بحث في تحديد موضوع حد المحارب

 القسم الثاني

آية اللّه السيد محمود الهاشمي

الجهة الثانية: فيما يستفاد من الروايات الخاصة في موضوع هذا الحد ونورد البحث عن ذلك في نقطتين: الاولى: ما يستفاد منه اختصاص الحد المذكور بالمحارب الشاهر للسلاح.

الثانية: ما قد يستدل به من الروايات على تعميم الحد المذكور لكل مفسد.

اما النقطة الاولى: فالروايات الواردة في المقام عديدة: 1 منها: صحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: ((من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه‏ونفي من البلد، ومن شهر السلاح في غير الامصار وضرب وعقر واخذ المال ولم يقتل فهو محارب، فجزاؤه جزاءالمحارب، وامره الى الامام ان شاء قتله وصلبه وان شاء قطع يده ورجله، قال: وان ضرب وقتل واخذ المال فعلى‏الامام ان يقطع يده اليمنى بالسرقة، ثم يدفعه الى اولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه))، قال: فقال له ابوعبيدة: ارايت ان عفا عنه اولياء المقتول؟ قال: فقال ابوجعفر (ع): ((ان عفوا عنه كان على الامام ان يقتله، لانه قدحارب وقتل وسرق)) قال: فقال ابو عبيدة: ارايت ان اراد اولياء المقتول ان ياخذوا منه الدية ويدعونه، الهم ذلك؟قال: ((لا، عليه القتل)).

وقد نقل الرواية في الوسائل ((ومن شهر السلاح في مصر من الامصار وضرب وعقر ...)) والظاهر انه سهو من الناسخ، لان الموجود في المصادر الثلاثة للرواية الكافي والتهذيب والاستبصار: ((ومن‏شهر السلاح في غير الامصار وضرب ...)) الخ، وهو المناسب بل المتعين بقرينة المقابلة مع صدرها.

ولا شك في ظهورها في ان موضوع هذا الحد هو مجموع القيدين المتقدمين اعني المحاربة وشهر السلاح بقصدالافساد في الارض بسلب ونهب ونحوه، لانه قد صرح فيها في صدرها ان هذا الجزاء جزاء المحارب وانه اذا شهرالسلاح وضرب وعقر واخذ المال اصبح محاربا وموضوعا للحد المذكور، مما يعني ان الموضوع لهذا الحد ليس‏مطلق الافساد في الارض بل المحاربة وشهر السلاح من اجل السلب ونحوه، كما انه في ذيلها علل لزوم قتله‏وعدم تاثير عفو اولياء المقتول او انتقالهم الى الدية بقوله: ((لانه قد حارب وقتل وسرق)) مما يعني ان الميزان‏والمعيار لهذا الحد انما هو هذا العنوان، فان التعليل لا بد وان يكون ببيان ما هو الموضوع والملاك لترتب حد القتل‏والذي لا يكون قابلا للعفو او الانتقال الى الدية، فيكون التعليل المذكور في ذيل الرواية خير دليل على تحديدموضوع هذا الحد في ما ذكر فيه وهو المحاربة والقتل والسرقة، ولكن حيث يعلم من الاية وفهم من الفقرات‏السابقة ان القتل والسرقة احد شقوق المحاربة فيكون القيد الثاني لا محالة ارادة ذلك، سواء تحقق او لم يتمكن‏منهما او تحقق احدهما دون الاخر، وهذا واضح.

ثم ان هذه الصحيحة فيها نكتتان اضافيتان يجدر الوقوف عندهما: احداهما: ما في صدرها من التفصيل بين شهر السلاح في مصر من الامصار وشهره في غير الامصار، وجعل‏الاول من موارد القصاص والثاني من المحاربة، وهذا يناسب فتوى العامة بان المحاربة مخصوصة بما اذا كان‏شهر السلاح من اجل السلب والنهب خارج البلد، والذي يعبر عنه بقطاع الطريق، وقد تقدم عند استعراض كلمات‏فقهائنا عدم الاختصاص بذلك.

هذا، ولكن سوف ياتي في شمول بعض الروايات، بل ورود بعضها في المحارب الشاهر للسلاح في البلد، فلاوجه للاختصاص، فيحمل صدر هذه الصحيحة على من شهر السلاح من دون اخافة وسلب الامن ونحوه كما في‏بعض الاشقياء داخل المدن ولعل عدم ذكر فرض السرقة واخذ المال في الشق الاول في الصحيحة ايضا قرينة‏على ارادة ذلك، لا المحاربة وسلب الامن داخل البلد.

الثانية: ان ظاهر الصحيحة ان المحارب اذا اخذ المال وعقر ولكنه لم يقتل فالامام مخير فيه بين قتله او قطع يده‏ورجله من خلاف، واما اذا كان قد قتل وجب عليه ان يقتله، وهذا يمكن ان يكون وجه جمع بين ما دل على تخييرالامام في حد المحاربة بين العقوبات الاربع المقررة في الاية المباركة وما دل على ان ذلك لا بد وان يكون حسب‏الجناية، فالتخيير للحاكم في الجناية الاخف، واما اذا كان قد ارتكب الاشد وهو القتل فليس له ان يختار الا القتل،وكذلك لو كان قد ارتكب القتل والسرقة معا كان على الامام ان يقطع يده بالسرقة ثم يدفعه الى اولياء المقتول‏لياخذوا منه ما سرق ثم يقتلونه قصاصا والا كان على الامام ان يقتله ولا يصح العفو عنه، وظاهر هذا الترتيب‏تقدم القتل قصاصا ان امكن على القتل حدا ايضا بحيث اذا امكن ذلك وكان يريد اولياء المقتول القصاص سمح لهم‏بذلك حفظا لكلا الحكمين وجمعا بينهما.

وايا ما كان فالرواية ليست من ادلة الترتيب بين العقوبات الاربع كما ادعاه استاذنا السيد الخوئي (رحمه اللّه) في‏مباني تكملة المنهاج بل صدره صريح في تخيير الامام بين القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف، وذيله‏ظاهر في انه مع تحقق موجب كل عقوبة لا بد من اقامتها عليه، فاذا كان قد سرق قطع يده به، واذا كان قتل وجب‏قتله قصاصا ان طلب ولي المقتول والا فحدا، ولا يمكن العفو عنه، فعدم التخيير بهذا المقدار لا اكثر، والظاهر ان‏سيدنا الاستاذ حمل الجملة الاولى في الصحيحة والتي ورد فيها ((من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقراقتص منه ونفي من تلك البلد)) على المحاربة ايضا اعتمادا على نسخة الوسائل، وقد عرفت وقوع السهو فيها.

وان‏الموجود في الكافي والتهذيب والاستبصار جميعا التفصيل بين من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقراقتص منه وبين من شهر السلاح في غير الامصار فعقر فهو محارب، وجزاؤه جزاء المحارب، وهذا كالصريح‏في ان الشق الاول خارج عن المحاربة وجزائها ولهذا عبر فيه بقوله: ((اقتص منه)) والذي امره موكول الى اولياءالمجني عليه ولهم العفو او اخذ الدية، واما التعقيب عليه بالنفي من البلد فالظاهر انه نوع تعزير من قبل الحاكم‏الوارد في موارد عديدة من الجرائم الاخرى ايضا، واللّه الهادي للصواب.

2 ومن جملة الروايات: رواية علي بن حسان عن ابي جعفر (ع) قال: ((من حارب «اللّه» واخذ المال وقتل كان عليه‏ان يقتل او يصلب، ومن حارب وقتل ولم ياخذ المال كان عليه ان يقتل ولا يصلب، ومن حارب واخذ المال ولم يقتل‏كان عليه ان تقطع يده ورجله من خلاف، ومن حارب ولم ياخذ المال ولم يقتل كان عليه ان ينفى)).

وهي من حيث الدلالة واضحة الظهور في اعتبار المحاربة في تمام شقوق هذا الحد والعقوبة المقررة في الاية‏الكريمة، بل هي صريحة في ان العقوبات الاربع المذكورة فيها كل واحدة منها تكون لحالة من المحاربة غيرالاخرى حسب درجة الجريمة فيها من حيث تحقق القتل تارة وعدمه واخذ المال وعدمه مع اخذ اصل المحاربة‏شرطا في تمام تلك الحالات، مما يعني انها الموضوع لهذا الحد بشقوقه ومراتبه الاربع، لا عنوان الافساد الذي لايتوقف على فرض قتل او اخذ مال.

ومن حيث السند فيمكن تصحيه، فراجع الملحق «1».

3 ومن جملة الروايات: رواية المدائني عن ابي الحسن الرضا (ع) قال: سئل عن قول اللّه عز وجل (انما جزاء الذين... الاية) فما الذي اذا فعله استوجب واحدة من هذه الاربع؟ فقال: ((اذا حارب اللّه ورسوله وسعى في الارض فسادافقتل قتل به، وان قتل واخذ المال قتل وصلب، وان اخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وان شهرالسيف وحارب اللّه ورسوله وسعى في الارض فسادا ولم يقتل ولم ياخذ المال نفي من الارض)).

وهي مروية في الكافي والتهذيب والاستبصار بطريقين في احدهما عبيد اللّه المدائني عن ابي الحسن (ع) وهوممن لم يذكر بمدح ولا ذم، والاخر عن يونس، عن محمد بن سليمان، عن محمد بن اسحاق، عن ابي الحسن (ع)،ومحمد بن سليمان ممن ضعفه الرجاليون وان كان الراوي عنه يونس بن عبدالرحمان.

ومن حيث الدلالة واضحة في اشتراط المحاربة وشهر السيف في موضوع هذا الحد، بل حيث ان السؤال فيها عن‏الاية المباركة ابتداء، فتكون ظاهرة في تفسيرها بذلك وان مفاد الاية ذلك ايضا، كما ان التفريع في قوله (ع):((وسعى في الارض فسادا فقتل...)) ظاهر في ان المراد بالافساد في الارض ما ذكرناه، لا مطلق‏الافساد.

والمستفاد من ذيلها ان المحاربة والسعي والفساد انما يكون بشهر السيف ولو لم يقتل ولم ياخذ المال، وهذايؤكد ان المراد من المحاربة اخافة الناس وسلب الامن بسلاح ونحوه.

4 ومن جملة الروايات: رواية الخثعمي قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عن قاطع الطريق، وقلت: الناس يقولون: ان الامام‏فيه مخير، اي شي‏ء شاء صنع. قال: ((ليس اي شي‏ء شاء صنع، ولكنه يصنع بهم على قدر جنايتهم من قطع‏الطريق فقتل واخذ المال قطعت يده ورجله وصلب، ومن قطع الطريق فقتل ولم ياخذ المال قتل، ومن قطع الطريق‏فاخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن قطع الطريق فلم ياخذ مالا ولم يقتل نفي من الارض)).

وهي واردة في قاطع الطريق، لان سؤال السائل وقع عن ذلك، ولعله باعتبار ان المركوز في فقه العامة،والمتعارف على السنة فقهائهم وقضاتهم ذلك، خصوصا وان السائل كان بصدد نقل فتواهم ((بتخيير الحاكم في‏اجراء هذا الحد، فنقل ما يفتون به موضوعا وحكما، وحيث ان نظره وسؤاله عن حيثية التخيير وعدمه، فالامام(ع) ايضا تصدى لخصوص هذه الجهة، فلا يمكن ان يستفاد من اخذ عنوان قطع الطريق في لسان الامام (ع)اختصاص المحاربة به، بل لعل عنوان قاطع الطريق اصبح تدريجا مرادفا او مشيرا لعنوان المحارب.

ثم ان عبيدة بن بشير الخثعمي مجهول، ولا طريق لتوثيقه.

5 ومن جملة الروايات: مرسلة الصدوق (رحمه اللّه) قال: سئل الصادق (ع) عن قول اللّه عز وجل (انما جزاءالذين يحاربون اللّه ورسوله... الاية) فقال: ((اذا قتل ولم يحارب ولم ياخذ المال قتل، واذا حارب وقتل وصلب قتل‏وصلب، فاذا حارب واخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، فاذا حارب ولم يقتل ولم ياخذ المال‏نفي)).

ومضمونها بل وفقراتها متطابقة مع ما تقدم في صحيح محمد بن مسلم مع اضافة انه جعل كلام الامام الصادق(ع) جوابا على السؤال عن الاية، فذكر ابتداء ان من يقتل من دون محاربة كان عليه القتل فقط وهو القتل‏القصاصي لا محالة، واما من قتل محاربا اي من حارب فقتل او اخذ المال كان حكمه ما في الاية المباركة بالترتيب‏المذكور.

ولكن الرواية مرسلة وان كان يرى بعضهم حجية مراسيل الصدوق اذا كانت مسندة الى الامام (ع) مباشرة.

6، 7 ومن جملة الروايات: ما في تفسير العياشي (قدس سره) عن احمد بن الفضل الخاقاني من ال رزين قال: قطع‏الطريق بحلولا على السابلة من الحجاج وغيرهم وافلت القطاع الى ان قال: وطلبهم العامل حتى ظفر بهم ثم كتب‏بذلك الى المعتصم، فجمع الفقهاء وابن ابي داود ثم سال الاخرين عن الحكم فيهم وابو جعفر محمد بن علي الرضا(ع) حاضر، فقالوا: قد سبق حكم اللّه فيهم في قوله: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الا رض فساداان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلا ف او ينفوا من الا رض) ولامير المؤمنين ان يحكم باي ذلك‏شاء منهم. قال: فالتفت الى ابي جعفر (ع) وقال: اخبرني بما عندك. قال: ((انهم قد اضلوا فيما افتوا به. والذي يجب‏في ذلك ان ينظر امير المؤمنين في هؤلاء الذين قطعوا الطريق فان كانوا اخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا احدا ولم‏ياخذوا مالا امر بايداعهم الحبس، فان ذلك معنى نفيهم من الارض باخافتهم السبيل، وان كانوا اخافوا السبيل‏وقتلوا النفس امر بقتلهم، وان كانوا اخافوا السبيل وقتلوا النفس واخذوا المال امر بقطع ايديهم وارجلهم من خلاف‏وصلبهم بعد ذلك)). فكتب الى العامل بان يمتثل ذلك فيهم.

وهي كرواية الخثعمي واردة في قطاع الطريق الا ان الامام (ع) على تقدير صدور الرواية في مقام الجواب كانه‏جعل الميزان اخافة الناس كما في قوله: ((فان ذلك معنى نفيهم من الارض باخافتهم السبيل)) او قوله في ابتداءكلامه الشريف: ((فان كانوا اخافوا السبيل فقط)) فجعل العنوان والموضوع الاخافة للسبيل في تمام الشقوق، ممايشعر بان المحاربة انما تتحقق بذلك وانه موضوع هذا الحد، لا خصوص قطع الطريق، كما انه اعم من شهرالسلاح فيشمل اخافة السبيل بلا سلاح.

الا ان الرواية مرسلة، كما هو الحال في سائر روايات هذا التفسير القيم.

8 ومن جملة الروايات: رواية داود الطائي عن رجل من اصحابنا عن ابي عبداللّه (ع) قال: سالته عن المحارب وقلت‏له: ان اصحابنا يقولون: ان الامام مخير فيه ان شاء قطع وان شاء صلب وان شاء قتل. فقال: ((لا، ان هذه اشياءمحدودة في كتاب اللّه عز وجل، فاذاما هو قتل واخذ، قتل وصلب، واذا قتل ولم ياخذ قتل، واذا اخذ ولم يقتل قطع،وان هو فر ولم يقدر عليه ثم اخذ قطع، الا ان يتوب، فان تاب لم يقطع)).

وظاهرها ان المحارب عنوان حقيقي لا تنزيلي، وهو من ينوي السلب والنهب والقتل بالقوة والسلاح، وبقرينة ماجاء في الجواب من ان ذلك محدود في كتاب اللّه عز وجل، والذي ينظر الى اية المحاربة يفهم ان المراد بالمحاربة‏في الاية ذلك ايضا، لا معنى اخر اوسع ككل مفسد في الارض او كل من يقاتل مع المسلمين ولو للبغي او الكفر،والا كان ينبغي ايراد ذلك في التشقيق، ولم يكن وجه للاقتصار في مقام تحديد ما هو محدود في الكتاب الكريم بماذكره من الشقوق، بل لم يكن وجه لذكر القتل والسلب، فان عنوان المفسد في الارض بحسب دعوى الخصم لايتوقف على ذلك.

فالحاصل: لا ينبغي التشكيك في ظهور هذه الروايات جميعا في ان المراد بالمحارب في الاية الكريمة وفي‏موضوع هذا الحد الشرعي هو المعنى المصطلح والذي فهمه عامة الفقهاء والمفسرين من الاية المباركة.

وهذه الرواية ضعيفة السند، للارسال ولوقوع سهل بن زياد فيه ايضا، ولا يجدي في رفع الاشكال وقوع احمد بن‏محمد بن ابي نصر احد الثلاثة الذين لا يروون ولا يرسلون الا عن ثقة في السند قبل داود الطائي، كما لا يخفى.

9 ومن جملة الروايات: صحيح ضريس بطريق الصدوق والشيخ في احد طريقيه عن ابي جعفر (ع) قال: ((من حمل‏السلاح بالليل فهو محارب الا ان يكون رجلا ليس من اهل الريبة)).

وهذه الصحيحة وان لم تكن في مقام حصر المحاربة بمن يشهر السلاح بالليل، ولكنها تدل على ان ما هوموضوع للحد المعروف انما هو عنوان المحارب الحقيقي لا التنزيلي اي من يحمل السلاح او يشهره لا مطلق‏الافساد، لانها بصدد التوسعة وانه يكفي ان يحمل السلاح ويجهزه في الليل في تحقق المحاربة اذا كان من اهل‏الريبة، ولا يتوقف على ان يشهره ويحارب به، فهذه الرواية تدلنا على كفاية تجهيز السلاح وحمله مع تحقق‏الاخافة بذلك، كما اذا كان بالليل في المحاربة، مما يعني ان الموضوع الموسع هو المحاربة الحقيقية والاخافة،لانها الحاصلة من حمل السلاح في الليل، كما ان فيها توسعة من ناحية اخرى ايضا وهي كفاية كونه من اهل‏الريبة في الحكم عليه بانه محارب ولو ظاهرا، فليست الرواية في مقام التضييق والتقييد بان الشاهر للسلاح لا بدوان يكون من اهل الريبة كما تقدم عن بعضهم، بل على العكس في مقام التوسعة وان مجرد حمل السلاح في الليل‏مع كونه من اهل الريبة يكفي في الحكم عليه بانه محارب وانه اخاف السبيل، ولو لم يشهر السلاح بعد ولم يهجم‏على شخص للنهب والسلب، ومثل هذا يناسب ان يكون حكما ظاهريا وامارة على كونه محاربا وقاصدا للافسادبالسلب والنهب ما لم يثبت خلافه.

10، 11 ومن جملة الروايات: رواية جابر عن ابي جعفر (ع) قال: ((من اشار بحديدة في مصر قطعت يده، ومن‏ضرب بها قتل)).

وهي وان لم يرد فيها ذكر عنوان المحارب الا انه بقرينة الجزاء والعقوبة التي ورد فيها يفهم ان المقصود بيان‏جزاء المحاربة وانه من اشار بحديدة وهي السلاح فهو محارب تقطع يده اذا لم يضرب بها، وانما اشار بها فقط،والذي هو كناية عن شهرها او التهديد والاخافة بها، واذا ضرب بها قتل، فتدل ايضا على اخذ شهر السلاح‏والمحاربة الحقيقية في موضوع هذا الحد الشرعي، غاية الامر تدل على كفاية الاشارة والتهديد والاخافة بها،لتحقق المرتبة الاخف من المحاربة وعقوبتها.

الا ان في سندها عمرو بن شمر الجعفي الذي ضعفه النجاشي وقال في حقه: انه زيد في روايات جابر الجعفي،وهو منسوب اليه، والامر ملتبس.

كما انها تدل على عدم اشتراط كون ذلك خارج البلد وبعنوان قطع الطريق، بل لو وقع في مصر اي داخل البلد ايضاكان له حكمه، فتكون على وزان ما جاء في رواية سورة بن كليب قال: قلت لابي عبداللّه (ع) رجل يخرج من منزله‏يريد المسجد او يريد الحاجة فيلقاه رجل ويستعقبه فيضربه وياخذ ثوبه. قال: اي شي‏ء يقولون فيه من قبلكم؟قلت: يقولون: هذه دغارة معلنة، وانما المحارب في قرى مشركة، فقال: ((ايهما اعظم حرمة دار الاسلام او دارالشرك؟ قال: فقلت: دار الاسلام، فقال: هؤلاء من اهل هذه الاية (انما جزاء الذين يحاربون...) الى اخر الاية))،فانها ايضا واردة في المحاربة داخل البلد، بل هذه الرواية تدل على كفاية مطلق اعمال القوة والتخويف للسلب‏والنهب والاخذ في المحاربة، ولا يشترط شهر السلاح، لان الوارد فيها عنوان التعقيب والضرب والاخذ لثوبه،وهو وان كان غالبا بالسلاح ولكنه قد يكون بغيره، فتصلح الرواية دليلا على التوسعة من ناحية اشتراط شهرالسلاح او تجهيزه والتعدي الى مطلق المغالبة بالقوة القاهرة والمخيفة للناس ولو لم يكن بالسلاح بل بالعصا اوالحجر او اية وسيلة اخرى مخيفة للناس، ولعل عنوان المحاربة ايضا كذلك، اي لا يختص بالمحاربة مع السلاح،فاطلاق الاية وبعض الروايات التي لم يرد فيها عنوان شهر السلاح، بل ورد فيها المحاربة ايضا بصالح استفادة‏هذا التعميم.

والرواية المذكورة فيها ضعف من ناحية السند حيث ان سورة بن كليب لم يثبت توثيقه.

12 وقد يكون من هذا الباب ايضا: ما رواه السكوني عن جعفر (ع) عن ابيه (ع) عن علي (ع) في رجل اقبل بنارفاشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم انه: ((يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل)).

الا ان في سندها النوفلي، وسياتي التعرض لهذه الرواية في بحث قادم.

وهكذا يتضح ان المستفاد من مجموع الروايات الواردة في المقام: ان موضوع هذا الحد هو عنوان المحاربة الحقيقي،والذي يكون بشهر السلاح او ما بحكمه لاخافة الناس وسلب اموالهم او نفوسهم، وهو المراد بالسعي في الارض فسادا،لا ان المحاربة للّه والرسول عنوان مجازي تنزيلي وان الموضوع للحد المذكور مطلق الافساد في حياة الناس ولو بنشرالافكار الباطلة او توزيع المخدرات او اشاعة الفحشاء والمنكرات، وان كان ذلك ايضا من اعظم الجرائم والجنايات، وقديستوجب القتل بعنوان اخر، ولكنه لا ربط له بهذا الحد.

روايات قد يتوهم دلالتها على توسعة عنوان المحاربة: ثم ان هناك طائفة من الروايات الخاصة واردة في اللص الذي يدخل البيوت للسلب ونحوه، وقد عبرت عنه بانه‏محارب او محارب للّه والرسول وانه يجوز لك قتله او ان دمه مباح لمن دخل عليه، فينبغي التعرض لها وملاحظة‏ما يستفاد منها في المقام، وانه هل يكون توسعة لعنوان المحاربة لكل لص وسارق يدخل على الانسان، ام لا؟ 1 منها: صحيح الحلبي عن ابي عبداللّه (ع)، قال: قال امير المؤمنين (ع): ((اذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله، فمااصابك فدمه في عنقي)).

2 ومنها: معتبرة غياث بن ابراهيم، عن جعفر (ع)، عن ابيه (ع) انه قال: ((اذا دخل عليك رجل يريد اهلك ومالك‏فابدره بالضربة ان استطعت، فان اللص محارب للّه ولرسوله (ص)، فما تبعك من شي‏ء فهو علي)).

3 ومنها: صحيح منصور، عن ابي عبداللّه (ع) قال: ((اللص محارب للّه ولرسوله فاقتلوه، فما دخل عليك فعلي)).

4 ومنها: مرسلة البزنط‏ي، عن بعض اصحابنا، عن ابي عبداللّه (ع) انه قال: ((اذا قدرت على اللص فابدره، واناشريكك في دمه)).

5 ومنها: رواية الحسين بن ابي غندر، عن ابي ايوب، قال: سمعت ابا عبداللّه (ع) يقول: ((من دخل على مؤمن داره‏محاربا له فدمه مباح في تلك الحال للمؤمن، وهو في عنقي)).

6 ومنها: رواية فزارة عن انس او هيثم بن برا (فزارة عن ابي هيثم بن الفرا) عن ابي جعفر (ع) قال: قلت له: اللص‏يدخل علي في بيتي يريد نفسي ومالي، فقال: ((اقتله، فاشهد اللّه ومن سمع ان دمه في عنقي)).

7 ومنها: رواية محمد بن الفضيل، عن الرضا (ع)، قال: سالته عن لص دخل على امراة وهي حبلى فقتل ما في‏بطنها فعمدت المراة الى سكين فوجاته بها فقتلته. فقال: ((هدر دم اللص)).

8 ومنها: رواية السكوني عن جعفر (ع) عن ابائه (ص)، قال: قال رسول اللّه (ص): ((من شهر سيفا فدمه هدر)).

9 ومنها: صحيح ابن سنان، عن ابي عبداللّه (ع) قال: سالته عن رجل سارق دخل على امراة ليسرق متاعها، فلماجمع الثياب تبعتها نفسه فواقعها، فتحرك ابنها فقام فقتله بفاس كان معه، فلما فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج‏حملت عليه بالفاس فقتلته، فجاء اهله يطلبون بدمه من الغد، فقال ابو عبداللّه (ع): ((يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه‏دية الغلام، ويضمن السارق فيما ترك اربعة الاف درهم بما كابرها على فرجها، لانه زان وهو في ماله يغرمه،وليس عليها في قتلها اياه شي‏ء، لانه سارق)).

10 ومنها: معتبرة السكوني عن جعفر (ع)، عن ابيه (ع)، عن علي (ع) انه اتاه رجل فقال: يا امير المؤمنين (ع) ان‏لصا دخل على امراتي فسرق حليها؟ فقال: ((اما انه لو دخل على ابن صفية لما رضي بذلك حتى يعمه‏بالسيف)).

هذه عمدة الروايات في اللص، وقد ورد في بعضها التعبير عنه بانه محارب للّه ولرسوله، وفرع عليه بانه يجوزقتله، ولكن الظاهر ان هذا ليس بملاك العقوبة والجزاء او الالحاق بباب المحاربة، بل من باب الدفاع وانه يجوز في‏مقام الدفاع قتله اذا توقف عليه كما قيده بذلك مشهور الفقهاء، ويمكن ان يستفاد منها هدر دمه بنفس دخوله على‏الانسان في بيته وسكنه ونحوه، ولو لم يتوقف دفعه على قتله حيث عرفت تصريح بعضها بذلك، بل لسان‏بعضها يابى عن التقييد بفرض توقف الدفع على القتل.

وعلى كل حال فهذه الطائفة من الروايات اجنبية عن حد المحارب الاصطلاحي، ولا تضيف في مسالتناشيئا.

النقطة الثانية: ما قد يستدل به من الروايات على عموم الحد المذكور لكل مفسد في الارض ولو لم يكن محاربا.

1 منها: رواية الفضل بن شاذان، عن ابي الحسن الرضا (ع) في كتابه الى المامون وقد جاء فيه: ((ولا يحل قتل احدمن النصاب والكفار في دار التقية الا قاتل او ساع في فساد (وذلك) اذا لم تخف على نفسك واصحابك)).

والرواية معتبرة سندا، فراجع الملحق «2».

ومن حيث الدلالة قد يستدل بها على ان حكم الساعي في الفساد هو القتل، لان الامام (ع) قد استثناه من عدم جوازالقتل في دار التقية، فيدل على ان عقوبة السعي في الفساد هو القتل، وانها بمرتبة من الاهمية بحيث يجوزاجراؤها حتى في دار التقية.

الا ان هذا الاستدلال مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك: اولا: ان الرواية في مقام بيان حكم التقية وان الكفار والنصاب الذين يحل قتلهم في نفسه لكونهم مهدوري الدم لايحل قتل احد منهم في دار التقية الا اذا كان قاتلا او ساعيا في الفساد، لان قتله عندئذ لا يكون من اجل العقيدة‏والكفر، بل يكون قصاصا او دفاعا ودفعا لافساده وتجاوزه. وهذا ما لا ينافي التقية، فتمام النظر الى هذه الحيثية‏في قتل الكفار والنواصب، لا بيان حكم المفسد في الارض في نفسه، كما اذا لم يكن كافرا ولا ناصبيا، بل كان‏مسلما، وهذا واضح. فتمام النظر الى قتل الكافر والناصبي، ولهذا قيده مع ذلك بما اذا لم تخف على نفسك‏واصحابك.

والحاصل: ليس هذا المقطع من الحديث في مقام بيان حد المفسد في الارض اصلا ليتمسك باطلاقه لكل مفسد ولولم يكن محاربا، بل هو ناظر الى وجوب التقية في دار التقية، فلا يجوز قتل الكافر او الناصبي فيه باعتباره مهدورالدم الا اذا كان هناك سبب اخر لقتلهم لا ينافي التقية.

وثانيا: ما تقدم سابقا من ان المراد بقتل الساعي في الفساد هو القتل في مقام الدفاع ودفع تجاوزه على المال اوالنفس ولصوصيته، والذي هو الافساد في الارض، فان من حق كل مكلف يعتدى عليه كذلك ان يدفع الفسادوالتجاوز ولو ادى الى قتل المفسد، فالنظر الى الحق الثابت للافراد كالقصاص لا حد المفسد الواجب اقامته على‏الحكام والقضاة، ومما يشهد على هذا المعنى كون الاستثناء في الرواية عن عدم الحلية، فيكون بمعنى حلية القتل‏قصاصا ودفاعا لا وجوبه، وايضا يشهد على ذلك ان التقية انما يبتلى به المكلف والمستضعف من الشيعة لاالحكام والقضاة المقيمون للحدود والعقوبات على الجرائم العامة كالافساد في الارض، فهذا المقطع لا يناسب‏اساسا النظر الى باب الحدود وما هو مسؤولية الامام والحكام كما لا يخفى، فالرواية اجنبية عن بيان حدالمفسد.

2 ومنها: ما ورد في رواية السكوني عن جعفر (ع)، عن ابيه (ع)، عن علي (ع) في رجل اقبل بنار فاشعلها في دارقوم فاحترقت واحترق متاعهم، انه: ((يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل)).

وقد تقدمت الرواية في جهة سابقة.

وقد افتى بمضمونها الشيخ (قدس سره) في النهاية والعلا مة في المختلف معللا ذلك بانه من المفسدين في‏الارض. قال الشيخ (قدس سره): ((من رمى في دار غيره متعمدا نارا فاحترقت وما فيها كان ضامنا لجميع ما تتلفه‏النار من النفوس والاثاث والامتعة وغير ذلك، ثم يجب عليه بعد ذلك القتل)).

واستشكل فيه في السرائر بقوله: ((وهذا غير واضح، لانه ان كان قتل العمد فليس عليه الا القود فحسب، وان كان‏قتل شبيه العمد او الخطا المحض فلا يجب عليه القود بحال، فليلحظ ذلك)).

وعلق المحقق (قدس سره) في نكت النهاية على كلام الشيخ (قدس سره) بقوله: ((وجوب القتل عليه قود ام غيرقود؟ فان كان قودا فكيف يقول كان ضامنا لما تتلفه النار من النفوس؟ وان كان غير قود فبم يجب عليه القتل؟الجواب: يقتل قودا لا حدا، ولا يلزم من قوله: ((ثم يجب عليه بعد ذلك القتل)) ان يكون ضمان النفوس شيئا غيرذلك. وقد روى السكوني ...)) ثم ذكر الرواية.

ثم قال: ((فالشيخ (رحمه اللّه) قصد هذه الرواية، لكن الرواية ضعيفة فلا يمكن التمسك بظاهرها.

والوجه انه ان قصد اتلاف الانفس ولم يكن طريق الى الفرار وجب في الانفس القصاص وفي المال الضمان، واماالدار فيلزم قيمة ما تلف من الاتها وارش ما نقص من طوبها وارضها والاتها، ولا يجب مع سلامة الانفس القتل،لكن ان اعتاد ذلك قصدا للفساد وراى الامام قتله حسما لفساده لم استبعده)).

وقال العلا مة في المختلف: ((والوجه ما قاله الشيخ، لنا: انه من المفسدين في الارض، وما رواه السكوني عن‏الصادق، عن الباقر (ع) عن امير المؤمنين (ع) ... الخ)).

والانصاف: ان حمل الرواية على القتل قودا خلاف الظاهر، اذ لم يفرض فيها احتراق النفوس، فيكون مقتضى‏اطلاقها على الاقل ثبوت القتل في حقه حتى اذا لم يكن في الدار نفس محترمة، وكذلك كلام الشيخ في النهاية. كماان حملها على فرض اعتياد ذلك وتكرره منه خلاف الظاهر. فالمتجه بناء على اعتبار سندها وقد تقدمت المناقشة‏فيه لوقوع النوفلي فيه اما حملها على ما اشرنا اليه من انه كان بقصد المحاربة واخافة للناس بالنار لا العداوة‏الشخصية وهو كالمحاربة بالسلاح من حيث الحكم، وقد يشهد لذلك التعبير بقوله: ((في دار قوم)) المشعر بالجمع‏والكثرة، او يكون حكما تعبديا خاصا ولتكن نكتته الافساد في الارض، الا انه سنخ افساد كالمحاربة من حيث‏التجاوز والعدوان على النفوس والاموال، فلا يمكن التعدي منه الى الافساد الاخلاقي او العقائدي او ما شاكل‏ذلك.

3 ومنها: ما ورد فيمن اعتاد قتل الذميين: 1 كمعتبرة اسماعيل بن الفضل عن ابي عبداللّه (ع)، قال: قلت له: رجل قتل رجلا من اهل الذمة، قال: ((لا يقتل به الا ان يكون متعودا للقتل)).

2 وفي طريق‏اخر اليه معتبر ايضا: سالت اباعبداللّه (ع) عن المسلم هل يقتل باهل الذمة؟ قال: ((لا، الا ان يكون‏معودا لقتلهم فيقتل وهو صاغر))، وفي نقل الصدوق ((الا ان يكون معتادا لذلك لا يدع قتلهم)).

3 وفي طريق ثالث اليه معتبر ايضا: قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عن دماء المجوس واليهود والنصارى هل عليهم‏وعلى من قتلهم شي‏ء اذا غشوا المسلمين واظهروا العداوة لهم؟ قال: ((لا، الا ان يكون متعودا لقتلهم)). قال: وسالته‏عن المسلم هل يقتل باهل الذمة واهل الكتاب اذا قتلهم؟ قال: ((لا، الا ان يكون معتادا لذلك لا يدع قتلهم فيقتل وهوصاغر)).

4 وقد ورد مثل ذلك فيمن اعتاد قتل المماليك: 1 ففي معتبرة يونس عنهم (ص)، قال: سئل عن رجل قتل مملوكه قال: ((ان كان غير معروف بالقتل ضرب ضرباشديدا واخذ منه قيمة العبد ويدفع الى بيت مال المسلمين، وان كان متعودا للقتل قتل به)).

2 ومثلها رواية ابي الفتح الجرجاني.

وقد اختلفت كلمات الاصحاب في هذه المسالة. وقد جمعها فخر المحققين (قدس سره) في الايضاح عند التعرض‏لقول والده في القواعد، ((وقيل: ان اعتاد قتل اهل الذمة قتل...)) بقوله: ((اقول: اذا اعتاد المسلم قتل اهل الذمة‏الملتزمين بشرائط الذمة عمدا ظلما ففيه للامامية اقوال ثلاثة: الاول: قول الشيخ في النهاية: ان يقتل قصاصا بعد ان يرد اولياء المقتول فاضل دية المسلم عن دية الذمي، فان لم‏يردوه او لم يكن معتادا لم يجز قتله به، ونحوه قال المفيد.

الثاني: انه يقتل حدا لا قصاصا، ولكن لافساده في الارض الذي قام مقام المحاربين، وهو قول ابن الجنيد.

الثالث: لا يقتل مطلقا، وهو قول ابن ادريس، وهو الاصح عندي، واختاره والدي هنا)).

الا ان هنا قولا رابعا للصدوق (قدس سره) في المقنع نقله عنه والده العلا مة (قدس سره) في المختلف، ولا ادري‏كيف غفل عنه. قال في المختلف: ((والصدوق لم يشترط الاعتياد، بل اطلق القول، فقال في المقنع: وان قطع المسلم‏يد المعاهد خير اولياء المعاهد فان شاؤوا اخذوا دية يده وان شاؤوا قطعوا يد المسلم وادوا اليه فضل ما بين‏الديتين واذا قتله المسلم صنع كذلك)).

ولعل فخر المحققين (قدس سره) كان ينظر الى الاقوال في خصوص فرض الاعتياد، فيكون قول الصدوق (قدس‏سره) موافقا فيه مع قول المفيد والشيخ (رحمها اللّه) وان خالفهم في فرض عدم الاعتياد.

والظاهر ان القول الاول هو المشهور، بل ادعي عليه الاجماع.

قال صاحب الجواهر (قدس سره) في شرح قول‏الشرائع: ((وقيل: ان اعتاد قتل اهل الذمة جاز الاقتصاص بعد رد فاضل ديته)): ((والقائل المشهور ... بل عن المهذب‏البارع انه قريب من الاجماع، بل عن ظاهر الغنية نفي الخلاف فيه، بل عن الانتصار وغاية المراد والروضة الاجماع‏عليه، بل قد يشهد للشهرة المزبورة انه محكي عن ابي علي والصدوق والشيخين وعلم الهدى وسلا ر وبني حمزة‏وزهرة وسعيد والمصنف في النافع والفاضل في بعض كتبه والشهيدين كذلك وابي الفضل الجعفي صاحب‏الفاخر والصهرشتي والطبرسي والكيدري والحلبي، ومن هنا قال في غاية المراد: الحق ان هذه المسالة اجماعية،فانه لم يخالف فيها احد منا سوى ابن ادريس، وقد سبقه الاجماع، ولو كان هذا الخلاف مؤثرا في الاجماع لم يوجداجماع اصلا، والفخر انما هو متاخر عن ابن ادريس، وظاهر المتن والقواعد واللمعة التردد وليس‏خلافا)).

والظاهر ان جملة ممن عددهم ضمن المشهور قالوا بالقتل حدا لا قصاصا، فكان نظره في نقل الاجماع على اصل‏القتل الاعم من كونه حدا او قصاصا، والا فمثل السيد ابي المكارم ابن زهرة في الغنية والحلبي في الكافي‏والعلا مة في المختلف صرحوا بالقتل لافساده في الارض لا على جهة القصاص.

واختاره من المتاخرين المحقق الاردبيلي قائلا: ((والذي يقتضيه عموم الكتاب هو عدم القصاص بالذمي مطلقامؤيدا برواية محمد بن قيس المتقدمة واجماع ابن ادريس، فكان عدم قتل المسلم بالذمي مما لا كلام فيه عندهم اذالم يكن ذلك عادة. ومعها لا يبعد القتل حدا دفعا للفساد لا قصاصا ...

فان المقتولين كثيرون فمن يقتل ومن‏يرد؟)).

كما ان القائلين بالقتل حدا لم يتفقوا جميعا على القتل حدا لكونه مفسدا في الارض، بل منهم من عبر بقيامه مقام‏المحاربين كما عن ابن الجنيد ومنهم من عبر بكونه مفسدا في الارض، ومنهم من عبر بدفع الفساد، ومنهم من‏عبر بجواز قتله من قبل الامام لكي ينكل غيره عن مثل ذلك كما عن الشيخ في التهذيب فيمن اعتاد قتل العبيد،ومنهم من عبر بانه يقتل لخلافه على امام المسلمين لا لحرمة الذمي كما عن الصدوق (قدس سره) في الفقيه، قال(قدس سره): ((وعلى من خالف الامام في قتل واحد منهم متعمدا القتل، لخلافه على امام المسلمين لا لحرمة‏الذمي ... وكذلك اذا كان المسلم متعودا لقتلهم قتل لخلافه على الامام (ع)، وان كانوا مظهرين العداوة والغش‏للمسلمين ... والخلاف على الامام والامتناع عليه يوجبان القتل فيما دون ذلك، كما جاء في المؤلي اذا وقف بعداربعة اشهر امره الامام بان يفي‏ء او يطلق فمتى لم يفئ وامتنع من الطلاق ضربت عنقه، لامتناعه على امام‏المسلمين، وقد قال النبي (ص): ((من اذى ذمي فقد اذاني))، فاذا كان في ايذائهم ايذاء النبي (ص)، فكيف في‏قتلهم؟!)).

وفي الجواهر: ((ومن الغريب ما في الروضة من احتمال القول بالقتل حدا مع رد فاضل الدية، اذ هو مع انه احداث‏قول يمكن دعوى الاجماع المركب على خلافه وان سبقه اليه الكركي في حاشية الكتاب غير واضح الوجه ومناف‏لما سمعته من النصوص، فليس حينئذ الا القول بقتله قصاصا)).

ولعل ما ذكره في الروضة هو ظاهر الفقيه، لانه ذكر ما نقلناه عنه تعليقا على رواية ابي بصير فقال: كما رواه علي‏بن الحكم عن ابي المعزا عن ابي بصير عن ابي عبداللّه (ع) قال: ((اذا قتل المسلم النصراني فاراد اهل النصراني ان‏يقتلوه قتلوه وادوا فضل ما بين الديتين))، ومن الواضح ان الرواية ظاهرة في القتل قصاصا.

ثم ان الشهرة فيمن اعتاد قتل العبيد على العكس، اي عدم قتله به مطلقا. قال في الجواهر: ((نعم (قيل) والقائل‏الشيخ في كتابي الاخبار وابنا حمزة وزهرة وسلا ر وابوالصلاح على ما حكي، (ان اعتاد الحر قتل العبيد) له اولغيره (قتل حسما للجراة) وللفساد بل عن كشف الرموز نسبته الى الشيخ واتباعه: وان قيل انه اوهمه فيه بعض‏من تاخر عنه، بل عن الغنية نفي الخلاف فيه على الظاهر، وعن ابي علي انه اطلق قتله اذا اعتاد قتل عبيده، وقال في‏عبيد الغير اذا عرف بقتلهم قتل في الثالثة او الرابعة ثم نقل الاخبار ثم قال: وما في الرياض من انه حسن‏والنصوص شاهدة عليه، ولا منافاة بينهما وبين ما مر من الادلة بعدم قتل الحر بالعبد لظهورها في النفي على‏جهة القصاص، ونحن نقول به ولكن لا ينافي ثبوته من جهة الفساد يدفعه انها قاصرة عن ثبوته ايضا من هذه‏الجهة، ضرورة انك قد عرفت عدم القتل حدا بمطلق الفساد بل هو في المحارب الذي لا يندرج فيه مثل ذلك، وعلى‏تقديره فهو خروج عما نحن فيه، وحينئذ فالمتجه عدم قتله به مطلقا، كما هو المحكي عن الشيخين والصدوق‏وابن ابي عقيل والجعفي وابني البراج وحمزة والصهرشتي والطبرسي وابن ادريس والفاضلين وغيرهم، بل عليه‏كافة الاصحاب. عدا من عرفت)).

والمتحصل من مجموع ما تقدم في المقام: ان القول بقتل المسلم اذا اعتاد قتل الذمي او العبيد حدا من جهة فساده‏في الارض مجرد توجيه من قبل بعض الاصحاب في مقام العمل بهذه الروايات، وهو على خلاف ظاهرها الاولي،فان ظاهر السؤال فيها عن قتل المسلم بالذمي وهو ظاهر في المقابلة اي القتل قصاصا به، فيكون جواب الامام(ع) بذلك في فرض كونه معتادا لقتلهم ايضا ظاهرا في ذلك بمقتضى التطابق بين السؤال والجواب، بل التعبيربقوله (ع): ((فيقتل وهو صاغر)) ايضا يناسب القتل قصاصا، لانه الذي يكون فيه هوان عليه وصغار حيث يقتل‏بمن لا يكافئه. بل رواية يونس الواردة جاء التعبير بالقتل به في كلام الامام (ع)، فحمل الروايات على القتل حداللافساد او المحاربة او مخالفة امام المسلمين خلاف الظاهر.

على انه لو فرض الحمل على القتل لافساده في الارض فهو من نوع الافساد الشبيه بالمحاربة من حيث ما فيه من‏القتل والتجاوز على نفوس اهل الذمة او المماليك وسلب امنهم واخافتهم، فلا يمكن التعدي الى سائر انواع الفسادفي الارض.

وان شئت قلت: ان هذه التوسعة التي ذكرها بعضهم توسعة للافساد في الارض بالمقدار الذي ذكرناه من المعنى‏الخاص للفساد في الارض، وهو التجاوز على النفوس والاموال والاعراض ولو بغير شهر سلاح لا اكثر، فلا يمكن‏ان يستفاد منه انهم يقولون بتعميم الحكم لسائر انواع الفساد، كما يظهر بمراجعة كلماتهم.

5 ومنها: ما ورد في قتل النباش في قضاء لامير المؤمنين علي (ع)، فقد روى الكليني (قدس سره) عن علي بن‏ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن غير واحد من اصحابنا قال: ((اتي امير المؤمنين (ع) برجل نباش فاخذامير المؤمنين (ع) بشعره فضرب به الارض ثم امر الناس ان يطؤوه بارجلهم فوطؤوه حتى مات)).

ونقله الصدوق في الفقيه بعنوان: وروي ان امير المؤمنين (ع) اتي بنباش فاخذ بشعره وجلد به الارض ثم قال:((طؤوا عباد اللّه عليه، فوطئ حتى مات)).

وقد نقله عنه في الوسائل بعنوان محمد بن علي بن الحسين باسناده الى قضايا امير المؤمنين (ع).

وسند الصدوق الى قضايا امير المؤمنين (ع) صحيح، الا ان كون الرواية منها استنباط من صاحب الوسائل، والا فليس في الفقيه الا ما ذكرناه، وقد ذكرنا فيما سبق انه ما لم يبدا الصدوق (قدس سره) الحديث بعنوان قضى اميرالمؤمنين، فلا يمكن اعتباره مما ينقله الشيخ الصدوق باسناده الى قضاء امير المؤمنين (ع) المذكور في‏مشيخته.

وقد نقله الشيخ ايضا بسنده الى علي بن ابراهيم، واضاف عليه رواية اخرى عن ابي يحيى الواسط‏ي، عن بعض‏اصحابنا، عن ابي عبداللّه (ع) قال: ((اتي امير المؤمنين (ع) بنباش فاخر عذابه الى يوم الجمعة، فلما كان يوم‏الجمعة القاه تحت اقدام الناس فما زالوا يتوطؤنه بارجلهم حتى مات)).

وهذه القضية المنقولة بهذه الطرق الثلاثة والتي يظن بانها قضية واحدة، لا تثبت بشي‏ء منها، لانها مرسلة فيهاجميعا، والاول منها وان كان مرسلة ابن ابي عمير عن غير واحد، وقد قبلنا في محله مراسيله عن جماعة او غيرواحد ببيان مذكور هناك، الا انه لا يعلم ان من يرسل عنه ابن ابي عمير في هذه الرواية ينقل الحديث عن الامام‏المعصوم (ع)، وانما ينقل ابتداء قصة النباش الذي اتي به امير المؤمنين (ع).

على ان هذا مخالف مع ما ورد في الروايات الاخرى، فانها بين ما دل على قطع النباش وما دل على عدم القطع عليه‏بل عليه التعزير الا ان يؤخذ وقد نبش مرارا فيقطع، وقد ورد بعض ذلك عن امير المؤمنين (ع) وانه قال: ((انا لنقطع‏لامواتنا كما نقطع لاحيائنا)).

من اجل ذلك حمل بعض الفقهاء الرواية السابقة على بعض المحامل: فالشيخ (قدس سره) في التهذيبين حملها على فرض تكرر الجريمة واقامة الحد عليه مرتين فيقتل في الثالثة كمافي سائر الحدود، قال: ((فهذه الروايات محمولة على انه اذا تكرر منهم الفعل ثلاث مرات واقيم عليهم الحدودفحينئذ يجب عليهم القتل كما يجب على السارق، والامام مخير في كيفية القتل كيف شاء حسب ما يراه اردع في‏الحال)).

بينما نجده في النهاية يقول: ((ومن نبش قبرا وسلب الميت كفنه وجب عليه القطع ... فان تكرر منه الفعل وفات‏الامام تاديبه كان له قتله كي يرتدع غيره عن ايقاع مثله في مستقبل الاوقات))، فلم يشترط اقامة الحد عليه‏مرتين.

ونفس الشي‏ء نجده من الشيخ المفيد في المقنعة حيث قال: ((واذا عرف الانسان بنبش القبور وكان قد فات‏السلطان ثلاث مرات كان الحاكم فيه بالخيار ان شاء قتله وان شاء عاقبه وقطعه، والامر في ذلك اليه يعمل فيه‏بحسب ما يراه ازجر للعصاة واردع للجناة)).

وبمثله افتى ابن البراج في المهذب وسلا ر في المراسم وابن حمزة في الوسيلة والمحقق، والعلا مة في القواعد.

الا ان ابن ادريس علل قطع النباش بنحو اخر فقال: ((ولا يراعى في مقدار الكفن النصاب الا في الدفعة الاولى‏فحسب، لقولهم (ص): ((سارق موتاكم كسارق احيائكم))، ولا خلاف ان من سرق من حي دون ربع دينار عندنا لايجب عليه القطع، فان قيل: فهذا يلزم في الدفعة الثانية؟ قلنا: لما تكرر منه الفعل صار مفسدا ساعيا في الارض‏فسادا فقطعناه لاجل ذلك، لا لاجل كونه سارقا ربع دينار)).

وذكر المحقق (قدس سره) في نكت النهاية: ((واما انه يقتل مع تكرار الفعل ثلاثا وفواته)) فلما روي ان عليا (ع) قتل‏نباشا، فتحمل على انه تكرر منه الفعل توفيقا بين الاحاديث، هذا اختيار الشيخ في التهذيب والمفيد في المقنعة اوعلى انه يقتل بفساده، والنظر في ذلك الى الامام ان شاء قطعه وان شاء قتله)).

وقال العلا مة في المختلف: ((واما القتل مع التكرر فلانه مفسد وما روي ان عليا (ع) امر ان يطاه الرجال حتى‏يموت، وليس ذلك في اول مرة لما تقدم من وجوب القطع كما يقطع في السرقة، فتعين ان يكون مع‏التكرر)).

وهكذا نجد ان بعض الفقهاء حاول الجمع بين هذا الحديث وسائر احاديث الباب في النباش بحمله على صورة‏تكرر الجريمة منه واعتباره بذلك مفسدا في الارض، فيكون جزاؤه مثلا القتل او التخيير للامام بينه وبين القطع.الا ان هذا حمل لا شاهد عليه من الرواية. والمهم ان الرواية مرسلة لا طريق معتبر لها.

على ان نظر هذا البعض من الفقهاء الى توسعة عنوان المفسد بالمعنى الخاص اي المتجاوز والسارق القاطع‏للطريق ونحوه، وتطبيقه على النباش باعتباره يتجاوز على الموتى ويسرقهم كالسارق للاحياء، فلا يستفاد من‏كلماتهم ارادة المعنى الواسع للافساد الشامل لكل فساد اخلاقي واجتماعي ونحوه.

6 ومنها: ما دل على قتل الساحر من قبيل معتبرة زيد الشحام عن ابي عبداللّه (ع)، قال: ((الساحر يضرب بالسيف‏ضربة واحدة على راسه)).

وقد علل الشيخ في الخلاف وجه قتل الساحر في الرواية بان هذا من الساحر افساد في الارض والسعي فيها به،ولاجل ذلك وجب فيه القتل.

وحيث ان السحر ليس فيه محاربة بل وقد لا يكون فيه سلب للمال او النفس، فيدل على ان الميزان بمطلق‏الافساد.

الا ان هذا مجرد احتمال لا شاهد عليه في الرواية، بل في رواية السكوني وغيره شاهد على الخلاف وان القتل‏بملاك الكفر والارتداد، ولهذا لم يقتل ساحر الكفار، لانه كافر من اصله فليس في استحلاله للسحر ارتداد بخلاف‏المسلم، وهذا هو الذي فهمه الاصحاب. ومن هنا ذكروا قتل الساحر ضمن حد المرتد. ففي رواية السكوني عن ابي‏عبداللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): ((ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفار لا يقتل، فقيل يا رسول اللّه (ص): ولم لايقتل ساحر الكفار؟ قال: لان الكفر (الشرك) اعظم من السحر، ولان السحر والشرك مقرونان)). واوضح منه ما نقله في قرب الاسناد عن السندي بن محمد، عن ابي البختري، عن جعفر بن محمد (ع)، عن ابيه(ع) ان عليا (ع) قال: ((من تعلم شيئا من السحر قليلا او كثيرا فقد كفر وكان اخر عهده بربه وحده ان يقتل الا ان‏يتوب)).

وهناك روايات اخرى يستفاد منها ذلك.

ثم ان عبارة الشيخ في الخلاف ظاهرة في ارادة قتل الساحر اذا كان قد قتل بسحره متعمدا، لانه ذكر ذلك في‏المسالة (16) حيث قال: ((اذا اقر انه سحر فقتل بسحره متعمدا لا يجب عليه القود، وبه قال ابو حنيفة. وقال‏الشافعي: عليه القود. دليلنا: ان الاصل براءة الذمة ... الى ان قال: وقد روى اصحابنا ان الساحر يقتل، والوجه في‏هذه الرواية ان هذا من الساحر افساد في الارض والسعي فيها به، ولاجل ذلك وجب فيه القتل)).

وظاهر قوله: ((ان هذا من الساحر)) ارادة ما هو موضوع بحثه في هذه المسالة، وهو القتل بالسحر، فهو يجعل ذلك‏افسادا في الارض لا مطلق السحر، ومن الواضح ان هذا من نوع الافساد بالمعنى الخاص، اي التجاوز على النفوس‏والاموال والاعراض لا مطلق الافساد.