبعها في بعض اقسامها ضررية كالجهاد والدفاع، ولا معنى للضمان في مثلها، فكما ان الخسارات الواردة في الجهاد والدفاع والمرابطة ليست على عهدة بيت المال فكذلك فيها.

نعم، لو تسامح المتصدي في‏عدم تجهيزهم بجهاز لازم فاورد عليهم الخسارات كان ضامنا في ماله، لاستنادها الى تسامحه، بخلاف ما اذا لم يتمكن من التجهيز من دون مسامحة.

وهكذا لو اشترط مع التصدي في عقد الاستخدام والاجارة ضمان الخسارات، فلا اشكال في كونها على عهدة بيت المال فيما اذا لم يكن هناك‏افراط او تفريط منهم، والا فلا يكون الضمان على عهدة بيت المال، لاستناد الخسارات اليهم.

كما اذا كان سبب الخسارات بعضهم بالنسبة الى بعض فهو ضامن لا غير، لاستناد الخسارات اليه كما لا يخفى.

هذا كله في الخسارات التي تكون لازمة لهذا الشغل، واما الخسارات التي لا ترتبط بهذا الشغل، بل تعرض احيانا واتفاقا كبعض الامراض والافات العامة التي تعرض لجميع الافراد، فهل يوجب عروضها في حال المامورية كونها على عهدة بيت المال ام لا؟ والذي ينبغي ان يقال: انها لا تستند الى الحكومة ومع عدم استنادها اليها لا وجه لكون ضمانها على بيت المال.

نعم، لو اشترط ضمانها مع المتصدي في عقد الاجارة والاستخدام فلا اشكال في كون ضمانها على الحكومة ايضا.

السابعة: لو اخطا العين في اخباره بالنسبة الى احد من المؤمنين ثم بان له ذلك، وجب عليه الدفاع عنه والسعي في استخلاصه عما اوقعه فيه اخباره، واعادة حيثيته الاجتماعية في المجتمع ان هتكت قضاء لوجوب اداء حقوق الناس، ويجب عليه الاسترضاء والاستغفار ان كان ذلك -اي الخطا- ناشئا عن المسامحة.

المقام التاسع عشر: امداد العيون واعانتهم:

لا اشكال في حسن امداد العيون واعانتهم في طريق تحكيم النظام الاسلامي والدفاع عن حريم الاسلام، بل يجب ذلك كفاية ان كانوا محتاجين الى اطلاع الافراد والاشخاص من عامة الناس، او كان المورد مما لن يطلع عليه العيون لو لم يخبرهم احد من عامة الناس وكان مما يهتم به.

ثم انه تختلف انواع الامداد والاعانة باختلاف الموارد والاشخاص، ثم لا يذهب عليك انه لا اشكال في جواز اخذ الاجرة على الامداد والاعانة، وان لم يجز ترك الامداد لو لم يعط الاجرة، لان الوجوب الكفائي لاينافي اخذ الاجرة، كما ان اخذ الاجرة على الاخبار والاستخبار لااشكال فيه ولو كان من الواجبات الكفائية، اذ لا يكون مشروطا بقصد القربة والاتيان به مجانا، فلا تغفل.

المقام العشرون: المحافظة على المستندات الاطلاعاتية:

لا خفاء في وجوب المحافظة على مستندات الاطلاعات اذا كانت من شؤون حفظ النظام ولزوم الدفاع عنها ولو بالوقوع في الخطر وبذل النفس، لاهمية حفظ النظام الاسلامي، ولا ضمان للخسارات الواردة على المحافظين، لان المحافظة من الواجبات كالجهاد والدفاع.

نعم، لا باس بجعل الحاكم الشرعي شيئا لهم او لورثتهم من بيت المال اذا راى مصلحة في ذلك، هذا اذا لم يشترطوا الضمان في عقد الاجارة والاستخدام، والا فالضمان على عهدة بيت المال بلا كلام.

المقام الواحد والعشرون: في اخذ الاعترافات:

هل يجوزالاقدام‏ على اخذ الاعتراف من المغمى عليه او النائم، او لا يجوز؟ وعلى‏تقدير اخذ الاعتراف هل يكون حجة او لا يكون؟

يمكن ان يقال: يجوز ذلك‏ان لم يستلزم ضررا او ايذاء او تصرفا عرفيا في بدنه، واما مع الاستلزام المذكور فلا يجوز، لحرمة‏الاضرار والايذاء والتصرف في بدن الغير من دون رضاه.

نعم، اذا تزاحم مع الاهم، او حكم الحاكم بذلك جاز.

ثم على تقدير الاعتراف في حال الاغماء او النوم، فلا حجية فيه، لانه لم يكن مع الارادة والاختيار، نعم يمكن ان تفيد بعض الاعترافات من جهة الاشارات التي فيها، لامكان تعقيب بعض الامور حينئذ حتى تنكشف الحقيقة.

ومما ذكر يظهر حكم الاعترافات التي تصدر احيانا عن الافراد والاشخاص حال تنويمهم، وهكذا ما ربما يوضع على بدن المنكر مما يعين على اضطرابه الداخلي ويجعل ذلك قرينة على كذبه لا يكون حجة شرعية، لاحتمال تداخل الامور، ومجرد الاضطراب لا يكون شاهدا على كذبه.

المقام الثاني والعشرون: في كتمان الاسرار:

لو وقع بعض العيون اسيرا بيد الاعداء وكان حاملا للاخبار التي لو ظهرت وقع النظام في خطر السقوط فهل يجوز لنا قتله، او لا يجوز؟

يمكن ان يقال: انه لو خيف على الاسلام والمسلمين من ذلك، فان امكنه كتم الاسرار فيجب عليه، وان لم يقدر بحيث‏ يكون التكليف به خارجا عن طاقته، فان امكن ايراد النقص على نفسه بحيث لا يقدر على التكلم والافشاء فهو، والا فان امكن المقاتلة معهم حتى يقتل فهو، والا فيجوز له الانتحار دفعا للخطر المتوجه الى الاسلام والمسلمين، ومع امكان اقدامه على ذلك لا يجوز لغيره قتله.

نعم، لو لم يقدم عليه، فان امكن ايراد النقص عليه بحيث لا يتمكن من البقاء جاز ذلك باذن الحاكم، والا فمع توقف حفظ الاسلام على قتله لا يبعد ان يكون للحاكم الامر بقتله، لان الامر يدور حينئذ بين المحذورين، وحيث ان حفظ الاسلام اهم فهو مقدم عليه، كما يجوز قتل بعض المسلمين عند التترس بهم، نعم هذا الفرض فيما اذا علم الخطر مع انحصار رفعه على ذلك، والا فلو لم يعلم او لم ينحصر طريقه عليه فلا يجوز، ولم اجد من تعرض لهذه المسالة، فليتامل.

المقام الثالث والعشرون: في سرقة المستندات والاطلاعات من الكفار:

هل يجوز سرقة المستندات والوثائق من الكفار في الداخل او الخارج لاستفادة الاستخبارات منها ام لا؟

يمكن ان يقال: ان كان الكفار من الذميين او المعاهدين فلا يجوز ذلك، لان اموالهم كانفسهم مامونة بعقد الذمة وعقد المعاهدة، والمستندات والوثائق من اموالهم، فلا يجوز ذلك ما داموا ثابتين في عقد الذمة والمعاهدة.

نعم، اذا نقضوا الذمة او المعاهدة فلا حرمة لمالهم كانفسهم، واذا لم ينقضوا العهد والذمة والمعاهدة ولكن علم انهم استخبروا الامور بسرقة المستندات والمعلومات في الخفاء كبعض السفارات الاوربية والامريكية فيجوز ذلك بمعاملة المثل معهم قضاء لقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، ان لم نقل حصل النقض بذلك.

هذا كله فيما اذا لم يستلزم العناوين الثانوية، والا فلا يجوز كما لا يخفى.

المقام الرابع والعشرون: في نشر المستندات الاطلاعاتية وافشائها:

لا يجوز لمسؤولي الاطلاعات وضع المستندات والوثائق تحت اختيار غيرهم ممن لا ربط له بها، لانه مضافا الى كونه افشاء لعورات المسلمين يكون اشاعة للفحشاء في بعض الاحيان وتضعيفا للنظام تارة اخرى، بل يجب سترها وحفظها فيما اذا كان ابقاؤها واجبا، وفيما اذا لم يجب ابقاؤها يتخير بين الابقاء والستر وبين افنائها.

ومما ذكر يظهر ان نشر المستندات المربوطة بالاطلاعات لا يجوز الا اذا كانت مصلحة اهم تقتضي ذلك، والله العالم