ومما يشهد على ارادته ذلك ما ذكره في المسالة السابقة على هذه المسالة حيث قال: ((مسالة 15: من استحل عمل‏السحر فهو كافر ووجب قتله بلا خلاف، ومن لم يستحله وقال هو حرام الا اني استعمله كان فاسقا لا يجب قتله،وبه قال ابو حنيفة والشافعي، وقال مالك: الساحر زنديق اذا عمل السحر، وقوله لا استعمله (استحله خ‏ل) غيرمقبول، ولا تقبل توبة الزنديق عنده، وقال احمد بن حنبل واسحاق يقتل الساحر ولم يتعرضا لكفره، وقد روى‏ذلك ايضا اصحابنا، دليلنا: ان الاصل حقن الدماء، ومن اباحها يحتاج الى شرع ودليل...)).

(ع) ومنها: ما ورد في حكم من سرق حرا فباعه وهي عدة روايات: 1 رواية طريف بن سنان الثوري قال: سالت جعفر بن محمد (ع) عن رجل سرق حرة فباعها قال: فقال: ((فيهااربعة حدود: اما اولها فسارق تقطع يده، والثانية ان كان وطاها جلد الحد.

وعلى الذي اشترى ان كان وطاها ان كان‏محصنا رجم وان كان غير محصن جلد الحد وان كان لم يعلم فلا شي‏ء عليه. وعليها هي ان كان استكرهها فلاشي‏ء عليها وان كانت اطاعته جلدت الحد)).

وطريف بن سنان ممن لم يثبت توثيقه.

2 رواية السكوني عن ابي عبداللّه (ع): ((ان امير المؤمنين (ع) اتي برجل قد باع حرا فقطع يده))، وفي السندالنوفلي.

3 رواية عبداللّه بن طلحة، قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عن الرجل يبيع الرجل وهما حران يبيع هذا هذا وهذا هذاويفران من بلد الى بلد فيبيعان انفسهما ويفران باموال الناس. قال: ((تقطع ايديهما، لانهما سارقا انفسهما واموال‏الناس (المسلمين))).

وفي السند محمد بن حفص، وعبداللّه بن طلحة وكلاهما لا يمكن اثبات وثاقتهما.

4 رواية طريف بن سنان، قال: قلت لابي عبداللّه (ع): اخبرني عن رجل باع امراته قال: ((على الرجل ان تقطع يده‏وترجم المراة، وعلى الذي اشتراها ان وطاها ان كان محصنا ان يرجم ان علم وان لم يكن محصنا ان يجلد مئة‏جلدة، وترجم المراة ان كان الذي اشتراها وطئها)).

وفي السند طريف. وقد نقل الشيخ مثلها معنى ايضا بسند صحيح عن سنان بن طريف وهو ايضا مما لا طريق الى‏توثيقه، ولا يبعد ان تكون نفس الرواية السابقة نقلها طريف تارة بعنوان سرق حرة فباعها واخرى بعنوان باع‏امراته.

وقد علق الشيخ في التهذيب بعد ذكر هذين الحديثين بقوله: ((قال محمد بن الحسن: ما يتضمن هذا الخبر من انه تقطع يده ليس يجب من حيث كونه سارقا، لان السرقة لاتكون الا فيما يصح ملكه اذا سرق من موضع مخصوص وكان قدرا مخصوصا على ما نبينه فيما بعد، والحرة لايصح ان تملك على وجه، واذا لم يصح الملك فلم يجب على من باعها القطع من حيث كان سارقا، ويجوز ان يكون‏انما وجب عليه ذلك من حيث كان مفسدا في الارض، ومن كان كذلك فالامام مخير فيه بين ان يقطع يده ورجله اويصلبه او ينفيه من الارض حسب ما ذكره اللّه تعالى في قوله: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه...))).

وذكر في النهاية: ((ومن سرق حرا فباعه وجب عليه القطع، لانه من المفسدين في الارض)).

وفي الكافي للحلبي: ((ومن باع حرة زوجته او اجنبية قطع، لفساده في الارض)).

وفي اصباح الشيعة بمصباح الشريعة للصهرشتي: ((من سرق حرا فباعه وجب عليه القطع، لانه من المفسدين في‏الارض)).

وفي السرائر: ((فان سرق حرا صغيرا فلا قطع عليه من حيث السرقة، لان السارق هو من يسرق مالا مملوكا قيمته‏ربع دينار والحر لا قيمة له، وانما يجب عليه القطع، لانه من المفسدين في الارض على ما روي في اخبارنا، لا على‏انه سارق)).

وفي الشرائع: ((ومن سرق صغيرا فان كان مملوكا قطع، ولو كان حرا فباعه لم يقطع حدا، وقيل: يقطع دفعالفساده)). وقال المحقق في المختصر النافع: ((ويقطع من سرق مملوكا، ولو كان حرا فباعه قطع، لفساده لا حدا)).

وقال العلا مة في القواعد في عداد شروط المسروق: ((الاول: ان يكون مالا فلا يقطع سارق الحر الصغير حدا اذاباعه، بل لفساده، ولو لم يبعه ادب وعوقب)).

وفي اللمعة الدمشقية: ((لا يقطع سارق الحر وان كان صغيرا، فان باعه قيل يقطع، لفساده في الارض لا حدا،ويقطع سارق المملوك الصغير)).

فيظهر من مجموع هذه الكلمات ان هناك من حمل الروايات المذكورة على ان القطع بملاك الافساد في الارض، بل‏كلام الشيخ في التهذيب والنهاية صريح في ذلك، وانما حملت على هذا المحمل، لعدم تحقق الشروط المعتبرة في‏قطع يد السارق من كون المسروق مالا قيمته ربع دينار ومن كونه مخرجا من الحرز، فان الحر ليس مالا ومايؤخذ في بيعه من المال ليس مخرجا من حرز، بل ولا يصدق عليه عنوان السرقة، وانما هو غش وتدليس‏واحتيال، ومن هنا حمل الحكم بالقطع في هذه الروايات على كونه بملاك الافساد في الارض.

الا ان هذا الحمل على خلاف صريح الروايات في كونه من اجل السرقة، ولهذا يكون ظاهرها ايضا تعين القطع كماهو ظاهر الفتاوى ايضا لا اكثر من ذلك، ولا التخيير بينه وبين القتل والصلب او النفي.

فلو تم سند شي‏ء منها كان الاولى التعبد بمضمونها في موردها خروجا عن الشروط المعتبرة في سرقة الاموال‏وان تلك الشروط معتبرة فيها لا في سرقة الحر وبيعه، بل ولا يشترط حتى صدق السرقة في جريان هذا الحكم‏كما في مورد رواية عبداللّه بن طلحة، فانه وان عبر فيها بانهما سارقا انفسهما، الا انه من الواضح انه اطلاق‏مجازي وانهما كانا يتواطاان على ان يبيع هذا هذا وهذا هذا كما صرح به في صدر الرواية وليس هذا من السرقة‏الحقيقية.

هذه هي جملة الموارد التي عثرنا عليها مما قد يدعى استفادة التعميم منها لمطلق المفسد في الارض، وقد عرفت‏عدم تمامية شي‏ء منها، كما ظهر انه لو تم شي‏ء منها فلا يقتضي اكثر من التعميم للمفسد في الارض بالمعنى‏الخاص الذي هو التجاوز على النفوس والاعراض والاموال، لا مطلق الفساد حتى الفساد الاخلاقي او الفكري‏والعقائدي او نحو ذلك، فكلمات الاصحاب في هذه الموارد لا تقتضي اكثر من الحاق ما يكون افسادا في الارض‏بمعنى التجاوز على اموال الاخرين او نفوسهم والتعدي عليهم بموضوع الحد في الاية المباركة.

وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقا عند البحث عن الاية المباركة من ان عنوان الافساد في الارض يراد به الافساد بنحوالتجاوز والظلم والتعدي على الاخرين بالسرقة ونحوه لا مطلق الفساد، فحتى اذا فرضنا ان عنوان الافساد في‏الارض هو الموضوع للحد المذكور وان المحاربة وقطع الطريق مصداق محقق له مع ذلك لا يمكن استفادة التعميم‏اكثر من هذا المقدار، اما لانه الظاهر من الافساد في الارض كما تقدم او لكونه الحاصل بالمحاربة وشهر السلاح،فلو الغينا دخل خصوصية المحاربة في موضوع الحد فلا موجب لالغاء نوع الافساد الحاصل بمثل المحاربة عن‏الدخل في الحكم، فكيف يتعدى الى الانواع الاخرى للفساد؟! فان ذكر هذا المصداق صالح للمنع عن انعقاد اطلاق‏في عنوان السعي في الارض فسادا لسائر انواع الفساد.

الجهة الثالثة : في تطبيقات وقع او يمكن ان يقع البحث فيها التطبيق الاول: اذا حارب بغير شهر سلاح فهل يكون مشمولا للعقوبة المقررة للمحارب ام لا؟ ظاهر اكثر الفتاوى اشتراط تجريد السلاح وشهره واظهاره في المحاربة، كما ذكرنا جملة منها في الجهة الاولى‏من البحث. الا ان بعض الفتاوى ربما يستظهر منها الاطلاق من هذه الناحية، وعن بعضهم الحاق حمل السلاح اوتجهيزه بالمحارب كما في الجواهر وتحرير الوسيلة وقد تقدم نقله وعن بعضهم التصريح بالاطلاق وانه لايشترط السلاح بل يكتفى في المحاربة بالاخذ بالقوة وان لم يكن سلاح.

واليك جملة من هذه الفتاوى: فعن علاء الدين الحلبي (ابي‏الحسن) في كتاب الجهاد من اشارة السبق انه قال: ((والمفسدون في الارض كقطاع‏الطريق والواثبين على نهب الاموال يقتلون ان قتلوا، فان زادوا على القتل باخذ الاموال صلبوا بعد قتلهم...الخ)).وهذا مطلق يشمل فرض عدم السلاح.

وفي الارشاد في كتاب الحدود: ((المقصد السابع في المحارب وفيه بحثان: الاول: في ماهيته، وهو كل من جردالسلاح لاخافة الناس في بر او بحر ... ولو اخذ في بلد مالا بالمقاهرة فهو محارب)).

وفي القواعد: ((ولا يشترط السلاح، بل لو افتقر في الاخافة على الحجر والعصا فهو قاطع طريق، وانما يتحقق لوقصدوا اخذ المال قهرا مجاهرة، فان اخذوه بالخفية فهم سارقون، وان اخذوه اختطافا وهربوا فهم منتهبون لاقطع عليهم)).

وفي الجواهر: ((صرح غير واحد انه لا فرق في السلاح بين العصا والحجر وغيرهما، ولعله ظاهر الاية، والا ففي‏تناول السلاح لهما مطلقا خصوصا الاخير نظر او منع، لكن خبر السكوني عن جعفر (ع)، عن ابيه (ع)، عن علي(ع)، قال في رجل اقبل بنار يشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم : انه ((يغرم قيمة الدار وما فيها ثم‏يقتل)).

ومنه بعد اعتضاده بما عرفت يقوى التعميم المزبور ولو على ارادة المجاز منه، بل في كشف اللثام: ان اختصاص‏السلاح بالحديد كما في العين ونحوه ممنوع، بل الحق ما صرح به الاكثر من انه كان ما يقاتل به، وعن ابي حنيفة‏اشتراط شهر السلاح من الحديد، ويظهر احتماله من التحرير...الى اخره.

ولا ريب في ضعفه، بل في الروضة الاكتفاء في المحاربة بالاخذ بالقوة وان لم يكن عصا او حجر، وهو لا يخلو من‏وجه)). وفي قبال ذلك ما عرفت من الفتاوى التي تقدم نقلها فيما سبق مما كان ظاهره اشتراط شهر السلاح في المحاربة،بل صرح في بعضها بعدم جريان حكم المحارب على من اخاف الناس بالسوط والعصا ونحوهما، ففي تحريرالوسيلة في حد المحارب قال: ((مسالة 3: لو حمل على غيره من غير سلاح لياخذ ماله او يقتله جاز، بل وجب الدفاع‏في الثاني ولو انجر الى قتله، لكن لا يثبت له حكم المحارب، ولو اخاف الناس بالسوط والعصا والحجر ففي ثبوت‏الحكم اشكال، بل عدمه اقرب في الاولين)).

ولا اشكال في ان مقتضى الاصل الاولي عدم ثبوت هذا الحد الا فيما شمله الدليل، ومن هنا يجب على القائل‏بالتعميم اقامة الدليل عليه، وفيما يلي نتحدث اولا عما يمكن ان يكون دليلا على التعميم، ثم نتكلم عما قد يستدل‏به على الاختصاص بحيث لو تم كان مخصصا لدليل التعميم، فالكلام في مقامين: المقام الاول: في التقريبات التي يمكن ان يستند اليها للقول بالتعميم وهي ثلاثة: التقريب الاول: استفادة الاطلاق من الاية المباركة بدعوى ان المحاربة لغة هي المقاتلة والمغالبة على النفس والمال‏ونحوهما، وهي وان كانت غالبا بالسلاح الا انه ليس ذلك دخيلا في مفهومه، والغلبة لا توجب اختصاص المفهوم‏بالغالب، فيشمل المقاتلة بغير سلاح ايضا.

التقريب الثاني: لو فرض عدم اطلاق عنوان المحاربة في الاية لغة لغير موارد السلاح فلا ينبغي الاشكال ان هذه‏الخصوصية يلغيها العرف في موضوع هذه العقوبة ويستفيد من الاية ان تمام الموضوع لهذه العقوبة ما يحصل‏من المحاربة بالسلاح من اخافة الناس وسلب امنهم وامانهم، والذي هو المقصود من عطف الجملة الثانية في الاية‏على عنوان المحاربة وهي السعي في الارض فسادا، فهذه الجملة تصلح ان تكون قرينة على اخذ هذه النتيجة في‏موضوع الحد، وهي الاخافة بالمحاربة، سواء كان بالسلاح او بغيره.

التقريب الثالث: التمسك ببعض الروايات الخاصة المتقدمة المطلقة من هذه الناحية، وهي عديدة: 1 منها: رواية الخثعمي المتقدمة، فان الوارد فيها عنوان قاطع الطريق، وهو مطلق يشمل ما اذا كان قطعهم‏للطريق بغير سلاح اصلا.

ودعوى: انها ليست في مقام البيان من هذه الجهة ممنوعة، خصوصا بملاحظة ذيلها الذي تصدى فيه الامام (ع)لبيان اصل الحد والعقوبة موضوعا وحكما. نعم لو كان عنوان قطع الطريق اصطلاحا متشرعيا مشيرا الى عنوان‏المحارب وقلنا ان عنوان المحارب اخذ فيه لغة شهر السلاح لم يتم هذا الاطلاق، ولكنه غير ظاهر.

الا ان الخثعمي قد تقدم عدم ثبوت توثيقه.

2 ومنها: رواية احمد بن الفضل المتقدمة التي ينقلها العياشي، فان الوارد في تعبير الامام (ع) فيها على تقديرصدور الرواية عنوان اخافة السبيل وهو ايضا اعم من كونه بالسلاح او بغيره، بل الدلالة فيها اظهر من رواية‏الخثعمي حيث ورد فيها التعبير ((فان ذلك معنى نفيهم من الارض باخافتهم السبيل))، او قوله: ((فان كانوا اخافواالسبيل فقط)) مما هو ظاهر في بيان المناط والموضوع للحد المذكور، فلا خصوصية ولا دخل للسلاح في ذلك الا من باب كونه محققا للاخافة غالبا.

ولكن الرواية لا سند لها كما تقدم.

3 ومنها: رواية سورة بن كليب المتقدمة، فان الوارد فيها عنوان ((رجل يخرج من منزله يريد المسجد (او يريدالحاجة) فيلقاه رجل ويستعقبه فيضربه وياخذ ثوبه)) وقد طبق عليه الامام (ع) على تقدير صدورها اية المحاربة‏وقال: ((هؤلاء من اهل هذه الاية (انما جزاء الذين...))) وهي ايضا مطلقة من هذه الناحية.

الا ان سورة بن كليب لم يوثق.

4 ومنها: رواية السكوني المتقدمة فيمن احرق دار قوم بالنار، بناء على استفادة دلالتها على انه اخاف القوم‏باحراق دارهم كما استظهره صاحب الجواهر منها.

5 ومنها: الروايات التي ورد فيها التعبير بالمحاربة او القتل واخذ المال بلا تقييد بشهر السلاح، كما في معتبرة‏علي بن حسان المتقدمة، ومرسلة الصدوق، ورواية داود الطائي.

فان هذا العنوان ايضا مطلق يشمل المحاربة بغير سلاح او بالعصا والحجر ونحوهما.

وهكذا يتضح ان الاطلاق للمحاربة بغير السلاح بل بمثل العصا والحجر والسوط او بالنار او بالمواد الكيمياوية‏السامة او الحارقة او حتى بالقوة البدنية القاهرة المخيفة تام في نفسه، ومجرد كون الغالب في المحاربة والمقاتلة‏انها كانت بالحديد او بالسلاح وقتئذ لا يستوجب الاختصاص بما كان غالبا او متعارفا خارجا في تلك الازمنة،خصوصا بملاحظة كون الايات والاحاديث الشريفة في مقام بيان الحكم الالهي الكلي والعام لجميع الازمنة‏والامكنة، والذي من الواضح انه قد تتغير كيفية المحاربة والقتال ووسائلها من وقت الى وقت ومن مكان الى‏مكان، وايضا بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع المفهومة عقلائيا وعرفا لمثل هذه العقوبة.

واما المقام الثاني: فما يمكن ان يجعل دليلا على تقييد الاطلاق المتقدم تقريباته في المقام السابق ما ورد في‏بعض الروايات المتقدمة من ذكر عنوان شهر السلاح او حمله كما في صحيح محمد بن مسلم المتقدم، وخبرالمدائني المتقدم، وقد ورد في ذيله: ((ان شهر السيف وحارب اللّه ورسوله وسعى في الارض فسادا..))، وصحيح‏ضريس المتقدم، وقد ورد فيه: ((من حمل السلاح بالليل فهو محارب...)).

وتقريب الاستدلال بها على التقييد ان ظاهر اخذ قيد في موضوع الحد دخله في الموضوعية، فلا بد وان نحمل‏الروايات المطلقة وكذلك اطلاق الاية الكريمة على المقيد، كما هو مقتضى صناعة التقييد.

ودعوى: انهما مثبتان ولا موجب في مثله لحمل المطلق على المقيد، بل كلاهما صادقان من دون تناف بينهما نظيرما اذا قال: ((اكرم العالم))، وقال: ((اكرم الفقيه))، فانه لا موجب لتقييد الاول بالثاني.

مدفوعة: بان هذا يصح لو لم نستظهر من هذه الروايات انها بصدد بيان نفس الحكم والجعل المبين في الاية‏المباركة موضوعا وحكما، فتكون بمثابة التفسير والتحديد لموضوع هذه العقوبة المشرعة بالاية.

مناقشة هذا التقريب: هذا، والانصاف عدم تمامية هذا التقريب: لاحتمال ان يكون ذكر شهر السلاح باعتبار انه الغالب في تحقق المحاربة واخافة الناس وقتئذ.

او احتمال ان يكون ذلك لبيان كفاية شهر السلاح، بل حمله بالليل كما في صحيح ضريس لتحقق المحاربة، فلايتوقف تحققها على وقوع قتال او نهب وسلب خارجا، فيكون ذكر ذلك من اجل التعميم لمطلق التلبس بما يخيف‏الناس ويسلب امنهم ويفسد عليهم حياتهم في قبال الاختصاص بوقوع المقاتلة خارجا، وهذا الاحتمال يقوى جدافي اكثر هذه الروايات، ولهذا نجد في رواية المدائني انه ذكر اولا عنوان المحاربة بالقتل او اخذ المال مطلقا، بلاذكر السلاح ثم في الذيل حينما اراد ان يذكر المحاربة بلا قتل ولا اخذ مال عبر بقوله: ((وان شهر السيف وحارب اللّهورسوله وسعى في الارض فسادا ولم يقتل ولم ياخذ المال نفي من الارض)).

فكانه اراد بذلك ان يبين ان المحاربة لا تتوقف على ان يقتل او يقاتل او ياخذ المال، بل يكفي فيه شهر السيف لذلك‏الموجب للاخافة ولو لم يقتل ولم ياخذ مالا. وهذا يعني ان ذكر السيف او شهر السلاح لاجل التعميم والاكتفاء بمايتحقق به غالبا من الاخافة في تحقق المحاربة والافساد في الارض، لا لاجل تقييد المحاربة بذلك.

هذا، مضافا الى ان عنوان السلاح ايضا اعم من السيف ونحوه، بل يعم كما ذكره كاشف اللثام‏مطلق ما يقاتل به‏ويحصل به الخوف والاخافة ، والذي يختلف من وقت الى وقت ومن مكان الى اخر.

بل لو فرض اختصاص السلاح لغة بالحديد كما نسب الى ابي حنيفة فلا اشكال في ان مناسبات الحكم والموضوع‏المفهومة عرفا من مثل هذا الحكم يقضي بالغاء ذلك اي عدم ظهور وروده في لسان بعض الروايات في كونه‏للتقييد وتخصيص المطلقات المتقدمة، بل لكونه الوسيلة المتعارفة للاخافة.

بل ربما يدعى الاطمئنان فقهيا بان من قطع الطريق واخاف السبيل وقتل المارة او سلب اموالهم بمثل الهراوة‏والعصا او رمي الحجارة او اية الة قتالة اخرى حكمه وعقوبته نفس العقوبة، اذ من المستبعد جدا فقهيا ان يكون‏لحمل الحديد خصوصية في ترتب هذه العقوبة مع تصريح الاية المباركة بان موضوعها المحاربة والسعي في‏الارض فسادا.

التطبيق الثاني: اذا شهر السلاح وقصد الاخافة او اخذ المال ونحوه ولكنه لم يكن مخيفا خارجا لضعف فيه اولوجود قوة ومنعة في الطرف الاخر، بحيث لم تتحقق اخافة في الخارج فهل يكون مشمولا للحكم ام لا؟ قال في‏الجواهر: ((وكيف كان (ففي ثبوت هذا الحكم للمجرد) سلاحه بالقصد المزبور (مع ضعفه عن الاخافة تردد اشبهه) واقربه‏كما في القواعد (الثبوت) للعمومات المزبورة (و) حينئذ ف(يجتزا بقصده) الاخافة. ولكن قد يمنع اندراج مثل ذلك‏مع فرض الضعف عن الاخافة مطلقا، اي لكل احد في اطلاق الاية ونحوها خصوصا بعدما في القواعد من اعتبارالشوكة المعلوم انتفاؤها في مثل الغرض المعتضد بدرا الحد بالشبهة وغيره، اللهم الا ان يكون اجماعا، كماعساه يظهر من بعض.

نعم، قد يقال: ان ضعفه عن الاخافة لمعظم الناس لا ينافي قوته عليها لما هو اضعف منه، ولمن لا يعقل الخوف‏كالطفل والمجنون ونحوهما، ومن هنا اتجه منع اعتبار الشوكة المنافي لاطلاق الادلة الا ان يراد ما يرجع الى ماذكرنا. وبالجملة فالمدار على التجاهر بالسعي في الارض بالفساد بتجريد السلاح ونحوه للقتل او سلب المال‏والاسر ونحو ذلك مما هو بعينه محاربة للّه ورسوله، بخلاف الاخذ خفية او اختطافا ثم الهرب بعده وغير ذلك،مما لا يعد محاربة بل هو سرقة او نهب وان جرحوا او قتلوا حين اختطفوا او سرقوا للتخلص من القبض ونحوه،قال في القواعد: ((وانما يتحقق لو قصدوا اخذ المال قهرا مجاهرة، فان اخذوه خفية فهم سارقون، وان اخذوه‏اختطافا وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم)) وفي كشف اللثام: ((وان جرحوا وقتلوا حين اختطفوا، وعلى‏التقديرين لا قطع عليهم كما يقطع المحارب او السارق، لان شيئا منهما لا يصدق عليهم))، وفيه ايضا قبل ذلك((وانما يتحقق لو قصدوا اخذ البلاد او الحصون او اسر الناس واستعبادهم او سبي النساء والذراري او القتل اواخذ المال قهرا مجاهرة)) الى اخره. وستسمع ما في المتن من عدم عد المستلب من المحارب. لكن قد يناقش في‏بعض الافراد بصدق تجريد السلاح بقصد الاخافة وان خاف هو ممن هو اقوى منه، اذ ذلك لا ينافي صدق‏محاربته لمن جرد عليه سلاحه لاخافته كي يسلب ماله او يقتله او يجرحه، ومن ذلك يعلم ان كلامهم في المقام لايخلو من تشويش، والتحقيق التعميم على الوجه الذي سمعته في النصوص)).

والمستفاد من مجموع كلامه صدرا وذيلا التفصيل بين ما اذا فرض الضعف عن الاخافة مطلقا، اي لكل احد فلايصدق عنوان المحاربة ولا اخافة الناس، وبين ما اذا فرض الضعف بمرتبة بحيث قد يتحقق الاخافة في بعض‏الاحيان ولبعض الاشخاص فيصدق المحاربة بالنسبة لمن جرد عليه سلاحه لاخافته وان خاف هو ممن هو اقوى‏منه.

وقريب من هذا التفصيل نجده للسيد الامام قدس سره الشريف في تحرير الوسيلة في ذيل المسالة الاولى من حدالمحارب حيث قال: ((وفي ثبوته للمجرد سلاحه بالقصد المزبور مع كونه ضعيفا لا يتحقق من اخافته خوف لاحداشكال، بل منع.

نعم لو كان ضعيفا لكن لا بحد لا يتحقق الخوف من اخافته بل يتحقق في بعض الاحيان‏والاشخاص فالظاهر كونه داخلا فيه)).

والفرق بين التفصيلين ان صاحب الجواهر يظهر من كلامه انه يشترط في صدق المحاربة تحقق الاخافة خارجامن الضعيف بالنسبة لمن شهر عليه السلاح، بخلاف ما في تحرير الوسيلة، فان ظاهره كفاية الشانية وامكان‏تحقق الاخافة في بعض الاحيان والاشخاص، لصدق المحاربة وان لم يكن بالفعل من يخاف منه خارجا.

وقد يقال: بان هذا خلاف اطلاق الاية، وبعض الروايات التي اخذت مطلق المحاربة او شهر السلاح موضوعاللعقوبة، ولعله من هنا ذهب صاحب الشرائع والقواعد وغيرهما الى ثبوت الحد لمطلق المجرد سلاحه بقصدالاخافة ولو كان ضعيفا لا يخاف منه.

نعم ظاهر ما تقدم من رواية في تفسير العياشي عن احمد بن الفضل الخاقاني من ال رزين في قصة الامام الجواد(ع) مع المعتصم العباسي اشتراط اخافة السبيل في جريان الحد المذكور. الا ان الرواية لم تكن تامة السند كماتقدم. والجواب: ان الاطلاق المذكور في الاية الشريفة ممنوع، لان المحاربة مقيدة فيها بالسعي في الارض فسادا، وهذالا يصدق الا مع وجود مرتبة من الشوكة والقوة بحيث يتحقق اخافة في الجملة وسلب للامن.

بل قد يمنع صدق المحاربة مع فرض عدم الاخافة اصلا، والروايات الواردة بعنوان شهر السلاح بين ما قيده‏بالسعي في الارض فسادا كما في رواية المدائني المتقدمة، او قيده بفرض الضرب والعقر او القتل كما في سائرالروايات، ومثله لا اطلاق له لصورة عدم الاخافة اصلا.

فالحاصل: لا بد من فرض مرتبة من الشوكة والقوة ولو النسبية اي بالنسبة لبعض الاشخاص والاحيان لكي‏يصدق عنوان المحاربة والسعي في الارض فسادا. نعم لا يشترط ان تكون الاخافة لكل احد. وكذلك لا يقدح في‏صدق المحاربة والافساد في الارض عدم تحقق الاخافة اتفاقا لمن يمر في الطريق مثلا لقوته وشوكته، فاللازم‏الاخافة الشانية، كما تقدم استفادته من كلام الامام(قدس سره الشريف) في التحرير.

وهل يشترط قصد الاخافة والافساد بالسلب والنهب او لا يشترط ذلك، بل يكفي تحقق الاخافة خارجا؟ ظاهرالشهيد في الروضة عدم اعتباره حيث قال: ((الفصل السادس: في المحاربة: وهي تجريد السلاح برا او بحرا ليلا اونهارا لاخافة الناس في مصر وغيره من ذكر او انثى قوي او ضعيف، من اهل الريبة ام لا، قصد الاخافة ام لا، على‏اصح الاقوال، لعموم الاية المتناول لجميع من ذكر)). الا ان ظاهر كلمات الاكثر اعتبار كون شهر السلاح للاخافة‏والافساد، وظاهره ان يقصد ذلك ويريده، فلو شهر السلاح للتمرين او اظهار القوة مثلا من دون قصد قتل او سلب‏احد اصلا ولكنه اوجب اخافة بعض اتفاقا لم يكن محاربا، بل قد يقال باستفادة القصد من القيد الثاني في الاية(ويسعون في الا رض فسادا...) فلا اطلاق فيها لمن لم يقصد الافساد والاخافة كما ان الروايات لا اطلاق لها لذلك،لان الوارد فيها شهر السلاح للضرب او القتل او الافساد او اخافة السبيل او كونه من اهل الريبة، فيكون مقتضى‏الاصل عدم ثبوت العقوبة المذكورة فيه.

ويمكن التفصيل بين ما اذا كان حصول الاخافة وسلب الامن اتفاقيا غير مقصود اصلا كما في المثال، وبين ما اذاكان لازما لشهره للسلاح معلوم الحصول والتحقق بفعله خارجا وان لم يكن مقصودا اصليا له فانه في مثل ذلك‏يصدق المحاربة والسعي في الارض فسادا، وهذا ما سنبحثه لاحقا ان شاء اللّه.

التطبيق الثالث: اذا شهر السلاح واخاف الناس، اي قصد الاخافة، ولكنه لم يكن يقصد سلب مال او نفس، بل كان‏ذلك لاجل تمكينه للوصول الى غاية اخرى سياسية او شخصية كتحصيل مال مثلا كما في خطف الطائرات اوالقطارات او غير ذلك اليوم، فهل يعتبر هذا من المحاربة والافساد في الارض فتثبت له العقوبة المقررة للمحارب‏ام لا؟ الظاهر ان هذا مصداق للمحاربة والسعي في الارض فسادا لتحقق الاخافة وقصدها وسلب الامن بالسلاح‏والمقاهرة. ولا يشترط في صدق المحاربة ان يكون الغرض الاقصى منها اخذ مال ممن يحاربه في نفسه، بل‏حتى اذا كان ذلك قنطرة ومقدمة لهدف اخر هو الغرض النهائي للمحارب صدق عليه انه محارب وعلى عمله انه‏محاربة وسعي في الارض فسادا، فتشمله الاية، بل والروايات، لصدق شهر السلاح بقصد الضرب والقتل اوالاخافة، وان لم يكن ذاك مقصودا بالذات، بل لاجل مقصد اخر الا انه متوقف على الاخافة والتجاوز على امن‏الاخرين واستقرارهم، فهو محاربة لهم وافساد لحياتهم في الارض بلا اشكال.

وقد يقال: بان هذا مبني على ان يكون المقصود من المحاربة اخافة الناس وسلب الامن، واما اذا كان المراد بهاالسلب والنهب مجاهرة وبالقوة فلا بد من وجود قصد السلب واخذ المال في صدقها وان اتفق عدم تحققه خارجالسبب من الاسباب، فمع عدم قصد اخذ المال لا يجري حكم المحاربة وان تحقق الاخافة وسلب الامن.

وهذا الاحتمال مضافا الى انه لا دافع له بعد ان كان عنوان محاربة اللّه ورسوله اصطلاحا خاصا لا يراد به معناه‏الحقيقي الاولي قد يقال باستفادته من الروايات البيانية حيث ان الوارد فيها تعابير من قبيل قطع الطريق او من‏شهر السلاح وضرب واخذ المال ونحو ذلك مما يكون ظاهرا او منصرفا الى من يقصد السلب واخذ المال بالقهروالغلبة والقوة، فلا اطلاق في الروايات لغير هذه الحالة ممن ليس له غرض السلب واخذ المال اصلا.

ودعوى التصدي بالفحوى والاولوية العرفية الى من يريد قتل النفس او التجاوز على الاعراض مما يعلم انها اهم‏عند الشارع من المال، ممنوعة، لان النفس والعرض وان كانا اهم عند الشارع من المال قطعا الا ان توفر الدواعي‏على اخذ المال والسرقة اكثر من التجاوز على الاعراض او النفوس، ولعل هذه النكتة دخيلة في العقوبة المذكورة.هذا مضافا الى ان هذه الفحوى غايتها التعدي الى موارد التجاوز والتعدي بقصد سلب نفس او عرض، لا مطلق‏سلب الامن واخافة الناس ولو لغرض سياسي او شخصي اخر.

والحاصل: يمكن ان يقال بان مصطلح المحاربة يراد به نحوا من السرقة وقصد اخذ المال قهرا وبالقوة وشهرالسلاح لا مطلق سلب الامن واخافة الناس لاي غرض ومقصد. وقد ورد في فقه العامة التعبير عن المحاربة وقطع‏الطريق بالسرقة الكبرى.

والجواب: هذا، ولكن الصحيح ان عنوان المحاربة فضلا عن عنوان الافساد في الارض، في كلمات الفقهاء والادلة يراد به‏الاعم من هذا المعنى، اي مطلق الاخافة للناس وسلب امنهم، وتوضيح ذلك: اما في كلمات الفقهاء، فلما ورد التصريح به في تعريفاتهم للمحاربة وقد تقدم بعضها بانها عبارة عن شهرالسلاح لاخافة الناس او للافساد في الارض، وهو اعم من فرض كون قصده خصوص اخذ المال، على انه صرح‏بعضهم بانه يدخل في الاية المكابر على البضع كما تقدم عن الفاضل المقداد في تفسيره، وكذلك تقدم عن كشف‏اللثام ((وانما يتحقق لو قصدوا اخذ البلاد او الحصون او اسر الناس واستعبادهم او سبي النساء والذراري او القتل‏او اخذ المال قهرا مجاهرة)) الى غير ذلك من تعبيرات فقهائنا الاعلام (قدس اللّه اسرارهم).

كما ان التعريف المذكور لدى فقهاء العامة فيه التعميم، فقد جاء في الموسوعة الفقهية في تعريف المحاربة((والحرابة في الاصطلاح هي البروز لاخذ مال او لقتل او لارعاب على سبيل المجاهرة مكابرة اعتمادا على القوة مع‏البعد عن الغوث)).

واما في الادلة فيمكن اثبات ارادة المعنى الاعم بالتمسك باطلاق الاية وبعض الروايات المتقدمة.

اما الاية فلما تقدم عند التعرض للاستدلال بها من ان المحاربة للّه والرسول ليس من المجاز في الكلمة لكي يحمل‏على معنى اخر لا نعلم به بحيث لا بد من استفادته من الروايات، بل من المجاز في الاسناد مع الحفاظ على المعنى‏الحقيقي للمحاربة اي محاربة ما للّه والرسول عليه ولاية، وهو الناس والمجتمع وبقرينة عطف جملة (ويسعون‏في الا رض فسادا...) عليه يشخص ان المراد هو الافساد في الارض بالاخلال بالامن وسلبه واخافة الناس، لامطلق محاربة المسلمين كمحاربة الكفار والبغاة. وبناء على قبول هذا الاستظهار لا وجه لرفع اليد عن اطلاق الاية‏لمطلق المحاربة مع الناس واخافتهم وسلب امنهم، سواء كان بقصد اخذ المال والسرقة ام التجاوز على البضع اوالنفس او اي غرض شخصي اخر، فاذا اتخذ اخافة الناس وسلب الامن او قطع الطريق وسيلة وطريقا الى غرضه‏كان مشمولا للعنوان المذكور في الاية المباركة.

واما الروايات فجملة مما تقدم من الروايات يمكن استفادة الاطلاق منها: من قبيل معتبرة علي بن حسان الوارد فيها ((ومن حارب ولم ياخذ المال ولم يقتل كان عليه ان ينفى ...))، فانه‏مطلق يشمل ما اذا لم يكن قصده اخذ المال ولا القتل من اول الامر، ومجرد ذكر الشقوق الاخرى قبل هذا الشق آاعني من حارب واخذ المال وقتل او قتل ولم ياخذ المال او اخذ المال ولم يقتل لا يقتضي تقييد هذا الشق بمن اراداخذ المال او القتل ولكنه لم يتمكن منهما، فان هذا بلا موجب، خصوصا اذا لاحظنا ان تمام فقرات الرواية قدجعلت الموضوع والميزان للعقوبة عنوان (من حارب) حيث كررت ذلك في كل شق، مما يعني ان الموضوع للحدالمذكور انما هو المحاربة لاي سبب كان. ومثلها رواية الخثعمي.

ومن قبيل معتبرة ضريس عن ابي جعفر (ع)، قال: ((من حمل السلاح بالليل فهو محارب الا ان يكون رجلا ليس من‏اهل الريبة))، فان هذا التعبير ايضا مطلق يشمل ما اذا كان قصده غير المال، بل التعبير بالريبة بدلا عن التعبيربالسراق مثلا يشهد على ارادة مطلق الاشقياء لا خصوص سارق المال، بل ظاهر ((الحديدة)) الحاق مطلق من‏يخيف الناس ولو بحمل السلاح في الليل مع كونه من اهل الريبة بالمحارب مما يدل على ان الميزان بذلك لابالسرقة.

ومنها: رواية جابر عن ابي جعفر (ع) قال: ((من اشار بحديدة في مصر قطعت يده، ومن ضرب بها قتل)). ومثلهارواية علي بن جعفر، والسكوني لو فرض ارادة المحارب منها الا انها جميعا من حيث السند كانت غيرنقية.

واوضح منها في الدلالة رواية احمد بن الفضل الخاقاني التي ينقلها العياشي في تفسيره حيث جعل المناط فيهااخافة السبيل.

فالظاهر واللّه العالم شمول المحاربة لمطلق اخافة الناس وارعابهم وسلب امنهم بالقوة والمقاهرة، سواء كان‏بقصد السلب واخذ المال او غيره.

التطبيق الرابع: لو كان قصده محاربة شخص معين لعداوة بينهما او غير ذلك فشهر السلاح عليه بالخصوص‏ولكنه سبب وقوع الخوف والرعب في الناس وسلب امن البلد او الطريق فهل يكون هذا مصداقا للمحاربة حينئذ ام‏لا؟ لا ينبغي الاشكال في عدم صدق المحاربة والافساد في الارض فيما اذا قصد مقاتلة شخص معين وشهر السلاح‏عليه من دون ان يلزم منه اخافة الناس الاخرين، والا كان اكثر موارد قتل العمد من المحاربة، وهذا واضح العدم،والوجه فيه مع انه قد يتوهم صدق المحاربة بمجرد شهر السلاح للمقاتلة ولو كان لشخص معين: ما تقدم من ان‏المراد بالمحاربة في الاية الشريفة‏والروايات ليس مطلق المقاتلة والحرب، بل ما يكون من اجل الاخلال بالامن‏وايجاد الفساد في الارض، وهذا انما يتحقق اذا كان الحرب والاعتداء موجها نحو النوع لا شخص معين لعداوة‏معه، وهذه الخصوصية نستفيدها من اضافة المحاربة في الاية الشريفة الى اللّه والرسول، اي ما يكون محاربة‏وافسادا لجهة عامة مربوطة باللّه والرسول وهي اخافة الناس وسلب امن البلد او الطريق، ومن تقييدها بالسعي‏في الارض فسادا، الظاهر في افساد وضع الارض وسلب امنه، ومما ورد في الروايات من التعبير بشهر السلاح‏في مصر او في غير مصر من الامصار او التعبير باخافة الناس او السبيل او قطع الطريق او حمل السلاح في الليل‏مع كونه من اهل الريبة، فان الملاحظ السنة الادلة المتقدمة يطمئن بان المقصود منها ما ذكرناه، لا مطلق شهرالسلاح لضرب او قتل شخص معين لعداوة بينهما، فلا وجه لما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) في المقام‏بقوله: ((بقي الكلام في شي‏ء وهو اعتبار قصد الاخافة من حيث انها كذلك لارادة الفساد في تحقق المحاربة، فلا يكفي‏حينئذ قصد اخافة شخص خاص لعداوة او لغرض من الاغراض وان لم يكن شرعيا، او لا يعتبر ذلك كما هومقتضى اطلاق التفسير المزبور بل قد يشعر به خبر قرب الاسناد وخبر السكوني فيتحقق حينئذ صدق المحاربة‏بما هو في مثل زماننا من محاربة جماعة خاصة لجماعة اخرى كذلك لاغراض خاصة في ما بينهم فاسدة. لم اجدتنقيحا لذلك في كلام الاصحاب والحد يدرا بالشبهات، ولكن التحقيق جريان الحكم على الجميع مع فرض صدق‏المحاربة التي يتحقق بها السعي في الارض فسادا)).

والخبران اللذان استشعر منهما الاطلاق مضافا الى عدم تمامية سندهما، لوقوع عبداللّه بن الحسن في سند قرب‏الاسناد والنوفلي في خبر السكوني لا دلالة فيهما على ذلك.

اما خبر قرب الاسناد فقد نقله عن عبداللّه بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال:سالته عن رجل شهر الى صاحبه بالرمح والسكين فقال: ((ان كان يلعب فلا باس)).

حيث يقال: انه بمفهومه يدل على ثبوت الباس اذا كان جادا قاصدا بذلك اخافته وبقرينة ذكر عنوان شهر الرمح‏والسكين يفهم ان نظر الرواية الى شهر السلاح الذي هو عنوان المحارب.

الا ان المراد بصاحبه في الرواية ليس الصديق والشخص المعين، بل مطلق من صحبه في تلك الواقعة والحدث،فيكون معناه من اشار بالسلاح الى غيره واخافه كفى ذلك في تحقق المحاربة، وليست الرواية في مقام البيان من‏هذه الناحية ليتمسك بالاطلاق فيها، وانما هي في مقام البيان من ناحية كفاية الاشارة بالحديد والسلاح في تحقق‏المحاربة. نظير ما ورد في رواية جابر عن ابي جعفر (ع) قال: ((من اشار بحديدة في مصر قطعت يده ومن ضرب‏بها قتل)). وهي ايضا ضعيفة بعمرو بن شمر.

واما خبر السكوني فقد تقدم ذكره في رجل اقبل بنار فاشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم قال (ع): ((انه‏يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل)).

وقد ذكرنا ان الرواية لو كانت ناظرة الى عقوبة المحاربة فالظاهر منها تحقق الاحراق في دار قوم لا في دارشخص معين، وهذا يناسب قصد الاخافة للقوم ومحاربتهم واجلائهم عن ارضهم، وهذا مصداق للمحاربة‏جزما، اذ لا يشترط ان تكون المحاربة لجميع الناس بل لمن يسكن في محلة او يعبر في طريق.

فالحاصل: اذا لم تكن المحاربة وشهر السلاح والاخافة فيها جنبة نوعية، بل كانت موجهة لشخص معين اوجماعة معينة لعداوة او ثار بينهما من دون ان يكون ذلك بقصد الاخلال بالحياة المدنية وامن منطقة معينة فليس‏هذا مصداقا لمحاربة اللّه والرسول والسعي في الارض فسادا.

وانما الكلام فيما اذا رافق ذلك تحقق سلب الامن وايجاد الرعب والخوف في المنطقة بان استوجب القتال من اجل‏العداوة تحقق الاخافة وفقدان الامن في تلك المنطقة، فهل يوجب ذلك شمول العقوبة المقررة للمحاربة لمن فعل‏ذلك ام لا؟ ولعل نظر صاحب الجواهر (قدس سره) ايضا الى مثل هذه الحالة.

والصحيح في هذه الحالة شمول الادلة، لصدق المحاربة للّه والرسول والافساد في الارض وان لم يكن مقصودااصليا للمحارب الا انه حيث يتحقق ذلك بفعله خارجا وهو ملتفت الى ذلك فقد تحقق الافساد في الارض وسلب‏الامن ومحاربة اللّه ورسوله، ولا دليل على اشتراط قصد اكثر من هذا المقدار بان يكون ذلك مقصوده‏الاصلي.

واوضح من ذلك ما اذا كانت محاربته لمن يعاديه متوقفة على ان يحارب النوع ويخيفهم او كان معاداته ومقاتلته‏معه بطريق واسلوب بطبعه يكون محاربة للناس جميعا، واخافة لهم كما اذا اختفى عدوه بين الناس او اخفاه‏الناس فشهر السلاح عليهم جميعا بقصد الحصول عليه او ضربه او قتله في ضمن من يقتل فان المحاربة‏والافساد صادق في هذه الموارد جزما.

فالحاصل: انه كلما حصل بالبروز للمحاربة واعمال القوة، ارعاب الناس وسلب امنهم على حياتهم او اعراضهم اواموالهم فهو محاربة وافساد في الارض مشمول لاطلاق الاية والروايات، سواء كان بنفسه غرض المحارب او كان غرضه‏الاصلي في شي‏ء اخر، فيدخل في هذا العنوان جملة من الاعمال الاجرامية اليوم كخطف الطائرات او السطو على البنوك‏او الاسواق والمحلات العامة بالقوة والمقاهرة او الهجوم على من يعاديه باسلوب يوجب ضرب او قتل كل من حضرهناك مما يرعب تلك المنطقة ويخيفهم، بل ما يكون من شانه الاخافة وان لم يخف الناس اتفاقا لقوة ومنعة فيهم، فان هذاوامثاله من مصاديق محاربة اللّه ورسوله والسعي في‏الارض فسادا بالمعنى‏العام المتقدم شرحه، واللّهالهادي‏للصواب.

هذا اخر ما اردنا ايراده في هذه المسالة، والحمد للّه اولا واخرا، والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين‏الطاهرين الملحق رقم 1 قد يناقش فيها بان علي بن حسان مشترك بين الواسط‏ي الثقة والهاشمي الذي ضعفه النجاشي بقوله: ((ضعيف‏جدا ذكره بعض اصحابنا في الغلاة، فاسد الاعتقاد، له كتاب تفسير الباطن تخليط كله)) وضعفه الكشي نقلا عن‏ابن فضال حيث قال: ((قال محمد بن مسعود سالت علي بن الحسن بن علي بن فضال عن علي بن حسان، قال: عن‏ايهما سالت؟ اما الواسط‏ي فهو ثقة، واما الذي عندنا يشير الى علي بن حسان الهاشمي فانه يروي عن عمه‏عبدالرحمان بن كثير، فهو كذاب واقفي ايضا لم يدرك ابا الحسن موسى (ع))) وكذلك ابن الغضائري ذكر في‏حقهما: ((علي بن حسان بن كثير مولى ابي جعفر الباقر (ع)، ابوالحسن يروي عن عمه عبدالرحمان غال ضعيف،رايت له كتابا سماه تفسير الباطن لا يتعلق من الاسلام بسبب، ولا يروي الا عن عمه، ومن اصحابنا علي بن‏حسان الواسط‏ي ثقة ثقة)). فمع التردد بينهما يسقط السند عن الاعتبار.

الا انه يمكن توثيق الرواية وتعيين انها رواية الواسط‏ي الثقة لا الهاشمي الضعيف، لا من جهة ما ذكره سيدناالاستاذ في مباني تكملته، من ان راويها علي بن ابراهيم في تفسيره وقد التزم بان لا يروي الا عن الثقة فبمقتضى‏شهادته والتزامه يحكم بان علي بن حسان في هذه الرواية هو الثقة دون غيره.

فان هذا الكلام حتى لو قبلنا كبراه ولم نقبلها في محلها لا يمكن تطبيقها بهذا النحو، لان شهادة علي بن ابراهيم‏والتزامه بانه لا يروي الا عن الثقة ليس بمعنى انه لا يروي الا عن الثقة الواقعي اي المطابق للواقع، بل يعني انه لايروي الا عمن هو يعتقد بوثاقته، فلازم شهادته انه يعتقد بوثاقة علي بن حسان الواقع في سند هذه الرواية، فلعله‏كان يعتقد بوثاقة الهاشمي الذي ثبت ضعفه عندنا بشهادة الحسن بن فضال والنجاشي وابن الغضائري بناءعلى ثبوت نسبة الكتاب اليه فليس نقله للرواية في تفسيره دليلا الا على انه ينقلها عن علي بن حسان الذي يعتقدبوثاقته، ومن يعتقد بوثاقته مردد بين من ثبت ضعفه فلا حجية لشهادته فيه ومن ثبت وثاقته، فلا يمكن تعيين ان‏من ينقل عنه في تفسيره هو خصوص الواسط‏ي، وما لم يثبت ذلك لا يثبت موضوع دليل الحجية.

وانما الصحيح في تصحيح سند الرواية استظهار انه الواسط‏ي اما باعتبار ان الهاشمي كما صرح به ابن‏الغضائري، وهو ظاهر ما نقله الكشي عن ابن فضال لا يروي الا عن عمه، ولم يذكر ان له رواية عن المعصوم‏مباشرة، وهذه الرواية ينقلها علي بن حسان عن الامام الجواد (ع) مباشرة، بل كل ما لم يكن عن عبدالرحمان بن‏كثير يمكن اعتباره الواسط‏ي لا الهاشمي، او باعتبار انصراف عنوان علي بن حسان الى الواسط‏ي الثقة، لانه‏المعروف في الروايات والمعروف بالوثاقة عند الكل، بخلاف الهاشمي الذي لم يعهد روايته عن غير عمه، واللّهالعالم بحقائق الامور.

الملحق رقم 2 وقد رواها الصدوق في الخصال، وفي عيون الاخبار.

اما في الخصال فقد رواه بسند فيه عدة مجاهيل عن الاعمش عن جعفر بن محمد (ع) في حديث شرائع الدين.

واما في العيون فقد رواه عن الفضل بن شاذان بطرق ثلاثة: 1 محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، عن الفضل بن شاذان.

2 حمزة بن محمد بن احمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (العلوي)، عن‏ابي نصر قنبر بن علي بن شاذان، عن ابيه، عن الفضل بن شاذان.

3 الحاكم ابو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه ابو عبداللّه محمد ابن شاذان، عن الفضل بن شاذان.

ومثل هذا الحديث المنقول بطرق ثلاثة قليلة الواسطة، اعني بواسطتين بين الشيخ الصدوق والفضل بن شاذان،مع كون الحديث طويلا وكتابا للامام الرضا (ع) يكتب فيه محض الاسلام على سبيل الايجاز والاختصار كما في‏العيون قد يوجب الاطمئنان بان هذا الكتاب كان موجودا عند الفضل بن شاذان، وقد نقله عنه اولاده او اقرباؤه كمافي هذه الطرق بحيث يكون اصل صدور الحديث عن الفضل بن شاذان مطمئنا به لا يحتاج الى الحجية التعبدية،والفضل بن شاذان موثق، فيكون الخبر معتبرا. على ان الطريق الثالث قابل للتصحيح، فان جعفر بن نعيم بن‏شاذان من مشايخ الصدوق الذين ترحم عليهم كثيرا ونقل عنه، وعمه ابو عبداللّه محمد بن شاذان قد ورد في‏التوقيع الشريف لمحمد بن عثمان العمري الذي سال الصاحب (ع) روحي فداه عما اشكلت عليه من المسائل،فورد بخطه الشريف: ((واما محمد بن شاذان بن نعيم فانه رجل من شيعتنا اهل البيت))، فالرواية معتبرة سندا.