والجواب: قلنا: ان هذا الولد المستنسخ ليس له اب، لان الاب (الوالد) عرفا هو ما كان الوليد من مائه، وهذا الوليد ليس من ماء الزوج فلا يستحق منه ارثا، وحتى لو كان قد صدق على الزوج بانه اب للولد فانه لا يستحق الولد من ابيه ارثا، لان ادله الارث دلت على ان الولد الذى هو موجود فى حياه الاب يرث من ابيه ولو كان جنينا بشرط ان يولد حيا، اما هذا الولد المستنسخ فهو لم يكن موجودا فى حياه ابيه حتى على مستوى الجنين فلا تشمله ادله استحقاق الارث. واما بالنسبه لارثه من امه فيما اذا كانت امه قد ماتت قبل ان يوضع فى الرحم المستاجر فهو ايضا لا يستحق من امه -التى هى صاحبه البويضه شيئا، وذلك لعدم كونه ولدا فى حياتها ولو على مستوى كونه جنينا، فلا يشمله ادله استحقاق الارث.

13 - اذا وجدت نسخا متعدده طبق الاصل من انسان واحد، ووقعت جريمه قتل من احدهم فقد كان سابقا يكون الدليل عليه هو بصمات اصابعه لعدم وجود مشابه له فى الخارج، ولكن هذا الدليل سوف لن يكون كافيا مع وجود الاستنساخ لتحديد القاتل لوجود اشخاص آخرين يشبهونه فى بصمات الاصابع، فهل الاستنساخ اذا طبق بصوره واسعه يقضى على العداله ويعطلها ويوجد الفوضى؟ ام نمنع الناس من التعامل مع المستنسخين فى بيع او شراء او دين او وعد او عهد؟ وهذا انما يحل بعض المشكله لا كلها.

والجواب: ان الاستنساخ اذا طبق بصوره واسعه، فانه يودى حتما الى اختلال النظام والقضاء على العداله، ولهذا يكون محرما. ولكن لا مبرر للمنع الشرعى من ايجاد نسخه لزيد الذى يتميز عن نسخته بخمسين سنه مثلا.

14 - اذا جاءت شركات الاستنساخ واعلنت عن عملها، فتعامل معها عالم كبير على ايجاد نسختين منه، وعملت الشركه له تلك النسخ، وبعد ان كبروا كانوا غير بارعين فى العلم كابيهم والسبب يعود لعدم تحصيلهم على مراحل التدريب العلمى اللازم وعدم الجو المناسب فهل تعتبر تلك الشركات متهمه بالتدليس لانها لم تبين ذلك الامر لصاحب العقد من الاول؟

والجواب: ان العقد الذى يكون من قبل الشركه مع هذا العالم قد يكون على ايجاد نسختين منه فقط، وقد يكون على ايجاد نسختين منه مع كونهم بارعين فى العلم كابيهم.

فان كان العقد على النحو الاول فهو عقد صحيح، وينتهى الوفاء به بتقديم النسختين الى العالم، فان لم يوفر العالم للنسختين مراحل التدريب العلمى اللازم ولم يوفر لهم الجو المناسب فلا علاقه بالشركه التى انجزت العقد ووفت به كاملا.

واما اذا كان العقد على النحو الثانى، فقد يستشكل فى صحته من باب ان براعه النسختين بحيث يكونا كابيهم هو امر لم تقدر عليه شركه الاستنساخ، واذا كان غير مقدور عليه فلا يصح شرطه فى ضمن العقد، لانه يودى الى كون العقد غرريا وباطلا.

ثم لو تنازلنا عن هذا الاشكال وافترضنا ان الشركه لها قدره على ايجاد النسختين بحيث يكونا كابيهم فى العلم والمعرفه، فحينئذ اذا لم تتمكن الشركه من ذلك فلا يمكن القول بايجاد خيار التدليس لفسخ العقد، حيث ان هذا العقد ليس كبقيه العقود التى تكون على البضائع بحيث يحصل الفسخ، فيرجع المال الى صاحبه، وترتجع السلعه الى صاحبها، ولهذا قد يقال بالزام الشركه بارجاع قسم من المال الى من تولدت النسختان منه يحكم به اهل الخبره، وقد يقال بفسخ الاجره المسماه، فتستحق الشركه اجره المثل، لانه عمل برضا صاحب الخليه والبويضه.

15 - اذا وجد انسان مستنسخ، ولكن نسخا باكره منه محفوظه فى التبريد العميق معروضه للبيع متى شاءت النساء ان يشترينها اذا كن يرغبن فى طفل. فحينئذ تبقى النساء تنتظر لترى النسخه كيف هى، فاذا اعجبتها ذهبت لشراء نسختها المحفوظه فى التبريد، وحينئذ يتوجه السوال عن جواز هذا العمل وصحه البيع؟ وما هى نسبه النسخه الاولى للثانيه والثالثه والرابعه؟ وهل يرث من صاحب النواه والبويضه المنزوعه النواه؟ واذا كان الارث قد قسم سابقا فهل له الحق فى الرجوع عليهم او على ورثتهم اذا كانوا قد ماتوا باعتبار ان حقه فى الارث مقدم على حق الوارث من اخوته؟

والجواب: انه لا دليل على حرمه هذا العمل فيما اذا كان لا يودى الى اختلال النظام.

واما البيع للنساء اللائى يرغبن فى الحمل بهذه الصوره فهو ايضا بيع صحيح يشمله (اوفوا بالعقود).

واما النسبه بين النسخ فهى نسبه الاخوه اذا كانت النسخ تشترك فى الام وهى صاحبه البويضه.

واما الارث من صاحبه البويضه فلا يكون صحيحا، لما تقدم من ان ادله الارث تشمل الولد الموجود فعلا وحين موت الام ولو كان على مستوى كونه جنينا بشرط ان يولد حيا. اما هذا الولد الذى سوف يوجد بعد موت امه فلا تشمله ادله الارث من والدته، سواء قسمت تركه امه ام لم تقسم.

16 - اذا اوجد انسان نسخه له وهو فى سن الثلاثين ونسخته حينما تبلغ العاشره من العمر سيكون هو فى سن الاربعين، فاذا مرض بمرض السرطان الناجم عن الوراثه وعلم الاطباء ان الصغير سيكون مصيره ذلك، فهل يجوز لهم ان يجروا عمليه جراحيه للصغير - كان يزيلوا العضو المماثل الذى ابتلى بالسرطان -بدون اذنه وبدون مرض حالى؟

والجواب: اذا كان اطباق العلماء على ان مصير الولد هو مصير من اخذت الخليه منه، اى حصل العلم بالاصابه فيجوز اجراء العمليه ولو بدون مرض حالى، وهذا الجواز انما يكون فى صورتين:

الاولى: ان يكون الولد بالغا عاقلا وقد اذن فى ذلك.

الثانيه: ان يكون باذن وليه اذا كان صغيرا او غير عاقل.

17 - ان بقاء النوع فى صور الحياه الراقيه ومنها الثدييات (حيوان او انسان) يعتمد على التكاثر التزاوجى بين الذكر والانثى. وقد ثبت ان الجينات الوراثيه عرضه لحدوث ما يسميه علم الوراثه (طفرات) يتحول معها الجين السوى الى جين مريض. وللتخلص من هذه الجينات المريضه ما يحدث للخليه الجنسيه (البويضه او المنى) حيث تطرد نصف حصيلتها الارثيه، فاذا التحم النصفان الذكرى والانثوى تكونت خليه كامله - وهى البويضه الملقحه التى هى اول مراحل الجنين - كما هى سائر خلايا الجسم، وحينئذ ان بقيت جينات مريضه فى النصف الذى لقح فلعل النصف الاخر القادم من الزوج الاخر يغلبها ويكبحها عن احداث المرض.

اما كيف تطرد الخليه الجنسيه نصف حصيلتها الارثيه ومتى؟

فالجواب: عندما تكون الخليه الجنسيه مخصبه (قابله للتلقيح)، وتوضيح ذلك:

ان الخليه الجنسيه عند انقسامها الاخير الذى تتهيا به للقدره على الاخصاب لا ينقسم الشريط الكروموسومى الى نصفين يكمل كل منهما نفسه، بل تبقى الاجسام الصبغيه سليمه ويذهب بعضها ليكون نواه خليه والنصف الاخر ليكون نواه خليه، فتكون نواه الخليه الجديده مشتمله على ثلاثه وعشرين فردا من الاجسام الصبغيه لا على ثلاثه وعشرين زوجا، ويسمى هذا الانقسام بالانقسام الاختزالى، اى ان النواه فيما يختص بالحصيله الارثيه هو نصف نواه. هذا كله فى التكاثر التزاوجى. اما اذا كان التكاثر لا تزاوجيا فستبقى الجينات المرضيه الحاصله من الطفرات على حالها من دون طرد لبعضها، فان تم صنع نسخه عن نسخه لاجيال عديده فستتراكم الجينات المرضيه مع حدوث طفرات جديده حتى تصاب الاجنه بالتشوهات الخلقيه او الموت، فهل هذا الاعتبار يكفى لمصادره الموضوع من اساسه فيمنع الاستنساخ مطلقا؟ او هل يشرع بالاستنساخ للنسخ الماخوذه من الاصل فقط، ولا نسمح بالاستنساخ عن الاستنساخ الذى يسمى بالاستنساخ العمودى؟

والجواب: ان الاستنساخ الذى لا يودى الى اختلال النظام الذى حكمنا بجوازه من الناحيه الاوليه لا بد من تقييده بعدم اشتماله على الضرر الذى يصيب الاجنه من قبيل تشوهاتها الخلقيه، وعلى هذا فكل مرتبه من الاستنساخ تكون مشتمله على الاضرار بالجنين تكون محرمه، لان الحديث النبوى القائل: (لا ضرر ولا ضرار فى الاسلام) يكون مفاده شاملا حتى للضرر بالجنين.

18 - يستخدم الاستنساخ لتوليد الماده اللازمه لنقل عضو او نسيج عضوى، وهذا الاستنساخ يتم فى مراحل:

ا - اخذ الخليه من كبد او رئه او معده ... الخ وزراعتها حتى تنقسم الى مئات الخلايا من نفس الكبد او الرئه او المعده.

ب - انتاج اجنه لكى نحصل منها على الاعضاء.

ج - انتاج بشر عاديين ليكونوا مصادر لقطع الغيار.

فمن وجهه نظر الدين تكون العمليه الاولى جائزه للاستفاده منها حالا او بعد ان تخزن فى التبريد العميق.

اما العمليه الثالثه فهى محرمه شرعا، لان الفرد المستنسخ له كل الحقوق التى للاخرين فلا يجوز ان يجعل احتياطا لقطع غيار غيره وان كان الباعث على وجوده هو ترميم قطع غيار غيره، بل لا يجوز له ان يفرط باعضائه الاساسيه التى لا يعيش بدونها من اجل الاخرين كما صرح بذلك القرآن الكريم حينما خاطب البشر بقوله: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكه) وكذلك الامر فى العمليه الثانيه، فان الشارع قد حرم الاعتداء على الجنين حتى فى صوره كونه نطفه، لان النطفه هى مبدا نشوء الانسان، ولا يجوز اسقاط مبدانشوء الانسان لا التفريط به كما تقدم الدليل على ذلك، فلا نعيد.

19 - اذا وجدت نسخه طبق الاصل من خليه زيد وبويضه زوجته هند المنزوعه النواه، فاذا كانت هذه هى ام النسخه -كما تقدم- ولا يوجد اب لهذا الوليد، فالسوال هنا عن علاقه النسخه بالزوج فهل تكون النسخه هى ربيبه الزوج باعتبار شمول قوله تعالى: (وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن)للصوره التى نحن فيها؟

والجواب:

1 - هو امكان التمسك باطلاق (الربيبه) للصوره التى نحن فيها، فسواء كانت الربيبه من ماء رجل آخر او لم تكن من ماء رجل آخر فهى تربى فى حجر الزوج، وهى من زوجه هذا الزوج، فتكون محرما على الزوج اذا دخل بالزوجه.

ولكن قد يشكل على التمسك بالاطلاق حيث يقال: ان معنى الربيبه غير معروف عند العرب، اذ يمكن ان يكون معناه هو بنت الزوجه التى تربى فى حجر الزوج، وقد يكون معناها بنت الزوجه من ماء زوج آخر وتربى فى حجر الزوج الجديد، فلا يمكن التمسك بالاطلاق لاثبات سعه المعنى.

ولكن هذا الاشكال مبنى على ان جمله: (اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن) هى قيد للربائب، ونحتمل وجود قيد آخر، وهو (من ماء رجل آخر).

هذا، ولكن الصحيح هو التمسك باطلاق الربائب لما نحن فيه، وذلك لان جمله: (اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن) ليست قيدا للربائب، بل هى تفسير لها، وذلك لعدم وجود قسمين من الربائب حتى تكون الجمله قيدا، بل عندنا قسم واحد للربائب، وهى التى تربى فى الحجور من نسائكم اللائى دخلتم بهن، فيتم الاطلاق لاثبات السعه للبنت التى من نسائنا اللاتى دخلنا بهن وتربى فى الحجر غالبا وان لم تكن من ماء رجل آخر.

2 - يمكن التمسك بفكره تنقيح المناط ومناسبات الحكم والموضوع لاثبات المحرميه بين الزوج وهذه البنت التى تكونت من نواه خليه (الزوج او الزوجه) مع بويضتها المنزوعه النواه، بان يقال: ان النكته فى نظر العرف لتحريم (الربيبه) هى انها بنتها ومتولده منها وتربى فى حجر الزوج، وليست النكته تولدها من ماء رجل آخر، وبهذا يتم الحكم بالتحريم بين النسخه والزوج.

هل يمكن تجويز الاستنساخ بصوره مطلقه؟

اقول: ان التهويل القائم من عمليه الاستنساخ للبشر قائم على ان تكون النسخ متشابهه مئه فى المئه كنسخ الكتاب الواحد، ولكن ذكر بعض العلماء عدم وجود التشابه التام بين النسخ، وذلك لوجود عدد ضئيل من الجينات (الصفات الوراثيه) فى سيتوپلازم البيضه المستقبله، فهل هذا يكفى لعدم تحريم الاستنساخ، لان دليله هو اختلال النظام القائم على التمايز واختلاف الالوان، وعند وجود الاختلاف ولو ضئيلا فلا يحصل اختلال النظام؟

الاثبات القضائى‏عب‏ء الاثبات

الشيخ قاسم الابراهيمى

مراجعه الاستاذ الشيخ آل راضى

تذهب القوانين الوضعيه السائده اليوم -وان اختلفت عبارات موادها -الى ان الاثبات يقع على عاتق المدعى وانه المكلف به دون المنكر. وتوضيح هذه القضيه والقاعده واثباتها يتوقف فى الواقع على جمله امور:

1 - بيان معنى المدعى وتمييزه عن المنكر.

2 - من يقع عليه عب‏ء الاثبات منهما.

3 - منشا القاعده ودليلها.

فالبحث يقع فى مقامات ثلاثه:

المقام الاول: المراد بالمدعى

عرف صاحب الوسيط المدعى بانه: من يدعى خلاف ما هو الثابت حكما او فعلا.

والمراد بالثابت حكما: اما الثابت اصلا - كما فى الحقوق الشخصيه حيث يجرى اصل البراءه عن الحق-او ظاهرا - كما فى الحقوق العينيه حيث تحكم الظواهر، كظاهر كون المال فى يد شخص انه له، المسماه فى فقهنا بقاعده اليد-او فرضا -كما فى القرائن القانونيه التى يعتبر القانون فيها امرا هو الاصل، فقد يوافق ما اعتبره القانون اصلا قول المدعى كما قد يوافق قول المنكر، ومثاله ما لو اعتبر القانون الاصل فى جنايه الدابه تقصير صاحبها فى عدم حفظها وبالثابت فعلا، هو ما اقام الخصم الدليل عليه بالطرق القانونيه حقيقه -كما لو ابرز وثيقه الدين -او ضمنا -كما لو دفع المتهم التهمه بالوفاء او المقاصه.

وقريب منه تعريف الاستاذ احمد نشات فى رساله الاثبات القضائى، لكنه اضاف الى التعريف القرينه القضائيه. ومراده بها ما قررته محكمه النقض فى قضيه معينه انه الاصل، من قبيل ما لو قررت المحكمه المذكوره من اعتبار عدم اعتراض صاحب البضاعه على الناقل البحرى عند استلامها قرينه على سلامه البضاعه المسلمه اليه عند الاستلام، فلو ادعى بعد مده من استلامها انها كانت معيبه كان ذلك خلاف ما قررته محكمه النقض اصلا، فيكون مدعيا وعليه الاثبات.

وعرفه صاحب المداينات -على ما نقل عنه - بانه: (من يروم اثبات امر خفى يريد به ازاله امر جلى).

وفقهاونا(رحمهم‏ اللّه) ذكروا كل هذه التعريفات ومعها غيرها، فعرف المدعى عندهم اما بمن اذا ترك ترك، او من قوله خلاف الظاهر، او خلاف الاصل، او احدهما، او من قام به انشاء الخصومه فى حق له، او خروج من حق عليه، وربما احالوه الى العرف اما ذاتا باحاله ذات مفهوم المدعى عليه او لازما باحاله لازمه -اى من عليه يقع عب‏ء الاثبات - عليه.

وكيفما كان، فالتعاريف المذكوره - كما ذكر صاحب الجواهر- تعاريف ببعض خواص المدعى بغيه التمييز بينه وبين المنكر، والا فالمدعى وزان مفتعل مشتق من الدعوى بمعنى الزعم قلبت التاء فيه دالا للقاعده، فمعناه الزاعم، وهو يصدق على كلا طرفى الخصومه، لان المدعى وان كان يزعم عوده المتنازع فيه اليه والمنكر ينفيه، لكن انكاره زعم ايضا. وان توهم صاحب الجواهر انه مشتق من التداعى بمعنى المخاصمه، مما ينطبق على المدعى والمنكر على حد سواء، فى حين انه ليس كذلك على ما اخترناه، لتخالفهما فى الزعم، فان المدعى يزعم ملكيه المتنازع فيه مثلا والمنكر يزعم عدمها.

ومهما يكن من امر، فان التعاريف المذكوره على اختلافها قابله للارجاع الى مودى واحد. فمتعلق الترك فى التعريف الاول وان فسر بالخصومه - مما يلزم من ذلك انطباقه على خصوص الشاكى لو اريد بها اصل المطالبه بالحق المتنازع فيه مثلا- لكن المحقق العراقى فسره بالزام الطرف المقابل بخلاف الحجه الفعليه فقال: (ان المدعى هو الذى لو ترك الزام الاخر بخلاف الحجه الفعليه وابقى الوضع على طبعه الاولى لترك وانتهت الخصومه). ولعله مراد من جعل متعلق الترك الخصومه، فمدعى الاعسار او الوفاء يصدق عليه انه تارك للخصومه لو ترك ادعاء الاعسار او الوفاء وان لم يتركه صاحب الحق على التقدير المذكور، فان الخصومه نشات بدعواه، فتركها ترك لها.

و(الظاهر) فى التعريف الثانى ان اريد به ظاهر الحال فكثير من الدعاوى خاليه منه، كدعويى الصحه والفساد فى عقد او ايقاع، او تسديد دين او عدمه، فلم يقع ما قصد اليه من التعريف من تمييز المدعى عن المنكر، فمن البعيد ان يكون مرادا.

وان اريد به ما يقابل الواقع ويعم الاصل رجع الى الاول، فان كل دعوى لا تخلو من اصل او ظاهر يكون الحجه بدوا حتى تقوم حجه تتقدم عليها.

والترديد فى الثانى آت فى التعريف الثالث ايضا، فانه ان اريد بالاصل الاصل العملى لم يصح الاقتصار عليه فى تمييز المدعى عن المنكر، لادائه فى حاله وجود الظاهر معه وتخالفهما اما الى طرح الظواهر فى معرفه المدعى، فيطالب صاحب الظاهر بالبينه، لانه مدع بمقتضى التعريف، وهو ما لا يلتزم به صاحب التعريف نفسه، او الى كثره تخصيص قاعده (البينه على من ادعى، واليمين على من ادعى عليه)، فيطالب من الاصل معه بالبينه مع انه منكر بمقتضى التعريف، ومن الاصل بخلافه باليمين مع انه مدع، وكثره التخصيص فى القاعده قبيح خصوصا على مبنى المشهور من اعتبارها الميزان فى القضاء، فلا تصح ارادته.

وان اريد به القاعده الجاريه -كما هو احد معانيه - رجع الى الاولين، لان عنوان القاعده يعم الاصل والظاهر معا، وقيد الجريان يخرج منهما ما ليس بحجه بالفعل. وبه يفرض شق ثالث للترديد فى معنى المخالفه عند صاحب الجواهر، فليس المراد مخالفه جميع الاصول، ولا اصل فى الجمله، بل الاصل الجارى بالفعل. ولذلك يتفق مع الرابع ايضا بعد اراده خصوص الجارى من الاصل والظاهر، كما فسرهما به الشيخ الانصارى بنقل الاشتيانى.

واما تعريف صاحب الجواهر فقد تضمن كلتا خصوصيتى التعاريف السابقه: مخالفه الاصل، وتسبيب الخصومه. غير ان جعل مورد الخصومه اثبات حق له وخروجا من حق عليه ربما اشعر بقصر الاصل المخالف قول المدعى له على اصل العدم، مع انه ليس الاصل الوحيد الجارى فى موارد التنازع، اللهم الا ان يريد بذلك المثال.

والاحاله على العرف فى التعريف السادس لا تنافى كون الملاك عنده ما ذكر، فربما ادعى ان ما يستفاد من الارتكاز العرفى بحسب التحليل العقلى له فى خصوص الدعوى هو ان الفرق بين المدعى والمنكر- بعد انطباق معنى المدعى لغه عليهما بكلا مصدرى اشتقاقه - كامن فى توفر احدى الدعويين على خصوصيه موافقه النظر البدوى فى المساله القائم على القواعد الاوليه ولو العرفيه الجاريه فيها والمعبر عنه بالظاهر مقابل الواقع، فكان المدعى يطالب -بحسب هذا النظر- بما ليس له، ولذا يرى العرف لزوم اثبات استحقاقه له عليه بدليل يرفع موضوع القاعده الاوليه ويتقدم عليها كالبينه.

فتحصل من كل ما مر: ان جميع التعاريف المذكوره ببعض تقاديرها تريد الاشاره الى خصوصيه فى دعوى المدعى، وهى ان دعواه تخالف مودى القاعده الاوليه الجاريه فى مورد النزاع.

نعم، لابد من تنقيح ان القاعده الاوليه الجاريه المعتبر مخالفتها لاحدى دعويى المتخاصمين فى صدق المدعى على صاحبها هل هى القاعده المعتبره عند الشرع ام عند العرف؟

فلو فرض تخالف الشرع والعرف فى الاصل الجارى فى المساله، فباى يوخذ ويتعامل مع صاحب الدعوى المخالفه له على انه المدعى؟

قد يقال بالاناطه بالعرف، باعتبار ان التحاور الحاصل بين الشارع ومخاطبيه مبنى على طريقه العرف فى محاوراته، اذ لو كان للشارع طريقه غيرها للزم - توصلا منه الى غرضه - تبيينها، ولم يبين. وطريقه العرف قائمه على اساس الارتكازات بينهم، فيتعين حمل العناوين الوارده فى بيانات الشارع غير المبين مراده منها بكلام متصل او منفصل على المعانى الارتكازيه عند العرف. والمدعى والمنكر وردا فى الروايات دون ان يبين المراد منهما عند الشارع، فيتعين حملهما على المعنى العرفى. ومن الطبيعى ان احاله ذلك على العرف يستلزم تطبيقه -اى العرف - قواعده لا القواعد الشرعيه.

وقد يخطر بالبال ان هذا البيان ان صح فى سائر الموارد لا يصح هنا، فان المخاطب بدليل مطالبه المدعى بالبينه والمنكر باليمين ليس العرف العام ليكون المقصود منوطا بالمعانى المرتكزه عند العرف من لفظ المدعى والمنكر مما يعنى تطبيق قواعده لا القواعد الشرعيه، بل العرف الخاص برواه حديث الائمه والعارفين باحكامهم الناظرين فى حلالهم وحرامهم، اعنى الفقهاء خاصه الذين اسند اليهم منصب القضاء، ومثلهم يعتمد على ارتكازاته الشرعيه لا العرفيه فى تشخيص المدعى وتمييزه عن المنكر، فيطبق عنوان المدعى على من خالفت دعواه القاعده الشرعيه الجاريه فى مورد التنازع.

لا يقال: ان هذا لو تم جرى فى جميع العناوين الوارده فى الادله الفقهيه، لان المستنبط لها الفقيه، فينبغى ان يكون هو المخاطب بها، مما يعنى اعتماده المرتكزات الشرعيه لا العرفيه.

فانه يقال: ان كلام الامام(ع) عاده ما يرد جوابا على اسئله السائلين وهم من عامه الناس، فالخطاب موجه لهم، وان اعمل الفقهاء فيما بعد مزيدا من الدقه لاستفاده بعض النكات الخاصه وتطبيقها فى الفروع والمسائل الحادثه، بخلاف ما نحن فيه، فان مثله مما يمتنع ان يكون المخاطب به الناس، لتوقف المقام على مقام خاص فى المخاطب.

لكن شيخنا الاستاذ آل راضى -ادام اللّه بقاءه - منع منه معللا ظهور الفرق بين هذه الروايات وغيرها.

المقام الثانى: من يقع عليه عب‏ء الاثبات

تسالمت كلمه فقهاء الشريعه والقانون على وقوع عب‏ء الاثبات بعهده المدعى، اذ قال السنهورى فى الوسيط: (من المبادى المقرره فى الفقه الاسلامى ان البينه على من ادعى، واليمين على من انكر.

وفى القانون المصرى وسائر القوانين الحديثه توجد القاعده ذاتها، فالمدعى هو الذى يحمل فى الاصل عب‏ء الاثبات، سواء كان دائنا يدعى ثبوت الدائنيه، او مدينا يدعى التخلص من المديونيه كما تقول الماده (389)).

ويقول الدكتور عبدالسلام المزوغى ما يلى:

(ان القاعده هى ان عب‏ء هذا الاثبات يقع على الخصوم، ويتوزع هذا العب‏ء بينهم طبقا لقاعده الاثبات على المدعى، سواء كان مدعيا اصيلا او مدعيا بطريق الدفع من موقع المدعى عليه. ويقصد بهذه القاعده: ان من يدعى امرا محل نزاع عليه ان يقيم الدليل والحجه امام القضاء على صحه ادعائه ... وتطبيقا لهذه المفاهيم بشان قواعد الاثبات تنص الماده (376) من التقنين المدنى «الليبى‏» على القاعده العامه فى ذلك بنصها: على الدائن اثبات الالتزام، وعلى المدين اثبات التخلص منه).

وجاء فى كتاب القضاء فى الفقه الاسلامى ما نصه: (قد اتفقت كلمه الشريعه الاسلاميه والفقهاء الوضعيين على ان القاعده فى باب القضاء هى مطالبه المدعى بالبينه، ومطالبه المنكر باليمين).

ولا ريب فى اتفاق كلمه الشريعه الاسلاميه على ذلك كما ذكر، لكن اتفاق كلمه الفقهاء الوضعيين عليه لو اراد بالبينه شهاده العدلين غير معلوم، او غير صحيح، لان مطالبه المدعى بالبينه لا يصح الا بناء على تفسير البينه بالدليل الواضح، واما بناء على تفسيره بالشهاده المتعارفه فى الفقه الاسلامى فلا توجد فى القانون الوضعى غالبا، وذلك لانه فسح للقاضى المجال لان لا يتقيد بعدد الشهود ولا بجنسهم ولا بسنهم، فقد يقنعه شاهد واحد ولا يقنعه شاهدان او اكثر، وقد يصدق المراه ولا يصدق الرجل، وقد تكون شهاده صبى صغير ابلغ فى اقناعه من شهاده رجل كبير... «كما» زالت ضروره تزكيه الشهود، فلم يعد الشاهد «فى القانون الوضعى المصرى مثلا» يزكيه شاهد آخر، بل الذى يزكيه هو مبلغ ما يبعثه فى نفس القاضى من الاطمئنان الى دقته والثقه فى امانته).

كما انه اشترط الحلف على الشاهد، ولم تشترطه الشريعه.

واما مطالبه المنكر باليمين فلم يعلم اطباقهم على ذلك، وما عثرت فى الكتب الحقوقيه ان ذلك ثابت فى قوانين البلدان الاسلاميه والقوانين الفرنسى والايطالى والبلجيكى.

ومهما يكن، فان ما يهمنا هو اتفاق كلمه الفقهاء فيما يرتبط بالامر الاول الذى يمكن عد البينه فيه مثالا للاثبات.

لكن القانون الوضعى ربما استثنى من القاعده المزبوره بعض الموارد وجعل فيها الاثبات بعهده المنكر، كما صرح به غير واحد من القانونيين. قال الدكتور انور سلطان - بعد بيانه مضمون القاعده - ما نصه:

(لكن يلاحظ ان المشرع قد يتدخل لتغيير هذه القاعده بان يقيل الشخص من عب‏ء الاثبات، او ينقل هذا العب‏ء الى الطرف الاخر عن طريق ما يسمى بالقرينه القانونيه).

وقد تقدم ما يرتبط بالقرينه القانونيه فى تعريفى صاحبى الوسيط ورساله الاثبات للمدعى.

وكيفما كان، فهذا الموقف الذى اتخذه القانون الوضعى كانت الشريعه الاسلاميه قد سبقت اليه، حيث ورد عن الائمه(ع) روايات فى القتل جعلت عهده الاثبات فيه على المنكر. ففى صحيحه بريد بن معاويه عن ابى عبداللّه(ع) قال: سالته عن القسامه، فقال: (الحقوق كلها البينه على المدعى واليمين على المدعى عليه الا فى الدم خاصه...).

وفى موثقه ابى بصير عنه(ع) قال: (ان اللّه حكم فى دمائكم بغير ما حكم به فى اموالكم، حكم فى اموالكم ان البينه على المدعى واليمين على المدعى عليه، وحكم فى دمائكم ان البينه على من ادعى عليه واليمين على من ادعى، لئلا يبطل دم مسلم).

لكن الغريب انى لم اجد من تعرض لهذا الامر، بل الذى يظهر منهم ان البينه فى الدم كالبينه فى غيره تطلب من المدعى وان كان ذلك لا يعد اعراضا منهم عن الروايه المذكوره. نعم ذكر فى كتاب القضاء فى الفقه الاسلامى فى غير موضعه مرسلا له ارسال المسلمات حيث قال: (لو تعارضت بينه المدعى وبينه المنكر فقد يقال بتقديم بينه المنكر، لما دل على ان البينه على المنكر دون المدعى، ولكن دليل كون البينه على المنكر انما دل على ان الذى يطالب بالبينه هو المنكر دون المدعى...).

المقام الثالث: منشا القاعده ودليلها

لا اشكال ان قاعده (الاثبات على المدعى) المتقدمه ليست قاعده بديهيه مسلمه لا عقلا ولا عقلائيا، فلم يعمل بها فى القانون الفرنسى الا فى القرون الوسط‏ى، وان القاعده قبل ذلك استقرار الاثبات بعهده المنكر (المتهم). وعلى هذا فلابد من البحث لهذه القاعده من دليل.

وقد ذهب القانون الوضعى الذى يقوم على اساس الاحكام العقليه والعرفيه الى ان منشا هذه القاعده هو اصل البراءه الجارى فى جميع الدعاوى لصالح المتهم، كما صرح بهذا الانتزاع الدكتور عبدالسلام المزوغى قال: (وتفسير تحميل عب‏ء الاثبات على المدعى يستند الى القاعده الطبيعيه التى تنص على ان الاصل براءه الذمه وكل من يدعى شغلها باى التزام عليه ان يقيم الدليل والحجه على صحه مدعاه).

وقال الدكتور صالح الدين الناهى بعد ذكر القاعده: (والاصل فى ذلك العمل بظاهر الحال، فالمدعى يسال عن اقامه الدليل على ما يدعيه، لان الظاهر والاصل فى المدعى عليه البراءه مما ينسب اليه، اى ان الاصل براءه الذمه حتى يقوم الدليل على انشغالها بالدين «مثلا»، فيقع عب‏ء الاثبات عندئذ على المدعى عليه عند ادعائه البراءه).

ويقول الدكتور احمد نشات: (فاذا ادعيت مثلا ان لك مبلغا من المال فى ذمه شخص وجب عليك ان تقيم الدليل على ذلك، لان الاصل عدم المديونيه او براءه الذمه، وهذا الاصل متفق عليه فى جميع الشرائع وفى الشريعه الاسلاميه).

وهذه العبارات يمكن ان تقرب باحد تقريبين، هما:

التقريب الاول: ويتالف من مقدمتين:

المقدمه الاولى: ان الاصل فى القضاء العمل بالظاهر، فيحكم لصالح المتخاصم ان كان الظاهر معه، وضده ان كان ضده.

ولعل المراد بالظاهر -المعبر عنه مسامحه فى كلمات بعض القانونيين بظاهر الحال، مما يختلف باختلاف طبيعه القضيه المتنازع فيها - هو ما قابل الواقع، اى ما يكون عليه الحكم ابتداء بحسب القواعد الاوليه الجاريه فى القضيه، فان القضيه لا تخلو من قاعده جاريه فيها بشكل اولى وقبل ابراز الخصمين اثباتاتهما، فيقرب من معنى الحكم الظاهرى المقابل للواقعى بمعنى الحكم الثابت فى لوح الواقع. وقد تقدمت الاشاره الى هذا من قبل، وفيه قلنا: ان القاعده اعم من الاصل والظاهر.

المقدمه الثانيه: واذ كانت دعوى المدعى خلاف الظاهر المذكور - لان الاصل عند الشك فى اشتغال ذمه شخص او براءتها مما وجه اليه البراءه حتى يثبت الخلاف والا كان خلف فرضه مدعيا - كان من الطبيعى ثبوت الاثبات بعهدته لا بعهده المنكر.

وهذا التقريب يمكن ان تثار بشانه عده ملاحظات:

الاولى: ان اصل البراءه بمعنى عدم ارتكاب الجرم لا عدم ثبوت الحكم عند الشك فيه او فى موضوعه، والمدعى جريانه فى المقام مجهول المستند، ويحتمل فى تقرير مستنده احد امور:

الاول -ان يقال: ان مستنده بديهه العقل لكونه حكما عقليا اوليا مثلا.

وفيه: انه قد تقدم ان اصل البراءه هذا ليس ثابتا ببديهه العقل، والا فلم لم تعمل به الشعوب القديمه ولا المجتمع الفرنسى ايضا حتى فتره القرون الوسط‏ى؟! اذ لو كان ثابتا كذلك لاقره جميع افراد البشر، لاستواء الناس فى بديهه العقل الا من عرضت شبهه عليه.

وعروض الشبهه لهذا العدد من الناس محال الوقوع عاده، فيتعين انكار كونه ثابتا كذلك.

الثانى -ان يقال: ان مستنده استصحاب عدم التهمه الازلى او النعتى.

والجواب: ان استصحاب العدم النعتى لا يجرى فى جميع الدعاوى، لان منها ما ينفى صفه عن موضوع لم يكن موجودا قبلها بحيث لا يتحقق موضوع الاتصاف فى زمان ليستصحب، نظير قرشيه المراه وابنيه المتوفى وغيرهما. واصل البراءه المتمسك به من قبل الحقوقيين هو الاعم من هذه الموارد وغيرها. فلم يبق الا التمسك باستصحاب العدم الازلى، وهو مختلف فيه بين الاعلام.

الثالث -ان يقال: ان مستند اصل البراءه سيره العقلاء، لقيامها على التعامل عند الشك فى ثبوت امر او عدمه بالبناء على العدم. ولا ريب فى امتداد هذه السيره واتصالها بعصر المعصوم(ع)، وبلوغها حدا من الانتشار يقضى بوقوعها امامه وعدم ردعه عنها، والا لوصل.

فان قيل: ان غايه ما يثبته هذا المستند البناء على العدم فى مجال تحديد الموقف العملى دون الحكم القطعى الذى هو موضوع القضاء، فانهم يبقون على احتمال المخالفه قائما، ولا يعدونه نقضا لبنائهم السابق عند انكشافها.

قلنا: ما يكفينا فى المقام هذا المقدار، لان القاء عب‏ء الاثبات على المدعى او المنكر لا يتطلب اكثر من اتخاذ موقف عملى.

الثانيه: ان اصل البراءه على فرض ثبوته باحد المستندات المتقدمه لا يجرى فى المقام، لانه من التمسك بالاصل المثبت الذى لا يقول به احد من المعاصرين.

وجه المثبتيه: ان ما يثبته اصل البراءه براءه المتهم من التهمه الموجهه اليه وعدم ترتيب اثر عليها. وينتزع من هذا ان الظاهر يكون لصالح المدعى وضد المدعى عليه، وهو ما يشكل صغرى لكبرى عمل القضاء بالظاهر الوارده فى المقدمه الاولى من التقريب.

الثالثه: ان اصل البراءه ليس هو الاصل الوحيد الذى يمكن التمسك به فى تمييز المدعى من المنكر، بل هناك اصول اخرى قد تكون هى المائز، مثل اصاله الصحه وغيرها.

وهذه الملاحظه ممنوعه، فان اصل البراءه -وان داب الحقوقيون على ذكره مستندا لكون الاثبات بعهده المدعى- لكنه لا موضوعيه له فى المقام فانما ذكر من باب المثال، فان فرض كون المدعى مدعيا يقتضى مخالفه قوله للظاهر، سواء تمثل باصل البراءه ام غيره خالفه فى النتيجه ام لا، ومعه فالمناقشات الثلاث المتقدمه حتى لو فرضت تماميتها غير مضره بالاستدلال، لبقاء صغراه صادقه.

الرابعه: ان المقدمه الاولى غير ثابته عندنا، لوضوح افتقار القضاء الشرعى الى حجه شرعيه، فليس كل قاعده جاريه ومعتبره فى الافتاء -وان كانت ظهورا- تجرى فى القضاء، فضلا عن الاصل، ولا العكس صحيح ايضا، وانما ثبتت الحجيه القضائيه للبينه فى جانب المدعى واليمين فى جانب المنكر بناء على موضوعيتهما كما ذهب الى ذلك المشهور، او معرفا لمستوى الحجه المعتبره من كل منهما بناء على الحديه على ما ترجح فى المقاله السابقه. ومن هنا فالدليل المذكور لا يجرى فى القضاء الشرعى وان جرى فى القضاء الوضعى.

الخامسه: ان كون الاثبات بعهده المدعى او المنكر ليس من الحكم والقضاء فى شى‏ء حتى يقال ان الاصل فى القضاء العمل بظاهر الحال، وانما هو من مقدمات الحكم ومبادئه. اللهم الا ان يقال: بان المراد من الاصل المذكور عدم ترتيب آثار المجرميه على المتهم سواء فى الحكم او فى مقدماته، ويتعامل معه على انه برى‏ء، فلا يطالب بالاثبات ولا بغيره، والظاهر ان المراد ذلك.

السادسه: ان اجراء الاصل المذكور وان امكن به اثبات براءه المتهم من التهمه الموجهه اليه بعد فقدان الدليل، لكن جريانه كذلك لا يمنع من مطالبه المتهم باثبات دعواه فى رتبه سابقه وقبل وصول النوبه الى اجراء الاصل.

لا يقال: ان جعل الاثبات بعهده المتهم مع كون الاصل معه امر لا طائل من ورائه، سيما مع القول بحقه فى الاثبات كما تقدم فى المقاله الاولى، وانما يجعل بعهده المدعى ليصل الى حقه بعد فرض ان الاصل خلاف دعواه.

فانه يقال: لا ينحصر وجه جعل الاثبات على المدعى عليه باستبقاء ما كان عليه قبل التهمه ليقال بكفايه الاصل فيه، بل يكفى بالاثبات فائده ان ينظر القضاء الى القضيه بموضوعيه تامه والى المتخاصمين بحياديه مطلقه، فيغض النظر عما يقتضيه الاصل فى محل النزاع، وينظر الى المتنازع فيه بما هو شى‏ء خارجى اجنبى عن الطرفين، ليطالب المدعى عليه اولا باثبات عائديته له، ثم المدعى باثبات دعواه ثانيا، فان لم يكن لهما ما يثبتان دعواهما ولم يرجعا الى اليمين حكم الاصل او الظاهر فى ذلك. وهذا نظير ما يجرى فى عمليه الاستنباط، حيث يبحث اولا عن الدليل المثبت للحكم الشرعى، فان فقد رجع الى ما يقتضيه الاصل. ولا تعنى موافقه الاصل للمدعى المراد اثباته منذ البدايه عدم الحاجه الى البحث عن الدليل الاجتهادى المثبت لنفس نتيجه الاصل.

التقريب الثانى: ويتالف من مقدمتين ايضا:

المقدمه الاولى: ان كل حكم يصدره القاضى فى مورد الخصومه يتوقف على احراز موضوعه فى الواقع بما يدل عليه، من دون نظر الى من يصب فى صالحه من المدعى والمنكر.

المقدمه الثانيه: ولما كان الاصل عند الشك فى ثبوت موضوع او انتفائه عدمه -استصحابا او امضاء لسيره او غيرهما-حتى يقوم الدليل على ثبوته، كان من الطبيعى ان يتوقف القاضى عن اصدار حكم فى القضيه لصالح المدعى حتى يقوم الدليل على ذلك -والا كان حكمه بلا مبرر شرعى او عقلائى - مما يبقى المتنازع فيه على حاله قبل المرافعه.

ولهذا السبب يجد المدعى نفسه ملزما بحكم العقل لان يقدم الادله التى تثبت خلاف ما الاصل عليه، وان التهمه التى ادعاها فى حق المدعى عليه ثابته فى الواقع، مما يرفع موضوع الاصل ويرد عليه، ليثبت موضوع الحكم الذى بصالح المدعى ويحكم له القاضى بموجبه.

وهذا الاستدلال تام لا اشكال لنا عليه، الا ان العبارات التى ذكرناها عن الكتب القانونيه قاصره عن افادته بهذا النحو، بل هى الى التقريب الاول اقرب.

نعم، قد تساعد عليه عباره الدكتور سعيد عبدالكريم مبارك حيث يقول: (لاثبات الحق اهميه كبيره، لانه يجب لكى يحكم القاضى لصاحب الحق بحقه ان يثبت حقه امامه لذلك، فالعجز عن اثبات الحق يعنى تجريده من قيمته، وبالتالى عدم وجوده).

ويمكننا ان نضيف الى ما ذكروه دليلين آخرين هما:

الاول: اننا نتمسك بالادله الداله على ان البينه على المدعى واليمين على من ادعى عليه، وهى عده روايات، وذلك بتقريب: ان (على) الوارده فى الحديث تدل على لزوم مطالبه المدعى بالبينه لاثبات دعواه.

وقد دللنا فى المقاله السابقه على ان البينه لم توخذ بنفسها موضوعا للمطالبه، بل بما هى الحد الادنى لوسائل الاثبات التى تثبت بها صحه الادعاء.

واما جعل اليمين على المدعى عليه فليس ماخوذا بما هو دليل لاثبات حقه فى المتنازع فيه كى يقال بانه ملزم بالاثبات كالمدعى، اذ من الواضح عدم اخذه مستندا للحكم بلحاظ كاشفيته عن الواقع كما عليه المدار فى سائر مستندات القضاء المعتبره، بل لعله من باب الاحتكام الى الوجدان والتراضى به حكما بعد عجز المدعى عن اثبات دعواه بالدليل، وهو ما تويده الروايات، بل ربما دلت عليه:

منها: ما فى روايه عبداللّه بن وضاح، قال: كانت بينى وبين رجل من اليهود معامله، فخاننى بالف درهم، فقدمته الى الوالى، فاحلفته فحلف، وقد علمت انه حلف يمينا فاجره، فوقع له بعد ذلك عندى ارباح ودراهم كثيره، فاردت ان اقتص الالف درهم التى كانت لى عنده واحلف عليها، فكتبت الى ابى الحسن(ع) فاخبرته انى قد احلفته فحلف، وقد وقع له عندى مال، فان امرتنى ان آخذ منه الالف درهم التى حلف عليها فعلت، فكتب: (لا تاخذ منه شيئا، ان كان ظلمك فلا تظلمه، ولولا انك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك ان تاخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، وقد ذهبت (فقد مضت خ ل) اليمين بما فيها). فلم آخذ منها شيئا، وانتهيت الى كتاب ابى الحسن(ع).

وكذا موثقه عبداللّه بن ابى يعفور عن ابى عبداللّه(ع) قال: (اذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف ان لا حق له قبله، ذهبت اليمين بحق المدعى، فلا دعوى له...).

فان ظاهر الروايتين تعليق تاثير اليمين فى ذهاب حق المدعى على رضاه بها.

الثانى: الارتكاز العقلائى: وقد تقدم بيانه والوجه فيه لدى الجمع بين التعاريف. ولذا ذهب السيد الخوئى(قدس‏سره) الى تعريف المدعى بانه: (من يرى العرف ان موونه الاثبات عليه) ، فان ذلك يقتضى وجود ارتكاز لدى العرف بوجود ملازمه او اتحاد بين من يتحمل موونه الاثبات وبين المدعى.

وهكذا تكون الشريعه والقانون متفقين فى ان الاثبات بعهده المدعى، غايه الامر انهما يريان ذلك حكما يقضى به العقل توصلا منه الى ما يتوخاه من المرافعه من الحكم فى القضيه لصالحه. وعلى هذا نصت الماده (1257) من القانون المدنى الايرانى على ان (المدعى لحق يجب عليه اثباته، كما ان المدعى عليه يقع عليه عب‏ء الاثبات ايضا، حيث يكون فى موضع الدفاع، ويدعى امرا يفتقر الى الدليل).

مراحل تطور الاجتهاد فى الفقه الامامى

القسم الاول

السيد منذر الحكيم

1 - لماذا هذا البحث؟

لقد بات واضحا لدى المعنيين بكل علم ضروره دراسه تاريخ نشوئه وارتقائه ومراحل تكامله وتطوره. وعلم الفقه ليس بدعا من العلوم، بعد ان كان له تاسيس ونشوء وارتقاء.

ان دراسه تاريخ العلم -اى علم كان- والالمام بها لا تعد اليوم ترفا علميا للباحث والمحقق، وذلك لانها ذات نتائج ايجابيه مباشره للدارس لها من حيث تمكينه من الماده العلميه واعطائه قدرا اكبر من الاحاطه بملابساتها وظروف تطورها وتكاملها، فيكون متضلعا بمعرفه اسرارها وكوامنها واتجاهات المساهمين فى تكوينها تاسيسا وتطويرا، ويكون قادرا على التقويم الواقعى بعد احاطته والمامه بالملابسات والظروف التى رافقت توفير هذه الماده العلميه طيله قرون متتاليه من العمل العلمى الدووب.

2 - الفقه الاسلامى الامامى ومراحل تطوره:

ولا يخفى على الفقهاء والمعنيين بدراسه الفقه الاسلامى ان له مدارس شتى، وتعتبر المدرسه الفقهيه الاماميه الاثنا عشريه من اهم المدارس الفقهيه واعرقها وانضجها واوسعها، وهى تتميز عن سائر المدارس الفقهيه الاسلاميه بميزتين اساسيتين:

الاولى: انفتاح باب الاجتهاد على طول الخط وعلى مدى القرون، منذ التاسيس وحتى يومنا هذا، ولئن اعتقد الفقهاء المحدثون من سائر المدارس بضروره فتح باب الاجتهاد فى العصر الحاضر فانهم يلمسون بوضوح مدى الاضرار التى طالت المدارس الفقهيه من جراء غلق باب الاجتهاد فى حقبه زمنيه غير قصيره.

الثانيه: الارتباط المباشر باهل البيت المعصومين(ع) الذين اثروا الفقه الاسلامى خلال ثلاثه قرون بالماده الفقهيه والمنهج الفقهى المطلوب من دون ان يتلكا هذا النشاط الفقهى او يشاب بما يخرجه عن اطار المنهج القرآنى فى المعرفه من اجل الوصول الى الاحكام الالهيه، بينما خرج كل من اصحاب القياس واصحاب المدرسه الظاهريه عن النسق المعرفى المطلوب قرآنيا من الانسان العاقل واللبيب.

وقد عرف جمله من الفقهاء علم الفقه بانه: العلم بالاحكام الشرعيه الفرعيه عن ادلتها التفصيليه. وهذا التعريف يستبطن امرين:

الاول: خروج عصر التشريع - وهو عصر النبى(ص) - عن مراحل تاسيس وتطور الفقه، فانه -كما يبدو من الاسم العصر الذى ولدت فيه النصوص والادله الفقهيه، وليس هو عصر الاستدلال والاستنباط.

الثانى: ان عصر الائمه المعصومين(ع) الذين دابوا على تبيين وتفسير ما ورد عن النبى(ص) وما جاء فى القرآن الكريم، لا يعتبر من عصور علم الفقه، لان الائمه(ع) كانوا يوفرون الادله والنصوص -كالنبى(ص) للماده الفقهيه التى يراد تربيه الفقهاء على تعلمها وتعلم طريقه الوصول الى الاحكام من خلالها.

وعلى هذا الاساس، فالفقه الماثور او الفقه الروائى -الذى بدا تدوينه من زمن الامامين الباقر والصادق(ع) واستمر تكامله فى عصر الغيبه الصغرى - لا يعد من الفقه الاستدلالى المتداول، ومن هنا اخرجه جمله من مورخى علم الفقه الاسلامى عن عصور ومراحل تطور الفقه الاسلامى الامامى، معتبرين ممارسه الاستدلال من قبل الفقهاء الاماميين فى نهايات الغيبه الصغرى هى مبدا تاسيس علم الفقه الامامى.

وبناء على هذا نميز بين عصر التشريع وعصر ما بعد التشريع الذى ينقسم بدوره الى دورين متميزين هما: دور التفسير والتبيين والتدوين للنصوص الشرعيه، والذى يدخل فى ضمنه جمع وتبويب النصوص الشرعيه المسمى بالفقه الماثور، ثم دور الاستدلال والاستنباط، والذى نسميه بالفقه الاجتهادى المصطلح.

ولنا ان نقسم دور الفقه الاجتهادى الى مراحل شتى بحسب طبيعه التطور الذى طرا على طرائق الاستدلال الذى مارسه الفقهاء طيله هذه القرون بدء بالقرن الرابع وانتهاء بالقرن الخامس عشر.

3 - مورخو الفقه الاسلامى الامامى:

اهتم فقهاونا فى العقود المتاخره بتدوين تاريخ الفقه الامامى، واثمرت جهودهم مجموعه قيمه فى هذا الحقل تشير الى ما رايناه واطلعنا عليه حسب التسلسل التاريخى للتدوين او النشر. واليك القائمه التاليه باهم هذه المصادر التى ارخت للفقه الاسلامى الامامى:

1 - محمود شهابى: ادوار الفقه فى ثلاثه اجزاء1367ه.ق.

2 - محمد باقر الصدر(قدس‏سره): مقدمه المعالم الجديده‏1385ه.ق.

3 - محمد مهدى الاصفى: مقدمه الروضه البهيه‏1386ه.ق.

4 - هاشم معروف الحسنى: تاريخ الفقه الجعفرى‏1388ه.ق.

5 - ابوالقاسم گرجى: نگاهى به تحول علم اصول‏1393ه.ق.

6 - على كاشف الغطاء: ادوار علم الفقه واطواره‏1399ه.ق.

7 - مرتضى مطهرى: خدمات متقابل اسلام وايران.

8 - محمد ابراهيم جناتى: كيهان انديشه، سيرى در ادوار فقه 1403ه.ق.

9 - حسين مدرسى طباطبائى: مقدمه‏اى بر فقه شيعه‏1407ه.ق.

10 - محمد مهدى الاصفى: مقدمه رياض المسائل‏1411ه.ق.

11 - محمد مهدى الاصفى: مقدمه الفوائد الحائريه‏1414ه.ق.

12 - عبدالهادى الفضلى: تاريخ التشريع الاسلامى‏1415ه.ق.

13 - ابوالقاسم گرجى: تاريخ فقه وفقها(ع)1418ه.ق.

14 - جعفر سبحانى: طبقات فقهاء الشيعه‏1419ه.ق.

4 - ملاكات تحديد مراحل الفقه الاجتهادى:

انتهج مورخو الفقه الاسلامى الامامى عده مناهج لتحديد مراحل تطور الفقه الامامى تبعا لاختلاف زوايا النظر الى هذا الفقه.

وكان ممن ادلى بدلوه فى هذا المضمار فقيه مدرسه اهل البيت سماحه آيه اللّه السيد محمود الهاشمى دام ظله، حيث انه قصر النظر على طبيعه الماده الفقهيه التى تكاملت بالتدريج من دون ملاحظه اى عامل او ظرف او النتائج او الموضوعات المبحوثه لدى الفقهاء، وارتاى تقسيمها الى ست مراحل كما يلى:

1 - مرحله التاسيس للفقه الاجتهادى (الاستدلالى).

2 - مرحله الانطلاق.

3 - مرحله الاستقلال.

4 - مرحله التطرف.

5 - مرحله الاعتدال.

6 - مرحله الكمال.

وقد تميز هذا التقسيم عن سائر التقسيمات التى وردت فى سائر مصادر تاريخ الفقه الاسلامى الامامى، وذلك لانه لم ينظر الا الى طبيعه الماده الفقهيه وما اتصفت به من اوصاف ترتبط بطبيعه ومنهج الاستدلال ومدى عمقه واعتداله وتطرفه واستقلاله، وجاءت التسميه باعتبار الصفه الظاهره المميزه لكل مرحله.

ويعتبر هذا المنهج فى التقسيم منهجا متميزا عن سائر المناهج التى نلاحظها فى المصادر المشار اليها من قبل.