كما وقد حكم بنظير ذلك استاذنا المحقق الشيخ محمد على الاراكى(قدس‏سره) فى حاله استحاله الماء بخارا ثم ماء، حيث قال: ان العرف لا يرى العرق الحاصل بالتصعيد شيئا آخر وراء نفس الماء المستحيل بخارا، بل انهم يرون ان الماء صار بخارا ثم صار ثانيا ماء، ويرون الماء الثانى عين الماء الاول من دون حاجه الى الاستصحاب، حتى يشكل بانفصال زمان الشك عن زمان اليقين.

وفيه: ان اهل العرف كما يحكمون بانه هو الرجل الاول - ويكون حكمهم بعينيه هذا مع هذا كحكمهم فى المفاهيم وتطبيقها على المصاديق حجه - كذلك يحكمون بانه متكون من المراه المتغيره والمتبدله، وحيث انه فى حال كونه امراه يحكم العرف بعدم وجود العلقه بينهما فيقع التعارض، وهو يوجب التساقط، ومع التساقط يحكم بلزوم عقد جديد.

اللهم الا ان يقال: انه لا تعارض بين اللااقتضاء واقتضاء الزوجيه، اذ هما يجتمعان، فالمراه المتبدله من الرجوليه بالنسبه الى الزوجيه لا اقتضاء، اذ لا موجب لزوجيتها، وعينيه الرجل مع الرجل السابق مقتضيه للزوجيه، لوجود سبب الزوجيه بينهما، فيجتمعان كما تجتمع الطهاره الذاتيه مع النجاسه العارضه.

ثم انه لو تزوجت زوجته مع آخر بعد التغير وقبل عود الرجل الذى صار امراه الى الحال الاول، فبعد العود ان قلنا بعينيه الرجل مع الرجل السابق وبقاء الزوجيه السابقه بطل نكاحها مع الثانى من حين العود، وكانت زوجه للزوج الاول من السابق بالسبب السابق، فيعتبر بالعود بقاء زوجيته زوجه الاول بسببه السابق.

ولا منافاه بين هذا الاعتبار واعتبار زوجيتها مع الاخر فى حال تغيير جنسيه زوجها قبل العود الى شكله الاول، لتعدد الاسباب وتعدد زمان الاعتبار، اذ زمان اعتبار زوجيتها للغير غير زمان اعتبار زوجيتها للاول، والزوجيه فى كليهما مستنده الى السبب، ولكن مقتضى تقدم السبب الاول وعينيه الرجل بعد العود مع الرجل السابق هو تاثير السبب الاول فيما بقى، وبطلانه فى الثانى من حين العود، جمعا بين السببين.

لا يقال: ان اللازم هو التفصيل بين النكاح المنقطع والدائم، حيث ان السبب الاول يقتضى زوجيتها للزوج الاول مرسله ومن دون قيد، فاذا بدل الزوج جنسيته وصار امراه لا مجال لاقتضائه زوجيتها فى حال التبدل، لان الزوجيه لا تكون مشروعه الا بين الجنسين المتخالفين، فاذا تبدلت المراه -المتبدله جنسيتها -الى الرجل فحيث ان العرف يحكمون بعينيته مع الرجل الاول فلا يمنع مانع من تاثير السبب الاول فى مقتضاه من الزوجيه مطلقا عدا مده تبدله الى المراه ، فكان السبب الاول منقطع الوسط، ومعه فالسبب الثانى ان كان عقد التمتع فهو ايضا صحيح فى الوسط، ولا يكون معارضا مع سبب عقد النكاح لا قبلا ولا بعدا كما لا يكون السبب الاول معارضا له، لان فى تلك الحال لا مجال لتاثيره لكونهما متجانسين، وان كان النكاح الدائم فالسبب الثانى باطل من اصله، لعدم امكان وقوعه بحسب الواقع بعد فرض عوده المراه الى صوره الرجل، وان كان العاقدان حال وقوع السبب الثانى جاهلين بالامر، حيث لم يكونا يعلمان بعوده المراه المتبدله الى صوره الرجل، اذن قصدا ما لم يقع فى الخارج، فما قصداه لم يقع وما وقع لم يقصداه.

لانا نقول: ان الارسال لم يلحظ فى حال العقد، بل نفس النكاح والدوام من جهه عدم التقيد، فعقد النكاح وقع صحيحا، وانما يرفع اليد عنه بقاء كالفسخ لقوه السبب الاول، وعليه فلا وقع للتفصيل المذكور.

وللّه الحمد اولا وآخرا وظاهرا وباطنا

حول رويه الهلال

القسم الثانى

آيه اللّه الشيخ الخزعلى

 

رويه الهلال نهارا:

عود على بدء يزاح به الابهام ويوضح به المرام، فقد سبق منا ان الشارع الحكيم جعل الهلال ميقاتا للناس بما هو هلال لا برويته - وان كانت الرويه لازمه للعلم به - ولا باهلاله فى بلد بخصوصه وان لم يكن محيص عن رويه اهل البلد.

ويتوهم من ذلك: ان المدعى انه متى تحقق الهلال ترتب عليه آثاره مطلقا فى ليل كان او نهار، وفى ايه ساعه كان من الليل او النهار، لان ذلك مقتضى طبيعه سير القمر الطبيعى فمن علق الامر به لزمه لوازمه، ولا يتفوه به فقيه.

ولكن ما كان هذا بمراد، فانه لا ريب فى ان الناس قبل ظهور الاسلام كانوا قد بنوا امورهم على نظام السنوات القمريه، وقد ادعى ان غالب الامم القديمه كانوا كذلك، والاعراب فى الجاهليه باجمعهم كانوا يتخذون الشهور القمريه فى مواقيتهم، وهولاء لم ينيطوا امرهم بطلوع الهلال كيفما اتفق، بل جعلوا المبدا اول الليل واسقطوا ما كان قبل الليل بساعات وكذلك ما حدث فى اثناء النهار، فربطوا الامر بالهلال وضبطوه بهذا القرار، والشارع اقرهم على ذلك.

يشهد له صحيح حماد: (اذا راوا الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه واذا راوه بعد الزوال فهو لليله المستقبله) فجعل المبدا الليل وحذف الزائد من قبله واتم الناقص من ساعات الليل، فاذا رئى الهلال بعد ساعه من الليل او اقل او اكثر جعل المبدا اول الليل.

واضافه الى ذلك اعتبرت رويه الهلال فى مرحله من الضياء، فيمكن ان يرى بالابصار المتعارفه وتكون رويته لجميع الناس شرعا على حد سواء، دون الابصار الحاده غير المتعارفه ودون ما يرى بالاجهزه المكبره على ما قيل. ولى فيه تامل سيمر بك فيه بعض الكلام ان شاء اللّه تعالى.

اذا اتضح ذلك نقول: يحتمل ان يكون الشارع قيده بالرويه فى بلد وما يقاربه، بحيث اذا رئى فيه رئى فى البلد الاخر وان كان فيه مانع، ويحتمل ان يكون قيده بالرويه فى تمام الليل حتى آخر دقيقه منه فى اى بلد اتفق، فاذا رئى فى موضع بالليل كان ميقاتا لمن غشيه ذلك الليل. اذا كان الاحتمالان سائغين فعلينا ان نتفحص عن الدليل ونتبع ما افادنا. وليعلم كما ذكرنا من قبل ان الرويه طريق الى العلم لا هى ماخوذه فى الموضوع كما هو واضح، وحينئذ ان ظفرنا بدليل يوجب لنا الرويه، وان تكون الرويه فى بلدنا او ما يقاربه نلتزم بلزوم تقارن الافاق وعدم كفايه بلد لبلد آخر لا يتفق معه فى الافق. وان ظفرنا بدليل يوسع لنا ذلك -اما باطلاقه واما بصراحه مفاده - نستفيد منه ان قولهم(ع): (اذا رايتم الهلال فصوموا واذا رايتموه فافطروا) يراد به احد مصاديق الرويه، يعنى ان الرويه فى من غشيه الليل كافيه له ولغيره، فكانه قال: بادروا الى الرويه التى هى طريق للعلم به لكم ولغيركم، ولا معنى اذن ان نصرف الاطلاق الى الافاق المتقاربه ولا ان نصفح عما يدل بصراحته صفحا.

ادله المساله:

وقد قام الدليل - بحمد اللّه - على ذلك بورود روايات معتبره لا تفرق بين البلاد النائيه والقريبه، بل لم نظفر فى الروايات بما يدل على هذا الفرق:

1 - ففى الوسائل: صحيحه هشام بن الحكم عن ابى عبداللّه(ع) انه قال فى من صام تسعه وعشرين، قال: (ان كانت له بينه عادله على اهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رويته قضى يوما).

فقوله(ع): (بينه عادله على اهل مصر) مطلق يشمل القريب والبعيد، ولامعدل عنه. واى محذور عقلى او شرعى يصرف ذاك الاطلاق الى المتقاربه فى الافق؟ اللهم الا اذا كانت الرويه فى البلد او ما يقاربه بخصوصها فرضت علينا، وانى لنا ذلك، باى كتاب ام بايه سنه؟! ولو كان المراد المصر المتقارب فى الافق لبلد السائل لكان على الامام(ع) - وهو بصدد البيان ان يفصح عن ذلك.

2 - وفيه ايضا: محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن شعيب، عن ابى بصير، عن ابى عبداللّه(ع) انه سئل عن اليوم الذى يقضى من شهر رمضان فقال: (لا تقضه الا ان يثبت شاهدان عدلان من جميع اهل الصلاه متى كان راس الشهر. وقال: لا تصم ذلك اليوم الذى يقضى الا ان يقضى اهل الامصار، فان فعلوا فصمه).

وقد استدل به الايه العلم الخوئى(قدس‏سره) وتمسك منه بجملتين: الاولى: قوله(ع): (لا تقضه الا ان يثبت شاهدان عدلان من جميع اهل الصلاه...) قال: فانه يدل بوضوح على ان راس الشهر القمرى واحد بالاضافه الى جميع اهل الصلاه على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقها، ولا يتعدد بتعددها.

الثانيه: قوله(ع): (لا تصم ذلك اليوم الا ان يقضى اهل الامصار)، فانه كسابقه واضح الدلاله على ان الشهر القمرى لا يختلف باختلاف الامصار فى آفاقها، فيكون واحدا بالاضافه الى جميع اهل البقاع والامصار. وان شئت فقل: ان هذه الجمله تدل على ان رويه الهلال فى مصر كافيه لثبوته فى بقيه الامصار من دون فرق فى ذلك بين المتفقه والمتقاربه والمختلفه افقا، فيكون مرده الى ان الحكم المترتب على ثبوت الهلال -اى خروج القمر عن المحاق - حكم لتمام اهل الارض، لا لبقعه خاصه.

3 - وفى الوسائل: صحيحه اسحاق بن عمار، قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن هلال رمضان يغم علينا فى تسع وعشرين من شعبان، فقال: (لا تصمه الا ان تراه، فان شهد اهل بلد آخر انهم راوه فاقضه...). انظر: الملحق رقم «1»

هذا، وتلك الصحيحه باطلاقها تدل على ان الرويه فى بلد تكفى لغيره من البلدان، ولو كان المراد البلد المتقارب لكان ذكر القيد لازما، اذ هو(ع) بصدد البيان.

4 - صحيحه عبدالرحمان بن ابى عبداللّه: وعنه (الحسين بن سعيد)، عن القاسم، عن ابان، عن عبدالرحمان بن ابى عبداللّه، قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن هلال رمضان يغم علينا فى تسع وعشرين من شعبان، فقال: (لا تصم الا ان تراه، فان شهد اهل بلد آخر فاقضه). انظر: الملحق رقم «2»

والمفاد واضح لا يحتاج الى البيان.

5 - ما فى الوسائل - وقد اشار اليه الايه الحجه الگلپايگانى (قدس ‏سره) -: محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، قال: كتب اليه ابو عمر: اخبرنى يا مولاى، انه ربما اشكل علينا هلال شهر رمضان ولانراه، ونرى السماء ليست فيها عله، ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحساب قبلنا: انه يرى فى تلك الليله بعينها بمصر وافريقيه والاندلس، هل يجوز يا مولاى ما قال الحساب فى هذا الباب حتى يختلف العرض (الفرض ظ) على اهل الامصار، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع: (لا صوم من الشك، افطر لرويته وصم لرويته). قال(قدس ‏سره): (ولعل ما اخرجه الوسائل ... تدل على ذلك، لان السائل سال عن قول اهل الحساب برويه الهلال فى الاندلس وافريقيا فيجيب(ع) بانه لا صوم مع الشك، ولا يجيب بان الرويه فى البلاد البعيده لاتكفى).

اقول: فى الروايه نكته اخرى فى الدلاله على هذا الامر، وهى: ان عباره (هل يجوز يا مولاى ما قال الحساب فى هذا الباب حتى يختلف الفرض على اهل الامصار، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟) انما قالها السائل مستنكرا لذلك، كانه كان المعهود عندهم ان الفرض فرض واحد على جميع الامصار فى صيامهم وفطرهم.

روايات رويه الهلال فى النهار وآراء العلماء فى ذلك:

نستعرض فيما يلى الروايات والاخبار الوارده فى ذلك:

منها: خبر محمد بن عيسى: قال كتبت اليه(ع): جعلت فداك، ربما غم علينا هلال شهر رمضان (وفى الاستبصار: الهلال فى شهر رمضان) فنرى الغد الهلال قبل الزوال، وربما رايناه بعد الزوال، فترى ان نفطر قبل الزوال اذا رايناه ام لا؟ وكيف تامر فى ذلك؟ فكتب(ع): (تتم الى الليل، فانه ان كان تاما رئى قبل الزوال).

ومنها: خبر جراح المدائنى: قال: قال ابو عبداللّه(ع): (من راى هلال شوال بنهار فى شهر رمضان فليتم صيامه).

ومنها: المرسل المروى عن بعض الكتب عن امير المومنين(ع): (اذا رايتم الهلال او رآه ذوا عدل منكم نهارا فلا تفطروا حتى تغرب الشمس، كان ذلك فى اول النهار او فى آخره. وقال: لا تفطروا الا لتمام ثلاثين من رويه الهلال او بشهاده شاهدين عدلين انهما راياه).

ذكر ما افاده صاحب الجواهر:

وقد تمسك فى الجواهر بهذه الاخبار على عدم الاعتبار برويته يوم الثلاثين قبل الزوال، ودفع المناقشات الوارده حول اسانيدها ومفادها، وقال بعد ذكر الخبر الاخير: (لا يخفى عليك ما فيه من الاشعار بان المراد من اطلاق الرويه الرويه فى الليل، وحينئذ تكون النصوص المستفيضه او المتواتره - كما قيل- الداله على ان الصوم والافطار للرويه داله على المطلوب ، ضروره ظهورها او صراحتها فى حصر الطريق بذلك...).

ثم قال: (والمناقشه فى ذلك: بان ظهور لفظ الرويه فى الرويه الشائعه المتعارفه لا يدل على عدم اراده غيرها من اللفظ، وانما يقتضى ذلك القطع بارادتها منه، ويتوقف اراده الغير وعدمها على دليل يدل عليه، ومع فرضه لايكون ذلك معارضا له، اذ كما لا يدل اللفظ على اراده الرويه الغير الشائعه فكذا لا يدل على عدم ارادتها، وليس الظهور هنا بمنزله ظهور اللفظ فى المعنى الحقيقى، اذ ذاك يقتضى ارادته خاصه حذرا من لزوم المجاز، بخلافه هنا، فان المفروض دلاله اللفظ حقيقه عليهما معا، الا انه ينساق الى الذهن منهما الشائع المتعارف، فمع فرض دليل يدل على اراده الاخر معه لا يكون منافيا له. فظهر لك ان المعنى الظاهر من اللفظ قسمان: احدهما: الموضوع له اللفظ، وثانيهما: الفرد الشائع من المعنى الموضوع له اللفظ، والاول هو الذى يقتضى عدم اراده غيره، بخلاف الثانى -الذى ما نحن فيه منه - فانه لايعارض ما يدل على اعتبار الرويه قبل الزوال ...

يدفعها: اولا: اقتضاوها اعتبار الرويه قبل الزوال لنفسها لا لكشفها عن صلاحيه الرويه فى الليله السابقه الا انه اتفق المانع من غيم او اخطاه المتطلع او نحو ذلك، وحينئذ ويمكن (فيمكن ظ) دعوى الضروره على خلافه وان المعتبر انما هو الرويه فى الليل دون النهار بالمعنى المزبور. وثانيا: انه بعد تسليم ظهور تلك النصوص فى اراده الحصر وتسليم كون المنساق الى الذهن الرويه الليليه يكون المعنى: لا تصوموا الا للرويه الليليه ولا تفطروا الا لها، فتعارض حينئذ ما دل على اعتبارها قبل الزوال كما هو واضح بادنى تامل... وبالجمله لا يكاد ينكر منصف ظهور تلك النصوص فى عدم اعتبار غير الرويه الليليه...).

ثم قال - ما مفاده:- ودعوى ان الرويه قبل الزوال كاشفه عنها فى الليل ولكن اتفق خطا المتطلع او حصول المانع او نحو ذلك واضحه المنع ان اريد كشفها على جهه العلم، بل لا يدعيها الخصم، ولئن ادعاها كان ردها عليه مفروغا منه وداخله تحت التظنى التى قد استفاضت النصوص او تواترت فى عدم الاعتبار به هنا ان (وان ظ) اريد كشفها على جهه الظن بعد التسليم. ودعوى خروج خصوص هذا الظن للدليل ... كما ترى، اذ ليس هو الا نصوص قد وردت على حسب غيرها مما ورد فى العمل بالجدول والعدد والتطوق ونحوها مما هو مطروح عند الاصحاب، لمعارضه المتواتر من غيرها كما اعترف به الشيخ فى التهذيب مكررا، او محمول على بعض الوجوه التى لا مدخليه لها فيما نحن فيه:

منها: الحسن كالصحيح (بل الصحيح، لان ابراهيم بن هاشم تبين اليوم حاله): حماد بن عثمان عن ابى عبداللّه(ع) قال: (اذا راوا الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه واذا راوه بعد الزوال فهو لليله المستقبله).

ومنها: موثق عبيد بن زراره عنه(ع) ايضا: (اذا رئى الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، واذا رئى بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان).

ومنها: صحيح محمد بن قيس عن ابى جعفر(ع) قال: (قال امير المومنين(ع): (اذا رايتم الهلال فافطروا، او شهد عليه عدل (واشهدوا عليه عدولا) من المسلمين، وان لم تروا الهلال الا من وسط النهار وآخره فاتموا الصيام، وان غم عليكم فعدوا ثلاثين ليله ثم افطروا).

ومنها: موثق (صحيح) اسحاق بن عمار عن ابى عبداللّه(ع) قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن هلال رمضان يغم علينا فى تسع وعشرين من شعبان فقال: (لاتصمه الا ان تراه، فان شهد اهل بلد آخر انهم راوه فاقضه، واذا رايته من وسط النهار فاتم صومه الى الليل).

ومنها: خبر داود الرقى عن ابى عبداللّه(ع) قال: (اذا طلب الهلال فى المشرق غدوه فلم ير فهو هاهنا هلال جديد رئى او لم ير).

ومنها: المرسل عن ابى جعفر(ع): (اذا اصبح الناس صياما ولم يروا الهلال وجاء قوم عدول يشهدون على الرويه فليفطروا، وليخرجوا من الغد اول النهار الى عيدهم). وتتمه الحديث فى الفقيه: (واذا رئى هلال شوال بالنهار قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، واذا رئى بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان).

اقول: هذه جمله ما ورد من الاخبار فى رويه الهلال فى النهار.

ثم قال فى الجواهر: (لكن لا يخفى عليك شذوذ هذه النصوص الفاقد بعضها بعض شرائط الحجيه، وانها كغيرها من نصوص العدد والجدول والتطوق وغيرها، وقد القتها الطائفه واعرضت عنها واستقر عملها قديما وحديثا على نصوص الرويه، فالواجب حينئذ طرحها او حملها على بعض الوجوه ولو بعيدا، لكونه اولى من الطرح، ولذا حمل الشيخ الاولين منها (صحيح حماد وموثق عبيد بن زراره) اللذين هما العمده فى هذا المقام).

اقول: ولم يرتض بمحمل الشيخ فقال: (ولعل الطرح اولى من هذا الحمل، او يحملان على اراده بيان كون ذلك اماره يستفاد منها الظن، وربما تفيد اذا انضمت مع غيرها - كشهاده الواحد او المتعدد ممن لا يعتبر شهادته - حصول القطع، ولعل ذلك هو الوجه فى ذكرها، او ان المراد منها بيان ذلك ليظن السامع ممن يتقى منه الاجتزاء بها وان لم تكن هى كذلك، فتندفع التقيه بذلك).

اقول: قد ظهر من ذلك الكلام بطوله ان هذه الاخبار على كثرتها كانت مطرحا عندهم للبحث، ولكن القتها الطائفه واعرضت عنها والتمست لها محامل وان كانت بعيده، وصار عدم اعتبار الهلال فى النهار من الضرورى عندهم على حد تعبير صاحب الجواهر (قدس‏ سره).

فالمناط هو اعتبار الرويه فى الليل اما فى اوله فى كل افق افق، واما فى الليل فى اى جزء منه وان لم يره كثير من اهل الافاق فى ليلتهم، فاذا رئى فى ليلتهم وثبت لهم كفى ذلك فى صيامهم وفى فطرهم. والغرض من الخوض فى هذا البحث الاخير دفع اعتراضات جمه كانت تاتى من ناحيه اعتبار الروايه فى النهار.

استعراض كلمات الفقهاء:

والان ننقل اليك اقوال العلماء فى المساله:

قال الصدوق(قدس ‏سره) فى المقنع: (واذا رايت الهلال من وسط النهار وآخره فاتم الصيام الى الليل، وان غم عليك فعد ثلاثين ثم افطر. وقال ابو عبداللّه(ع): اذا رئى الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شهر شوال، واذا رئى بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان).

وقال فى الفقيه: (واذا رئى هلال شوال بالنهار قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، واذا رئى بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان). وهى عين عباره المقنع.

وقال السيد المرتضى(قدس ‏سره) فى الناصريات: (اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، هذا صحيح، وهو مذهبنا. واليه ذهب ابوحنيفه ولم يفرق بين رويته قبل الزوال وبعده، وهو قول محمد ومالك والشافعى. وقال ابو يوسف: ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وبعد الزوال لليله المستقبله. وقال احمد فى آخر الشهر مثل قوله، وفى اوله مثل قول من خالفنا، احتياطا للصوم. دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره، وايضا ما روى عن امير المومنين وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وانس انهم قالوا: اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، ولا مخالف لهم).

وقال الحلبى فى اشاره السبق: (فان كانت الرويه له نهارا فهو لمستقبل ليلته لا لماضيها).

وقال الشيخ فى الخلاف: (اذا رئى الهلال قبل الزوال او بعده فهو لليله المستقبله دون الماضيه، وبه قال جميع الفقهاء. وذهب قوم من اصحابنا الى انه ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعده فهو لليله المستقبله، وبه قال ابو يوسف. دليلنا: الاخبار التى رويناها فى الكتاب المقدم ذكره، وبينا القول فى الروايه الشاذه، وايضا قول النبى(ص): (اذا رايتم الهلال فصوموا، واذا رايتموه فافطروا)، وهذا رآه بالنهار، فينبغى ان يكون صومه وفطره من الغد، لانه ان صام ذلك اليوم فيكون قد صام قبل رويه الهلال، وايضا روى ذلك عن على عليه الصلاه والسلام وعمر وابن عمر وانس، وقالوا كلهم: لليله القابله، ولا مخالف لهم، يدل على انه اجماع الصحابه).

وقال فى المبسوط: (ومتى رئى الهلال قبل الزوال او بعده فهو لليله المستقبله دون الماضيه).

وكذلك مذهبه فى التهذيب تراه يعترض على صحيحه حماد وموثقه عبيد ابن زراره وابن بكير، ويحملهما على ان يكون المراد بهما اذا شهد برويته قبل الزوال شاهدان من خارج البلد، ثم استند الى الروايات المعارضه مما لا تعتد برويه النهار مطلقا.

وقال ابن حمزه فى الوسيله: (واذا رئى الهلال بالنهار كان لليله المستقبله).

وقال ابن زهره(قدس‏سره) فى الغنيه: (واذا رئى الهلال قبل الزوال او بعده فهو لليله المستقبله، بدليل الاجماع المتردد، لان من خالف من اصحابنا فى ذلك لم يوثر خلافه فى دلاله الاجماع).

وقال الفاضل فى كشف الرموز: (وفى العمل برويته قبل الزوال او بعده تردد).

وقال المحقق فى المعتبر: (اما رويته قبل الزوال فقد روى به روايات، منها روايه حماد بن عثمان... وروى عبيد بن زراره... فقوه هاتين الروايتين اوجب التردد بين العمل بهما والعمل بما دلت عليه روايه العدلين، وبمثله قال اذن ابو يوسف).

وفى المختصر النافع: (وفى العمل برويته قبل الزوال تردد).

وفى الشرائع: (ولا اعتبار بالجدول ولا بالعدد... ولا برويته يوم الثلاثين قبل الزوال).

وقال العلامه فى المنتهى: (ولا اعتبار برويته قبل الزوال. وقال بعضهم: ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعده فهو للمستقبله، وبه قال الثورى وابو يوسف. والذى اختاره مذهب اكثر علمائنا الا من شذ منهم لانعرفه، وبه قال الشافعى).

وقال فى المختلف: (مساله: قال السيد المرتضى فى المسائل الناصريه - لما ذكر قول الناصر-: انه اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، هذا صحيح، وهو مذهبنا. وقال الشيخ فى الخلاف: اذا رئى قبل الزوال او بعده فهو لليله المستقبله دون الماضيه. وقال ابن الجنيد: ورويه الهلال يوم ثلاثين من رمضان اى وقت كان اذا لم يصح ان الليله الماضيه قد رئى فيها لا يوجب الافطار له، فاذا صحت الرويه فيها افطر اى وقت يصح ذلك عنده من نهار يوم ثلاثين. والاقرب اعتبار ذلك فى الصوم دون الفطر).

وفى القواعد: (ولا عبره بالجدول... ورويته يوم الثلاثين قبل الزوال).

وقال فى التذكره: (اذا رئى الهلال يوم الثلاثين فهو للمستقبله، سواء رئى قبل الزوال او بعده، فان كان هلال رمضان لم يلزمهم صيام ذلك اليوم، وان كان هلال شوال‏لم يجز لهم الافطار الا بعد غروب الشمس، عند علمائنا اجمع، وبه قال مالك والشافعى وابو حنيفه... وقال الثورى: ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعده فهو للمستقبله، وبه قال ابو يوسف، وقال احمد: ان كان فى اول شهر رمضان وكان قبل الزوال فهو للماضيه، وان كان فى هلال شوال فروايتان: احداهما انها كذلك، والثانيه للمستقبله).

وقال الشهيد(قدس ‏سره) فى الدروس: (واجتزا سلار بالواحد فى اوله، والمرتضى برويته قبل الزوال، فيكون لليله الماضيه، لروايه حماد، وهى حسنه لكنها معارضه، وعمل بها الفاضل فى اوله خاصه، فلو لم ير الهلال ليله احدى وثلاثين صام).

وقال فى المسالك: (قوله: ولا بغيبوبه الهلال بعد الشفق، ولا برويته يوم الثلاثين: ذهب بعض الاصحاب الى ثبوته بذلك (اى بغيبوبته)... وكذا لو رئى قبل الزوال يحكم بان ذلك اليوم منه، وانه اذا لم يغب حتى تطوق وتحقق جرمه مستديرا حكم به لليله الماضيه، استنادا الى اخبار شاذه ومعارضه بما هو اصح منها واشهر).

وقال المحقق الاردبيلى(قدس‏سره) فى مجمع الفائده: (والمساله (مساله التطوق) مشكله، كالعمل بالرويه قبل الزوال وبعده على ما تدل عليه حسنه حماد بن عثمان... وروايه عبيد بن زراره وعبداللّه بن بكير... فردهما... مشكل... والظاهر انهما دليلان بعد ثبوت العمل بالخبر الواحد، فقول الشيخ: فهذان الخبران ايضا مما لا يصح الاعتراض بهما على ظاهر القرآن والاخبار المتواتره... لا يخلو عن تامل. ويمكن ان يقال: ليسا بصريحين فى الافطار والصوم، اذ قد يكون لليله المتقدمه مع عدم كون التكليف به الا مع العلم به فى الليل او بالشهود فى النهار، فتامل فيه، وان الظاهر من الرويه هى المتعارفه وانما يكون فى الليل فلا يشمل اخبارها لرويه النهار، ولهذا يعد الزوال غير داخل فيها، ويويده مكاتبه محمد بن عيسى... واحتط وتامل فان المساله من المشكلات).

وقال السيد فى المدارك: (والمساله قويه الاشكال، فان الروايتين المتضمنتين لاعتبار ذلك معتبرتا الاسناد، بل الاولى لا تقصر عن مرتبه الصحيح... ومن ثم تردد فى ذلك المصنف فى النافع والمعتبر، وهو فى محله).

ومال الفيض الكاشانى(قدس‏سره) فى الوافى الى العمل برويته قبل الزوال، وتصدى لجواب كلام الشيخ(قدس‏سره).

وقال المحدث البحرانى - بعدما خاض فى البحث وافاض واشبع الكلام فيه-: (وبالجمله فالمساله فيما عدا ما ذكرناه... محل تردد واشكال).

وفى الرياض - بعد قول المحقق: وفى العمل برويته قبل الزوال تردد - قال: (للماتن هنا وفى المعتبر، قيل: ينشا من الاصل. ودلاله جمله من النصوص على الثانى -الى ان قال- : ولولا موافقه القول المشهور لما عليه جمهور الجمهور لكان القول به مقطوعا به من غير ريبه، الا انه لها ربما لاتخلو المساله عن تردد وشبهه كما عليه الماتن، الا ان مقتضى الاصول حينئذ تعين العمل بما عليه المشهور).

وقال النراقى فى المستند: (الثالثه: اذا راى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه على الاقرب...)، ثم افاض فى البحث لتقويه ما اختار.

وقال الشيخ الكبير كاشف الغطاء فى كشفه: (المبحث الثانى فى بيان ما لاتعويل عليه من الامارات فى دخول الشهر... كخبر العدل الواحد والجدول... ورويته قبل الزوال).

وقال صاحب الجواهر فى جواهره ما قال، وقد مررنا على كلامه الفائض فى البحث حول الروايات.

تحقيق فى بعض كلمات الاصحاب:

ولننظر الى ما مر علينا من كلمات الاصحاب وما عالجوا به اخبار الباب:

منها كلام السيد(قدس ‏سره) فى الناصريات، قال: (المساله 126: اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، هذا صحيح، وهو مذهب اصحابنا. واليه ذهب ابو حنيفه ولم يفرق بين رويته قبل الزوال وبعده، وهو قول محمد ومالك والشافعى. وقال ابو يوسف: ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وبعد الزوال لليله المستقبله. وقال احمد فى آخر الشهر مثل قوله، وفى اوله مثل قول من خالفنا، احتياطا للصوم. دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره، وايضا ما روى عن امير المومنين(ع) وابن عمر وابن عباس(رضى‏اللّه) وابن مسعود وانس انهم قالوا:اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، ولا مخالف لهم).

وقد استفادوا من قوله ذلك انه كان يقول بالفرق بين رويته قبل الزوال وبعده كما يتراءى من ظاهر كلامه، وعدوه احد القائلين بذلك من القدماء.

اقول: لو كان مراده ذلك لما استقام شى‏ء من كلامه، ولما انسجمت تلك الجمل الواقعه فى عبارته، ولما استقام له دليل، ولكاد يكون الاستشهاد به من الموافق مخالفا والمخالف موافقا، بل ولما استقام نفس طرح المساله ايضا، وهاك بيان ذلك:

قال: (اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، هذا صحيح).

وهذا الطرح ناقص، اذ يجب ان يردفه بقوله: (واذا رئى بعد الزوال فهو لليله المستقبله) كما فى كلمات سائر الفقهاء كلهم.

ثم قال: (وهو مذهب اصحابنا).

وهذا لا يصح، اذ ترى العلامه يقول فى التذكره: (اذا رئى الهلال يوم الثلاثين فهو للمستقبله، سواء رئى قبل الزوال او بعده، فان كان هلال رمضان لم يلزمهم صيام ذلك اليوم، وان كان هلال شوال لم يجز لهم الافطار الا بعد غروب الشمس، عند علمائنا اجمع)، وقال فى المنتهى: (ولا اعتبار برويته قبل الزوال... والذى اختاره مذهب اكثر علمائنا الا من شذ منهم لا نعرفه)، وليتامل فى قوله: (لا نعرفه)، وقال ابن زهره من قبله فى الغنيه: (واذا رئى الهلال قبل الزوال او بعده فهو لليله المستقبله، بدليل الاجماع المتردد، لان من خالف من اصحابنا فى ذلك لم يوثر خلافه فى دلاله الاجماع). فمع هذه الحال كيف يقول السيد(قدس‏سره): (وهو مذهب اصحابنا)؟!

ثم قال: (واليه ذهب ابوحنيفه ولم يفرق بين رويته قبل الزوال وبعده، وهو قول محمد ومالك والشافعى).

فقوله: (واليه ذهب) لابد ان يراد به (الى الفرق ذهب)، ولا يستقيم ذلك مع قوله: (ولم يفرق بين رويته قبل الزوال وبعده). فان قلت: اراد به (الى القول بالاعتبار وعده من الليله الماضيه سواء رئى قبل الزوال ام بعده ذهب ابوحنيفه...) فهذا من غرائب الاقوال، ولا اعرف به قائلا، مضافا الى ان قول ابى حنيفه ومالك والشافعى هو القول بعدم الاعتبار بلا فرق بين رويته قبل الزوال وبعده.

قال فى الخلاف: (اذا رئى الهلال قبل الزوال او بعده فهو لليله المستقبله دون الماضيه، وبه قال جميع الفقهاء، وذهب قوم من اصحابنا الى انه ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعده فهو لليله المستقبله، وبه قال ابو يوسف).

وقال فى التذكره - بعد قوله: عند علمائنا اجمع-: (وبه قال مالك والشافعى وابو حنيفه... وقال الثورى: ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعده فهو للمستقبله، وبه قال ابو يوسف).

وقال ابن رشد فى بدايه المجتهد: (واما اختلافهم فى اعتبار وقت الرويه فانهم اتفقوا على انه اذا رئى من العشى ان الشهر من اليوم الثانى، واختلفوا اذا رئى فى سائر اوقات النهار -اعنى اول ما رئى - فذهب الجمهور ان القمر فى اول وقت رئى من النهار انه لليوم المستقبل كحكم رويته بالعشى، وبهذا القول قال مالك والشافعى وابوحنيفه وجمهور اصحابهم، وقال ابويوسف من اصحاب ابى حنيفه والثورى وابن حبيب من اصحاب مالك: اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعد الزوال فهو للاتيه).

فقد رايت انهم كلهم مطبقون ان قول ابى حنيفه ومالك والشافعى هو ان رويه الهلال سواء كانت قبل الزوال او بعده تكون لليله المستقبله، والسيد(قدس‏سره) اتى بارائهم تاييدا لقوله.

ثم قال السيد(قدس‏سره): (وقال ابو يوسف: (ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وبعد الزوال لليله المستقبله).

اقول: لو كان مختار السيد الفرق بين ما قبل الزوال وبعده لعد قول ابى يوسف مويدا له لا مقابلا، وهذا من الوضوح بمكان.

ثم قال: (وقال احمد فى آخر الشهر مثل قوله، وفى اوله مثل قول من خالفنا، احتياطا للصوم).

قال فى التذكره: (وقال احمد: ان كان فى اول شهر رمضان وكان قبل الزوال فهو للماضيه، وان كان فى هلال شوال فروايتان: احداهما انها كذلك، والثانيه للمستقبله، لقوله(ع): صوموا لرويته وافطروا لرويته، وقد راوه، فيجب الصوم والفطر، ولان ما قبل الزوال اقرب الى الماضيه. والمراد فى الخبر: اذا راوه عشيه، بدليل ما لو رئى بعد الزوال، وعلى الروايه التى لاحمد انه عن الماضيه فى اول رمضان يلزمه قضاء ذلك اليوم وامساك بقيته احتياطا للعباده، وهو غلط، لان ما كان لليله المقبله فى آخره فهو لها فى اوله كما لو رئى بعد العصر).

وقال فى المغنى: (مساله: واذا رئى الهلال نهارا قبل الزوال او بعده فهو لليله المقبله. وجمله ذلك ان المشهور عن احمد ان الهلال اذا رئى نهارا قبل الزوال او بعده وكان ذلك فى آخر رمضان لم يفطروا برويته، وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وانس والاوزاعى ومالك والليث وابى حنيفه والشافعى واسحاق، وحكى عن احمد انه ان رئى قبل الزوال فهو للماضيه، وان كان بعده فهو لليله المقبله، وروى ذلك عن عمر رواه عنه سعيد، وبه قال الثورى وابو يوسف، لان النبى(ص) قال: صوموا لرويته وافطروا لرويته، وقد رآه، فيجب الصوم والفطر، ولان ما قبل الزوال اقرب الى الماضيه، ولنا ما روى ابو وائل قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين ان الاهله بعضها اقرب من بعض، فاذا رايتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا او يشهد رجلان انهما راياه بالامس عشيه، ولانه قول من سمينا من الصحابه، وخبرهم محمول على ما اذا رئى عشيه بدليل ما لو رئى بعد الزوال، ثم ان الخبر انما يقتضى الصوم والفطر من الغد بدليل ما لو رآه عشيه.

فاما ان كانت الرويه فى اول رمضان فالصحيح ايضا انها لليله المقبله، وهو قول مالك وابى حنيفه والشافعى، وعن احمد روايه اخرى انه للماضيه، فعلى هذا يلزم قضاء ذلك اليوم وامساك بقيته احتياطا للعباده، لان ما كان لليله المقبله فى آخره فهو لها فى اوله كما لو رئى بعد العصر).

اقول: هذا قول احمد، وكيف يستقيم قول السيد(قدس‏سره): (وقال احمد فى آخر الشهر مثل قوله) اذا رجع الضمير الى ابى يوسف كما هو ظاهر العباره، واحمد لم يفصل فى آخر الشهر؟! نعم، له روايه فى ذلك، واما تفصيله فهو فى اول الشهر. ثم كيف يستقيم قوله: (وفى اوله مثل قول من خالفنا، احتياطا للصوم) وقول احمد فى اوله هل هو الا قول السيد، فكيف ينسبه الى المخالف؟!

ثم قال: (دليلنا الاجماع المتقدم ذكره).

وقد بان حال الاجماع مما مر، وان الاجماع انعقد على عدم اعتبار الرويه نهارا.

ثم قال: (وايضا ما روى عن امير المومنين وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وانس انهم قالوا: اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، ولامخالف لهم).

اقول: كيف يلتئم هذا وقول الشيخ فى الخلاف: (... وايضا روى ذلك (اى عدم الفرق) عن على عليه الصلاه والسلام وعمر وابن عمر وانس، وقالوا كلهم: لليله القابله، ولا مخالف لهم، يدل على انه اجماع الصحابه)؟!

قد علمنا مما مر ان كلام السيد(قدس‏ سره) بهذه العباره المنقوله لا يستقيم حتى فى جمله واحده منه، بل وحتى فى طرح المساله، واظن ظنا يتاخم العلم ان السيد موافق للشيخ تماما وقائل بعدم اعتبار الرويه نهارا، وانما اصاب عبارته السقط والتحريف، واذا قابلنا عبارته بعباره الشيخ واومانا الى ما يظن فيه السقط او التحريف وقومنا العباره يتبين انه من القائلين بعدم الفرق وينسجم ويستقيم تمام كلامه، فلننقل كلام الشيخ(قدس‏سره) ثم نقارن به كلام السيد(قدس‏سره):

قال الشيخ فى الخلاف - كما مر-: (اذا رئى الهلال قبل الزوال او بعده فهو لليله المستقبله دون الماضيه، وبه قال جميع الفقهاء. وذهب قوم من اصحابنا الى انه ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعده فهو لليله المستقبله، وبه قال ابو يوسف. دليلنا: الاخبار التى رويناها فى الكتاب المقدم ذكره... وايضا روى ذلك عن على عليه الصلاه والسلام وعمر وابن عمر وانس، وقالوا كلهم: لليله القابله، ولا مخالف لهم، يدل على انه اجماع الصحابه).

واما قول السيد(قدس‏سره): (اذا رئى الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه) فارى انه سقط منه - بعد قوله: قبل الزوال - (او بعده)، ودخله التحريف فى قوله: (لليله الماضيه)، وانها كانت (لليله القابله)، فتكون العباره بكاملها هكذا:

(اذا رئى الهلال قبل الزوال او بعده فهو لليله القابله، هذا صحيح، وهو مذهبنا. واليه ذهب ابو حنيفه ولم يفرق بين رويته قبل الزوال وبعده، وهو قول محمد ومالك والشافعى. وقال ابو يوسف: انه ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وبعد الزوال لليله المستقبله. وقال احمد فى آخر الشهر مثل قوله (اقول: دخل التحريف فى هذه العباره ايضا، والصواب ان يقال: وقال احمد فى آخر الشهر مثل قولنا، لا مثل قوله) وفى اوله مثل قول من خالفنا، احتياطا للصوم (اترى كيف يستقيم ويحسن الكلام ويتضح المرام حيث يكون المعنى ان احمد اخذ فى آخرالشهر بقولنا وفى آخره بقول من خالفنا؟!) دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره، وايضا ما روى عن امير المومنين(ع) وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وانس انهم قالوا: (اذا رئى الهلال قبل الزوال (اقول: وسقط هنا: او بعده) فهو لليله الماضيه (وهذا ايضا دخله التحريف، والصواب: لليله القابله، كما فى عباره الشيخ) ولا مخالف لهم).

ولعمرى هذا واضح جدا ولا محيص عنه، والا فلا يستفاد من عباره السيد(قدس‏سره) شى‏ء اصلا، بل يتناقض بعضها مع بعض.

نعم، بقى هنا شى‏ء: وهو ان العلامه فى المختلف والشهيد فى الدروس اسندا اليه القول بالفرق كما مر، فهما ايضا فهما من العباره ما فهمه غيرهما، وهم كثير.

اقول: بلى، هولاء الاجله مع اشغالهم الكثيره واستيعابهم مسائل الاسلام فى شتى نواحيها لم تحن لهم فرصه كى يطبقوا الدليل على المدعى ويروا ان ما ذكره بعنوان الموافق مخالف وبعنوان المخالف موافق وسواه مما مر، واخذوا بظاهر العباره كما اخذ كل واحد منا من ذى قبل.

استدراك: والعامه ايضا لم يعتبروا رويه الهلال فى النهار، وقالت المالكيه والحنفيه: انه لليوم الاتى، والعجب ان الشافعيه والحنابله لم يعتبروها اصلا، وقالوا: ان رويه الهلال نهارا لا عبره بها وانما المعتبر رويته بعد الغروب، كما فى الفقه على المذاهب الاربعه، وبذلك عدهما المصنف فى المخالفين.

فى رويه الهلال يوم الثلاثين:

ذهب اكثر الاصحاب الى ان الهلال ان رئى يوم الثلاثين فهو لليله المقبله، وتردد جماعه منهم وقالوا: (ان المساله مشكله جدا من جهه الاخبار المتعارضه.

وذهبت شرذمه قليله الى انه ان رئى قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان رئى بعد الزوال فهو لليله المقبله، لا نعرف منهم الا الصدوق والفيض والسبزوارى والنراقى(قدس‏سرهم)، واخيرا مال اليه الايه الميلانى والايه الحجه الخوئى(قدس‏ سرههما).

قال الشهيد فى المسالك ردا على هذا القول: (... حكم به لليله الماضيه، استنادا الى اخبار شاذه ومعارضه بما هو اصح منها واشهر).

فهناك دعويان: دعوى الشذوذ، ودعوى المعارضه بما هو اصح واشهر.

فالدعوى الاولى: تطرح الاخبار لشذوذها، لان المرتكز فى الاذهان والمعتبر عند المتشرعه هى الرويه بالليل، فلا قيمه لرويه النهار، ولذا قال الاردبيلى(قدس‏سره) فى مجمع الفائده والبرهان: (ان الظاهر من الرويه هى المتعارفه، وانما تكون فى الليل، فلا يشمل اخبارها لرويه النهار).

وقال الشيخ محمد حسن فى الجواهر دفعا لهذه الدعوى: (... اقتضاوها اعتبار الرويه قبل الزوال لنفسها لا لكشفها عن صلاحيه الرويه فى الليله السابقه الا انه اتفق المانع من غيم او اخطاه المتطلع او نحو ذلك، وحينئذ يمكن دعوى الضروره على خلافه وان المعتبر انما هو الرويه فى الليل دون النهار).

ويمكن ان يدعى طرحها باعراض الاصحاب واجماعهم على عدم اعتبار الرويه بالنهار وان كان الاجماع ايضا لاجل تلك النكته. بل لنا ان نقول: هذه مساله اسلاميه التزم بها المسلمون منذ بدء الاسلام، بلا فرق بين السنه والشيعه، ولا بين التابعى والصحابى، كما يشعر بل يدل عليه استدلال السيد والشيخ(قدس‏سرههما) حيث استدلا بالاجماع وشفعاه بقول الصحابه، وجعلاه بين الصحابه بمثابه الاجماع منهم، ولعله اليه يرجع ما افاده صاحب الجواهر من دعوى الضروره.

ومن ذلك نستشعر ما حدا الشيخ الى محمل بعيد حمل عليه صحاح الروايات، قال فى التهذيب - فى خبرى حماد وابن زراره-: (فهذا الخبران ايضا مما لا يصح الاعتراض بهما على ظاهر القرآن والاخبار المتواتره، لانهما غير معلومين (تامل قوله(قدس‏سره): لانهما غير معلومين)، وما يكون هذا حكمه لا يجب المصير اليه، مع انهما لو صحا لجاز ان يكون المراد بهما: اذا شهد برويته قبل الزوال شاهدان من خارج البلد يجب الحكم عليه بان ذلك اليوم من شوال، وليس لاحد ان يقول: ان هذا لو كان مرادا لما كان لرويته قبل الزوال فائده، لانه متى شهد الشاهدان وجب العمل بقولهما، لان ذلك انما يجب اذا كان فى البلد عله ولم يروا الهلال. والمراد بهذين الخبرين: الا يكون فى البلد عله لكن اخطاوا رويه الهلال ثم راوه من الغد قبل الزوال واقترن الى رويتهم شهاده الشهود وجب العمل به).

وهذا المحمل البعيد الجاه اليه شذوذ الخبرين، ولذا قال صاحب الجواهر بعد ذكر هذا المحمل: (ولعل الطرح اولى من هذا الحمل).

هذه هى الدعوى الاولى فى كلام الشهيد(قدس‏سره).

والدعوى الثانيه: انها معارضه بما هو اصح منها واشهر، ومعناها: انا اذا اغمضنا عن الشذوذ ونظرنا الى الخبرين بعين الاعتبار فانه تعارضهما الاخبار الصحيحه والمويده التى ترافقها الشهره:

منها: صحيح محمد بن قيس عن ابى جعفر(ع) قال: (قال امير المومنين(ع): اذا رايتم الهلال فافطروا، واشهدوا عليه عدولا من المسلمين، فان لم تروا الهلال الا من وسط النهار او آخره فاتموا الصيام الى الليل، وان غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم افطروا).

ومنها: خبر جراح المدائنى قال: قال ابو عبداللّه(ع): (من راى هلال شوال بنهار فى رمضان فليتم صيامه).

ومنها: خبر محمد بن عيسى المعتضد بالشهره والاجماع، قال: كتبت اليه(ع): جعلت فداك، ربما غم علينا هلال شهر رمضان فيرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما رايناه بعد الزوال، فترى ان نفطر قبل الزوال اذا رايناه ام لا؟ وكيف تامرنى فى ذلك؟ فكتب(ع): (تتم الى الليل، فانه ان كان تاما رئى قبل الزوال).

قوله(ع): (تتم) امر باتمام الصيام الى الليل، وهو ناظر الى آخر الشهر، فيدل على ان لا عبره برويه الهلال فى النهار، ولو كان ناظرا الى اول الشهر انعكست الدلاله. والدليل على انه ناظر الى آخر الشهر كيفيه السوال، فان من الطبيعى ان يكون السوال فى اول الشهر عن وجوب الصوم فيقال: (اذا رئى الهلال بالنهار فى يوم الثلاثين من شعبان هل علينا ان نصوم؟ وان يكون السوال فى آخر الشهر هكذا: فهل لنا ان نفطر قبل الزوال؟ وهكذا سال السائل. مضافا الى قوله(ع): (فانه ان كان تاما رئى قبل الزوال) فانه لا يلتئم مع اول الشهر، اذ لو كان الشهر تاما لما وجب الصوم فكيف يامر به؟! وانما يلائم آخر الشهر، كانه قال: اتم صيامك وليتم شهرك به، واذا كان الشهر تاما يجوز ان يرى الهلال -هلال الشهر القابل- قبل الزوال.

ومنها: ما نقلناه قبل عن دعائم الاسلام: (اذا رايتم الهلال او رآه ذوا عدل منكم نهارا فلا تفطروا حتى تغرب الشمس، كان ذلك فى اول النهار او فى آخره).

وبالجمله، يستند الى هذه الاخبار المعتضده بالشهره القويه وان كان فى مفاد بعضها كلام ضعيف، كقوله(ع): (وسط النهار).

هذا، ولا عبره بما افاد السيد - قدس اللّه نفسه الزكيه - فى الرياض حيث قال: (والى هذا القول (اى القول باعتبار الرويه قبل الزوال) مال جمله من متاخرى المتاخرين وفاقا للمرتضى فى الناصريه، لصراحه النصوص الداله عليه، مع اعتبار اسانيدها واعتضادها بما مر من الاطلاقات، ومخالفتها لما عليه جمهور العامه كما صرح به جماعه، مع دعوى المرتضى عليه الاجماع من الاماميه والصحابه... ولا يخلو عن قوه لولا شذوذ هذا القول على الظاهر المصرح به فى كلام جماعه كصاحب المنتهى والمسالك والخلاف والغنيه... ودعوى الشهره على هذا القول مستفيضه بل مسلمه، وحينئذ فتقوى الادله الداله عليه ولو ضعفت دلاله، بالاضافه الى النصوص المقابله، والجمع بين الادله ولو بالتقييد او التخصيص فرع المقاومه وهى مفقوده... ولولا موافقه القول المشهور لما عليه جمهور الجمهور لكان القول به مقطوعا به من غير ريبه، الا انه لها ربما لا تخلو المساله من تردد وشبهه).