وما احسن قوله: (لولا شذوذ هذا القول) وما اغلى ما اتى به بعده! واما ما ذكره قبل ذلك من تاييد ذاك القول بقول السيد فى الناصريات وما استفاد منه من الاجماع للاماميه وللصحابه فقد عرفت ما فيه، واما ما دعمه من مخالفه روايات التفصيل لما عليه العامه وضعف به الروايات المقابله فالحق الحقيق بالاتباع عكس ذلك تماما، فان القول بعدم اعتبار رويه الهلال نهارا قبل الزوال او بعد الزوال قول اسلامى بلا صبغه تشيع او تسنن، ويرادف ذلك القول بلزوم الرويه فى الليل التى هى خالصه من كل لون، وان كان قول من العامه يتقى منه وينشا من الاراء فهو قول ابى يوسف واضرابه، ولذا لا يرى فى روايات ما قبل الامام الصادق(ع) من القول بالتفصيل عين ولا اثر، وانما جاء ذلك فى الروايات الصادره عن الامام الصادق(ع) المعاصره لابى يوسف واشباهه، فحمل هذه الاخبار على التقيه اولى والزم. فالقول ما قاله الجمهور، وهو معتضد بتلك الشهره العظيمه والاجماع المسلم، وقد استرحنا من مخالفه السيد(قدس‏سره) وما يستفاد من كلامه من الاجماع المقابل لذلك الاجماع، فما ايده السيد هو المويد، وما خاف منه -بقوله: (ولولا موافقه القول المشهور لما عليه جمهور الجمهور لكان القول به مقطوعا به) - يقال له بتكرمه: اقطع به ولا تخف انك من الامنين.

تم الكلام - بحول اللّه - عن روايات رويه الهلال بالنهار، ووقفنا على شذوذ ما اعتبر الرويه منها عند الاصحاب، وتلخص لنا منها ان الرويه هى رويه الليل، افاد لنا ذلك الروايات التى اعتنى بها الاصحاب، بل والروايات التى حكموا بشذوذها، لان تلكم الروايات الشاذه وان لم يعملوا بها فى مفادها ولكن لا ريب انها ايضا اعتبرت الرويه رويه الليل، وقالت اذا كانت الرويه قبل الزوال فهو لليله الماضيه، وان ابيت فلا محيص من ان تنظر الى شطرها الاخر الذى يعتبر الرويه قبل الزوال لليله المستقبله، فهذا لم يعرضوا عنه.

والمقصود من ذلك البحث بطوله ان الهلال وان كان بمجرد تحققه فى السماء بدايه الشهر ولكنه بدايه الشهر لا بدايه الحساب ولا بدايه احكام ترتبت عليه، وقد تصرف الشارع فى ذلك وجعل بدايه الحساب رويته فى اول الليل، فسقطت الاعتراضات الوارده على رويته بالنهار.

واما الرويه بالليل فليس لنا فى ذلك الا الهلال والرويه، اما الهلال: فهو خروج القمر عن تحت الشعاع، نعم بدرجه يمكن ان تراه الابصار المتعارفه لاالحاده، وتراه الابصار بنفسها لا بالالات المكبره، على ما قيل بل ادعى الاتفاق عليه. واما الرويه: فقد ذكرنا انها طريقيه وليست جزء الموضوع.

اذن، فاذا كان هناك هلال ولكن لا فى النهار وكان قد تعلق به علم - لاتخيل ولا تظن- تحقق الموضوع، فيترتب عليه الحكم.

وعمده ما منع الاذهان من نيل ذلك هو التعلق بالرويه، فيقال: نحن مكلفون بالصيام والفطر عند الرويه، ولا هلال فى افقنا حتى تكون منا الرويه، هذا ولم يكن الهلال كالغروب والطلوع مقيدا بافقنا، ولا الرويه ماخوذه قيدا وجزء للموضوع، وهذا هو الذى يوكد عليه لاتضاح المراد.

وعلى هذا اصر المحقق الخوئى(قدس‏سره) - فيما اجاب به عمده الافاضل السيد محمد حسين الطهرانى(قدس‏سره)فى رساله حول مساله رويه الهلال- قائلا: (فليعلم ان قولنا: بدايه الشهر ببدايه الخروج عن المحاق، لم نقصد منه ان تلك اللحظه مهما كانت فهى بدايه حساب الايام، او مدار نص الفروض والاحكام، كى يرد عليه ما توهم، وانما اردنا بذلك دفع ما توهم ان بدو الهلال كبزوغ الشمس للنهار ظاهره افقيه لسكان الارض، فيهل الهلال فى افق لاناس ليله ثم فى آخر لاخرين ليله اخرى، كما تشرق الشمس فى افق ساعه لقوم ثم لاخرين ساعه اخرى، وهكذا.

فدفعنا الوهم بان بدايه النهار غير بدايه الشهر، اذ الطلوع ظاهره افقيه تحدث من حركه الارض الوضعيه، فتجدد لها آفاق تجاه الشمس، فيتعدد لامحاله نهار لكل افق، فلا يكون نهار قوم نهارا لمن لم يخرج بعد من ظلام الليل، وليس هكذا الهلال، فانه حادث سماوى يحدث من ابتعاد القمر عن تحت الشعاع عده درجات بالقياس الى سكان الارض يبدو لهم منه قوس الهلال...

ولذا ترى فى واقعنا الذى نعيش فيه لو رئى الهلال فى افق من الارض كاسبانيا -على ما مثلت - ولم ير فى طهران، لا يصح ان يقال: صار القمر هلالا فى اسبانيا ولم يصر هلالا فى طهران حين يصح ان يقال: صار الوقت نهارا هنا ولم يصر بعد نهارا هناك، وذلك لارتباط النهار بهما وعدم ارتباط الهلال باى منهما الا فى الرويه لا الهلاليه، فالقمر حينئذ هلال لاسبانيا ولطهران ولاى افق خيمت عليه ليله الرويه. هذا ما اردنا من حديث بدايه الخروج لبدايه الشهر.

اما بدايه الحساب فلابد ان تكون من اول الليل ليله الرويه مهما تحقق الخروج حتى يعلم بوجوده فى السماء بالرويه التى هى الطريق العام الوحيد فى سهوله التناول لكل احد، ولا تكون غالبا الا فى اول الليل او قريبا منه، فيتخذونه بدايه لاوقات شهورهم، (يسالونك عن الاهله قل هى مواقيت للناس والحج)، فمواقيت الناس من الشهر تبدا عندهم من اول ليل يرى فيه الهلال، والشارع قررهم عليه فى احكامه ايضا، يشهد له قول الصادق(ع) فى صحيح حماد: (اذا راوا الهلال قبل الزوال فهو لليله الماضيه، واذا راوه بعد الزوال فهو لليله‏المستقبله)، ونحوه غيره، حيث اضاف الهلال الى الليل وان اتفقت الرويه نادره فى اليوم، فنحن ايضا لا نعدو عن ذلك ولانختلف مع المشهور او معك فيه...

واما النقد: بان لو كان ملاك البدايه ما ذكر فلابد ان يعم جميع الافاق ولايختص بالفوق من الارض... فيدفعه: ان المزيه ما قررنا من اخذ البدايه من الليل ليل الرويه، والليل الذى رئى فيه انما هو الظل الواحد للنصف الجانبى المعاكس لواجهه الشمس كما انت خبير به، وهذا ليس لجميع الافاق، بل للنصف الفوق، والنصف الاخر نهار فى اوقاته غالبا، اعنى غير القطبيه، والنهار دائما تبع ليله السابق فى العد، فلا يكون بحساب هذا الليل بل بحساب الشهر الماضى، فاذا وصل الظل اليه فى دوره لتلك الافاق عدت فيها بالاوليه. وان شئت قلت: ان ليله الرويه ليله واحده باربع وعشرين ساعه يتبعها نهار واحد باربع وعشرين ساعه يعدان اول الشهر، ثم يتبعهما ليال وايام كذلك حتى يتم ثلاثين او تسعه وعشرين، فيكمل شهر واحد، ويتبعه شهور كذلك حتى يتم اثنا عشر شهرا كما فى كتاب اللّه تعالى. واما على المشهور الذى ايدته فكاد ان يتم اربعه وعشرين شهرا على اقل تقدير (وفيه ما فيه) ولا ينبئك مثل خبير.

- ثم قال:- واما ما سلكت من الطريق الى المشهور موجها به دعواهم من اعتبار الرويه فى النصوص جزء للموضوع على نحو الصفتيه حذو تعبيرك، تريد به اختصاص الموضوع بما يكون فى افق كل مكلف لنفسه حسب موضوعيه رويته، غايه الامر وسع الموضوع بدليل كفايه رويه بلد آخر الى الافاق القريبه بدعوى الحكومه، فمن جهه موضوعيه الرويه لا يتعدى الى الافاق البعيده، وبذلك حاولت منع الاطلاق الذى تمسكنا به دليلا للمختار بعد ان اعترفت بعدم قصور اطلاق المقام عن سائر الاطلاقات، فكلتا الدعويين بمعزل عن التحقيق:

اما الاولى - وهى جزئيه الرويه للموضوع يدفعها: ظهور اخذها طريقا الى ما هو تمام الموضوع اعنى دخول الشهر، فانه الذى يستفاد من الكتاب العزيز وجوب الصوم به، حيث قال: (كتب عليكم الصيام -الى قوله:- شهر رمضان)، وكذلك من السنه، وكان الامر بالصوم للرويه لاجل لزوم احرازه لخصوص شهر الصيام وعدم الاكتفاء بالامتثال الظنى او الاحتمالى.

كما يشهد للاول: ذيل صحيحتى ابن مسلم والخزاز وموثق (بل صحيح) ابن عمار، وللثانى: روايه القاسانى.

ويشهد لطريقيه الرويه ايضا امور:

الاول: اعتبار البينه مقامها، فلو كانت جزء بنحو الصفتيه لما استقام قيام البينه مقامها.

الثانى: عد الثلاثين اذا لم تتيسر الرويه والبينه، حيث انه يوجب العلم بخروج السابق ودخول اللاحق.

الثالث: وجوب قضاء صوم يوم الشك الذى افطر لعدم طريق الى ثبوته، فتبين بعد ذلك بالبينه او بالرويه ليله التاسع والعشرين من صومه وجود الشهر فى يوم افطاره، ففات عنه الواجب الواقعى، وهذا ثابت بالنص والفتوى ولا خلاف فينا.

الرابع: اجزاء صومه اذا صامه بنيه شعبان او صوم آخر كان عليه فتبين بعد انه من رمضان معللا فى النصوص بانه يوم وفق له، ولا يخفى ان الاجزاء فرع ثبوت التكليف.

وبالجمله، لا مساغ لاصل الجزئيه، فضلا عن الصفتيه، وانما اخذت طريقا لانها اتم واسهل واعم وصولا لكل احد الى احراز الهلال المولد للشهر الذى هو تمام الموضوع.

نعم، لابد ان يكون وجود الهلال على نحو يمكن رويته بطريق عادى، فلاتكفى الرويه بالعين الحاده جدا او بعين مسلحه بالمكبر او العلم بوجوده بالمحاسبات الرصديه على دون تلك المرتبه، لاستفاده تلك الصفه له من النصوص المعتبره الناطقه بان لو رآه احد لرآه خمسون او لرآه مئه او لرآه الف تعبيرا عن حد ما ينبغى من صفه وجوده، فهذا ايضا مما لا خلاف بيننا فيه، فان كان المراد من الجزئيه هذا التقييد فحرى بالتاييد) انتهى.

وقد نقلنا العباره بطولها للتاكيد على نقاط هامه فى البحث توكد على طريقيه الرويه، وتركز على اطلاق ما ورد من ان الرويه فى بلد تكفى لغيره من البلاد، ولعل البحث بلغ حد الاشباع واتضح المراد.

حكم الرويه بالالات المكبره:

اذا رئى الهلال بالالات المكبره والادوات الرصديه بحيث علم بها وجود الهلال، هل يعتد به ويحسب بدايه الشهر وتترتب عليه الاثار كما لو رئى بالابصار المتعارفه بلا فرق؟ او ان المدار الرويه المتعارفه وبلوغ الهلال الى درجه يمكن ان يراه عموم الناس، كما ورد ان لو رآه احد لرآه خمسون... فلا اعتداد بتلكم الالات بل ولا بالابصار الحاده جدا الخارجه عن متعارف الناس؟

المعنى الاخير هو الذى يتبادر الى الذهن، ويكاد تتفق عليه الانظار، بل قيل: هذا مما لا خلاف بيننا فيه، هذا وفيه للنظر مجال واسع.

فاقول: اذا رآه ذو البصر الحاد وتيقن بالهلال هل لفقيه ان يجزم بان لاشى‏ء عليه، فيجوز له الافطار فى اول شهر رمضان ويوجب عليه الصيام فى آخر الشهر؟ مشكل جدا، بل الحكم بانه اذا تيقن بالهلال فعليه ان يعمل بما هو وظيفه له سهل يسير.

وكذا اذا رآه العدلان من ذوى الابصار الحاده هل ترد شهادتهما ويعامل معها معامله العدم فلا تترتب عليها الاثار؟ مشكل جدا، واحسب ان لا يلتزم به فقيه.

ويشتد الاشكال ان لو اتفق فى ذلك الشهر رويه الهلال فى الليله التاسعه والعشرين، فهناك لاريب فى الاعتداد بما رآه ذو البصر الحاد او بما راته البينه، فانه لا خلاف فى ان الشهر لا يكون انقص من تسع وعشرين، ويحكم بان اول الشهر هو ما ادعته البينه او ما رآه ذو البصر الحاد.

وبمثل ذلك نستشكل على ما اوردوا على الادوات الرصديه، فاذا اعلنوا ان الهلال قد رئى بها او رايناه بانفسنا بمعونه تلك الادوات ولم نره ولا يراه احد بدونها ثم اتفق رويه الهلال فى الليله التاسعه والعشرين من هذا الشهر فهل يشك احد فى ان ما راوه بالادوات كان بدايه الحساب؟ فكيف يدعى بضرس قاطع انه اهملت فى الشرع الرويه بالابصار الحاده وبالادوات المكبره؟! ونقول لمن يهمل هذا الحساب ويتمسك بامور اربعه لتاييد طريقيه الرويه -كما سبق: ان تلك الامور الاربعه كما تويد طريقيه الرويه ولا تدع للرويه بنفسها حسابا اصلا تويد اعتبار رويه الهلال اذا اتفقت وصارت متيقنه لا ريب فيها بايه وسيله كانت، فمن رآه وتيقنه وجب عليه ترتيب الاثار من الصيام والافطار وغيرهما.

نعم، اذا منع فى الروايات عن طريق خاص نسلم لها، ولكن لا اظن المنع الا عن امور ظنيه ولو ظنا متاخما للعلم، ولا احسب انه اذا بلغ مبلغ العلم القاطع بحيث كان كما لو راى شمله المنع، والعلم عند اللّه.

وينبغى ان نمعن النظر فى هذه المساله (مساله الرويه بالابصار الحاده او بالالات المكبره) عسى ان يكون الوقوف عند الروايات والدقه فى تحصيل مفادها يوضح لنا السبيل ويزيح عنا الترديد. وقد سبق منا القول بان ما يتراءى فى المساله بادى ذى بدء ان المعتبر الرويه المتعارفه لغالب الناس، فانهم المخاطبون لها والمقصودون بها، ولاشك انهم لا يلتفتون الى البصر الحاد الخارج جدا عن المتعارف، فضلا عن الادوات المكبره، فالرويه هى ما يزاولها الناس، فاذا رآه واحد رآه خمسون وهكذا، ولقد ادعى الاتفاق على ذلك وانه لاخلاف فى ذلك بيننا.

وقد يشكل ذلك: بانه لو رآه احد وتيقن به يقينا لا يشوبه ريب ولا شك، فهل يجوز له العمل بخلاف ما راى بمجرد انه حاد البصر وموهوب بهذه النعمه؟ مشكل جدا، بل يمكن الاستدلال عليه بالعمومات وبالروايات الخاصه الوارده:

اما العمومات: فما ورد من الروايات العديده المعتبره انه: (اذا رايتم الهلال فصوموا، واذا رايتموه فافطروا، وليس بالراى ولا التظنى ولكن بالرويه). ومثله مطلقات الباب: (فاذا رايت الهلال فصم، واذا رايته فافطر)، وما جاء بعنوان الرويه عن ابى عبداللّه(ع) قال: (الصوم للرويه والفطر للرويه). وهذه الاطلاقات والعمومات لا تقصر عن شمول مورد البحث، ولا نسلم الانصراف عنه.

نعم، لو كان حاد البصر نادرا - كالعنقاء - بحيث يوجد فى كل قرن او قرنين واحد منه لكان له مجال. وليس بذاك، فانه فى كل عصر وفى كل مصر يوجد منهم ازيد من واحد بحيث اذا التفتوا اليه لم يصعب عليهم اشراكه معهم فى الحكم. وعلى هذا فاذا انفرد بالرويه وتيقن الهلال من غير شك فعليه ان يرتب عليه آثاره.

ويويد ذلك ما ورد فى الروايات الخاصه التى تتعرض لرويه من انفرد بذلك:

منها: ما رواه محمد بن على بن الحسين باسناده عن على بن جعفر انه سال اخاه موسى بن جعفر(ع) عن الرجل يرى الهلال فى شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، اله ان يصوم؟ قال: (اذا لم يشك فليفطر، والا فليصم مع الناس). ورواه الشيخ باسناده عن على بن جعفر، الا انه قال: (اذا لم يشك فليصم، والا فليصم مع الناس).

والحديث صحيح عند الصدوق والشيخ(قدس‏سرههما)، وتكون الرويه بحسب نقل الصدوق وقعت فى آخر شهر رمضان، وبحسب نقل الشيخ(قدس‏سره) فى اوله.

ومنها: ما رواه على بن جعفر فى كتابه عن اخيه قال: سالته عمن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، اله ان يصوم؟ فقال: (اذا لم يشك فيه فليصم وحده، والا يصوم مع الناس اذا صاموا).

وهذا يويد ما رواه الشيخ(قدس‏سره)، وهذا المضمون لو لم نقل باختصاصه بذى البصر الحاد فلا اقل من شموله له باطلاقه.

وقد تحصل لنا: ان الروايات العامه ايضا لا تقصر عن شمول مثله، وليت شعرى اى صارف فى المقام يصرف ذلكم الاطلاق؟ اذن فلا معدل عن القول بوجوب ترتيب الاثار على من راى الهلال كائنا من كان. وبذلك نرجع الى الوراء ونجدد النظر فيما كان يبدو لنا بادى بدء من اعتبار الرويه بالابصار المتعارفه.

هذا، واذا رآه رجلان ذوا بصر حاد وكانا عدلين ثقتين يثبت بهما الهلال، وتترتب عليه الاثار عملا بما شهدت به البينه. ويويد ذلك ايما تاييد اذا رئى الهلال فى آخر الشهر فى الليله التاسعه والعشرين، فلا يبقى شك ان ما رآه الرجل او الرجلان كان حقا حقيقا بالتصديق.

هذا، واذا اتسع المجال للقول باعتبار الرويه من ذوى الابصار الحاده يسعنا ان نقول: اذا عثرنا على طلوع الهلال وتيقنا به من الادوات المكبره لاباس بالقول باعتباره، اذ قد زال المانع عن الطريق وهى الرويه المتعارفه، وانتقلنا بذلك الى كفايه الوقوف على طلوع الهلال كما اذا شهدت به البينه الكذائيه.

نعم، اذا احتمل ان تكون الاداه المكبره ذات دخل فى الرويه - بان لا يكون الهلال فى الافق وانما الاداه بتصرفها تصرفا، كان تودى الى انكسار النور، ترينا الهلال ففى هذه الصوره لا اعتبار به قطعا، وهو خارج عن الفرض، وانما البحث فيما اذا علمنا بوجود الهلال فى الافق فى الحال الحاضر وتكون الاداه لا اثر لها الا التكبير واراءتها ما لا يرى بابصار الناس فحسب، فيقوى فى النظر والحال هذه ان نرتب الاثار ولا نفرق بين الرويه الحاصله بها والحاصله بغيرها، والعلم عند اللّه، وله الحمد اولا واخيرا.

الملحق رقم / 1 /

وهذه الروايه هى صحيحه فى نظر الايه الحجه الخوئى(قدس‏سره)، وكنت انا ارى الخبر كما يراه غيرى موثقا باسحاق، حتى فاجاتنى هذه العباره فى كلام مثله ممن لا يلقى الكلام على عواهنه، فقمت بالامر بتوفيق منه سبحانه فاذا باسحاق بن عمار بن موسى الساباط‏ى -الذى يرمى بالفطحيه ومن اجله يخرج الخبر من الصحه الى الوثاقه - هو اسحاق بن عمار بن حيان الصيرفى الثقه، بل ليس لنا اسحاقان، وانما هو فى الرجال والاخبار اسحاق واحد ثقه حفيد حيان لا حفيد موسى، وانما جرى على قلم شيخ الطائفه(قدس‏سره) كلمه (الساباط‏ى)، وتخيله بعضهم ابن موسى، فجرى على الاذهان ما جرى.

وقد قام بهذا التحقيق المحقق التسترى(قدس‏سره)، وتبعه الايه الخوئى فى معجم رجال الحديث، فانه بعدما حقق الامر وحكم هنا بالصحه وانكر ان يكون لنا اسحاقان سبق على قلمه كلمه (موثق) فى جواب العلامه السيد محمد حسين الطهرانى فيما تفاوضا حول مساله الهلال، قال: (وموثق ابن عمار)، اشاره الى خبره فى الوسائل، وهو هذا: وعنه (الحسين بن سعيد)، عن فضاله، عن سيف بن عميره، عن اسحاق بن عمار، عن ابى عبداللّه(ع)... فليتنبه له.

الملحق رقم / 2 /

والروايه ضعيفه بالقاسم بن محمد الجوهرى، اذ لم يرد فيه توثيق، ولكن الايه الخوئى اتعب نفسه فى توثيقه وتصحيح السند به، قال: انه من رواه كامل الزيارات، ونص كلامه: (فالصحيح ان يتمسك فى الحكم بوثاقته بشهاده ابن قولويه)، ومن اجل ان رواته ثقات يركن اليه فتصح روايته. ولكن سمع انه عدل عنه بعد ذلك، واعلن عن رايه الاخير فى ورقه نشرها فى اوساط الحوزات العلميه.

واقول: نعم، هناك سبيل آخر الى توثيقه، وهو نقل ابن ابى عمير والبزنط‏ى وصفوان عنه، وقد اشتهر انهم لا ينقلون الا عن ثقه، وتلقى ذلك بالقبول جمع غير قليل طيله قرون، اضراب المحقق والشهيد، ويتجاوز عدد هولاء العشره، فان حصلت طمانينه من ذلك فبها والا فالضعف على حاله، ولكن الايه الخوئى لا يعتد بذلك، فالحديث غب رايه الاخير الذى اعلنه باق على ضعفه.

الذباحه واحكامها

القسم الاول  

آيه اللّه السيد طاهرى خرم ‏آبادى

الكلام فى الذباحه يقع فى: الذابح، والاله، وكيفيه الذبح، وبعض الاحكام المتعلقه به، فى ط‏ى فصول:

الفصل الاول

فى شرائط الذابح

يقع البحث فى عده مباحث:

الاول: فى ذباحه الكافر غير المشرك والكتابى من الدهرى وغير المعتقد بالصانع الحكيم والوثنى.

الثانى: فى ذباحه المشرك الذى يكون شركه فى العباده.

الثالث: فى ذباحه المنتحلين لاحد الاديان السماويه كاليهود والنصارى الذين يسمون باهل الكتاب والمجوس ان كانوا من اهل الكتاب.

الرابع: فى ذباحه المسلم غير المومن بالولايه.

الخامس: فى ذباحه من حكم بكفرهم من المسلمين كالمشبهه وغيرهم.

السادس: فى ذباحه الناصب المعلن بالعداوه لاهل البيت(ع).

المبحث الاول

فى ذباحه الكافر غير المشرك والكتابى من الدهرى وغير المعتقد بالصانع الحكيم والوثنى

والظاهر عدم الخلاف بين المسلمين فى عدم اباحه ذباحه غير الكتابى من اصناف الكفار، وكذلك المرتد عن الاسلام.

نبذه من كلمات الفقهاء:

قال ابن حزم: (مساله: ولا يحل اكل ما ذكاه غير اليهودى والنصرانى والمجوسى ولا ما ذكاه مرتد الى دين كتابى او غير كتابى، ولا ما ذكاه من انتقل من دين كتابى الى دين كتابى، ولا ما ذكاه من دخل فى دين كتابى بعد مبعث النبى(ص)، لان اللّه تعالى لم يبح لنا الا ما ذكيناه او ذكاه الكتابى كما قدمناه، وكل من ذكرنا ليس كتابيا، لان كل من كان على ظهر الارض من غير اهل الكتاب ففرض عليهم ان يرجعوا الى الاسلام -اذ بعث اللّه تعالى محمدا(ص) به -او القتل، فدخوله فى دين كتابى غير مقبول منه ولا هو من الذين امر اللّه تعالى باكل ذبائحهم. والمرتد منا اليهم كذلك، والخارج من دين كتابى الى دين كتابى كذلك، لانه انما تذمم وحرم قتله بالدين الذى كان آباوه عليه، فخروجه الى غيره نقض للذمه لا يقر على ذلك، وهذا كله قول الشافعى وابى سليمان).

وقال ابن قدامه: (فصل: وحكم سائر الكفار من عبده الاوثان والزنادقه وغيرهم حكم المجوس فى تحريم ذبائحهم وصيدهم، الا الحيتان والجراد وسائر ما تباح ميتته).

وفى الفقه على المذاهب الاربعه: (ان الحنفيه والمالكيه والشافعيه والحنابله كلهم قالوا باشتراط ان يكون الذابح مسلما او كتابيا، لا مجوسيا ولا وثنيا ولا مرتدا ولا زنديقا، فلا تحل ذبيحه هولاء وكل من لا يدين بكتاب، اخذا من مفهوم قوله تعالى: (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم)، اى فلا يحل لكم طعام غيره).

وعند فقهاء الاماميه ان الذباحه لا يجوز ان يتولاها غير المسلمين، فمتى تولاها كافر من اى اجناس الكفار فلا يجوز اكل ذبيحته، سمى على ذبيحته او لم يسم، كما عن الشيخ فى النهايه.

وفى الخلاف - ضمن البحث والاستدلال لحرمه ذبائح اهل الكتاب - قال: (وايضا فهم ان ذكروا اسم اللّه فهم لا يعتقدون وجوب ذلك، والمراعى فى ذلك اعتقاد وجوبه، الا ترى انه لو ذكر اللّه الوثنى او المجوسى لم يحل اكله بلا خلاف).

ومورد كلامه وان كان الوثنى والمجوسى لكن الظاهر انهما من باب المثال لمن لا يعتقد وجوب التسميه. والمراد من عدم الخلاف: عدم الخلاف فى هذا الحكم بين المسلمين.

وقال فى الغنيه: (ولا تحل ذبائح الكفار، لانهم لا يرون التسميه فرضا ولا سنه، ولانهم لو سموا لما كانوا مسمين للّه تعالى لانهم غير عارفين به سبحانه، ولا فى حكم العارفين، ولا يلزم على ذلك تحريم ما يذبحه الصبى الذى يحسن الذبح، لانه غير كافر، وفى حكم العارف).

و ظاهركلامه ان الكافر لاجل عدم عرفانه باللّه تعالى لا يحل ذبيحته وان سمى باللّه، اذ لا بد وان تكون التسميه واقعا عن اعتقاد وعرفان باللّه تعالى.

وقال فى المراسم: (الذبائح: لا بد فى ذلك من التسميه، والتوجه الى القبله، وان يكون المتولى لذلك مسلما).

وقال المحقق: (اما الذابح فيشترط فيه: الاسلام او حكمه، فلا يتولاه الوثنى، فلو ذبح كان المذبوح ميته، وفى الكتابى روايتان، اشهرهما المنع، فلا توكل ذباحه اليهودى ولا النصرانى ولا المجوسى، وفى روايه ثالثه توكل ذباحه الذمى اذا سمعت تسميته، وهى مطروحه.

وتذبح المسلمه، والخصى، والجنب، والحائض، وولد المسلم وان كان طفلا اذا احسن، ولا يشترط الايمان، وفيه قول بعيد باشتراطه، نعم لا يصح ذباحه المعلن بالعداوه لاهل البيت(ع) كالخارجى وان اظهر الاسلام).

وقال العلامه: (المشهور عند علمائنا تحريم ذبائح الكفار مطلقا، سواء كانوا اهل مله كاليهود والنصارى والمجوس او لا، كعباد الاوثان والنيران وغيرهما، ذهب اليه الشيخان والسيد المرتضى وسلار وابن البراج وابوالصلاح وابن حمزه وابن ادريس).

و قال الصدوق :(و لا تاكل ذبيحه من ليس على دينك فى الاسلام).

وقال الشهيد الثانى: (اتفق الاصحاب بل المسلمون على تحريم ذبيحه غير اهل الكتاب من اصناف الكفار، سواء فى ذلك الوثنى وعابد النار والمرتد وكافر المسلمين كالغلاه وغيرهم).

وقال السيد الطباطبائى: (ولا خلاف فى من عدا الكتابى، بل فى المسالك وغيره ان عليه اجماع المسلمين).

وقال النراقى: (يشترط فى الذابح الاسلام او حكمه كالمتولد منه، فلا يحل ذبائح اصناف الكفار، سواء كان من غير الكتابى كالوثنى وعابد النار واصناف الهنود والمرتد وكافر المسلمين كالغلاه وغيرهم، او من الكتابى، بلا خلاف فى الاول، بل عليه الاجماع، بل اجماع المسلمين فى عبارات المتقدمين والمتاخرين، بل هو اجماع محقق).

وفى الجواهر: (اما الذابح فلا خلاف فى انه يشترط فيه الاسلام او حكمه، على معنى ما اشار اليه بقوله: فلا يتولاه الوثنى وغيره من الكفار غير الكتابى وان كان من كفار المسلمين كالمرتد والغلاه والخوارج والنصاب ونحوهم... وعلى المشهور شهره عظيمه على معنى انه لا يتولاه الكافر مطلقا وان كان كتابيا وجاء بالتسميه).

هذه نبذه من كلمات الاصحاب فى المساله. وكل من اشترط فى الذابح الاسلام او الايمان او صرح بحرمه ذبيحه الكتابى او مطلق الكفار فظاهره حرمه ذبيحه جميع اصناف الكفار.

وبالجمله: الظاهر انه لا خلاف بين المسلمين فى حرمه ذبائح غير اهل الكتاب من اصناف الكفار، كالدهرى والوثنى والمشرك وغيرهم.

ومع ذلك كله يستفاد من كلام المفيد ان المدار فى التحريم عدم اعتقادهم بفرض التسميه فرضا ولا سنه، حيث قال: (واصناف الكفار من المشركين واليهود والنصارى والصابئين لا يرون التسميه على الذبائح فرضا ولا سنه، فذبائحهم محرمه بمفهوم التنزيل حسب ما اثبتناه).

وظاهر مفهومه ان الكافر لو اعتقد التسميه فرضا او سنه وسمى على الذبيحه حلت ذبيحته، بل الظاهر ان الاعتقاد والرويه ايضا مقدمتان لوقوع التسميه على الذبيحه، وعدم اعتقادهم بها فرضا ولا سنه اماره على عدم وقوعها، فلذلك حرمت ذبائحهم.

ولكن قال فى ذيل كلامه هذا: (وذبائح المرتدين وان اعتقدوا التسميه عليها محرمه بالاجماع).

وقال فى (رساله تحريم ذبائح اهل الكتاب) بما ملخصه: ان المراد بالتسميه هو تسميه المتدين بفرضها على ما تقرر فى شريعه الاسلام، مع المعرفه بالمسمى المقصود بذكره عند الذبيحه استباحتها، دون من عداه ممن انكر فرضها وتلفظ بها لغرض له دون التدين، وكذا المرتد عن اصل من الشريعه مع اقراره بالتسميه واستعمالها واقراره بسائر ما سوى الاصل، وكذا دون ذبيحه المشبه وان سمى ودان بفرضها عند الذبيحه متدينا، فالمراد بالتسميه عند الذكاه ما وصفناه من التدين بفرضها على شرط مله الاسلام، والمعرفه بمن سماه.

وكلامه فى الرساله صريح فى اشتراط الاسلام والمعرفه بمن سماه على الذبيحه، وانه لا يراد بالتسميه مجرد التلفظ بها من دون اعتقاد بالمسمى بها.

واما كلامه فى المقنعه فلا يخلو من دلاله على ان المدار فى الاستباحه وقوع التسميه بها، ولكن من المعلوم جدا انه لا يراد صرف التلفظ بها من دون اعتقاد بمن سماه، وعليه فيخرج عن هذا المدلول مثل الدهرى المنكر لوجود الصانع وكذا المرتد عن الاسلام بانكار الصانع، واما غير المنكر للّه تعالى ممن يعتقد باصل وجود الصانع من صنوف الكفار والمرتدين وكذا اهل الكتاب الذين يعتقدون باللّه تعالى اذا سموا على الذبيحه مع اعتقاد بالمسمى، فالظاهر دخولهم فى مفهوم كلامه، واللّه العالم.

ولعل ظاهر التعليل الواقع فى ما تقدم من كلام ابن زهره فى الغنيه ايضا ان المدار فى الاستباحه على التسميه مع المعرفه، ولازمه اباحه ذبيحه بعض صنوف الكفار اذا كانوا عارفين باللّه سبحانه وتعالى مع تسميتهم على الذبيحه عند الذبح.

وكلام الشيخ فى الخلاف ظاهر فى اعتبار اعتقاد الوجوب فى التسميه، ومقتضى ذلك حليه ذباحه بعض اصناف الكفار من فرق المسلمين كالمشبهه والغلاه والنواصب وغيرهم ممن يعتقد بوجوب التسميه وان كان كافرا من جهه انكار اصل من الاصول او ضرورى من الضروريات. بل مقتضاه حليه ذبيحه الكافر من غير فرق المسلمين اذا كان عارفا باللّه ويعتقد بوجوب التسميه على الذبيحه كما حكى ذلك عن اليهود فاذا ثبت انهم سموا على ذبائحهم ويرونها فرضا حلت ذبيحتهم.

وبالجمله، لا ظهور لكلام المفيد ولا الشيخ فى الخلاف ولا ابن زهره فى اعتبار الاسلام فى الذابح بنفسه.

نعم، ظاهر كلام الشيخ فى النهايه، وابى الصلاح فى الكافى، وابن البراج فى المهذب، وابن حمزه فى الوسيله، وسلار فى المراسم، وابن ادريس فى السرائر، والمحقق فى الشرائع والمختصر، والسيورى فى التنقيح، والفاضل فى كشف الرموز، والشهيد الاول فى الدروس واللمعه، وابن فهد الحلى فى المهذب البارع، والعلامه فى الارشاد والقواعد والتحرير، وعامه المتاخرين، هو اعتبار الاسلام بنفسه فى الذابح، وانه شرط مستقل فى عرض سائر الشرائط، لا ان يكون الشرط امرا آخر ويكون الاسلام اماره على تحقيق ذلك الامر.

فانقدح بما ذكرنا: ان حرمه ذبيحه الملحد المنكر للصانع مما لا خلاف فيها حتى على قول الصدوق القائل باباحه ذبيحه الكفار اذا ذكروا اسم اللّه عليها، وحتى على فرض دلاله كلام المفيد فى المقنعه والشيخ فى الخلاف وابن زهره فى الغنيه، على ان المعيار فى الاستباحه وقوع التسميه على الذبيحه، لان المعتبر - قطعا - عند هولاء وقوعها ممن يعتقدها تسميه وذكر اسم اللّه عليها مع اعتقاده بالمسمى، لا ممن لا يعتقد باللّه ويتلفظ بها من غير اعتقاد، بل ظاهر كلام الشيخ اعتبار الاعتقاد بوجوبها، وعلى هذا فالمنكر للصانع لا تحل ذباحته وان ذكر اسم اللّه عليها.

وظهر ايضا: ان المشهور شهره عظيمه اعتبار الاسلام فى الذابح بنفسه، وانه شرط مستقل فى عرض سائر الشروط، بل عليه اجماع المتاخرين، وفى الجواهر: (استقر الاجماع فى جمله من الاعصار المتاخره عن زمن الصدوقين على ذلك).

ولعل ما يتراءى من كلام المفيد والشيخ وابن زهره من الموافقه للصدوق فى غير محله، وسياتى توجيه كلامهم فى بحث ذبائح اهل الكتاب.

وكيف كان فالعمده بيان الادله.

ادله اباحه ذبائح الكفار:

نقول: يمكن ان يستدل على اباحه ذبيحه الكفار وعدم اعتبار شى‏ء من جهه الاعتقاد فى الذابح بايات من الكتاب، بل هذه الايات لو ثبت اطلاقها او عمومها كانت هى المرجع والاصل فى جميع موارد الشك فى اعتبار شى‏ء فى الذباحه عند عدم الدليل عليه، وهى على طوائف:

الطائفه الاولى: الايات الداله على جواز الاكل مما فى الارض ومما رزق اللّه وحليته، وهى:

1 - قوله تعالى: (يا ايها الناس كلوا مما فى الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين × انما يامركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على اللّه ما لا تعلمون).

2 - قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل اللّه لكم ولا تعتدوا ان اللّه لا يحب المعتدين × وكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا واتقوا اللّه الذى انتم به مومنون).

3 - قوله تعالى: (فكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا واشكروا نعمه اللّه ان كنتم اياه تعبدون).

بيان الاستدلال:

ان امر الناس بالاكل مما فى الارض او مما رزقهم اللّه ترخيص وتحليل - بمقتضى اطلاق متعلقه - لاكل جميع ما فى الارض او ما رزقهم اللّه.

والمراد بالاكل: اما معناه المتعارف وهو التغذى، وحيث لا معنى عرفا للاكل بهذا المعنى الا فى الماكولات لا كل ما يمكن ان يوكل كالتراب والخشب والاحجار ونحوها مما لا يتعارف اكله ولم يعد من الماكولات، فمتعلق الحل خصوص ما يوكل عرفا، فكانه قال: كلوا من الماكولات الموجوده فى الارض او التى رزقكم اللّه اياها، ولا يستفاد منها عند العرف حليه اكل كل شى‏ء يمكن ان يوكل.

واما ان يكون المراد به معناه الكنائى، وهو مطلق التصرف فى ما رزقكم اللّه وما فى الارض، سواء كان بالاكل او غيره من انحاء التصرفات، كما كنى به فى قوله تعالى: (لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل).

ثم اكد الترخيص بقوله: (حلالا طيبا)، اى اكلا حلالا طيبا، وعلى التقديرين يستفاد منها - بمقتضى الاطلاق حليه اكل لحوم الحيوانات التى لا تستقذرها الطبائع السليمه، وكانت من الماكولات عاده، فيتمسك باطلاقها فى كل مورد شك فى اعتبار شى‏ء فى حليه اكل الحيوان - كاسلام الذابح مثلا ولم يثبت بدليل.

قال العلامه الطباطبائى فى الميزان: (فقوله تعالى: (كلوا مما فى الارض حلالا طيبا) يفيد الاباحه العامه من غير تقييد واشتراط فيه).

ويرد عليه:

اولا: ان الايات الثلاث ليست فى مقام بيان التحليل، بل فى مقام الردع عن تحريم بعض الناس لبعض الاشياء على انفسهم وامتناعهم عن اكله افتراء على اللّه، فبين اللّه سبحانه ان ما كان حلالا طيبا من الارزاق ومما فى الارض لا وجه للامتناع من اكله وتحريمه من غير دليل عليه.

ويشهد لذلك:

اما فى الايه الاولى فقوله تعالى فى ذيل الايه: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين).

واما فى الايه الثانيه فقوله تعالى فى صدرها: (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل اللّه لكم)، يبين ان المراد من الامر بالاكل فى الايه التاليه وهى قوله تعالى: (وكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا) ونظائرها من الايات، والمقصود الاصلى منها النهى عن تحريم ما احل اللّه من الطيبات وردع من امتنع من اكله وحرمه على نفسه.

واما فى الايه الثالثه فقوله تعالى بعد ذلك: (ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام).

وعلى هذا، فقوله تعالى: (حلالا) فى الايات الثلاث حال من قوله: (مما فى الارض) او من قوله: (مما رزقكم اللّه)، والمراد منه الحليه الشرعيه ظاهرا، والمعنى - واللّه اعلم-: كلوا مما فى الارض او مما رزقكم اللّه فقد جعله اللّه لكم حلالا طيبا، فلا وجه ولا دليل لامتناعكم عن بعض الاشياء الطيبه وتحريمها على انفسكم، والحال ان اللّه قد جعله لكم حلالا طيبا، فذلك من خطوات الشيطان، وقول بغير علم، وتشريع قبال تشريع اللّه. فمفاد الامر بالاكل فى الايات الثلاث عين مفاد قوله تعالى فى سوره المائده: (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل اللّه لكم)، فقوله: (حلالا طيبا) يساوق قوله: (طيبات ما احل اللّه لكم) فى تلك الايه.

وبناء على هذا، ليست الايات بصدد تحليل جميع الماكولات والطيبات، بل بصدد المنع عن تحريم ما احل اللّه من الطيبات والافتراء على اللّه والكذب عليه والقول على اللّه بغير علم.

والامر بالاكل ليس لبيان الترخيص وتشريع الحليه، بل من قبيل الامر الواقع عقيب توهم الحظر او للردع عن التحريم تشريعا وافتراء، فكانه قال: لا تحرموا شيئا مما احله اللّه ولا تمتنعوا من اكله.

وعلى هذا، فلا اطلاق للايات حتى يتمسك بها عند الشك فى حرمه شى‏ء او اعتبار شرط فى حليه اكل شى‏ء.

وثانيا: لو سلم دلاله الايات على حليه جميع الماكولات، فلابد من تقييدها بما ورد من تحريم الميته فى سائر الايات لو كان المراد منها غير المذكى، مثل قوله تعالى فى سوره البقره - بعد قوله: (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)-: (انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير اللّه)، وهذه الايه كالقرينه المتصله والقيد المتصل لقوله تعالى: (يا ايها الناس كلوا مما فى الارض حلالا طيبا)، اذ ليس بين الايتين فصل طويل ولا كلام اجنبى خارج عن موضوع البحث فى الايات.

ومثل قوله تعالى فى سوره النحل - بعد قوله: (فكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا)-: (انما حرم عليكم الميته والدم ...)، وليس بين الايتين فصل، فهو تقييد متصل.

ومثل قوله تعالى فى سوره المائده: (حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير...)، وسياتى البحث عن قريب عن مفاد الميته.

ويويد ما ذكرنا فى بيان الايات ما ورد فى الروايات من سبب نزول بعض هذه الايات، ففى تفسير على بن ابراهيم -فى قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل اللّه لكم) - قال: حدثنى ابى، عن ابن ابى عمير، عن بعض رجاله ، عن ابى عبداللّه(ع)، قال: (نزلت هذه الايه فى امير المومنين وبلال وعثمان بن مظعون، فاما امير المومنين(ع) فحلف ان لا ينام بالليل ابدا، واما بلال فانه حلف ان لا يفطر بالنهار ابدا، واما عثمان بن مظعون فانه حلف ان لا ينكح ابدا، فدخلت امراه عثمان على عائشه - وكانت امراه جميله - فقالت عائشه: ما لى اراك متعطله؟ فقالت: ولمن اتزين؟! فواللّه ما قربنى زوجى منذ كذا وكذا، فانه قد ترهب ولبس المسوح وزهد فى الدنيا، فلما دخل رسول اللّه(ص) اخبرته عائشه بذلك، فخرج فنادى: الصلاه جامعه، فاجتمع الناس، فصعد المنبر فحمد اللّه واثنى عليه، ثم قال: ما بال اقوام يحرمون على انفسهم الطيبات، الا انى انام الليل، وانكح، وافطر بالنهار، فمن رغب عن سنتى فليس منى، فقام هولاء فقالوا: يا رسول اللّه قد حلفنا على ذلك، فانزل اللّه: (لا يواخذكم اللّه باللغو فى ايمانكم ولكن يواخذكم بما عقدتم الايمان...)الايه).

وفى الاحتجاج للطبرسى(رحمه اللّه) عن الحسن بن على (ع) حديث طويل يقول فيه لمعاويه واصحابه: (انشدكم باللّه، اتعلمون ان عليا اول من حرم الشهوات كلها على نفسه من اصحاب رسول اللّه(ص)، فانزل اللّه عز وجل: (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل اللّه لكم ولا تعتدوا ان اللّه لا يحب المعتدين × وكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا واتقوا اللّه الذى انتم به مومنون)).

وفى تفسير ابن كثير عن ابن عباس: ان رجلا اتى النبى(ص) فقال: يا رسول اللّه، انى اذا اكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وانى حرمت على اللحم، فنزلت (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل اللّه لكم).

وفيه ايضا عن مجاهد، قال: (اراد رجال منهم: عثمان بن مظعون وعبداللّه بن عمرو ان يتبتلوا ويخصوا انفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الايه الى قوله: (واتقوا اللّه الذى انتم به مومنون)).

وروى نحوه عن ابن جريح عن عكرمه -ثم قال بعد نقل القصه-: (وقد ذكر هذه القصه غير واحد من التابعين مرسله، ولها شاهد فى الصحيحين من روايه عائشه ام المومنين).

الطائفه الثانيه: الايات الداله على جواز اكل الطيبات جميعا، وهى:

1 - قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا للّه ان كنتم اياه تعبدون × انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير اللّه).

2 - قوله تعالى: (يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ...).

3 - قوله تعالى: (اليوم احل لكم الطيبات).

4 - قوله تعالى: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).

5 - قوله تعالى: (قل من حرم زينه اللّه التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق...).

6 - قوله تعالى: (يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم).

بيان الاستدلال:

ان الطيب كما فى المفردات: (ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس)، فهو مقابل الخبيث: اى ما يلائم النفس ولا ينفره الطبع، والمراد منه فى الايات ليس خصوص الطيب الشرعى بل الطيب العرفى ايضا.

واطلاق الايه الاولى وعموم الاخيره يقتضيان حليه اكل جميع الطيبات، وسائر الايات تدل على حليه الطيبات، ومقتضى اطلاق الحليه واسنادها الى الطيبات جواز اكل ما يوكل منها، والحيوان المذبوح على الطريقه المالوفه العرفيه طيب عرفا، فيجوز اكله، واذا شككنا فى اعتبار شى‏ء فى حليته شرعا ولم يثبت بدليل نرجع الى هذه الايات الداله باطلاقها او عمومها على حليه اكل الطيب.

والانصاف ان الايه الاولى لا اطلاق لها، كما انه لا عموم لها، اما العموم: فواضح، واما الاطلاق: فلانها ليست فى مقام بيان الترخيص والحليه، بل فى مقام الردع عن تحريم بعض الطيبات والامتناع من اكلها، اذ الايه واقعه فى سياق قوله تعالى: (يا ايها الناس كلوا مما فى الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين)، وقد تقدم انها كانت بصدد الردع عن تحريم بعض الناس لبعض الاشياء على انفسهم، وانما الفرق بينهما ان الخطاب فيها للمومنين، وفى تلك الايه لجميع الناس.

قال سيدنا الاستاذ العلامه الطباطبائى(قدس‏سره): (قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) خطاب خاص بالمومنين بعد الخطاب السابق للناس، فهو من قبيل انتزاع الخطاب من الخطاب، كانه انصراف عن خطاب جماعه ممن لا يقبل النصح ولا يصغى الى القول، والتفات الى من يستجيب الداعى لايمانه به، والتفاوت الموجود بين الخطابين ناش من تفاوت المخاطبين، فان المومنين باللّه لما كان يتوقع منهم القبول بدل قوله: (مما فى الارض حلالا طيبا) بقوله: (طيبات ما رزقناكم)...).

وبالجمله: الايه فى مقام رفع الحظر والنهى عن الامتناع من اكل بعض ما رزقهم اللّه من الطيبات تشريعا وقولا بغير علم.

هذا، مضافا الى اتصال قوله: (انما حرم عليكم الميته) بها، والمراد منه ان كان غير المذكى على الطريقه الشرعيه - كما هو المعروف - فيسرى اجمالها عند الشك فى اعتبار شى‏ء فى التذكيه اليها، لانها كالاستثناء المتصل، فالمعنى على هذا: جواز اكل الطيبات الا غير المذكى، فلا يصح التمسك بها عند الشك فى التذكيه، كما هو واضح.

واما سائر الايات فبناء على ان الجمع المحلى باللام يفيد العموم فتدل بالعموم على حليه الطيبات، وبالاطلاق على حليه الاكل، فان مقتضى اطلاق الاسناد اليها حليه جميع شوونها والرخصه فى انحاء الاستفاده منها، ومن جملتها الاكل ان كان الشى‏ء من الماكولات. نعم الايه الاخيره فى سوره (المومنون) تدل على حليه خصوص الاكل لجميع الطيبات.

ولكن فى ثبوت الاطلاق فى غير الايه الثانيه والثالثه تامل، اذ الرابعه، وهى قوله تعالى: (قل من حرم زينه اللّه التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق) لعلها كانت فى مقام رفع الحظر والمنع من تحريم زينه اللّه والطيبات، لا بيان الحليه، والخامسه، وهى قوله تعالى: (ويحل لهم الطيبات) فى مقام ذكر اوصاف النبى(ص) واهداف بعثته ورسالته، ولعله كان لحليه اكل بعض الطيبات شرائط، فالايه فى مقام الاهمال بالنسبه الى حليه كل فعل يرتبط بالطيبات، وانما هى فى مقام ردع التحريم تشريعا وقولا بغير علم، او بيان اهداف الرساله وصفات النبى(ص).

نعم، الايه الثانيه وهى قوله تعالى: (يسئلونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات)، وكذا الثالثه وهى قوله تعالى: (اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب)، لا اشكال فى اطلاقهما، فان قوله تعالى: (يسئلونك ماذا احل) سوال مطلق عن الحليه، وقد اجيب بجواب عام اعطاء للضابطه، وكذا قوله: (اليوم احل لكم الطيبات) فى مقام الامتنان على المومنين بتحليل الطيبات لهم.

وعلى هذا ، فبعض هذه الايات لا اشكال فى دلالتها اطلاقا كالثانيه والثالثه، وبعضها عموما كالايه السادسه، فهذه الايات تكون المرجع عند الشك فى اعتبار شى‏ء فى حليه الماكولات الطيبه -التى منها الحيوان المذبوح الطيب - عند العرف، ولم يثبت دليل على اعتباره.

اللهم الا ان يقال: بان المستفاد من الايات الحليه الذاتيه للطيبات فى مقابل الخبائث لا الحليه الفعليه، فلا ينافى حليتها ذاتا اشتراط الحليه فعلا فى بعضها بامور، فما دل على اعتبار شى‏ء فى حليه الحيوان فعلا - كالاسلام فى الذابح او فرى الاوداج مثلا- ليس مخصصا او مقيدا للعموم او الاطلاق، اذ المراد منها ليس بيان الحليه الفعليه حتى يحتاج الى التقييد او التخصيص، بل اقصى ما تدل الايه عليه الحليه الذاتيه، والامر بالاكل فى بعضها ايضا لا يراد منه الا الترخيص والحليه الذاتيه.

الطائفه الثالثه : الايات الداله على ان الارزاق التى رزقها اللّه تعالى عباده حلال، وهى:

1 - قوله تعالى: (هو الذى جعل لكم الارض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور).

2 - قوله تعالى: (قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم اللّه افتراء على اللّه قد ضلوا وما كانوا مهتدين).

3 - قوله تعالى: (وهو الذى انشا جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا اكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره اذا اثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين × ومن الانعام حموله وفرشا كلوا مما رزقكم اللّه ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين).

4 - قوله تعالى: (قل ارايتم ما انزل اللّه لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءاللّه اذن لكم ام على اللّه تفترون).

ودلاله هذه الايات على حليه اكل رزقه تعالى واضحه فى الجمله، وجميع الماكولات ومنها الحيوان المعد للاكل عرفا مما رزقه اللّه تعالى.

ولكن البحث فى اطلاقها، والظاهر عدمه، اذ الايه الاولى فى مقام بيان نعمه تعالى، وانه جعل الارض للانسان، ويتفرع على جعلها له المشى فى مناكبها واكل رزقه، وليس المقام مقام بيان تحليل اكل الرزق مع شرائطه وخصوصياته.

واما الايات الثلاث الاخر ففى مقام الردع عن التشريع وتحريم بعض الارزاق وتحليل بعضها الاخر والافتراء على اللّه واتباع خطوات الشيطان فى ذلك، وليست فى مقام بيان الترخيص والتحليل، وهذا واضح لمن تامل فيها، ولا يحتاج الى مزيد بيان.

الطائفه الرابعه:

1 - قوله تعالى: (واحلت لكم الانعام الا ما يتلى عليكم).

فانها تدل على حليه الانعام، وهى كما فسرت فى اللغه: الابل والغنم والبقر.

قال فى المفردات: (النعم مختص بالابل، وجمعه انعام، وتسميته بذلك لكون الابل عندهم اعظم نعمه، لكن الانعام تقال للابل والبقر والغنم، ولا يقال لها انعام حتى يكون فى جملتها الابل).

ومقتضى الحصر المستفاد من الاستثناء انحصار الحرمه فيما يتلى -اى: يقرا على المكلفين - وحليه غيره، والمراد ب (ما يتلى) - بعد التتبع فى الايات ما ذكر وبين فى قوله تعالى فى سوره المائده: (حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير اللّه به والمنخنقه والموقوذه والمترديه والنطيحه وما اكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق...).