المسائل المستحدثه في الطب

- القسم الثالث -

آيه الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

المساله الخامسه: تحديد النسل والمواليد

قد ظهر حوار واسع ونقاشات كثيره بين علماء الدين من جهه، وبين خبراء علم الاجتماع من جهه اخرى حول هذه المساله، فقال جماعه من علماء المسلمين بانه لا يجوز ذلك، او لا اقل من انه مرجوح في الشريعه الاسلاميه نظرا الى ان كثره الاولاد امر راجح في الشريعه، وسبب لكثره نفوس المسلمين في اقطار الارض، وازدياد النفوس موجب لازدياد قوتهم وشوكتهم وثقل الارض بكلمه لا اله الا الله.

هذا مضافا الى ما يظهر من القرآن المجيد من ان كثره الاولاد من نعم الله تبارك وتعالى، قال في سوره نوح: (فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا × يرسل السماء عليكم مدررا × ويمددكم‏باموال وبنين‏ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا).

فقد جعل في هذه الايه الشريفه الامداد بالبنين الى جنب الامداد بالاموال من نعم الله تعالى، ومن قبيل الغيث الهاطل والسحاب الماطر والانهار العظيمه والجنات الرائعه.

وقد ورد في غير واحده من الروايات مدح كثره الاولاد، فكيف يمكن القول بترجيح تحديد النسل وقله المواليد؟

وفي المقابل يقف القائلون برجحان بل بوجوب تحديد النسل في زماننا هذا مستندين الى امور:

الامر الاول: ان تقدم علمي الطب، والوقايه الصحيه من جهات كثيره صار سببا لبقاء الاطفال، رغم ما كان في السابق من عدم بقاء الكثير منهم احياء. فكان لا يبقى من عشره اطفال يولدون الا اثنان او ثلاثه على قيد الحياه.

الامر الثاني: كان الجوع والقحط يهددان حياه الكثير من الناس لعدم امكان نقل الارزاق والمؤن بين البلدان النائيه، على عكس زماننا هذا فانه لو وقع القحط او المجاعه في قطر من الاقطار لنقلت اليه الارزاق من سائر البلدان.

الامر الثالث: كان متوسط الاعمار في السابق اقل منه كثيرا بالنسبه الى زماننا، لسوء التغذيه وكثره الامراض وعدم وجود المياه النقيه، اذ كانت مياههم ملوثه جدا مما يجعلها سببا لفساد الامزجه وشيوع الامراض وخصوصا مياه الحمامات التي كانت تخلف آثارا سيئه ومضره على بدن الانسان.

كل ذلك وغيره صار سببا لتكاثر النفوس يوما بعد آخر بشكل رهيب وهائل. مما يسبب مشاكل اساسيه عظيمه من عده نواح كالتغذيه، والتعليم، والتربيه، والوقايه من الامراض وغيرها، هذا مضافا الى مشكله الفقر والتخلف العلمي والاقتصادي والثقافي التي تخلفها كثره النفوس، وذلك لان جميع امكانيات المجتمع تستهلك في مجالات التغذيه وشبهها ولا يبقى ما يصرف في بناء البلاد وتطويرها وتوسعتها او التقدم في الجانب العلمي والصناعي.

وحينئذ فلو ان المسلمين لم يقدموا على تحديد النسل لتاخروا واستولى عليهم الفقر. وبالمقابل لو اقدم اعداؤهم عليه، لحصل لهم التقدم في جميع شؤون الحياه ولازدادت قوتهم وشوكتهم، بل لاحتاج المسلمون اليهم حاجه شديده تؤدي الى اتكالهم عليهم في الامور الحيويه.

فالواجب عليهم تحديد النسل، وان شئت قلت اللازم استبدال الكثره من حيث الكم بالكثره من حيث الكيف والنوعيه، اعني ايجاد جيل من العلماء والاختصاصيين والخبراء في شتى مناحي العلوم، ان شاء الله تعالى. وعلى كل حال فاللازم طرح عنوان المساله اولا، ثم ذكر ادله الطرفين وما يتحصل منها ثانيا، وبيان تفاوت الظروف ثالثا، وذكر طرق التحديد من الحرام والجائز والواجب على القول به رابعا.

اولا: عنوان المساله :

اما عنوان المساله، فلا شك في انه لا يجب تكثير الاولاد بطبيعه الحال، ولم يقل احد بوجوبه بالعنوان الاولي. نعم قد يكون واجبا في فروض نادره بالعنوان الثانوي.

فيبقى ان يكون الكلام في رجحانه وعدم رجحانه. فالقائل بالرجحان يراه مستحبا، والقائل بعدمه يراه مكروها او حراما.

ففي الواقع لا مانع من تحديد النسل على كل تقدير، لو كان باسباب مباحه لا من طرق محرمه. فمن يخالفه يخالف امرا مباحا بالمعنى الاعم لا امرا محرما، فلا يدخل في ادله النهي عن المنكر، اذ ليس هنا منكر ينهى عنه نهيا تحريميا. نعم لو احتملنا الحرمه في بعض الظروف، كان الاحتياط في (ترك تكثير النفوس) لان الامر دائر بين الجواز والحرمه كما لا يخفى.

ثانيا: ادله الطرفين :

اما ادله القائلين برجحان الكثره فهي آيات من الذكر الحكيم وروايات كثيره.

اما الايات:

فمنها: ما عرفت في قصه نوح بما مضى من البيان. ومنها: ما ورد في قصه بني اسرائيل، وان الله من عليهم بزياده الاموال والبنين، فقال تعالى: (وامددناكم باموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا)، فكونهم اكثر نفيرا فذلك من نعم الله عليهم.

ومنها: ما ورد في قصه قوم هود فقال تبارك وتعالى: (امدكم بما تعلمون × امدكم بانعام وبنين).

ومنها: انه قد ورد في اكثر من عشر آيات من الذكر الحكيم انه جعل الاموال والاولاد قرينين، وهي تدل على ان كليهما سبب للقوه والقدره: اما الاول فهو سبب للقدره الاقتصاديه واما الثاني فهو سبب للقدره الانسانيه والبشريه، وكل واحد منهما يكمل الاخر كما لا يخفى.

فجميع ذلك دليل على ان كثره الاولاد سبب للقوه والعزه والشوكه.

واما الروايات: فهي ايضا كثيره، ولكنها على قسمين:

الاول: وهو القسم الغالب: ما يدل على كون الولد من العطيات الالهيه والنعم المباركه. ولكنها خارجه عن المقصود، لان الكلام ليس في صرف وجود الولد، بل الكلام في كثره الاولاد. فمن استدل بهذه الروايات فقد خرج عن طور البحث.

الثاني: وهو القسم الذي يضم عددا اقل من الروايات، ولكنه يدل على ان كثره الولد مطلوبه:

1 - منها: ما رواه في الوسائل في ابواب احكام الاولاد، عن محمد بن مسلم، عن الصادق(ع) قال: «قال رسول الله(ص) : اكثروا الولد اكاثر بكم الامم غدا».

2 - ومنها: ما ورد في روايه اخرى عن محمد بن مسلم او غيره عن ابي عبدالله (ع) قال: «قال رسول الله(ص) : تزوجوا فاني مكاثر بكم الامم غدا في القيامه‏».

3 - ومنها: ما ورد في باب رفع الصوت بالاذان في المنزل لطلب كثره الولد، عن هشام بن ابراهيم انه شكا الى ابي‏الحسن(ع) سقمه وانه لا يولد له، فامره ان يرفع صوته بالاذان في منزله، قال: ففعلت فاذهب الله عني سقمي وكثر ولدي.

وصدره ناظر الى مجرد تولد الاولاد، ولكن ذيله ناظر الى كثرتهم.

4 - ومنها: ما ورد في من رزقه الله ثمان بنات من دون بنين فشكا الى الصادق (ع) فامره بامر ففعله، فرزق سبع بنين.

والعمده الروايتان الاوليان، لان الاخيرتين لا تخلوان من ضعف في الدلاله، وهذه عمده في هذا الباب.

وقد يلاحظ على الايات والروايات الانفه الذكر، بانها ليست من قبيل القضايا الحقيقيه التي تجري في كل زمان، بل من قبيل القضايا الخارجيه. بمعنى انها ناظره الى زمان كانت كثره الاولاد دليلا على القدره والشوكه، بحيث كانت الاقوام تتفاخر بكثره الاموال والاولاد مثل ما حكاه الله تبارك وتعالى عن المترفين في الامم السالفه بقوله: (وما ارسلنا في قريه من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرون × وقالوا نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين). فهذا دليل على ان الامر في كثير من‏الامم الماضيه كان كذلك، اي كانت كثره الاولاد مثل كثره الاموال سببا لازدياد القوه والاقتدار.

وكقوله تبارك وتعالى في مقام تهديد المنافقين في سوره التوبه: (كالذين من قبلكم كانوا اشد منكم قوه واكثر اموالا واولادا)، وهي صريحه في ان كثره الولد والمال كانت من اسباب القوه والقدره.

وقال تعالى ايضا في سوره القصص اشاره الى قارون المستكبر: (اولم يعلم ان الله قد اهلك من قبله من القرون من هو اشد منه قوه واكثر جمعا). وهذه الايه تدل على ان كثره الجمع امر قرين للقوه.

وحينئذ لو ثبت لنا بالادله القطعيه ان كثره النفوس توجب الضعف والفتور والفقر والجهل والمرض والبطاله، فلا تكون سببا للافتخار والقدره، بل تكون سببا للتواني والفشل.

فمن المعلوم انها تخرج عن شمول تلك الايات والروايات، لانها وردت في ظروف اخرى ناظره الى اناس آخرين. وانت‏ترى في العصر الحاضر انه لا يفتخر انسان على غيره باني اكثر منك مالا وولدا، نعم يمكن ان يفتخر بماله، ولكن لا يفتخر بكثره اولاده.

ومما يشهد على ما ذكرناه قوله تعالى في سوره الانفال مخاطبا للمسلمين: (واذكروا اذ انتم قليل مستضعفون في الارض تخافون ان يتخطفكم الناس فآواكم وايدكم بنصره). فكان المسلمون قليلين بحيث‏يمكن ان يتخطفهم الناس، فوجب عليهم في هذه الظروف الاهتمام بكثره الافراد وتكثير الاولاد، حتى لا يقدر اعداؤهم على السيطره عليهم.

اما لو فرض زمان تكون الكثره فيه سببا للاستضعاف فلا شك ان الحكم يتغير.

كما هو الامر في زماننا فقد صارت كثره النفوس سببا للضعف والفتور والتخلف، ويشهد لذلك عده مؤشرات:

1 - كان كثره النفوس في السابق سببا للتقدم والغلبه، لا سيما في الحروب، فان اللالات الحربيه والاسلحه كانت بصور بدائيه وبسيطه لا تحتاج الى علم خاص، وكذلك الامر بالنسبه للزراعه وبناء الابنيه وما شابه ذلك من مرافق الحياه. ولكن في زماننا اصبحت هذه الامور اكثر تعقيدا حيث تحتاج الى علوم مختلفه، فالتقدم والغلبه سواء في الحروب او في شؤون ومجالات الحياه الاخرى انما يحصل بوجود كوادر علميه متخصصه بفنون الاسلحه الحديثه والصناعات البديعه والالات المستحدثه. فالمطلوب الكثره من الناحيه الكيفيه وان كانوا قله من جهه العدد والكم، فكم من فئه قليله من العلماء والمتخصصين بهذه الفنون في عصرنا غلبت فئه كثيره جاهله ضعيفه. نعم، للايمان بالله واليقين والصبر سهمه ودوره الخاص الذي لا يمكن ان ينكر.

ولذا نرى بعض الدول الغاصبه قد استولت على كثير من بلاد المسلمين بالرغم من قله عدد نفوسها -بالنسبه للمسلمين- وذلك لتقدمهم من الجهات المذكوره.

ففي الواقع انقلب موضوع الحكم وتغير، مع العلم بان تبدل الموضوع سبب لتبدل الحكم. فالاولى ان يقال ان الكثره مطلوبه في عصرنا ايضا، ولكن بشرط اقترانها بالعلم والخبره في سائر ميادين الحياه، لا الكثره بمجرد العدد.

ومما يدل على ان الكثره العدديه كانت مطلوبه في فروض خاصه هو تركيز الكلام في غير واحده من الايات على البنين دون البنات، فقال تعالى في قصه نوح: (ويمددكم باموال وبنين) وقال تعالى في قصه هود: (امدكم بانعام وبنين) .

وهل يصح ان يقال ان القرآن ينص على كثره البنين دون البنات؟!

2 - ما نشاهده في بعض البلدان، مثل الهند والصين من تزايد النفوس بشكل هائل بحيث عجزت حكوماتهم عن توفير الحد الادنى لهم من متطلبات الحياه الاساسيه كالطعام والمسكن، فاصبح الكثير منهم -لا سيما في الهند- يعيشون على حواف الطرقات مع فقر شديد، يولدون ويموتون فيها، فهل تعد مثل هذه الكثره دليلا على القوه والقدره ام هي من اسباب الضعف والفتور؟

ولعلك تقول انهم قصروا في تحصيل ما يجب عليهم من وسائل وامكانيات الحياه، فلولا تقصيرهم لكانوا جماعه عظيمه قويه غنيه من جميع الجهات.

ولكن سياتي -ان شاء الله تعالى- ان ذلك مجرد فرض لا يوافق الواقعيات، وان المحاسبات الدقيقه تشهد بان كثره المواليد لو لم تكن تحت ضابطه لتفاقمت وتحولت الى مشكله تعيق سائر الخطط والمشاريع الحيويه.

3 - لا شك في ان نعم الله تعالى عنده في خزائنه، ولكن ينزلها بقدر معلوم، ولذا نرى ان الامكانيات الطبيعيه الموجوده على وجه الارض برها وبحرها مقدارا معينا يمكن احصاءها وفق المحسابات الدقيقه. فالمساكن والمياه القابله للري والشرب ومصادر الحراره والاراضي القابله للزراعه والمعادن وغيرها، ليست على نحو لا تنفد ابدا، فلا بد من تدبير الامور بنحو لا يوجب العسر والحرج، مع العلم بان النفوس اذا ازدادت بشكل غير معقول، حصل هذا، ولم يبق مجال لحياه هانئه وعيشه راضيه.

وبعباره اخرى: ان الله تعالى خلق في الانسان العقل والدرايه ولازمه التدبير في الامور، فلو راى انه اذا بذل غايه مجهوده لم يقدر على تربيه اكثر من ولدين مثلا من حيث تامين الاحتياجات الماديه والمعنويه، لزم عليه الاخذ بما هو الموافق لقدرته ووسعه في ذلك.

ان قلت: ان الفقر والجهل وامثالهما لا ينشا من ازدياد النفوس، بل ينشا من عدم اجراء العداله الاجتماعيه، ومن تفشي الظلم والفساد في المجتمعات، وسياسه الدول الاستعماريه وغير ذلك. فلو عمل الناس بما يجب عليهم من التكاليف الالهيه من العداله وشبهها، لم يبق فقير محتاج مهما ازدادت النفوس.

ويشهد الخبراء ان بلدنا -مثلا- قادر على ضبط المياه والانهار والانتفاع بها في الزراعه والتنميه باحداث القناطر والسدود و... ، وان الاراضي الصالحه للزراعه والقابله للتنميه اكثر بمراتب من التي ينتفع بها الان، وكذلك الحال بالنسبه للمعادن وغيرها.

فلو بذلنا غايه الجهد وانتفعنا بجميع ما خلق الله لنا من النعم الجسيمه، لامكن العيش للجماعات الكثيره حتى لو بلغت اضعاف العدد الموجود. قلت: نعم، الامر كذلك في الجمله، ولكن هنا امران لا بد من ملاحظتهما في هذا البحث الخطير جدا.

احدهما: ان البحث الذهني الكلي غير مفيد في هذه المباحث، بل لا بدمن الرجوع الى الاعداد والارقام، ومحاسبتها لمعرفه عدد السكان مثلا بعد عشرين سنه او خمسين سنه، مع فرض ازدياد النفوس على النحو الموجود، ثم محاسبه الارقام فيما يخص الاراضي والمياه وغيرها. ومجرد القول بان هذا يكفي مع ازدياد النفوس مهما كان امر خيالي. فهو اشبه شي‏ء بما اذا كان لشخص كميه كبيره من المواد الغذائيه في مخازن بيته، فقال لاصدقائه ادعوا كل من مررتم به الى بيتي، من دون حساب عدد الضيوف المدعوين، ومقدار المواد الغذائيه الموجوده عنده.

ثم ان الخبراء يصرحون بان النفوس لو تزايدت بهذا النحو الموجود، لم تكفهم المياه الموجوده، وكذا الاراضي مهما كانت.

ثانيهما: ان احياء هذه الاراضي مثلا وضبط موارد المياه الموجوده لا يمكن ان ينجز في يوم وليله، بل يحتاج الى زمن طويل مثلا في عشرين سنه او خمسين او اكثر، وعمده المشاكل انما هي طول هذه الفتره، وانه لو لم ناخذ بما يمنع عن الازدياد في هذه المده لبلغ العدد الى حد مانع عن الوصول الى تلك الغايه قطعا.

والاولى ان يقال: ان سيره الفقه والفقهاء رضوان الله تعالى عليهم استقرت على استنباط الاحكام الكليه والرجوع في تشخيص الموضوعات الى العرف، فان كانت من الامور التي تحتاج الى مراجعه ذوي الخبره حيث لا يقدر على فهمها كل احد فلا بد من الرجوع اليهم.

واللازم في المقام ايضا الرجوع الى خبراء ومتخصصي علم الاجتماع بشرط ان يكونوا مسلمين موثقين معتمدين -وهذا ديدنهم في جميع الابحاث الفقهيه- فلو شهدوا ان ازدياد النفوس بهذا النحو سوف ينتهي الى فاجعه كبيره مدهشه لا ينفع معها توسعه الاراضي الزراعيه بالمقدار الممكن ولا غيرها، فلابد من الاخذ بآرائهم في اثبات هذه الموضوعات وعدم التخطي عن قولهم، والا لم يكن الفقيه معذورا امام الله اذا تسبب ذلك في حدوث كارثه، او صار المسلمون اذلاء فقراء وجهلاء يمدون يد الحاجه الى غيرهم، ويرزحون تحت نير السلطات الكافره لا سمح الله.

واما ما يدل على ان الرزق بيد الله فهو حق لا ريب فيه، ولكن الله اعطانا عقلا وفهما وشعورا، واوضح لنا طريق تحصيله بالاسباب الموجوده، فلو تعدينا الاسباب ووقعنا في العسر والشده كان ذلك بما كسبت ايدينا. وهل يمكن لنا ان ندعو ضيوفا كثيرين ونقول ان رزقهم على الله من دون ملاحظه ما يكون بايدينا وفي وسعنا لاطعامهم ورزقهم؟

وقد ورد في الروايات: انه لا بد للمؤمن من تقدير المعيشه، وليس تقدير المعيشه الا الاخذ بمقتضى حكم العقل في تدبير امور الحياه.

ثالثا: تفاوت الظروف :

من اهم ما يجب الاهتمام بشانه والالتفات له ان المنع عن زياده النفوس ليس حكما مطلقا باتا لجميع الازمان، بل هو خاص بالظروف الموجوده الراهنه في كثير من البلدان، فلو تغيرت الظروف تغير الحكم، بل هناك بعض البلدان لا بد فيها من الاهتمام بالزياده، مثل فلسطين المحتله في مقابل الصهيونيه الغاصبه. فالصهاينه مصرون على ازدياد النفوس ولو بالمهاجره من سائر البلدان. وسمعنا انهم يمنحون جوائز لزياده نسبه الاولاد بينهم.

ففي مقابل هؤلاء يجب بذل الجهد من اجل ازدياد نفوس المسلمين كي لا تتغير الموازنه بضرر المسلمين.

وكذا اذا كانت الحرب قائمه والنفوس معرضه للخطر، ففي مثل هذه الظروف ايضا لا ينبغي تحديد النسل.

ولكن اذا لم يكن شي‏ء من ذلك وشهد اهل الخبره من اهل الايمان والوثوق ان ازدياد النفوس يوجب واحدا من الاربعه الموحشه او جميعها -الفقر والجهل والمرض والفراغ (البطاله) - حينئذ يجوز، بل قد يجب تحديده بالمنع عن الكثره، لتغير الموضوع وتبدله، والحكم تابع لموضوعه.

فالمقامات مختلفه واحكامها ايضا مختلفه.

رابعا: طرق تحديد النسل :

طرق التحديد كثيره وتنقسم الى ثلاثه اقسام:

الاول: ما يخالف الشرع قطعا بعنوانه الاولي، وهو على انواع كثيره:

منها اسقاط الجنين. ومنها ترك الزواج والاقبال على المحرمات والميل الى الجنس المماثل. وقد روج الغرب الاستكباري لهذه الاطروحه اخيرا ودافع عنها. وصارت مساله تحديد النسل ذريعه الى الفساد الجنسي، وهي في الحقيقه كلمه حق يراد بها باطل. ومنها استعمال ما يوجب العقم في الرجال او النساء اما بتناول بعض الادويه، او بسد الانابيب التناسليه في الرجل او المراه، او ما يشابه ذلك. وهذا ايضا غير جائز، لانه سبب لنقص دائم في العضو، وتترتب عليه مفاسد كثيره فيما اذا تغيرت الظروف وكان اللازم انجاب الاولاد من جديد. كان طلقت الزوجه واخذ منها اولادها، او ماتوا في بعض الحوادث المفاجئه غير المترقبه وما شابه ذلك. فيدخل عليهما من الندم ما يكون غير قابل للتحمل، بل التجارب تشهد بان حاله الندم تتجسد بمجرد تصور مثل تلك الحوادث ولو لم تقع فعلا.

نعم، لو لم يحصل العقم الدائم، بل كان مؤقتا قابلا للرجوع الى حاله امكان الانجاب بعد حين، لم يكن دليل على حرمته.

الثاني: ما يكون جائزا ذاتا ولكن قد تقع في جنبه امور محرمه مثل نصب بعض الالات في رحم المراه، او العقم المؤقت من طريق سد الانابيب التناسليه او اشباههما، فانها جائزه عندنا لعدم قيام دليل على الحرمه ذاتا، ولكن لا يمكن الوصول اليها عاده الا من طريق نظر الاجنبي الى ما لا يحل له، او لمس ذلك، فلو لم يكن هناك ضروره تبيح ذلك لم يجز. وهذا مثل رجوع المراه الى الطبيب الاجنبي فانه لا يجوز الا عند الضروره المبيحه لذلك.

الثالث: ما لا حرمه فيه ذاتا وبالعرض، مثل استعمال الاقراص التي تمنع عن الحمل ما دامت تنتفع بها، اذا لم يكن فيها ضرر خاص معتد به.

ومثل عزل المني خارج الرحم، وكذا استعمال الغلاف الذي يمنع عن صبه في الرحم.

وهكذا الاستفاده من بعض الجداول الزمانيه التي تبين زمان انعقاد النطفه في اوقات خاصه.