|
كلمة التحرير: آفاق التجديد فقه المجتمع من الحقائق التى لا غبار عليها ان الاسلام احدث انعطافا فى المجتمع الجاهلى على اصعده شملت لجانب العقائدى والفكرى والنظم والقوانين الحاكمه وشملت ايضا البنيه الاجتماعيه وطبيعه حركه المجتمع .. فاراد صياغه مجتمع متحضر هادف يفقه دوره ويعى مسووليته فى الحياه.. وهذا هو الملاك فى رقى المجتمعات وتقدمها .. فليس من الصحيح جعل البعد المكانى والمادى او الزمانى ملاكا للرقى .. لان التقدم فى هذه الامور قد يتفق لمجتمع متكامل كما قد يتفق لمجتمع منحط .. فهى ظروف لا بشرط .. فرب مجتمع فى يومنا هذا يمتلك مختلف الامكانات الماديه والوسائل الحديثه ويسكن ناطحات السحاب لكنه يعيش حاله السذاجه ويجهل دوره فى الحياه فيسعى لتدمير نفسه وارهاق غيره فهو مجتمع متدن.. ورب مجتمع يقاسى الفقر ويشكو الحرمان المادى الا انه يحمل كل معانى النبل وينطلق فى حركته على ضوء مسووليته فيصدق عليه انه مجتمع حضارى .. ومن يدخل فى تقويمه لرقى وتحضر المجتمعات العناصر الطبيعيه والماديه فحاله حال من يقيس جاذبيه الارض بوحدات الطول ..اذ ان مقياس التقويم لكل شى ء لا بد وان يكون مناسبا معه .. فتقويم المجتمع وحركته او ايه ظاهره بشريه اخرى يجب ان يعتمد فيها الابعاد الانسانيه لا غير .. ومن هذا المنطلق كان رفض الاسلام للمجتمع الجاهلى وكذا انتقاده للمجتمع البدوى باعتبار انحراف الاول عن مسووليته وانخفاض مستوى الوعى فى الثانى .. من هنا تبرز اهميه دراسه النظريه الاجتماعيه فى الاسلام .. وما يتيسر لنا بيانه فى هذا المقام هو اقتراح محاور لمثل هذه الدراسه والاشاره الى المحطات التى ينبغى التامل عندها.. والذى يبدو لنا لاول وهله ان المحاورالاساسيه المهمه ثلاثه: المحور الاول: بحث تركيبه المجتمع وشبكه العلاقات الاجتماعيه .. المحور الثانى: تعيين الاهداف والتطلعات التى يراد تحقيقها .. المحور الثالث: تحديد الوظائف المناطه بعهده المجتمع والدور الذى يقوم به .. وايضا تحديد ما يثبت له من حقوق وامتيازات .. ولا نتعرض الى المحورين الاول والثانى بل نتوقف عند المحورالاخير لمناسبته مع العنوان .. فانه تاره يقصد ب(فقه المجتمع) دائره الاحكام المنصبه على المجتمع بما هو كيان .. واخرى يقصد به الدائره الاوسع التى تشمل الاحكام الشرعيه ذات الاثر الاجتماعى والتى ترتبط بالمجتمع باى نحو كان .. ولا شك بان البحث فى الدائره الاولى عمل تخصصى ومن صميم النشاط الفقهى المقصود لنا اولا وبالذات .. فى حين ان البحث فى الدائره الثانيه تحليلى يرجع الى ما يصطلح عليه ب (ما وراء الفقه) وفلسفه الاحكام .. ونحن نحاول هنا القاء الضوء على (فقه المجتمع) -بالمعنى الاول من اجل تجليه الموقف فى تسميه وظائف المجتمع الاسلامى وتوجيه حركته وتشخيص ما له وما عليه .. مما يكشف الى حد ما عن دور المجتمع وموقعه فى النظريه الاسلاميه .. فان الاسلام جاء باطروحه متكامله للحياه تستوعب جميع مجالاتها الروحيه والماديه من جهه وتغط ى من جهه اخرى مختلف مساحاتها الفرديه والاجتماعيه والحكوميه .. لذا نرى ان الخطابات الشرعيه على اقسام ثلاثه: الاول: الخطابات الموجهه للفرد من حيث هو .. فتسجل فى عهدته مسووليه الامتثال .. وهذا القسم من الخطابات هو اوضح من قسيميه الاتيين ويغط ى مساحه واسعه فى الفقه .. وقد اولاه فقهاء الاسلام عنايه فائقه بحثاوتحقيقا .. وهو خارج عن غرضنا .. الثانى: الخطابات الموجهه للدوله باعتبارها موسسه لها وظائف وبرامج عمل وتتصدى لجمله من المسووليات تجاه الله والناس .. وعسى ان نوفق لبحث هذا القسم فى اعداد لاحقه من مجلتنا .. الثالث: الخطابات الموجهه للمجتمع .. وهذا ما نبغى التوقف عنده .. ونرى انه من المفيد جدا تقديم بعض الايضاحات والاشارات الكليه التى تساعد فى رفع كثير من التساولات والابهامات حول الموضوع: 1 - لا يخفى ان عنوان (المجتمع) وان لم يرد بهذا اللفظ فى النصوص الشريفه ولا نجد له اثرا فى كلمات الفقهاء باعتبار حداثه هذا المصطلح ورواجه فى آونه متاخره نسبيا الا انه وردت الفاظ اخرى معبره عن المضمون ذاته من قبيل (الامه -المسلمون - المومنون - الناس - ...) فلاينبغى الاستيحاش من هذا العنوان .. فانه ليس بدعا من القول اذ لااشكال فى وقوع هذا المضمون موضوعا لبعض الاحكام .. كما هو الحال فى ملكيه الامه للاراضى العامره المفتوحه عنوه((1))..وهذه الملكيه تباين ملكيه الافراد وملكيه الدوله .. وهى ايضا من الاحكام الوضعيه المنصبه على موضوع فرض وجوده فى رتبه سابقه .. فليس فقه المجتمع من الموضوعات المستحدثه حتى يتوهم ان البحث فيه متوقف على اثبات اعتبار الشارع للشخصيه الحقوقيه للامه فى مرتبه متقدمه .. 2 - ان حركه الفقه غير مقصوره على معالجه الفعل والترك بمعناه المدرسى وما يصدر عن الفرد .. بل ان مجاله اوسع من ذلك باعتباره منهجا متكاملا للحياه فعليه ان يحدد الموقف تجاه كل عنصر يساهم فى صياغه منظومه الحياه وحركتها الحضاريه((2)) .. من هنا فقد يلاحظ ان جمله مما سيذكر من الاحكام والوظائف ربما لايسانخ ما هو متعارف فى المتون الفقهيه لفظا وان كان بروحه ومضمونه منتزعا ومتصيدا منها .. كما سياتى بيان ذلك قريبا .. 3 - ان الاحكام المنصبه على المجتمع ليس من الضرورى ان يتصدى لامتثالها افراد المجتمع جميعا .. بل ان بعض هذه الاحكام يكفى فيها تصدى البعض لكى تسقط عن الباقين ولو تركها الجميع ولم يودها احد منهم فالكل عاصون ويستحقون العقاب ولو فعله الجميع دفعه او متدرجا - اذا كان الواجب قابلا للتكرار فالكل حينئذيعتبرون ممتثلين .. وهذا ما يصطلح عليه اصوليا ب (الواجب الكفائى) .. ومن الجدير ذكره انه لاعلاقه بين هذا المطلب وبين ما يختار من مبنى فى تصوير الصياغه القانونيه للواجب الكفائى:من قبيل افتراض ان طرف الوجوب هو كل مكلف بنحو الاستغراق اوتعلق الوجوب بالمكلفين بنحو العموم المجموعى او العموم البدلى او تعلق غرض الشارع بالمتعلق دون اضافه الى مكلف اصلا -كما يذكر ذلك مفصلا فى ابحاث علم الاصول((3)) - فان كل ذلك يعتبر بحثا تحليليا ذهنيا لبيان كيفيه تقنين الواجب الكفائى وطريقه صياغته الذى هو وظيفه من وظائف المشرع والمقنن ولاتاثير له البته على طبيعه تحرك المخاطب والمكلف نحو امتثال الاحكام .. 4 - ثم ان بعض هذه الاحكام تتعلق بعناوين خاصه ولا تشمل كل افراد المجتمع .. من قبيل الوظائف المرتبطه بقطاع محدود او بطبقه معينه .. فما يتعلق من الاحكام بعدول المومنين يصدق عليه انه من احكام المجتمع على الرغم من توجه الخطاب الى بعض افراده .. ثم ان بحث (فقه المجتمع) مره يركز فيه على آليه التنفيذ وكيفيه امتثال الاحكام الاجتماعيه وما يكتنفها من حيثيات، مثل: تشخيص الموضوعات فى الواجبات الكفائيه العامه .. او البت فى حصول حد الكفايه وعدمه، سيما اذا اخذنا بنظر الاعتبار مرونه مثل هذه الامور وندره اتفاق وجهات النظر فيها، ونحو ذلك من الحيثيات ..واخرى يركز فيه على تسميه وتشخيص المسووليات الالزاميه او الترخيصيه .. وسنكتفى بذكربعض الموشرات حول هذه الجهه: اولا: ان الوظائف المناطه بالمجتمع الاسلامى على نمطين: بعضها يتعلق بالكيان الاجتماعى على سبيل الاصاله واخرى على سبيل النيابه والبدليه نظير الولايه على القاصرين فانه فى حال غياب القياده الشرعيه تقع مسووليه حمايه حقوق واموال القصر على المجتمع فيجب ان يتصدى عدول المومنين لتولى شوونهم والاشراف عليهم ..((4)) وهكذا كثير من الحالات التى يعدها الفقهاء من الامورالحسبيه التى لايرضى الشارع بتركها واهمالها مهما كانت الظروف .. ثانيا: بعض هذه الاحكام يعتبر من الامور المحدوده والقضايا الجزئيه نحو: احكام تجهيز الاموات والصلاه عليهم .. وفى قبال ذلك ثمه مسووليات كبيره كتبت على المجتمع .. ومن الملاحظ ان الوظائف الاجتماعيه الكبرى ترتبط ارتباطا وثيقا بدرجه النضج الرسالى وبمدى وعى الرساله واهدافها على مستوى عامه الناس والسواد الاعظم .. فما لم تتمتع الامه بهذا الرشد لا يمكن ان تفهم معنى هذه المسووليات ..وبالتالى سوف لا تتحرك لتجسيدها((5)) .. ان وعى الامه لدورها فى خلافه الله فى الارض انطلاقا من قوله تعالى: (هو الذى جعلكم خلائف فى الارض)((6)) سيوثر فى درجه انبعاثها واصرارها على مواقفها .. فان خلافه الله بمثابه ام الوظائف واساس الاحكام الاجتماعيه والتى يترشح عنها جمله من التكاليف.. ثالثا: انه من الممكن تقسيم الوظائف الاجتماعيه الى عده دوائر: الدائره الاولى: مسووليه المجتمع فى بناء كيانه وصيانته، نظير: الامر بالمعروف والنهى عن المنكر .. (والمومنون والمومنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر)((7)) .. تجسيد مبدا الاخوه (انما المومنون اخوه)((8)) سواء اكان ذلك على مستوى الحد الادنى اى حفظ وحده الكلمه وتحاشى التفرق والاختلاف (واعتصموابحبل الله جميعا ولا تفرقوا)((9)) او على مستوى الحد الاعلى اى المواساه بين ابناء الامه وايثار بعضهم بعضا (ويوثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصه)((10)) .. الدائره الثانيه: مسووليته فى تشكيل الحكومه ودعمها من خلال: السعى لتحصيل المقدمات والارضيه المساعده على تطبيق احكام الله بصوره عامه ورفع الموانع .. اى مسووليه الوصول الى مرحله الاقتدارالسياسى((11)) .. ولعله من هنا ينكشف لنا السر فى توجيه بعض الخطابات الى الامه بالرغم من كونها وظائف للدوله كقوله عز من قائل: (والسارق والسارقه فاقطعوا ايديهما...)((12)) .. حمايه الكيان الاسلامى -مجتمعا وحكومه عقيده ووجودا والدفاع عنه امام ما يواجهه من الاخطار الداخليه والخارجيه .. ويعبر عنه بالدفاع عن بيضه الاسلام((13)). بل ينبغى التهيو للدفاع انطلاقا من قوله تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوه)((14)) .. الدائره الثالثه: مسووليه المجتمع تجاه البشريه جمعاء، نحو: الدفاع عن المستضعفين فى العالم والسعى لانقاذهم من الظلم (وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من ه-ذه القريه الظالم اهلها)((15)).. باعتبار ان امه محمد(ص) هى الامه الوسط والشهيده على الناس قال تبارك وتعالى: (وكذلك جعلناكم امه وسطا لتكونوا شهداء على الناس)((16)) فلابد ان تكون امه نموذجيه فى اخلاقيتها ومواقفها وحركتها فى نشر الامن والسلام وحمل رايه الهدايه والاصلاح للبشريه كافه وان تكون مصداقا لقوله تعالى: (كنتم خير امه اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)((17)) .. لقد تعرضنا لهذ الموضوع الحيوى بما يتناسب مع المقام من اجل لفت انظار الباحثين والمفكرين لمل ء هذا المجال الخصب ولتفعيله .. نساله تعالى ان يوفقنا للصواب .. وان يهدينا صراطه المستقيم .. .. ولا حول ولا قوه الا بالله .. رئيس التحرير آيه الله السيد محمود الهاشمى اذا كان اولياء الدم جماعه واراد بعضهم القصاص فهل له ذلك مستقلا ام لا؟ وقع هذا موقع البحث عند فقهائنا ضمن مسالتين: اولاهما: جواز استبداد البعض بالقصاص لو اختار البعض الاخر العفو او الديه، وعدم جوازه بمعنى سقوط حق القصاص بذلك . وقد نسب الى الجميع فى هذا الفرع عدم السقوط وجواز الاقتصاص بعد دفع حصه الاخرين من الديه. ثانيتهما: جواز استيفاء البعض للقصاص من دون حضور الاخرين ولا اذنهم، وعدم جوازه. والمشهور عند فقهائنا فى هذا الفرع هو العكس، اى عدم الجواز. وقد صرح بذلك كثير من الاصحاب فى كتبهم. ولا شك ان المسالتين متلازمتان فى طرف النفى وعدم الجواز، اى اذا قلنا بعدم الجواز فى المساله الاولى وسقوط حق القصاص بالعفو او اخذ الديه من قبل بعض الورثه فعدم جواز الاستبداد بالاستيفاء من قبل البعض مترتب عليه لا محاله، لان الحق اذا لم يكن ثابتا لكل وارث بل لمجموعهم فلا يحق لواحد ان يستقل بالاستيفاء ما لم يطلبه المجموع، وانما ينفتح مجال للبحث عن المساله الثانيه بعد ثبوت حق القصاص فى المساله الاولى لكل وارث مستقلا وعدم سقوطه بعفو البعض، وان كان قد يستظهر من الجواهر وغيره -على ما سياتى التلازم بين المسالتين فى الاثبات والنفى معا، وانه لو كان الحق لكل وارث مستقلا فى المساله الاولى جاز له الاستقلال بالاستيفاء فى الثانيه ايضا. ولعله لذلك ايضا عقد فى مبانى تكمله المنهاج مساله واحده فى المقام لا مسالتين، حيث قال فى المتن: (مساله 135: اذا كان للمقتول اولياء متعددون فهل يجوز لكل واحد منهم الاقتصاص من القاتل مستقلا وبدون اذن الباقين او لا؟ فيه وجهان، الاظهر هو الاول((18))). وفى الشرح بحث المساله الاولى وان القصاص هل يسقط بعفو البعض او اخذه للديه او لا، وجعل جواز الاستقلال من نتائج القول بعدم السقوط. الا ان الثابت فى المتون الفقهيه لفقهائنا عقد مسالتين مستقلتين كما ذكرنا، بل لعل فى كتب العامه ايضا كذلك رغم ان اكثرهم يرون سقوط القصاص بعفو البعض او اخذ الديه. وفيما يلى نبحث كلا من المسالتين مستقلا ومن خلال ذلك يتضح مدى ابتناء احداهما على الاخرى. المساله الاولى فى سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء او اخذ الديه وعدمه. وعبائر فقهائنا فى هذه المساله صريحه بعدم السقوط كما يظهر من مراجعه كتبهم، ولم ينقل خلاف فيه عدا ما جاء فى كتابين. احدهما: ما جاء فى الفقيه من الاقتصار على ذكر روايه السقوط حيث قال: (روى انه اذا عفا واحد من الاولياء عن الدم ارتفع القود((19))). الثانى: ما فى الشرائع بالنسبه لفرض اخذ بعض الاولياء الديه دون فرض العفو حيث قال: (اذا زادوا على الواحد فلهم القصاص، ولو اختار بعضهم الديه واجاب القاتل، جاز. فاذا سلم سقط القود على روايه، والمشهور انه لا يسقط، وللاخرين القصاص بعد ان يردوا عليه نصيب من فاداه، ولو امتنع من بذل نصيب من يريد الديه جاز لمن اراد القود ان يقتص بعد رد نصيب شريكه، ولو عفا البعض لم يسقط القصاص، وللباقين ان يقتصوا بعد رد نصيب من عفا على القاتل((20))). واستند جمله من المتاخرين كصاحب الرياض ومفتاح الكرامه والجواهر وغيره الى هذا الاجماع او عدم الخلاف، بل ذكر فى الجواهر ان المساله مفروغ منها. الا ان الانصاف ان تحصيل الاجماع التعبدى الكاشف عن قول المعصوم(ع) فى مثل هذه المساله - التى فيها روايات عديده وللقائلين بالجواز فيها استدلالات ووجوه صناعيه مختلفه - مشكل جدا. هذا، مضافا الى تعبير صاحب الشرائع عن القائلين بهذا القول بالمشهور، بل ذكر فى كتابه الاخر المختصر النافع((21)) انه الاشبه، وعبر بعضهم عن هذا القول بانه الاشهر مما يعنى ان القول الاخر ايضا مشهور او ليس بشاذ على الاقل. فاثبات هذا الحكم بالاجماع المزعوم محل اشكال صغرى وكبرى. وانما المهم ملاحظه الادله الاخرى، فنقول: لا شك ان مقتضى الاصل الاولى -اللفظ ى والعملى هو حرمه قتل النفس المحترمه الا بالحق، فاذا لم يثبت بدليل فى مورد جواز القتل قصاصا كان المرجع عمومات حرمه القتل من قبيل قوله(ص): (دم المسلم على المسلم حرام)((22)) ونحوه كما ان مقتضى الاصل العملى -العقلى والشرعى حرمه قتله. وقد يقال: ان مقتضى الاستصحاب بقاء حق القصاص لكل ولى بعد عفو البعض او قبولهم الديه فيكون مقتضى الاصل جواز القصاص، كما لعله ظاهر الشيخ(قدس سره) فى الخلاف((23)). والجواب: ان الاستصحاب المذكور غير جار، لان الحاله السابقه المتيقنه ليست هى جواز الاقتصاص لكل ولى، بل لمجموعهم وهو بالعفو ساقط، واما ثبوته للواحد فهو مشكوك الحدوث مسبوق بالعدم، فالاستصحاب ينفيه ولا يثبته كما هو واضح. نعم، لو فرض احراز ان الحق ثابت حدوثا لكل ولى مستقلا وشك فى سقوطه تعبدا بعفو البعض كان مقتضى الاستصحاب بقاءه عند الشك كما لا يخفى. وهذا يعنى ان القائل بجواز قصاص بعض الاولياء مع عفو البعض الاخر او اخذه الديه عليه ان يثبت ذلك بدليل مخرج عن هذا الاصل. ادله المساله : وقد استدل على ذلك فى كلماتهم بعد الاجماع الذى عرفت حاله بدليلين اساسيين: الدليل الاول: ظهور آيه جعل السلطنه للولى على القصاص (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)((24)) حيث ادعى ظهورها فى الانحلاليه وان حق الاقتصاص ثابت لكل وارث مستقلا. قال فى مبانى تكمله المنهاج فى توضيح هذا الاستدلال وتفصيله: (والوجه فى ما ذكرناه هو ان حق الاقتصاص لا يخلو من ان يكون قائما بالمجموع كحق الخيار او بالجامع على نحو صرف الوجود او بالجامع على نحو الانحلال، اما الاول فهو -مضافا الى انه لا دليل عليه بل هو خلاف ظاهر الايه الكريمه - كما سنشير اليه ينافى حكمه وضع القصاص حيث انه يمكن للقاتل ان يتوسل الى عفو احد الاولياء مجانا او مع اخذ الديه، ومعه يسقط حق الاقتصاص من الاخرين، فلو قتل واحد منهم الجانى -والحال هذه كان قتله ظلما فعليه القصاص، وهو مما لا يمكن الالتزام به، واما الثانى فهو ايضا كذلك حيث ان لازمه هو سقوط القصاص باسقاط واحد منهم، واما الثالث فهو الاظهر، فانه الظاهر من الايه الكريمه: (ومن قتل مظلوما...) بتقريب ان الحكم المجعول لطبيعى الولى ينحل بانحلاله، فيثبت لكل فرد من افراده حق مستقل كما هو الحال فى سائر موارد انحلال الحكم بانحلال موضوعه، ولا يقاس ذلك بحق الخيار فانه حق واحد ثابت للمورث -على الفرض والوارث يتلقى منه هذا الحق الواحد، فلا محاله يكون ذلك لمجموع الورثه بما هو مجموع. وهذا بخلاف حق الاقتصاص فانه مجعول للولى ابتداء، وكونه حقا واحدا او متعددا بتعدد موضوعه تابع لدلاله دليله)((25)). ونتيجه هذا الاستدلال هو التفصيل بين حق قصاص النفس للورثه وحق قصاص الاطراف كما اذا مات المجنى عليه فى قصاص الطرف قبل ان يقتص فورث الاولياء حق القصاص فانه يكون حقا واحدا للمجموع، لانه كان حقا واحدا للمجنى عليه انتقل الى مجموع الورثه، ومن هنا استدرك فى مبانى التكمله ذيل هذا البحث بقوله: (بقى هنا شى ء: وهو ان ما ذكرناه من الانحلال انما هو فيما اذا كان حق الاقتصاص مجعولا ابتداء للاولياء، واما اذا كان مجعولا لهم من جهه الارث والانتقال من الميت - كما اذا قطع الجانى يد احد متعمدا فمات المجنى عليه قبل الاقتصاص اتفاقا - فان حق القصاص ينتقل الى ورثته لا محاله، وبما انه حق واحد فيثبت لمجموع الورثه كحق الخيار، ويترتب على ذلك سقوط حق الاقتصاص باسقاط واحد منهم، كما انه يترتب عليه عدم جواز اقتصاصه بدون اذن الاخرين. ثم انه اذا سقط حق الاقتصاص باسقاط البعض فللباقين مطالبه الديه من الجانى، فان حق المسلم لا يذهب هدرا)((26)). ويمكن ان يلاحظ على هذا الاستدلال بما يلى: 1 - ان ما جاء فى صدر كلامه -وكانه وجه مستقل عن الايه من ان حق الاقتصاص لا يمكن ان يكون قائما بالمجموع كحق الخيار، لانه لا دليل عليه وينافى حكمه الوضع مما لا يمكن المساعده عليه، لانه يرد عليه: اولا: يكفى عدم الدليل لعدم جواز الاقتصاص كما تقدم، لان النسبه بين قيام الحق بالمجموع او بكل فرد فرد من الورثه مستقلا نسبه الاقل الى الاكثر، فيكون الزائد على المتيقن -وهو جواز القصاص عند اراده المجموع فقط مشمولا لادله حرمه القتل، فلا يجوز استقلال كل وارث بالقصاص، ولا يحق له عند عفو الاخر او اخذه الديه. وثانيا: ان ما ذكر من منافاه هذا الاحتمال مع حكمه وضع القصاص غريب جدا، اذ كيف عرف ان الحكمه فى القصاص استقلال كل وارث به؟ بل لعل جعله للمجموع هو المناسب لحكمه التحفظ على الدماء وهو المناسب لباب الارث كما فى الحقوق الاخرى المنتقله اليهم من المورث، وهذا الحق ولو فرض جعله للورثه ابتداءا الا انه لا اشكال فى انه جعل لهم بعنوان الارث. على ان ما ذكره -من انه يلزم من فرض قيامه بالمجموع ان يحكم بالقصاص على من استقل من الورثه بذلك ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به غير تام. فانه ربما يحكم بعدم القصاص حتى على القول بعدم جواز الاستبداد بالقصاص. قال الشهيد فى غايه المراد: (ويتفرع على القولين التعزير لو قتل وعدمه، اما القتل فالاقرب عندنا انه لا يقتل، لانه مهدور بالنسبه اليه فى بعضه، ولانه شبهه، لتجويز علماء المدينه والشيخ استبداد كل وارث، والخلاف فى اباحه السبب شبهه)((27))، ولو فرض عدم تماميه ما ذكره الشهيد وشمول ادله القصاص له يلتزم به ولا محذور، كما اذا قتله بعد العفو عنه. 2 - ان ما افيد من دلاله الايه على الانحلاليه وثبوت الحق لكل وارث مستقلا محل اشكال بل منع: اما بدعوى: ان الايه ليست فى مقام البيان من هذه الناحيه ليتمسك باطلاق الولى لكل وارث مستقلا، وانما هى بصدد بيان جعل السلطنه له بمقدار الجنايه لا اكثر، ولهذا فرع عليه بقوله تعالى: (فلا يسرف فى القتل). واما بدعوى: ان الحق المجعول فى الايه لم يجعل على عنوان الوارث، بل الولى وهو بمعنى من يجعل له الولايه والسلطنه، فاذا احتمل ان يكون الحق المجعول واحدا للمجموع فعنوان الولى لا يصدق عندئذ الا على المجموع لا كل واحد من الورثه، فلا يحرز الانحلال. واما بدعوى: ان التعبير بالولى بمعنى الوارث يستظهر منه ان هذا الحق وان لم يكن للميت فى حال حياته الا انه مجعول له فى طول موته، ومنه ينتقل الى الورثه، لانه يثبت لهم بعنوان الارث، وهو يعنى الانتقال منه اليهم. وقد ورد فى بعض الروايات ان الميت المقتول اذا كان عليه الدين ولم يكن له مال قضى من ديته((28))، وورد ان من اوصى بثلث ماله ثم قتل دخل ثلث ديته فيه((29))، بل ورد فى روايه انه احق بديته من غيره((30)). وهذا يعنى ان ديه القتل ايضا مجعول اولا للميت ومنه ينتقل الى الوارث، فليكن حق القصاص كذلك بمقتضى الاستظهار المذكور. ولا اقل من ان هذه النكته تصلح للقرينيه او الاجمال وعدم دلاله الايه على خلاف ذلك . وهكذا يتضح ان الاستدلال بالايه المباركه على القول المشهور غير تام، لانه ان لم يدع ظهورها فى انتقال حق القصاص من الميت الى الاولياء، فلا اقل من انه لا ظهور فيها على خلاف ذلك ، ومعه يكون المرجع ادله حرمه القتل كما اشرنا. 3 - ان ما ذكر من التوجيه والتقريب للاستدلال - من ان الحق فى قصاص النفس يكون مجعولا ابتداء للولى بمعنى الوارث فيكون لكل واحد مستقلا وليس منتقلا من الميت الى الوارث كحق الخيار ليكون حقا واحدا للمجموع - يلزم منه نتائج ومفارقات لا يمكن الالتزام بها فقهيا. منها: ما تفطن له هذا العلم(قدس سره)((31)) بنفسه واستدركه فى ذيل كلامه من الفرق بين باب قصاص النفس فيكون للاولياء مستقلا وباب قصاص الطرف فيكون لمجموعهم. ومنها: ان حق قصاص النفس ايضا لا بد فيه من التفصيل بين ما اذا كان الولى هو الوارث الاول المباشر للمقتول فيكون له حق الاقتصاص مستقلا وبين ما اذا توفى الوارث الاول اتفاقا قبل الاقتصاص فانتقل حقه الى وارثه كاولاده مثلا وكانوا متعددين فيكون حق القصاص لمجموعهم لا لكل واحد منهم مستقلا. ومنها: لزوم اختلاف الورثه فى قصاص نفس واحده من حيث الاستقلاليه وعدمها بحيث يكون بعضهم مستقلا وبعضهم الاخر غير مستقلين، كما اذا كان للمقتول وليان فتوفى احدهما او كلاهما قبل الاقتصاص وكان لاحدهما وارث واحد وللاخر ورثه متعددون فيكون وارث الاول مستقلا فى القصاص بخلاف وارث الثانى. ومثل هذه التفصيلات لم يلتزم بها الفقهاء، بل لا يمكن الالتزام بها، لانها على خلاف الارتكاز الفقهى والمتشرعى وعلى خلاف السيره العمليه الخارجيه، فان استيفاء القصاص والابتلاء به لم يكن امرا نادرا فى الخارج، فلو كان شى ء من هذه التفاصيل ثابتا فقهيا لكان منعكسا واضحا لدى المتشرعه، بل قد يقال ان مقتضى الاطلاق اللفظ ى او المقامى لصحيح جميل عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهماالسلام، قال: (اذا مات ولى المقتول قام ولده من بعده مقامه بالدم)((32)) ان كل واحد من اولاده يقوم مقامه فيما كان له من الحق، فاذا كان المجعول له حق القصاص على نحو الاستقلال كان كذلك لكل ولد ايضا. فالحاصل الالتزام بمثل هذه التفصيلات مشكل جدا حتى فى المورد الاول اى فى قصاص النفس والطرف فضلا عن التفصيل فى قصاص النفس بين الاولياء. الدليل الثانى : التمسك بالروايات الخاصه، وهى: صحيحه ابى ولاد الحناط قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن رجل قتل وله ام واب وابن، فقال الابن: انا اريد ان اقتل قاتل ابى، وقال الاب: انا اريد ان اعفو، وقالت الام: انا اريد ان آخذ الديه. قال: فقال: (فليعط الابن ام المقتول السدس من الديه ويعط ى ورثه القاتل السدس من الديه حق الاب الذى عفا وليقتله)((33)). وروايه جميل بن دراج عن بعض اصحابه يرفعه الى امير المومنين(ع) فى رجل قتل وله وليان فعفا احدهما وابى الاخر ان يعفو، فقال: (ان الذى لم يعف ان اراد ان يقتله قتله، ورد نصف الديه على اولياء المقاد منه)((34)). ودلالتهما على القول المشهور واضحه وان نوقش فيما استفاده المشهور من ذيل الصحيحه من وجوب تقديم دفع الديه على القصاص، فذهب بعضهم الى ان له الاقتصاص قبل الدفع غايه الامر يضمن الحصه من الديه. وهناك روايه ثالثه يمكن الاستدلال بها ايضا على المشهور -وان لم اجد من استدل بها وهى صحيحه زراره قال: سالت ابا جعفر(ع) عن رجل قتل وله اخ فى دار الهجره وله اخ فى دار البدو لم يهاجر، ارايت ان عفا المهاجرى واراد البدوى ان يقتل، اله ذلك ؟ فقال: (ليس للبدوى ان يقتل مهاجريا حتى يهاجر). قال: واذا عفا المهاجرى فان عفوه جائز، قلت: فللبدوى من الميراث شى ء؟ قال: (اما الميراث فله حظه من ديه اخيه ان اخذت)((35)). وتقريب الاستدلال بها ان المستفاد من سوال زراره(رحمه الله) انه كان يرى عدم سقوط حق القصاص بعفو بعض الاولياء وهو الاخ المهاجرى فى مورد السوال، وانما استشكل فى المقام من جهه كون الاخ الاخر بدويا بعيدا عن المقتول او خارجا عن دار الهجره والاسلام، والا فلو كان يسقط الحق بمجرد عفو بعض الاولياء لم يكن وجه لتوهم عدم السقوط فى المقام بعد فرض عفو الولى المهاجرى. والامام(ع) فى مقام الجواب اقره على ذلك ، وانما نفى الولايه على القصاص للبدوى حتى يهاجر، بل لعل ظاهر هذا التعبير ان هذا الاخ البدوى لو هاجر الى دار الاسلام كان له ان يقتل حتى مع عفو الاخ المهاجرى، لان هذا مقتضى التطابق بين السوال والجواب، فتدل الروايه على عدم سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء. الا ان الانصاف ان هذا الاستدلال قابل للمناقشه، لان سوال زراره يمكن ان يكون عن كلتا الجهتين والحيثيتين والامام(ع) ايضا اجابه عنهما معا حيث اجاب اولا عن ان البدوى لا حق له فى القصاص ما لم يهاجر وثانيا بان المهاجرى اذا عفا فعفوه جائز، اى نافذ فيسقط القصاص، ولا اقل من اجمال الروايه وعدم وضوح دلالتها على ذلك على ان مضمونه -وهو التفصيل فى حق القصاص بين البدوى والمهاجرى غريب لم يقل به احد من الفقهاء، وقد علق عليه العلامه المجلسى فى مرآه العقول بقوله: (لم ار من قال بمضمونه)((36)). الروايات المعارضه : وفى قبال ما تقدم روايات اخرى عديده ومعتبره تصرح بسقوط القصاص بعفو بعض الاولياء، وهى كما يلى: 1 - صحيح عبدالرحمان قال: قلت لابى عبدالله(ع): رجلان قتلا رجلا عمدا وله وليان فعفا احد الوليين قال: فقال: (اذا عفا بعض الاولياء درى عنهما القتل، وطرح عنهما من الديه بقدر حصه من عفا، واديا الباقى من اموالهما الى الذين لم يعفوا). 2 - معتبره ابى مريم عن ابى جعفر(ع) قال: (قضى امير المومنين(ع) فيمن عفا من ذى سهم فان عفوه جائز. وقضى فى اربعه اخوه عفا احدهم قال: يعط ى بقيتهم الديه، ويرفع عنهم بحصه الذى عفا). 3 - معتبره زراره عن ابى جعفر(ع) فى رجلين قتلا رجلا عمدا وله وليان، فعفا احد الوليين؟ فقال: (اذا عفا عنهما بعض الاولياء درى عنهما القتل، وطرح عنهما من الديه بقدر حصه من عفا، واديا الباقى من اموالهما الى الذى لم يعف) وقال: (عفو كل ذى سهم جائز). 4 - معتبره اسحاق بن عمار عن جعفر(ع)، عن ابيه(ع) ان عليا(ع) كان يقول: (من عفا عن الدم من ذى سهم له فيه فعفوه جائز وسقط الدم، وتصير ديه ويرفع عنه حصه الذى عفا)((37)). 5 - صحيحه ابى ولاد الاخرى قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن رجل قتل وله اولاد صغار وكبار، ارايت ان عفا الاولاد الكبار؟ قال: فقال: (لا يقتل، ويجوز عفو الاولاد الكبار فى حصصهم، فاذا كبر الصغار كان لهم ان يطلبوا حصصهم من الديه)((38)) . والظاهر من قوله: (لا يقتل) فى الابتداء والاقتصار على ذكر استحقاق طلب الديه عندما يكبر الصغار ان عفو الاولاد الكبار عن القصاص كان نافذا ومسقطا للقصاص وانه لا يبقى الا الديه. 6 - مرسله الصدوق المتقدمه حيث قال: (قد روى انه اذا عفا واحد من الاولياء ارتفع القود)((39)). 7 - وروايه الدعائم عن الصادق(ع): (اذا عفا بعض الاولياء زال القتل، فان قبل الباقون من الاولياء الديه وكان الاخرون قد عفوا من القتل والديه زال عنه مقدار ما عفوا عنه من حصصهم، وان قبلوا الديه جميعا ولم يعف احد منهم عن شى ء منها فهى لهم جميعا)((40)). وهذه الروايات واضحه الدلاله، بل صريحه فى سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء، وهى وان كانت فى مورد عفو بعض الاولياء الا انه يستفاد منها ايضا حكم ما اذا طالب بعضهم بالديه ووافق عليه القاتل بعدم احتمال الفرق فقهيا ولا عرفا، بل لعله اولى من فرض العفو عرفا فى سقوط القصاص، لانه وفى شيئا عن المقتول بمقدار سهم بعض الاولياء، بل اخذ الديه على المبنى المختار عند فقهائنا - فى تعلق الحق بالقصاص لا بالجامع بينه وبين الديه مشتمل لا محاله على العفو عن القصاص غايته عفو مشروط بالعوض فهو لا يستحق الديه الا بعد ان يعفو، وليس العفو عن القصاص بيعا لمال لكى يتوهم ان يكون للشريك -وهو الولى الاخر حق الشفعه بدفع العوض للاول، فيستقل بالقصاص مثلا. وكيفما كان فهذه الروايات تعارض صحيحه ابى ولاد ومرفوعه جميل المتقدمتين، لاشتمالهما على فرض عفو بعض الورثه، وحكمهما بعدم سقوط القصاص بذلك . فلا بد من حل هذا التعارض بجمع دلالى او ترجيح سندى، والا كانت النتيجه التساقط والرجوع الى الاصل الاولى الذى قد عرفت انه يقتضى عدم جواز الاقتصاص الا للمجموع. محاولات لعلاج التعارض : وفى مقام علاج هذا التعارض يتصور احد مواقف ثلاثه: الموقف الاول: ان يقال بانه من تعارض الحجه باللاحجه، لان الطائفه الداله على السقوط قد اعرض عنها الاصحاب ولم يفتوا بمضمونها، واعراض الاصحاب يوجب الوهن وسقوط الخبر عن الحجيه، فلا يمكن ان يعارض ما هو حجه. وهذا العلاج يتوقف على قبول كبرى وهن الخبر وسقوطه عن الحجيه بالاعراض، وعلى احراز صغراها بان يحرز اعراض مشهور قدماء الاصحاب عن العمل بها، وهذا لا يمكن استكشافه من مجرد ذهاب الاكثر او الجميع الى القول بعدم السقوط، اذ لعلهم ذهبوا الى ذلك لوجوه اخرى، خصوصا مع اهتمامهم بنقل هذه الاخبار فى كتبهم وذكر توجيهات ومحامل لها فى قبال الطائفه الاخرى، وفيها جموع دلاليه او ترجيحات سنديه على ما سنذكر، بل عباره الشيخ فى الاستبصار صريحه فى عمله بهذه الاخبار وعدم الاعراض عنها حيث عمل بما ورد فيها من ان عفو كل ذى سهم جائز، غايه الامر قيد اطلاقه بما دل على ان النساء ليس لها عفو ولا قود. بل وعمل بمضمونها فى السقوط بعفو البعض من الاولياء، غايه الامر قيدها بما اذا لم يود من يريد القود الى اولياء المقاد منه مقدار ما عفى عنه، فهذا منه كالصريح فى عدم الاعراض عنها سندا. هذا، مضافا الى ان تعدد هذه الطائفه من الروايات ونقاوه اسانيدها وصدورها عن معصومين متعددين قد يوجب القطع او الاطمئنان اجمالا بصدور بعضها، فيكون السند قطعيا ولو اجمالا، ومعه لا موضوع لمساله سقوط السند عن الحجيه بالاعراض كما هو واضح. الموقف الثانى: الجمع الدلالى فيما بين الطائفتين، وقد ذكر فى كلمات الفقهاء وجوه من الجمع: منها: حمل الطائفه الداله على السقوط بالعفو على الندب والاستحباب. وفيه: ان هذا الحمل انما يصح فى باب الاوامر والتكاليف لا المقام الذى مفاد الدليل فيه حكم وضعى، وهو ثبوت حق الاقتصاص او سقوطه، على ان التعبير بقوله: (سقط الدم وتصير ديه) صريح فى سقوط الحق، فكيف يمكن ان يحمل على الاستحباب؟! واى معنى لحمل السقوط على الاستحباب، فانه ليس فعلا للمكلف؟! فمثل هذا الجمع واضح البطلان. ومنها: حملها على فرض عدم رد من يريد القصاص نصيب العافى من الديه الى اولياء المقتص منه، او رضاهم بالديه بمجرد عفو البعض. وفيه: -مضافا الى انه تاويل لا شاهد عليه انه خلاف ظهورها فى النظر الى نفس الحق وانه يسقط او القصاص وانه يدرا وينتقل الى الديه، وليس النظر فيها الى ما يعمله الباقون فى مقام الاستيفاء من حيث الرضا بالديه او برد نصيب العافى بوجه اصلا. ومنها: حملها على الدرء بمقدار حصه العافى -فلا يجوز له المطالبه بالقصاص بعده لا الاخرين. وفيه: ان الوارد فيها عنوان درء القتل او سقوط الدم وصيرورته ديه، وهذا كالصريح فى سقوط حق القصاص. على ان القصاص والدم لا يقبل التبعض، وانما الذى يقبل التحصيص والتبعض انما هو الديه، فلا يقال سهم هذا الولى من القصاص او القتل، وانما يقال سهمه من الديه، فهذه الوجوه للجمع المذكوره فى كلمات الفقهاء - على ما فى الجواهر((41))- لا ترجع الى محصل. ولعل اوجه جمع دلالى يمكن ان يذكر هو ما اشار اليه الشهيد الصدر(قدس سره) فى تعليقته على منهاج الصالحين من تخصيص الطائفه الداله على السقوط بصحيحه ابى ولاد -وهى المعتبره فى الطائفه الاخرى لان هذه الصحيحه مخصوصه بفرض عفو الاب ومطالبه الام بالديه مع طلب الابن للقصاص بينما الطائفه الاخرى مطلقه وردت بعنوان عفو بعض الاولياء دون بعض، سواء كانوا فى مرتبه واحده من النسبه الى المقتول او فى مرتبتين، فيقال بالتفصيل بين ان يكون الولى الذى عفا غير الولد والولد يطلب القصاص فلا يسقط، وبين ان يكون العافى وغيره فى رتبه واحده، كما اذا عفا احد الاولاد او كان الاقرب عافيا والابعد يطالب بالقصاص فانه يوجب السقوط، وسياتى ان مثل هذا التفصيل كان فتوى فقهاء المدينه عند العامه. فالحاصل: حيث ان صحيح ابى ولاد لم يرد بعنوان عفو بعض الاولياء دون بعض، وانما ورد فى خصوص مورد عفو الاب ومطالبه الام بالديه مع طلب الولد بالخصوص للقصاص من قاتل ابيه، فالنسبه بينها وبين الطائفه الاخرى نسبه العام الى الخاص او التباين، لان ما ورد بعنوان عفو بعض الاولياء دون بعض يكون اعم وما ورد بعنوان عفو بعض الاخوه دون بعض يكون مباينا. ثم ناقش الشهيد الصدر(قدس سره) فى هذا الوجه بان العموم فى الطائفه الداله على السقوط غير قابل للتخصيص عرفا((42)). ولعل نكتته ان المستظهر منها - ولو عرفا وبمناسبات الحكم والموضوع ان سبب السقوط ونكتته العرفيه انما هو عدم تبعض القصاص، فلو ملك الجانى بعض نفسه سقط الدم ودرى عنه القتل لا محاله، وهذا لا ربط له بقرب نسبه الولى اليه او بعده، فاذا جزمنا بهذه النكته عرفا او فقهيا استقر التعارض بينهما لا محاله. الموقف الثالث: الترجيح السندى بعد فرض حجيه كل منهما فى نفسه، وعدم تماميه شى ء من وجوه الجمع الدلالى المتقدمه، وعدم قطعيه سند الطائفه الداله على السقوط، لعدم بلوغها حد الاستفاضه والتواتر حتى اجمالا. وما ثبت فى محله فى موارد التعارض المستقر -بين خبرين مرجحان طوليان احدهما قبل الاخر ومقدم عليه الترجيح بموافقه الكتاب والترجيح بمخالفه العامه، الا انه فى المقام كلاهما منطبقان على صحيح ابى ولاد، فيقال بتقديمه على روايات السقوط، لموافقته اطلاق آيه جعل السلطنه لكل ولى -بناء على الانحلال ولمخالفته مع مشهور العامه القائلين بالسقوط. ويلاحظ على هذا الموقف: اولا : انه مبنى على عدم حصول القطع او الاطمئنان بصدور بعض روايات الطائفه الداله على السقوط لكثرتها وصدورها عن ائمه متعددين ونقاوه اسانيدها مما قد يوجب الاطمئنان على الاقل بصدور بعضها اجمالا. وعندئذ لا موضوع للترجيح السندى، بل يكون الخبر المعارض لها ساقطا عن الحجيه، لمخالفته مع الدليل القطعى الصدور. نعم، لو علم بصدور هذه الروايات او بعضها على الاقل على وجه التقيه لم يتم ما ذكر، ولكن انى لنا بمثل هذا القطع؟! وثانيا : انتفاء صغرى كلا المرجحين. اما الاول منهما فلما تقدم من المناقشه فى دلاله الايه الكريمه على استقلاليه حق القصاص لكل وارث. واما الثانى منهما -وهو المهم عند المحققين المتاخرين حيث استندوا فى رفع اليد عن الطائفه المعارضه، وهى روايات عديده واضحه سندا ودلاله الى كونها موافقه للعامه فلان اكثر مذاهب العامه وان كانت ترى ذلك اعنى سقوط حق القصاص بعفو البعض، بل فى المبسوط ان العامه ادعوا عليه اجماع الصحابه قال: (اذا وجب القصاص لاثنين فعفا احدهما عن القصاص لم يسقط حق اخيه عندنا، وله ان يقتص اذا رد على اولياء القاتل قدر ما عفا عنه، ويسقط حقه فقط، وقال بعضهم: يسقط حقه وحق اخيه، وادعوا انه اجماع الصحابه. وقد بينا انا نخالف فيه، قالوا: اذا ثبت ذلك فان حق الذى لم يعف ثبت فى الديه، واما حق العافى سقط من القصاص ويثبت له المال ان عفا على مال او مطلقا وان عفا على غير مال سقط المال)((43)). موقف فقهاء العامه : الا ان مذهب مالك وغيره من فقهاء المدينه وفى عصر الامام الصادق(ع) كان يرى عدم سقوط القصاص بالعفو، اما مطلقا او فيما اذا كان الولى الاقرب يطلب القصاص والابعد يعفو. قال فى المغنى: (وذهب بعض اهل المدينه الى ان القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء، وقيل هو روايه عن مالك ، لان حق غير العافى لا يرضى باسقاطه، وقد توخذ النفس ببعض النفس بدليل قتل الجماعه بالواحد)((44)). وقال فى الفقه على المذاهب الاربعه تحت عنوان (اختلاف ورثه الدم فى العفو): (المالكيه -رحمهم الله تعالى قالوا: يسقط القصاص ان عفا رجل من المستحقين حيث كان العافى مساويا فى درجه الباقى من الورثه والاستحقاق، كابنين او عمين او اخوين، واولى ان كان العافى اعلى درجه كعفو ابن مع اخ، فان كان العافى انزل درجه من الباقين لم يعتبر عفوه كعفو اخ مع ابن للمقتول، وكذا ان كان العافى لم يساو الباقى فى الاستحقاق كاخوه لام مع اخوه لاب، لان الاستيفاء حق للعاصب الذكر، فلا دخل فيه لزوج ولا لاخ لام او جد لها. ويقدم الاقرب فالاقرب، فيتقدم ابن فابنه الا الجد الادنى والاخوه فسيان فى القتل والعفو، ولا كلام للجد الاعلى مع الاخوه)((45)). وقال الحطاب -وهو امام المالكيه فى عصره فى كتابه (مواهب الجليل): (ان عفا بعض الورثه سقط القود ان كان العافى مساويا لمن بقى فى الدرجه او اعلا منه، فان كان انزل درجه لم يسقط القود بعفوه، فان انضاف الى الدرجه العليا الانوثه كالبنات مع الاب او الجد فلا عفو الا باجتماع الجميع، فان انفرد الابوان فلا حق للام فى عفو ولا قتل وكذلك الاخوه والاخوات، واما الام والاخوه فلا عفو الا باجتماعهم)((46)). ويلاحظ ان هذه الفتوى متطابقه جدا مع مضمون صحيح ابى ولاد الذى استند اليه مشهور فقهائنا حيث ان الوارد فيه عفو الاب وطلب الام الديه مع طلب الابن -وهو الاقرب الى المقتول القصاص. ولا يخفى ان المذهب الذى كان رائجا فى عصر الامام الصادق(ع) الصادر عنه هذه الصحيحه انما هو مذهب مالك فى المدينه وبعده مذهب ابى حنيفه فى العراق، واما مذهب الشافعى واحمد بن حنبل فمتاخران عن زمن الصادق(ع) كثيرا، فلا يحتمل ان تكون الروايات الكثيره الصادره عن الامام الباقر والصادق عليهم السلام فضلا عما صدر عن على(ع) -مما يدل على سقوط حق القصاص بعفو البعض صادره تقيه من اجل مذهبهما. بل الميزان ان نلاحظ المذهب الذى كان رائجا للعامه فى عصر الامام الصادق(ع) وخصوصا فى المدينه المنوره التى كان يسكن فيها الامام الصادق(ع)، وهو مذهب مالك والذى كان يرى عدم سقوط حق القصاص اذا كان العافى انزل درجه او استحقاقا من غير العافى، وعندئذ تنقلب النتيجه، فيكون صحيح ابى ولاد هو الاكثر مطابقه مع العامه والروايات الداله على السقوط مطلقا هى المخالفه معهم. كما ان هناك عبائر منقوله عن ابى حنيفه ومذهبه تدل على انه ايضا كان يرى استقلاليه حق القصاص لكل وارث فى الجمله، قال فى الموسوعه الكويتيه نقلا عن الاحناف: (وقال ابو حنيفه: المقصود من القصاص هو التشفى وانه لا يحصل للميت ويحصل لورثته، فكان حقا لهم ابتداء، وثبت لكل واحد منهم على الكمال لا على الشركه، ولا يمنع ذلك ان للميت فيه حقا حتى يسقط بعفوه)((47)). فترى انه يعتبر القصاص حقا ثابتا للوارث ابتداء لا بالانتقال اليه من الميت وانه ثابت له على وجه الكمال والاستقلال لا على وجه الشركه، وهذا متطابق مع ما استظهره بعض فقهائنا من الايه المباركه على ما تقدم. كما ان كلا من مالك وابى حنيفه كان يفتى باستقلاليه الولى الكبير بالقصاص مع وجود الصغير او المجنون فى الاولياء، ففى المدونه الكبرى لمالك : (قلت: ارايت ان قتل رجل وله اولياء اولاد صغار وكبار، ايكون للكبار ان يقتلوا ولا ينتظروا الصغار فى قول مالك ؟ قال: نعم... قلت: ارايت ان قتل رجل عمدا وله وليان احدهما صحيح والاخر مجنون، ايكون لهذا الصحيح ان يقتص فى قول مالك ؟ قال: نعم)((48)). وفى كتاب الاختيار لتعليل المختار تاليف عبدالله الموصلى الحنفى: (واذا كان القصاص بين كبار وصغار فللكبار الاستيفاء)((49)). وهذا يعنى ان القول بالاستقلال فى الجمله كان معهودا عند العامه حتى غير المالكيه، بل ظاهر بعضهم الاستدلال عليه بمثل ما استدل به على استقلاليه كل ولى مطلقا عندنا، ففى كتاب الحاوى الكبير -وهو فى فقه مذهب الشافعى للماوردى البصرى: (وقال ابو حنيفه ومالك -فيما اذا كان ضمن الاولياء صغير او مجنون: يجوز للرشيد منهم ان ينفرد باستيفاء القود ولا ينتظر بلوغ الصغير وافاقه المجنون. ولو كان مستحقه صغيرا او مجنونا جاز لوليه ان ينوب عنه فى استيفائه استدلالا بقول الله تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا...) فذكره بلفظ الواحد فدل على جواز ان يستوفيه الولى الواحد . ولان ابن ملجم قتل عليا(ع) فاقتص منه ابنه الحسن(ع) وقد شاركه من اخوته صغار لم يبلغوا ولم يقف القود على بلوغهم ولم يخالفه احد من الصحابه رضى الله عنهم فصار اجماعا على جواز تفرده به).((50)) وايضا فى نفس الكتاب: (وقال مالك : يجوز لمن لم يعف ان يقتص ولو كان واحد من جماعه استدلالا بقول الله تعالى ...) فلو سقط حقه بعفو غيره لكان السلطان عليه ولم يكن له، ولان القود موضوع لنفى المعره كحد القذف ثم ثبت ان حد القذف لا يسقط بعفو بعض الورثه كذلك القود يجب ان يكون بمثابتهم، ولانه لما لم يكن عفو بعضهم عن الديه موثرا فى حق غيره وجب ان يكون عفوه عن القود غير موثر فى حق غيره)((51)). |