وقوله تعالى فى سوره الانعام فى تحريم الميته: (...او فسقا اهل لغير اللّه به...).

وهكذا قوله تعالى: (انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير اللّه به...).

فالانعام اذا طرا عليها احد هذه العناوين المذكوره فى هذه الايات تصير محرمه.

فيستفاد من قوله تعالى: (الا ما يتلى) - بعد الرجوع الى ما يتلى فى القرآن من المحرمات - عدم حرمه الانعام اذا ذبحت -او نحر الابل منها - بيد الكفار، لان حرمتها فى هذا الحال غير مذكوره فى القرآن وليست مما يتلى فيه. وهكذا كل ما شك فى اعتباره فى الذبح او النحر ولم يثبت بدليل، فانه يمكن ان يستدل بالايه على عدم اعتباره قضاء للحصر المستفاد من الاستثناء، فهى تدل على حليه الانعام الا اذا انطبق عليها احد العناوين المحرمه المذكوره فى آيات سور المائده والانعام والنحل، وما لم يكن داخلا فى احد العناوين المذكوره ولم يقم على حرمته دليل من السنه فهو حلال، فالمذبوح او المنحور بيد الكفار داخل فى عموم الايه.

ان قلت: لا ظهور للايه فى الحليه الفعليه، بل اقصى ما تدل عليه الحليه الذاتيه. وبعباره اخرى: الايه تدل على حليه الانعام الثلاثه ذاتا، وانها ليست مثل السباع والوحوش والكلب والخنزير وغيرها من المحرمات، فلا ينافى توقف حليتها الفعليه على شرائط، فلا يصح الاستدلال بها لنفى ما شك فى اعتباره فى حليتها فعلا، اذ لا منافاه بين حليه الحيوان ذاتا وتوقف حليه اكله فعلا على شى‏ء، كما انه كذلك بالنسبه الى مثل التسميه والقبله وغيرهما مما ثبت اعتباره بدليل.

وبالجمله: اذا لم تكن الايه فى‏مقام بيان الحليه الفعليه فلا اطلاق لها حتى يصح التمسك بها عند الشك.

قلت: النظر البدوى فى الايه يعط‏ى ذلك، فان المستفاد منها بنفسها الحليه الذاتيه، والظاهر من الاستثناء وجود المحرم ذاتا فى الانعام الثلاثه فيما يتلى على المومنين.

ولكن النظر الفاحص والتتبع فى الايات يعط‏ى غير ذلك، حيث لا يوجد فيها ما هو محرم ذاتا من الانعام، وانما الموجود فيها حرمه الميته وما اهل لغير اللّه به والمنخنقه والموقوذه ونحوها من المحرمات الفعليه، فان تلك العناوين عناوين ثانويه تنطبق على الانعام مثل عنوان الميته وما اهل لغير اللّه به، وليست عناوين ذاتيه اوليه، فالمستثنى ليس حراما ذاتيا كحرمه الوحوش والسباع والكلب بل حرام فعلى، فالغنم وان كان حلالا ذاتا لكن اذا صار ميته او اهل لغير اللّه به يكون حراما بالفعل، فان كان المستثنى هو الحرمه الفعليه فلا بد ان يكون المستثنى منه الحليه الفعليه حتى يصح الاستثناء منه، فهى بصدد بيان ان الانعام حلال الا اذا انطبق عليها احد العناوين المذكوره فى سائر الايات، فاذا شك فى اعتبار شى‏ء فى الذابح او فى كيفيه الذبح ولم يثبت بدليل يصح التمسك باطلاقها، وحيث لم يكن فرق بين الذابح للانعام والذابح لغيرها وكذا كيفيه الذبح فيها وفى غيرها قطعا يتم المطلوب.

ولكن دلاله الايه موقوفه على عدم شمول الميته - بحسب مدلولها العرفى او الشرعى- لما فقدت بعض شرائط التذكيه، اذ لو اريد منها ما مات بغير تذكيه شرعيه -كما قيل- فلا يصح التمسك بها، اذ من المحتمل اعتبار الاسلام فى الذابح، فتدخل ذبيحه الكافر فى الميته، فتدخل فى الاستثناء فتكون حراما.

لا يقال: الايات المشتمله على عنوان الميته منفصله عن هذه الايه، فلا يسرى اجمال المخصص المنفصل الى العام.

فانه يقال: نعم، ولكن الاستثناء المتصل بالعام وهو قوله: (الا ما يتلى عليكم) يحتاج الى التفسير، والايات المشتمله على تحريم الميته مفسره له، واذا كانت الميته التى تفسر المستثنى مجمله سرى اجمالها الى العام.

وبالجمله: الاستدلال بالايه موقوف على وضوح معنى الميته وعدم اجماله وانه غير مرادف لغير المذكى.

2 - ومن هذه الطائفه قوله تعالى فى سوره المائده: (احلت لكم بهيمه الانعام الا ما يتلى عليكم).

واختلف فى المراد من البهيمه فى الايه على اقوال:

الاول: انها نفس الانعام الثلاثه، بان يكون اضافه البهيمه الى الانعام بيانيه، فان البهيمه -على ما فى اللغه - هى كل ما لا نطق له من الحيوان غير السباع والطيور.

قال فى المفردات: (البهيمه: ما لا نطق له، وذلك لما فى صوته من الابهام، لكن خص فى التعارف بما عدا السباع والطير، فقال تعالى: (احلت لكم بهيمه الانعام)).

وقال فى المصباح المنير: (البهيمه: كل ذات اربع من دواب البحر والبر، وكل حيوان لا يميز فهو بهيمه، والجمع: البهائم).

وفى اقرب الموارد: (البهيمه: كل حيوان لا نعل له، وكل ما لا نطق له، وذلك لما فى صوته من الابهام، وكل ذوات اربع قوائم ولو فى الماء ما عدا السباع والطير، والجمع: بهائم).

وعلى هذا، فاضافه البهيمه الى الانعام من قبيل اضافه النوع الى بعض اصنافه او الجنس الى بعض انواعه، فالمعنى: احلت لكم البهيمه التى هى الانعام الثلاثه الا ما يتلى عليكم، والمراد ب (ما يتلى) ما سياتى فى هذه السوره - وهى قوله تعالى: (حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير...) -وغيرها.

وبعباره اخرى: الا ما سيتلى عليكم من تحريم بعض الانعام فى بعض الاحوال وعند طرو بعض العناوين، فان ما فى الايه من العناوين المحرمه اكثرها عناوين منطبقه على الانعام كما هو واضح.

ويشعر بهذا التفسير روايه وهب بن وهب، عن جعفر بن محمد، عن ابيه: ان عليا(ع) سئل عن اكل لحم الفيل والدب والقرد، فقال: (ليس هذا من بهيمه الانعام التى توكل).

وبيان دلاله الايه على الاصل الكلى هو البيان فى الايه السابقه، والاشكال من جهه اجمال الاستثناء وسرايته الى العموم هو الاشكال.

الثانى: ان المراد منها الانعام الوحشيه، نقله القرطبى فى تفسيره عن الطبرى وغيره، قال: (وقال الطبرى: وقال قوم: (بهيمه الانعام): وحشيها، كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك).

وكيفيه الاستدلال بها على هذا التفسير ايضا كالتفسير الاول وكالايه السابقه، من ان مقتضى الحصر المستفاد من الايه انحصار الحرمه فيما يتلى وحليه غيره، فاذا ذبح احد الانعام الوحشيه وشك فى اعتبار شى‏ء فى ذبحه فيصح التمسك بالعموم المستفاد من الحصر لنفيه، والظاهر عدم الفرق بين الانعام الوحشيه وغير الوحشيه فى ذلك، والاشكال السابق ايضا جار هنا.

الثالث: ان يراد بها اجنه الانعام، كما فى صحيحه محمد بن مسلم قال: سالت احدهما(ع) عن قول اللّه عز وجل: (احلت لكم بهيمه الانعام) قال: (الجنين فى بطن امه اذا اشعر واوبر فذكاته ذكاه امه، فذلك الذى عنى اللّه عز وجل). ورواه الصدوق باسناده عن عمر بن اذينه بدون قوله: (فذلك الذى عنى اللّه عز وجل).

واطلاق البهيمه على الجنين اما من باب اطلاق الكلى واراده بعض مصاديقه، فان معنى البهيمه لغه: ما لا نطق له من الحيوان، والجنين ايضا منه، وقرينه التخصيص اضافته الى الانعام وظهورها فى كونها اضافه لاميه لا بيانيه.

واما من باب استعمال البهيمه فى صغار الانعام، كما فى المفردات قال: (البهم صغار النعم). والاول اولى.

وبهذا المضمون خبر زراره ومرسل البزنط‏ى المرويان فى الوسائل عن العياشى.

وقد روى عن ابن عباس وابن عمر، قال القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن: (وروى عن عبداللّه بن عمر انه قال: (بهيمه الانعام): الاجنه التى تخرج عند الذبح من بطون الامهات، فهى توكل دون ذكاه، وقاله ابن عباس. وفيه بعد، لان اللّه تعالى قال: (الا ما يتلى عليكم)، وليس فى الاجنه ما يستثنى، قال مالك: ذكاه الذبيحه ذكاه لجنينها اذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه، فان لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يوكل الا ان يدرك حيا فيذكى).

وقال ابن كثير فى تفسيره فى ذيل الايه: وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الايه على اباحه الجنين اذا وجد ميتا فى بطن امه اذا ذبحت، وقد ورد فى ذلك حديث فى السنن رواه ابوداود والترمذى وابن ماجه ... عن ابى سعيد، قال: قلنا يا رسول اللّه، ننحر الناقه ونذبح البقره او الشاه فى بطنها الجنين، انلقيه ام ناكله؟ فقال: (كلوه ان شئتم، فان ذكاته ذكاه امه). وقال الترمذى: حديث حسن.

وفيه ايضا عن ابى داود بسند عن جابر بن عبداللّه عن رسول اللّه(ص) قال: (ذكاه الجنين ذكاه امه)، تفرد به ابو داود.

وفى الدر المنثور: (عن ابن عباس انه اخذ بذنب الجنين، فقال: هذا من بهيمه الانعام التى احلت لكم).

وفيه: (عن ابن عمر فى قوله: (احلت لكم بهيمه الانعام) قال: ما فى بطونها، قلت: ان خرج ميتا آكله؟ قال: نعم).

وعلى هذا التفسير يكون المعنى: احلت لكم اجنه الانعام، اى ما فى بطون الانعام الا ما يتلى عليكم وهو الميته وما اهل لغير اللّه به.. الى آخر ما فى آيات التحريم المذكوره فى هذه السوره وغيرها، والجنين اذا خرج من بطن الام حيا لا يصدق عليه الجنين، بل هو من مصاديق النعم وليس بهيمه ان اريد منها الجنين، وعلى هذا فالخارج من بطن الام حيا ليس من مصاديق هذه الايه.

وعلى هذا التفسير فان مات فى بطن امه حينما كان جنينا فله صور:

احدها: ان يموت فيه حينما كانت الام حيه.

ثانيها: ان يموت بعد موت امه ولو بلحظات او دقائق ولم يكن موته مستندا الى موت امه.

ثالثها: ان يكون موته تبعا لموت امه بذبح شرعى ومستندا اليه.

رابعها: ان يكون موته تبعا لموت امه بغير ذبح شرعى.

ثم ان قوله تعالى: (الا ما يتلى عليكم) اما ان يرجع الى المضاف اليه اى الانعام، او المضاف اى البهيمه، فعلى الاول فالمعنى: حليه ما فى بطون الانعام الا ان تكون الام ميته او مما اهل لغير اللّه به او منخنقه او موقوذه.. الى آخر ما ذكر فى الايه، فجنين الانعام حلال الا جنين الانعام المنطبق عليها احد هذه العناوين، كان تكون ميته مثلا.

فيستفاد من الايه حرمه جنين كل واحد من العناوين المذكوره فى الايه كجنين الميته وما اهل لغير اللّه به والمنخنقه وغيرها، وحليه جنين غيرها من اقسام الذبائح، ومقتضى ذلك حرمه الجنين اذا ماتت امه بغير ذبح شرعى لدخوله فى المستثنى، وحليه الجنين اذا ماتت الام بذبح شرعى لدخوله فى المستثنى منه، فان ذكاه الجنين بذكاه امه.

واما اذا مات الجنين حينما كانت الام حيه او بعد موت امه بحيث لم يكن موته مستندا الى موت امه، فاستفاده حكمه من الايه -بناء على رجوع الاستثناء الى المضاف اليه وهو الانعام- مشكل.

اما فى الصوره الاولى فمن جهه انه يصدق عليه جنين الانعام فيشمله اطلاق الايه، ومن جهه انه لم يكن مذبوحا ومذكى، اذ المفروض عدم ذبح امه.

والمراد من الايه -ولو بمعونه الروايات المرويه من الطريقين -حليه الجنين اذا ذبحت امه، فقد مر فى صحيحه محمد بن مسلم تفسير الايه بقوله: (الجنين فى بطن امه اذا اشعر واوبر فذكاته ذكاه امه، فذلك الذى عنى اللّه عز وجل). وهكذا فيما رواه ابن عباس وابن عمر عن رسول اللّه(ص).

فالايه ليست فى مقام بيان حليه جنين الانعام - فى غير الموارد المتلوه بقوله: (حرمت عليكم الميته...) الى آخر الايه- حتى فى صوره موته حال حياه الام، بل المقصود ان جنين الانعام تابع لامه، فان كانت الام ميته او مما اهل لغير اللّه به فجنينها ايضا حرام، وان كانت مذبوحه ومذكاه فجنينها حلال، فالمقصود من الحليه فى الايه بيان تبعيه الجنين لامه وان ذكاته ذكاه امه.

ومنه يظهر حكم الصوره الثانيه ايضا، اذ المفروض عدم ذكاه الام، فموت الجنين وان لم يكن تبعا لموت امه ومستندا اليه بل مات بعد موت امه من غير استناده اليه -وبهذا الاعتبار دخوله فى المستثنى مشكل ومحل تامل- الا انه قد عرفت ان الايه فى مقام بيان ان البهيمه لا تحتاج الى ذبح وذكاه مستقل، وانها تابعه لامها وذكاتها ذكاه امها، فلا تشمل هذه الصوره قطعا.

فيبقى فى الايه من الصور الثلاث صوره واحده، وهى صوره موت الجنين بسبب ذبح امه قضاء للتبعيه.

فيستفاد من الايه حليه البهيمه اذا كانت امها مذبوحه بغير ما ذكر فى قوله تعالى: (حرمت عليكم الميته...).

ولازمه حليه نفس الانعام المذبوحه ايضا قضاء للتبعيه، فان ذكاه الجنين بذكاه امه، فحليته ناشئه من حليه امه وليست حليه مستقله، فاذا ذبحت الام بيد الكافر او شك فى اعتبار شى‏ء فى الذبح فجنينها حلال بمقتضى العموم المستفاد من الحصر، لانحصار حرمه البهيمه فى بهيمه ما يتلى من الانعام وهو الميته وما اهل لغير اللّه به. وامه ايضا حلال، فان ذكاه الجنين ذكاه امه وحليته من حليتها.

ولكن الاستدلال بالايه مبنى على وضوح معنى الميته وعدم اراده غير المذكى منها، والا فيسرى اجمالها الى العام كما تقدم.

واما بناء على رجوع الاستثناء الى المضاف اى البهيمه - بدعوى ان ظاهره رجوعه الى نفس الموضوع المحكوم عليه فى الايه بالحليه وهو بهيمه الانعام- فيستثنى منها ما مات فى بطن الام حال حياه امه، وكذا بعد موت امه، او مات بسبب موت امه من غير تذكيه، فينطبق عنوان الميته المذكور فى الايه عليها، ويكفى فى صحه الاستثناء -وهو الا ما يتلى عليكم- صدقه وان لم تصدق عليه سائر العناوين المذكوره فيها.

فالمعنى على هذا: احلت لكم اجنه الانعام الا ما يتلى عليكم، وهو الجنين الذى مات بغير ذكاه امه، سواء مات فى حال حياه الام او بعد موتها او بسبب موتها من غير تذكيه، فالحلال هو البهيمه التى ماتت فى بطن امها بتبع تذكيتها فقط.

ولكن لا اطلاق للايه - بناء على رجوع الاستثناء الى البهيمه - حتى تدل على حليه بهيمه الانعام كيفما ذبحت، فانها تدل على حليه الجنين اذا ذكيت امه تذكيه صحيحه تبعا لها.

وبالجمله: حيث كان مرجع الاستثناء نفس البهيمه لا الانعام فلا اطلاق لها بالنسبه الى الانعام، فلا يستفاد منها حليه بهيمه الانعام على الاطلاق الا ما يتلى، فالقدر المسلم منها حليه الجنين الذى ذكيت امه تذكيه صحيحه، فهى بالنسبه الى الانعام فى مقام الاجمال او الاهمال، فلا يستفاد منها حليه بهيمه الانعام على نحو العموم والاطلاق الا ما يتلى حتى يصح التمسك بها عند الشك فى اعتبار شى‏ء فى الذبح او الذابح.

وهذا بخلاف الوجه الاول، فان مقتضى رجوع الاستثناء الى الانعام انحصار الحرمه فى بهيمه الانعام التى تليت علينا فى قوله تعالى: (حرمت عليكم الميته...) الى آخر الايه.

المواكبه الشرعيه للتطور فى
مجال الجينات والهندسه الوراثيه

 الاستاذ الشيخ حسن الجواهري

ان الحاجه الى استباق التطور فى مجال الهندسه الوراثيه واعطاء الحكم الشرعى امر من الاهميه بمكان، والمهم فى بحث التطور فى مجال الجينات والهندسه الوراثيه هو فى صوره تعديها للانسان الذى كرمه اللّه تعالى وجعل له قوانين وشريعه توصله الى الكرامه والعداله. لذا فان فى هذا الموضوع لابد من النظر الى موردين:

الاول: النظر فى الحكم التكليفى من المشروعيه وعدمها.

الثانى: النظر فى الحكم الوضعى المتناول للاثار المترتبه على تلك التصرفات ان وقعت، كاحكام النسب والنفقات والارث والزواج، لان الشرع ينظم آثار التصرف حتى لو كان ممنوعا.

فقد حصل فى سنه 1993م على يد العلماء ما يسمى بالاستتئام الذى هو عباره عن: (ايجاد توائم صناعيه تحصل من التحام الجدار المتمزق للخليه الجنسيه الملقحه المنقسمه بحيث تصبح كل خليه منقسمه خليه اما قابله للانقسام لتولد جنينا مستقلا لوحدها).

وحصل سنه 1997م على يد العلماء ما يسمى بالاستنساخ الذى هو عباره عن: (دمج نواه خليه جسديه مع سيتوپلازم بيضه منزوعه النواه لياتى جنين بدون عمليه جنسيه يطابق صاحب النواه تماما).

والمهم: هو ان ننظر اولا الى الحكم الشرعى لهاتين الحالتين، فنقول:

اولا : الاستتئام

فقد ذكرت للاستتئام فوائد منها:

1 - علاج حاله العقم، فاذا كان مبيض المراه يعانى من الفقر البييضى فلا ينتج الا بييضه واحده (وحينئذ يكون احتمال تكون الجنين ضعيفا جدا)، فمن الافضل ان تفصل بييضتها الملقحه فى بواكير انقسامها الى جنينين، وتفصل كل منهما الى اثنين حتى توفر عددا كافيا من الاجنه يودع فى رحم المراه منها اربعه مثلا ويحفظ الباقى فى التبريد العميق، فان تم الحمل فهو والا زرع ما تبقى من الاجنه فى رحمها مره ثانيه.

2 - والفائده الثانيه تكمن فى تشخيص المرض الجنينى المحتمل قبل ان يودع الجنين الباكر المكون من عدد صغير من الخلايا الى الرحم لينغرس، فقد كان الامر يجرى سابقا على فصل خليه من هذا الجنين لاجراء التشخيص عليها، فان كان الجنين معافى غرس والا اهمل، ولكن هذه الطريقه فيها خطر على الجنين، بينما اذا فصلنا هذا الجنين الى توامين بطريقه الاستتئام فاننا نستعمل للتشخيص واحدا والاخر للزرع كاملا غير منقوص.

هذا ما قاله العالمان اللذان اجريا الاستتئام الصناعى على اللقيحه.

ولكن توجد فوائد اخرى للاستتئام منها:

3 - ان الام اذا حملت ببعض الاجنه، وحفظت الاجنه الاخرى فى التبريد العميق فلو مات طفلها الذى ولد وارادت ان تعوضه بطفل مماثل له تماما، فان الجنين المبرد سوف يوضع فى رحمها فينمو وتحصل على طفل جديد.

4 - كما ان الطفل الذى حفظ توامه (او له توام يشبهه تماما فى الخارج) قد يحتاج فى المستقبل الى بعض مكونات جسمه اذا مرضت، ولم يكن هناك ما يناسبه فقد يزرع التوام فى الرحم لينمو، ويستفاد من مكونات جسمه لتوامه كما اذا كان الاول قد مرض بسرطان الدم، فان التوام اذا اخذ منه نخاع لزرعه فى جسم اخيه المريض فيشفى من المرض من دون ان يتضرر التوام الماخوذ منه النخاع.

5 - كما ان الامراض الوراثيه الناجمه من خلل فى احد الجينات الوراثيه القابله للتوارث يمكن ازالتها وابدالها بجين صحيح بواسطه عمليه الاستتئام، فنكون قد بدانا سلاله نظيفه تتكاثر مستقبلا بمامن من الجين المريض.

ولكن فى مقابل تلك الفوائد ذكرت اشكالات على الاستتئام، وخلاصتها:

1 - هل يجوز لنا التدخل لعمل اجنه متعدده من لقيحه واحده؟

2 - ان الاجنه اذا تعددت وغرست بعضها وصارت حملا وولدا فما هو مصير الاجنه الاخرى؟

والجواب: ان مصيرها هو اما الموت او زرعها فى ارحام النساء مجانا او بشراء.

وحينئذ ياتى تساولان:

ا - هل فى قتل الاجنه الزائده حرمه شرعيه؟

ب - وهل فى حمل النساء الاخريات بهذه الاجنه من اشكال؟

3 - هل يجوز ان يستفاد من الاجنه المبرده لزرعها فى رحم الام لاجل الاستفاده من الاعضاء التى يمكن للطفل الجديد الحياه بدونها فى حاله اعطائها الى اخيه او الى اى كائن آخر يحتاج اليها؟

4 - هل يوجد مانع شرعى من ايجاد جنينين توامين يفصل بين عمريهما سنوات بحيث يرى الصغير مستقبله فيما يعرض لتوامه من امراض وراثيه يعلم انها له بالمرصاد؟

والجواب على الاشكال من الناحيه الشرعيه:

الجواب على التساول الاول:

ان الاستتئام يتلخص فى تقسيم اللقيحه الى عده اجنه، وهذا العمل انما يكون جائزا بشرطين:

الاول : ان لا تكون فى هذا التقسيم مخاطره بحياه الجنين او بصحته او حياه او صحه ما سيكسى ليصبح منشا لطفل جديد.

الثانى: ان لا يستعمل الاستتئام بشكل يودى الى اختلال النظام، كما لو وزعت اللقيحه الى عده اجنه واستعملت فى وقت واحد ضمن عده ارحام فاوجب ذلك عدم التشخيص بين التوائم، بينما التمايز والاختلاف بين ابناء البشر ضروره للمجتمعات الانسانيه اقتضتها حكمه اللّه سبحانه، اذ قال فى كتابه الكريم: (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف السنتكم والوانكم).

فان النظام العام متوقف على التمايز، فان زال التمايز حصل اختلال النظام وحصلت الفوضى، ففى النكاح تختلط الزوجه بالاجنبيه ويختلط المحرم بغيره، وفى المعاملات كافه لا يمكن تمييز الطرفين، وفى القضاء والشهادات لا يمكن تمييز المدعى من المنكر، وهما عن الشهود، والملاك عن غيرهم، وفى المدارس والمشاغل والادارات والامتحانات حيث يسهل ارسال النسخه بدل الاصل، فتذهب الحقوق وتعطل العداله بحيث لا يبقى نظام ولا مجتمع.

واذا اتضح دليل الشرط الثانى، فان دليل الشرط الاول هو ما ثبت بادله شرعيه من عدم جواز قتل مبدا نشوء الانسان وهو اللقيحه، فقد ورد فى معتبره اسحاق بن عمار قال: قلت لابى الحسن(ع): المراه تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقى ما فى بطنها؟ قال: (لا). فقلت: انما هو نطفه؟ فقال: (ان اول ما يخلق نطفه).

كما يمكن استفاده الحرمه ايضا من الروايات الكثيره الوارده فى وجوب الديه على من اسقط النطفه الملقحه، فمن تلك الروايات صحيحه محمد بن مسلم قال: سالت ابا جعفر(ع) عن الرجل يضرب المراه فتطرح النطفه؟ فقال(ع): (عليه عشرون دينارا). فقلت: يضربها فتطرح العلقه؟ فقال: (عليه اربعون دينارا).

كما ان الاضرار باللقيحه حرام، لما ثبت عن النبى(ص) من حديث (لا ضرر ولا ضرار فى الاسلام) الشامل لما نحن فيه.

الجواب على التساول الثانى:

ان الاجنه الاخرى التى لم يستفد من زرعها فى رحم المراه، فسواء حفظت فى التبريد ام لم تحفظ لا يجوز قتلها، لانها مبدا نشوء انسان، وقد دلت الادله المتقدمه على حرمه قتل مبدا نشوء الانسان او الاضرار به.

نعم، اذا جعلت اللقيحه المقسومه فى التبريد قبل ان يصنع لها الجدار الصناعى ويقتصر على اكساء الجدار الخلوى للقيحه التى يراد وضعها فى الرحم فحينئذ لا تكون اللقيحه التى لم يصنع لها الجدار الصناعى مبدا نشوء انسان، فان احتيج اليها فى المستقبل جعل لها جدارا خلويا لتنقسم وتكون جنينا، وان لم يحتج اليها فى المستقبل فلا باس بقتلها، اذ لا دليل على حرمه اتلافها قبل ان تكون مبدا لنشوء الانسان، اذ يكون حالها حال المنى الذى يجوز اهداره.

واما اعطاء هذه الاجنه لنساء اخريات لتضعها فى رحمها، فلا دليل على عدم جوازه، اذ قد ثبت عندنا حرمه ادخال النطفه فى رحم يحرم على صاحب النطفه، وهذا شى‏ء غير حرمه الزنا، فقد ورد فى المعتبره عن الامام الصادق(ع) انه قال: (ان اشد الناس عذابا يوم القيامه رجلا اقر نطفته فى رحم يحرم عليه). وفى روايه اخرى رواها الصدوق عن النبى(ص) انه قال: (لن يعمل ابن آدم عملا اعظم عند اللّه عز وجل من رجل قتل نبيا او اماما او هدم الكعبه التى جعلها اللّه قبله لعباده او افرغ ماءه فى امراه حراما).

ومعلوم اراده المنى من النطفه التى ذكرت فى الحديث الاول، لاضافتها الى الرجل، بينما كان السوال الثالث عن النطفه التى هى لقيحه مكونه من ماء الرجل وبويضه المراه التى هى مبدا نشوء انسان، ولهذا كان الجواب بجواز وضع هذه اللقيحه بحد نفسها فى رحم امراه اجنبيه، لعدم شمول دليل الحرمه المتقدم له. ولعل من المستحب ان تحضن هذه المراه الاجنبيه مبدا نشوء الانسان وعدم تركه للموت، فان الام الحاضن اذا لم يكن عملها بحمل هذا الجنين (اللقيحه) مستحبا فلا اقل من جوازه.

واما ما قيل من التهويل لهذه العمليه من ان المراه (ستحمل جنينا غريبا لا هو من زوجها ولا هو منها ولا هو فى نطاق عقد زواج) فهو لا ينفع فى الحرمه، اذ ما هو الباس فى ان تحضن امراه ولدا ليس من زوجها ولا منها ولا هو فى نطاق عقد زواج؟ فهل هو زنا او دل الدليل على حرمته من السنه الشريفه او قواعد الشريعه؟ بل قد يقال: ان هذه المراه التى انقذت هذا الجنين (اللقيحه التى هى مبدا نشوء الانسان) من الموت وحملتها وحضنتها حتى الولاده قد انقذت الجنين من الموت فتستحق الشكر.

الجواب على التساول الثالث:

اما الاستفاده من الاجنه المبرده لزرعها فى رحم الام (او غيرها) انما تكون جائزه بشرط ان لا تكون موديه الى موته او الاضرار به، فان من الواضح عدم جواز اماتته لاجل انقاذ حياه اخرى، وعدم جواز الاضرار به من قبل الغير لاجل ان يستفيد منه شخص آخر. اما اذا لم يكن فى الاستفاده منه للاخرين اى ضرر عليه، فهو امر جائز يقوم به وليه او نفسه ان كان قد وصل الى مرحله البلوغ والرشد. وهذا الحكم واضح من الشريعه الاسلاميه الغراء التى حرمت قتل مبدا نشوء الانسان، وحرمت الضرر على الكائن الحى بقوله(ص): (لا ضرر ولا ضرار فى الاسلام).

ملاحظه: اننا حينما نقول بعدم حرمه وضع التوائم فى رحم الزوجه او رحم نساء اخريات انما نقول هذا فى صوره ما اذا كان الواضع للتوائم هو زوج هذه المراه بحيث تكون عمليه كشف العوره امام الواضع حلالا، او فى صوره ما اذا كان الوضع مضطرا اليه قد وصل الى مرحله العلاج المسموح به شرعا.

الجواب على التساول الرابع:

اما ايجاد جنينين يفصل بينهما سنوات بحيث يرى الصغير مستقبله فيما يعرض لاخيه من امراض وراثيه يعلم انها له بالمرصاد، فلا يوجد دليل على حرمه هذا العمل، فكم من الاسر المبتليه بامراض السكر او السمنه او ضغط الدم او غيرها من الامراض الوراثيه، ولا احد يقول بحرمه ايجاد طفل لهذه الاسر، لان الطفل سوف يعلم انه سيبتلى بتلك الامراض الوراثيه.

نعم، قد يحكم بعدم جواز اعلام الصغير او حتى الكبير فيما يعرض له من امراض، لانه اذى له، وقد نهت الشريعه عن اذى المسلم الا ان هذا غير حرمه ايجاد طفل يعلم انه سيبتلى بامراض وراثيه.

من هو الاب والام؟

فى صوره ما اذا وضعنا التوائم فى ارحام نساء غير صاحبه البويضه، فمن هو الاب ومن هى الام؟ والجواب: اننا اذا عرفنا ان معنى الولد حقيقه هو ما تولد من الشى‏ء ونشا منه، وعرفا هو ما نشا من منى الرجل وبويضه المراه، فحينئذ تكون التوائم قد تولدت من منى الزوج فهو ابوه ومن بويضه المراه فهى امه. اما التى وضعت اللقيحه فى رحمها فهى ام حاضن وليست اما حقيقيه، فان القرآن الكريم قال: (ان امهاتهم الا اللائى ولدنهم)، والولاده الحقيقيه ليست هى الوضع وافراغ ما فى البطن الى الخارج كما هو معنى ذلك عند غير العرب، بل الولد حقيقه هو ما تولد من الشى‏ء ونشا منه، وقد تولد هذا الولد ونشا من منى الرجل وبويضه المراه فهما الابوان الحقيقيان له.

ولكن يبقى السوال عن نسبه الام الحاضن الى هذا الجنين؟

فقد يقال بمحرميه الام الحاضن مع هذا الولد الذى لم ينشا منها، وذلك للاولويه القطعيه من الام المرضعه التى يحرم عليها الولد الذى اشتد عظمه ونما لحمه من لبنها بواسطه الرضاع.

ثانيا : الاستنساخ

فقد قيل فى فوائده ما تقدم من التغلب على بعض مشاكل العقم او تشخيص عدم وجود مرض فى النسخه لتودع فى الرحم او نزع الجين المريض الوراثى وابداله بجين صحيح وما الى ذلك مما قيل فى الاستتئام، فراجع.

ولكن السوال الشرعى هو هل فى الاستنساخ حرمه شرعيه من حيث المبدا او فيه حرمه شرعيه من ناحيه ثانويه؟

والجواب: ان نفس عمليه الاستنساخ البشرى بعنوانها الاولى لو نجحت، فهى لا باس بها بشرط ان لا تقارن محرما آخر. اما من ناحيه اخرى فان حكمه اللّه البالغه التى جرت على اختلاف الالسنه والالوان حفظا للنظام قد تودى الى تحريم الاستنساخ بهذا اللحاظ لو طبق بصوره واسعه حيث يودى -اذا كان التماثل بين النسخ كتماثل نسخ الكتاب الواحد تماما -الى اختلال النظام حتما، وذلك لما تقدم، ففى النكاح مثلا يختلط الامر بين الزوجه والاجنبيه وبين المحرم وغيره، وفى المعاملات كافه لا يمكن تمييز طرفيها، وفى القضاء والشهادات لا يمكن تمييز المدعى من المدعى عليه، وهما عن الشهود، ولا يمكن تمييز الملاك عن غيرهم، وفى المدارس والمشاغل والادارات والامتحانات حيث يسهل ارسال النسخه بدل الاصل، فتذهب الحقوق وتضيع العداله ويذهب النظام، بالاضافه الى ضياع الانساب.

وخلاصه القول: ان فى تطبيق الاستنساخ البشرى بصوره واسعه يحصل هذا الخطر والعدوان على ذاتيه الفرد وخصوصيته وتمييزه من بين اشباهه، فيتخلخل الهيكل الاجتماعى المستقر ويحصل الخطر على البشريه باجمعها.

ولكن هذا كله لا ينسف ما تقدم من حليه ان نصنع نسخه واحده لشخص معين بحيث يحصل الفارق والتمييز بين الاثنين بالفرق السنى او نقول بحليه ان يصنع كل فرد له نسخه واحده، اذ لم يحصل المحذور المتقدم من تطبيق الاستنساخ بصوره واسعه، ولم يوجد دليل على حرمه ذلك، فلا حاجه الى القول بحرمه الاستنساخ مطلقا، بل لا يجوز ذلك القول مع عدم وجود دليل عليه.

تحفظان:

1 - ان جواز استنساخ نسخه واحده لكل شخص اذا جوز -كما تقدم- قد يمنع منه الان، وذلك لان تقويم نفع هذه العمليه او ضررها لا يزال فى حوزه المستقبل، فقد تكون العمليه مختزنا لاضرار لا تحصل الا بعد تطبيق الاستنساخ على البشر بحيث يفوت التمكن من ضبطها اذا اجيزت حالات خاصه للاستنساخ، ولا ننسى ما حصل من الاضرار بعد انشطار الذره ما لم يكن معلوما ولا متوقعا قبل وبعد انشطارها، اذ ان بعض المضار لا تظهر قبل مرور وقت طويل على الحادث.

لذا فان حاله الجواز انما تكون حتميه اذا خلت من الضرر تماما، وهذا الامر يستدعى ان يطلق للبحث العلمى العنان -من باب معرفه اسرار اللّه تعالى فى خلقه -فى استنساخ النبات والحيوان الثدى بحيث يمر وقت طويل تثبت التجارب عدم وجود ضرر يمنع من تطبيقه على الانسان الذى هو من الحيوانات الثدييه، ولم يتضمن العمل فى الانسان اى مخالفه للشرع المقدس. وهذا التحفظ يجرى فى الاستتئام ايضا.

2 - يتمكن ولى الامر- وهو الحاكم الشرعى الذى بيده زمام امور المسلمين -ان يحرم عمليتى الاستتئام والاستنساخ بالحكم الولائى (الحكومى) فيما اذا وجد مصلحه توجب ذلك، كما اذا راى الدوله الغربيه قد منعت من بحث الاستنساخ البشرى او حرمت هكذا ابحاث من ميزانيه الدوله او جمدت تلك الابحاث لسنوات ريثما تبحثها اللجان المتخصصه ثم ينظر فى امرها من جديد، ويخشى الفقيه (ولى الامر) من سعى اصحاب راس المال الخاص وشركات الادويه فى الدول الاوربيه الى تخط‏ى هذا الحظر بتهيئه الاموال واستمرار الابحاث فى دول العالم الثالث واستغلالها حقلا للتجارب البشريه، كما كان ديدنها فى كثير من السوابق.

ولكن مع ذلك نقول: ان هذا التحريم ليس حكما شرعيا لا يتبدل، بل هو حكم ولائى حكومى قد يتبدل فى زمان ما او مكان ما.

ثالثا : الاستتئام من الاستنساخ

وهذا الفرض الثالث هو عباره عن ايجاد توائم من بييضه مفرغه من نواتها قد زرع فيها نواه خليه جسديه وبعد انقسامها الاولى يتم ترقيع جدار الخليه صناعيا فيلتئم الخرق لتكون كل خليه منقسمه اما مستقله قابله للانقسام من جديد باتجاه تكوين جنين، وبهذا نحصل على عده توائم من خليه لم تلقح جنسيا كان مستقبلها ان تكون نسخه طبق الاصل عن صاحب النواه الجسديه. وهذه العمليه لو قدر لها النجاح فى البشر فحكمها لا يختلف عن حكم الاستنساخ اذا طبق بصوره واسعه من شخص واحد اذا ادى الى اختلال النظام.

هل الكائن المتولد من الاستنساخ هو ولد شرعى؟ ومن هو ابوه ومن هى امه؟

اقول: ان التولد الحقيقى هو ما نشا من الغير فحينما تتولد الحراره من النار يقال: ان الحراره تولدت من النار، وحينما تتولد النبته من البذره مع الماء والتراب فنقول: تولدت النبته من هذه الامور مجتمعه، وهذا هو المعنى اللغوى للتولد ايضا فقد ذكر فى مجمع البحرين: ان التفسير المفهوم من الوالديه: هو ان يتصور من بعض اجزائه حى آخر من نوعه على سبيل الاستحاله لذلك الجزء، لذا فاننا لا نويد من يقول: بان الوالده هى التى وضعت الحمل من بطنها وافرغته الى الخارج وان لم يكن منها، فان القرآن الكريم حينما يقول: (ان امهاتهم الا اللائى ولدنهم) انما يشير الى التولد الحقيقى الذى يكون بواسطه تحول البييضه الى جنين، فصاحبه البييضه هى الام الحقيقيه التى تولد الولد منها.

وهذا الذى قلناه صحيح، ولكن فى خصوص النسب، فان التولد حينما يصدق لابد من صدق عناوين اخر انتزاعيه مثل الاب والام -اى الوالد والوالده - لان التولد لوحده فى النسب لا يفيد من دون صدق الولد والوالد والوالده. ولهذا فان النسب لا يحتاج الى صدق التولد الحقيقى فقط كالنبات والجماد، بل لابد من صدق التولد والوالد والوالده معا.

واذا رجعنا الى العرف نجده يطلق الوالد على من نشا الولد من ماءه (منيه) ويرى صدق الوالده لمن ينشا الولد من بويضتها، فالتولد لوحده من دون صدق الوالد لا يفيد فى النسب شيئا كما لو تولد الولد من الخليه الجسديه لزيد فان العرف لا يقول بان صاحب الخليه الجسديه هو الاب رغم دخالته فى تكوين الولد، وكذا لا يقول العرف لمن اخذت منها الخليه الجسديه بانها ام رغم دخالتها فى تكوين الولد. ولهذا السبب فان تولد الحراره من النار لا يسوغ صدق الاب على النار رغم دخالتها فى وجود الحراره.

اذن العرف يحكم بان مفهوم الاب (الوالد) انما يصدق اذا تولد الولد من ماءه ومفهوم الام (الوالده) انما يصدق اذا تولد الولد من بويضتها، وعلى هذا فلا يصدق على من تولد الولد من خليته الجسديه انه اب، فحينئذ يكون المستنسخ ليس له اب وامه صاحبه البويضه.

النظر فى الاحكام الوضعيه لما قد يقع فى الخارج من الاستنساخ او غيره:

قد يقع فى الخارج بعض الامور التى يراد معرفه حكمها الشرعى اولا ومعرفه حكمها الوضعى ثانيا، فنذكر هنا بعض ما يمكن ان يقع فى المستقبل لنسبق الزمن فى معرفه حكمه الشرعى والوضعى.

1 - بالنسبه للتلاقح الجنسى التقليدى من حيمن ذكرى وبييضه انثى، فان البويضه المخصبه لزوجه زيد تحمل فى داخلها نواه تحتوى على (23) كروموسوم تحمل الصفات الوراثيه، وحول النواه السيتوپلازم الذى يحدد وجهه الانقسام الى جنين فى هذه البويضه، فاذا فرض ان السيتوپلازم لهذه البويضه المخصبه قد مرض ونقلت النواه الى بويضه مسلوبه النواه لامراه اخرى ذات سيتوپلازم غير مريض، ففى هذه الصوره تكون النواه للزوجه، لكن سيتوپلازم البويضه من امراه اخرى، فاذا لقحت البويضه بالحيوان المنوى للزوج فسيتم منشا الانسان المحتوى على (46) كروموسوم، وهذه هى التى تحدد الصفات الوراثيه للولد، ولكن السيتوپلازم الذى يحدد وجهه الانقسام الى جنين هو غريب على الزوجين.

فالسوال هنا اولا: هل توجد حرمه فى نقل النواه الى سيتوپلازم امراه اخرى؟

وثانيا: ما هى نسبه صاحبه السيتوپلازم -التى سلبت نواته وبقى محيطا بنواه مخصبه لغيرها -الى الولد؟

والجواب: اننا لا نجد دليلا على حرمه نقل نواه البويضه الى سيتوپلازم امراه اخرى.

واما صاحبه السيتوپلازم وصاحبه نواه البويضه، فبما ان الام - كما تقدم-هى من تولد الولد منها ومن بويضتها، فنرى ان الولد هنا قد تكون من النواه والسيتوپلازم، فتعتبر صاحبه النواه وصاحبه السيتوپلازم امين لهذا الوليد.

ولو اعترض علينا بعدم قبول العرف تعدد الام، فان الجواب هو: ان العرف اخطا فى المصداق، وهو يقبل المفهوم (مفهوم الام)، ولا عبره بخطا العرف فى المصداق مع قبوله المفهوم.

2 - بالنسبه للاستنساخ:

ا - اذا كانت النواه من خليه جسديه ذكريه، والبويضه المسلوبه النواه من انثى وحصل التلقيح ووضعا فى رحم صاحبه البويضه فمن هو الاب ومن هى الام؟ وهل هناك فرق بين ان يكون بين مصدرى الوليد تزاوج ام لا؟

الجواب: ان صاحبه البويضه هى الام، لان الام عرفا هى صاحبه البويضه، وبما انه لا خليه جنسيه هنا فلا يوجد اب، لان الاب عرفا -كما تقدم هو صاحب الخليه الجنسيه. ولا فرق بين ان يكون بين مصدرى الولد تزاوج او لا؟

ب - ثم ان الناتج (الولد) لو اخذت فيه الخلايا المانحه والمستقبله من امراه باكره (غير متزوجه) فهل يكون الولد شرعيا وهى لا زوج لها؟

والجواب: ايضا ان صاحبه البويضه هى ام الولد وليس له اب، وحينئذ يكون بين الولد والام توارث اذا مات احدهما، لان التوارث مبنى على صدق عنوان الولد والام.

ج - ثم اذا كانت الخليه الجسديه من انثى والبويضه المستقبله المنزوعه النواه من انثى غيرها فمن يكون الاب ومن تكون الام هنا؟

والجواب اتضح مما سبق: فان ام الولد هى صاحبه البويضه، اما الاخرى فليست هى اما، لما تقدم من ان العرف يرى ان الام هى صاحبه البويضه، وكذا اللغه وكذا معنى التولد حقيقه.

3 - هل فى الاستنساخ تحديا لانسانيه الانسان؟ من ناحيه ان الانسان فى الانجاب البشرى الطبيعى يحتاج الى والدين (مصدرين) بينما لا يتطلب استنساخ الخليه البالغه سوى والد واحد (مصدر واحد) فهل فى هذا تاثير على الخصائص البشريه الاساسيه فى مجال الاعتماد المتبادل والترابط؟

وهل يمكن ان يقال: بان الفرد المستنسخ له والدان ايضا وهما والدا من اخذت منهما الخليه والبويضه؟

واذا كان هذا صحيحا فما هى نسبه هذا الفرد المستنسخ لصاحبه الخليه والبويضه؟

والجواب: ان هذا الولد المستنسخ -كما تقدم ليس له اب وان كان الذكر له دخل فى تكون هذا الولد الا انه ليس ابا عرفا. اما امه فهى صاحبه البويضه، وحينئذ لنا ان نقول: بانه لا تاثير على الاعتماد المتبادل والترابط عدا ما قلناه من ان هذا المولود ليس له اب.

4 - هل فى الاستنساخ نسف لكرامه الانسان التى عبر عنها القرآن الكريم (ولقد كرمنا بنى آدم) واذا اصبح الاستنساخ امرا ممكنا فما هى الطرق التى نحافظ فيها على كرامه الانسان وتعزيزها؟ وما المقصود بالكرامه هنا على وجه التحديد؟

والجواب: ان المقصود بالكرامه التى اعطاها اللّه تعالى لبنى آدم هو منحه اياهم العقل والتفكير للوصول الى مدارج الكمال، وحينئذ لا يوجد فى الاستنساخ نسفا لهذه الكرامه التى اعطاها اللّه لبنى آدم، وهى موجوده فى هذا المستنسخ الذى هو من ولد آدم ولو عن طريق امه.

نعم، قلنا ان الاستنساخ اذا وصل الى حد يوجب اختلال النظام فهو امر غير سائغ، لما تقدم.

5 - هل سوف تتعرض حقوق الانسان للتهديد من اجراء الاستنساخ البشرى؟ وهل ستنتهك وتهدد الحقوق الاخلاقيه؟ وهل فى الاستنساخ تضرر لمصالح الفرد او المجتمع؟

والجواب: اذا كان الاستنساخ قد طبق بصوره واسعه بحيث كان يودى الى اختلال النظام -كما تقدم- فهو تهديد لحقوق الانسان وانتهاك للحقوق الاخلاقيه وتضرر مصالح الفرد والمجتمع، ولهذا فقد منعنا من الاستنساخ اذا كان بصوره يودى الى اختلال النظام.

6 - هل فى منع الاستنساخ انتهاك حق حريه الانجاب؟

والجواب: اننا اذا منعنا الاستنساخ بصوره واسعه لانه يودى الى اختلال النظام فقد يصدق انتهاك حريه حق الانجاب، ولكن هذا الانتهاك الذى يحصل انما يقبل لدفع المفسده الكبيره العظيمه الناشئه من الاستنساخ الذى يودى الى اختلال النظام، وكلما تزاحم فاسد مع الافسد فنقدم الفاسد على الافسد لو صدق عنوان الفاسد فى صوره المزاحمه.

ولكن مع هذا نقول: ان حريه حق الانجاب لا تنتهك فيما اذا سوغنا الاستنساخ لكل احد بصوره لا يودى الى اختلال النظام، كما لو اراد كل انسان ان يستنسخ فردا منه بحيث يكون الفاصل بين الاصل والنسخه خمسين سنه مثلا، وبهذا لا يكون حريه حق الانجاب منتهكا اذا منعنا الاستنساخ بصورته الواسعه.

7 - فى الاستنساخ لم يتخلق المولود من مادتين وراثيتين - من الزوج والزوجه - بل تخلق من ماده وراثيه واحده، فالذكور هم نسخ الزوج والاناث هم نسخ الزوجه من جهه التركيب الوراثى فهل عدم التخلق الا من ماده وراثيه واحده يجعل الاسره غير مالكه لتسميه الاولاد ب (اولادنا) او هم اولاد الاسره رغم ان التخلق كان من ماده وراثيه واحده؟

والجواب: اننا قلنا ان الاولاد عرفا على كل تقدير هم اولاد صاحبه البويضه فقط، لاننا فى خصوص النسب لا نحتاج الى صدق التولد فقط، بل نحتاج الى صدق التولد وصدق الوالد والوالده، ولا يصدق الوالد عرفا الا على من كان الولد من مائه، ولا تصدق الوالده عرفا الا على من كان الولد من بويضتها، وهنا تصدق الوالده فقط على من كانت البويضه منها.

8 - اذا فتح الاستنساخ الخلوى الباب لتخليق عدد لا نهائى من الاشخاص المتماثلين وراثيا، فهل هذا الامر يمثل انتهاكا لمفهومنا حول الخصائص الفرديه الاساسيه لكل كائن بشرى؟ وهل يمكن فرض قيود على عدد النسخ البشريه التى يمكن الحصول عليها من شخص واحد؟

والجواب: ان الاستنساخ لو طبق بصورته الواسعه فهو يودى حتما الى اختلال النظام، وبهذا تنتهك حقوق الفرد الاساسيه وتضيع العداله ويخرج المجتمع عن كونه مجتمعا بشريا. وقد تقدم ايضا ان القيود التى توضع على عدد الاستنساخ البشرى هى قيود شرعيه ترجع الى قيد واحد وهو ان لا يكون الاستنساخ موديا الى اختلال النظام.

9 - هناك قيم غير مقبوله فى اى بلد من بلدان العالم، قدالتزمت كافه البلدان بحظرها مثل القيم التى تتعلق بجرائم الحرب والرق والجرائم التى ترتكب بحق الانسانيه، فهل الاستنساخ هو قيمه غير مقبوله على الاطلاق حتى يحظر حظرا الزاميا عالميا؟ او يوقف النشاط فيه او يعلق؟ كما هو الحال فى الحظر على التكنولوجيا النوويه؟

والجواب: ان الاستنساخ اذا كان يودى الى اختلال النظام - كما اذا طبق بصوره واسعه - فهو الذى ينبغى ان يحظر حظرا عالميا، وهو قيمه غير مقبوله فى كل بلدان العالم، فان الشريعه المقدسه وحكمه اللّه البالغه جرت على التمايز بين البشر، فكل ما يودى الى عدم التمايز فانه يودى الى اختلال النظام وهو قيمه غير مقبوله. اما اذا كان الاستنساخ غير مود الى اختلال النظام فلا يوجد اى مبرر لمنعه، بل فى منعه انتهاك لحق حريه الانجاب.

نعم، قد يمنع الحاكم الشرعى منه منعا حكوميا لمصلحه تقتضى ذلك، وهذا المنع يكون موقتا طبعا.

10 - فى الاستنساخ البشرى منافع علاجيه -لا سيما فيما يتعلق بالعقم وفى الاستنساخ البشرى مجموعه كبيره من المخاطر، فكيف نوازن بين المنافع والاخطار تمهيدا لاخذ القرار؟

والجواب: اذا ثبت فى وجود الاستنساخ البشرى مخاطر، فلا يجوز الاقدام عليه، لان الاسلام حرم العمل الذى فيه ضرر على الغير، فقال رسول اللّه(ص): (لا ضرر ولا ضرار فى الاسلام).

ثم ان الموازنه بين المنافع والاضرار وان كان هو قانون معمول به فى اصول الفقه ويسمى بقانون التزاحم، ويقدم اخف الضررين او يقدم ما فيه مصلحه مهمه على ما فيه مفسده غير مهمه. الا ان هذا فى خصوص ما اذا لم يكن هناك طريق آخر للخلاص من التزاحم كما لو لم يكن للانجاب الا طريقه التكاثر الخلوى، فحينئذ ينظر الى منافع هذه الطريقه والى مخاطرها، فيرى اذا كانت المنافع اكثر قدم الفعل، وان كانت المخاطر اكثر قدم المنع. اما اذا وجدت طريقه اخرى للتناسل والانجاب، وهى الطريقه المالوفه من التلاقح الجنسى، فلا مبرر للنظر الى منافع الاستنساخ وقياسها ومقارنتها مع مخاطره كطريق لاخذ القرار، بل اى ضرر يحصل على الاخرين من اجراء عمليه الاستنساخ فهو المبرر للمنع منه ما دام الطريق للانجاب غير منحصر فيه.

ثم اننا قد تقدم منا الارشاد الى اقامه الاستنساخ على الحيوان لفتره من الزمن ليومن من اى ضرر فيه قبل اجراءه على البشر.

11 - ما هى مسووليه الافراد والمجتمعات امام تطبيق الاستنساخ؟

والجواب: ان مسووليه الافراد والمجتمعات امام تطبيق الاستنساخ المحرم هو المنع والدفع الذى يحصل بالقوه وفرض العقوبات البدنيه والماليه لمن يقدم على اختلال النظام سواء كان استنساخا او غيره.

12 - اذا اخذنا خليه من جسد زيد ووضعت فى بويضه زوجته المسلوبه النواه، وعولجت بقصد اصدار نسخه وراثيه طبق الاصل لصاحب الخليه الجسديه، ولكن حفظت فى التبريد العميق لانتظار الوقت المناسب لوضعها فى رحم الزوجه وفى فتره الانتظار مات الزوج ثم بعد سته اشهر زرعت اللقيحه فى رحم الزوجه وولدت ولدا بعد موت ابيه بسنه ونصف مثلا، فهل يستحق هذا الولد الذى يشبه الاب تماما ارثا من ابيه؟

ونفس هذا المثال اذا اتفق ان مات الاب والام معا ثم زرعت اللقيحه فى رحم حاضن (مستاجر) فهل يستحق هذا المولود ارثا من ابويه؟ وما علاقته بالرحم المستاجر؟