الفصل الاول

فى بيان حقيقه الحواله والانحاء المتصوره فيها

وتحقيق هذا الفصل يتم بتقديم امور ثلاثه:

الامر الاول:

فى ان الديون كلها تشتمل على احدى المرتبتين: الذمه والعهده، فلابد من بيان  معنى الذمه والعهده، فنقول:

ان الذمه والعهده من المفاهيم التى وضعها الفقه الاسلامى، فهما وعاءان اعتباريان من الاعتبارات العقلائيه يختلفان من حيث المظروف الذى يحتويانه، فان كان المظروف امرا شخصيا وعينا خارجيه فظرفه العهده، وان كان امرا كليا لا شخص له خارجا فظرفه الذمه، فالذمه: هو الوعاء الذى صاغه العقلاء واعتبروه ظرفاللامور الكليه، والعهده: هو الوعاء الذى صاغوه واعتبروه ظرفا للامور الجزئيه الشخصيه الخارجيه.

وهذا التعريف المزبور لكل من الذمه والعهده كانه ماخوذ من ارتكازات العقلاء فى باب الغصب، حيث راوا ان العين المغصوبه اذا كانت موجوده يقال: انها فى عهده الغاصب، فاذا تلفت يقال: انها فى ذمته، وحيث ان العين قبل تلفها امر خارجى وبعده عباره عن المثل او القيمه فمن هنا تخيل ان الفارق الاساسى بين العهده والذمه هو: ان الاول ظرف للشىء الخارجى والثانى ظرف للشىء الكلى الذى لاوجود له خارجا، بينما نرى ان بينهما بحسب الحقيقه فرقا جوهريا فى تركيبهماالعقلائى، والفرق الذى ذكروه انما هو من نتائج ذاك الفرق الجوهرى الحقيقى،وحاصل هذا الفرق الحقيقى:

انه لو واجهنا السوال الاتى: ماهو معنى الذمه؟ فنقول فى جوابه:

ان العقلاء اتفق لهم فى كثير من الاحيان ان كانوا فى مقام التمليك والتملك من دون ان تتيسر لهم اعيان خارجيه يصبون عليها التمليك او التملك، كما فى المعاوضات التى لايتيسرلكلا الطرفين او لاحدهما مال خارجى يوقع عليه العقد، وكما فى باب التحميلات القانونيه من قبيل الحكم على من اتلف مال غيره بانه يجب عليه ايفاء مثله له مع عدم وجود المثل عنده، ففى مثل هذه الموارد -التى احتاج فيها العقلاء الى جعل تمليكات على الاموال من دون ان تتيسر لهم اموال واعيان خارجيه - اخترع وعاءسمى بالذمه، وفرض فيه وجود اموال هى فى الحقيقه مفهومات خارجيه معتبره بالمعنى الحرفى لا بالمعنى الاسمى، بمعنى ان نسبه المال الموجود فى الذمه الى المال الموجود خارجا نسبه المعنى الحرفى الى الاسمى فى كون الاول رمزا ومعنى آليا دون الثانى الذى هو معنى استقلالى، فالملكيه انصبت -فى الموارد المزبوره التى احتيج فيها الى جعل تمليكات مع عدم وجود اعيان خارجيه على المعنى الالى الذمى بلحاظ كونه مرآه للخارج، فاذا فرض ان فى ذمه زيد عشره دنانير فمعناه ان هذه العشره دنانير اموال رمزيه ومرآه لتلك الاموال الخارجيه، وانما فرض ذلك لكى يترتب على هذه الاموال الرمزيه نفس الاثر المترتب على الاموال الخارجيه، فانه لايمكن تصور العشره دنانير غير الموجوده خارجا الا بوجودها الذمى الرمزى،والا فهى ليست موجوده بين الارض والسماء من دون ان تستقر لا فى الذمه ولا فى الخارج، اذن فالذمه وعاء للاموال الرمزيه وليست وعاء للخارج، فليس تقسيم الدين الى الذمه والعهده تقسيمااعتباطيا، بل هو راجع الى طبيعه الوعاء الذى يحتوى على الدين، فما دامت العين موجوده فى يد الغاصب لا معنى لكونها فى ذمته، لان الذمه وعاء للرموز لا للاعيان الموجوده، وهذا التملك الذمى هو الذى عبر عنه فى كلماتهم(قدس سرهم) بشغل الذمه، ويعبرعن المال بالدين وعن المالك بالدائن. هذا هو تفسير الذمه.

واما العهده فهى وعاء اعتبارى آخر وظرف لشىء آخر يختلف عما كانت الذمه ظرفا له، فالعهده ظرف للتعهدات والمسووليات المجعوله على الشخص سواء منهاما كان مجعولا من قبل نفس الشخص كما فى الالتزامات التى يتعهدها الشخص فى العقود -ونعنى بالالتزامات الشروط وكما فى النذر على بعض مبانيه، او ما كان مجعولا بشكل قانون عام كنفقه الاقارب -لا الزوجه فلهذه التعهدات والمسووليات وعاء آخر اسمه العهده ، وهى كما تكون ظرفا للاعيان الخارجيه كذلك تكون ظرفا للاعيان الكليه، فاما الاول فكالغاصب، فان العين الموجوده الخارجيه تكون فى عهدته فهو مسوول عنها، واما الثانى فكالمدين، فان الدين يترتب على وعاء الذمه اولا فتصير ذمته مشغوله، وبعد ذلك يكون عليه  مسووليه الوفاء.

اذن فقد اتضح ان الدين له مرتبتان: الذمه او اشتغال الذمه، وهو تملك المالك شيئاملصقا بذمه الاخر، والعهده وهى مسووليه الوفاء التى تقع على عاتق المدين،واتضح ان النسبه بين الذمه والعهده هى العموم من وجه:

فماده الاجتماع واضحه.

وماده افتراق العهده عن الذمه لها امثله:

منها: ما اذا كانت العين فى يد الغاصب قبل التلف فعهدته مشغوله.

ومنها: ما اذا تواردت اياد متعدده على العين المغصوبه ثم تلفت فى يد الاخير، بناء على مبنى صاحب الجواهر ، حيث فرق بين من تلفت العين عنده فذمته مشغوله وبين من قبله فعهدتهم مشغوله((67)).

ومنها: ما اذا باع شيئا وقبض الثمن ولم يقبض المبيع، فعهده البائع مشغوله لاذمته.

وماده افتراق الذمه عن العهده هو المدين العاجز عن اداء الدين، فان ذمته مشغوله ولكن مسووليته ساقطه، اى لا عهده عليه.

والان بعدما اتضح لنا معنى العهده والذمه فيجب علينا ان نعرف ان الحواله هل هى تصرف بلحاظ العهده او بلحاظ الذمه، فاذا كان زيد مدينا لعمرو بمئه مثلا، ثم احال زيد عمرا على خالد بان ياخذ الدين منه، فزيد المدين هو المحيل وعمروالدائن هو المحال، وخالد المعط ى هو المحال عليه، والمال هو المحال به فهل يكون تصرف زيد فى الدين تصرفا فى الذمه او فى العهده ؟

ذهب الفقه الجعفرى الى الاول وان الحواله تصرف فى الدين بلحاظ الذمه، وذهبت جمله من المذاهب الاخرى غير الجعفريه الى الثانى وانها تصرف بلحاظ العهده.وسياتى توضيح الكلام فى ذلك ان شاء الله تعالى.

الامر الثانى:

ان التصرف الواقع على الدين يكون على احد انحاء خمسه:

1 - التصرف بالوفاء، وبه يعبر فى الفقه الاسلامى والغربى معا اذا كان الوفاءبالجنس، واما اذا كان بغير الجنس فيعبر عنه فى الفقه الاسلامى بالوفاء، وفى الفقه الغربى بالمقابل، كما سياتى.

2 - التصرف بالتنازل، ويعبر الفقه الغربى عنه بالمقاصه، وهذا تاره يكون بحكم القانون ويعبر الفقه الغربى عنه باتحاد الذمه، واخرى يكون بالاختيار-اى الابراء ويعبر الفقه الغربى عنه بالابراء التبرعى اذا لم يكن بازائه شىءوبالتجديد اذا كان بازائه شىء.

3 - التصرف بتبديل الدائن، ويعبر عنه فى الفقه الاسلامى ببيع الدين او هبته، وفى الفقه الغربى بحواله الحق.

4 - التصرف بتبديل المدين، ويعبر الفقه الغربى عنه بحواله الدين.

5 - التصرف بتبديل نفس المال وتطويره.

هذه هى الانحاء الخمسه التى ترجع اليها انحاء التصرف المعاملى كلها الطارئه على الدين، واليك شرح الانحاء الخمسه بالتفصيل:

الاول: الوفاء، ومرجعه الى تعيين المال الذمى فى عين خارجيه واخراجه من عالم الرموز الى عالم الوجود والحس، وبذلك ينحل الدين، لان قوام الدين بالمال الرمزى، فاذا حول الى المال الخارجى فينحل الدين، فمثلا اذا كان زيد مدينا لعمروبمئه دينار فى ذمته فحولها الى مئه دينار خارجيه واوفاه بها فقد انحل الدين.

وهذا الوفاء: تاره يكون تعيينا لما فى الذمه فى مصداق حقيقى له بلا عنايه وهو الوفاء بالجنس، كما اذا وفى بمئه دينار له فى مقابل المئه دينار التى كانت فى ذمته، ويعبر عنه فى الفقه الاسلامى والغربى بالوفاء.

واخرى يكون تعيينا لما فى الذمه فى مصداق غير حقيقى له مع العنايه وهو الوفاءبغير الجنس، ويعبر عنه الفقه الغربى بالمقابل، كما اذا وفى له بمئه تومان فى مقابل الخمسه دنانير التى كانت فى ذمته.

الثانى: التنازل، بمعنى ان يتنازل الدائن عن المال الذى كان فى ذمه المدين، وهو ايضا يوجب انحلال الدين.

وهذا تاره يكون بحكم القانون، كما اذا حكم الشارع بانحلال الدينين المتساويين فيما اذا كان زيد مدينا لعمرو بخمسه وعمرو مدينا لزيد بخمسه، فيتهاتر الدينان،وبه يحصل التنازل القانونى، اى اتحاد الذمه على حد تعبير الفقه الغربى، وايضاكما اذا كان الاب مدينا لابنه ثم مات الاب وورثه الابن، فيحكم الشارع بالتقاص والتنازل بما ورثه الابن.

واخرى يكون بالاختيار، وهو الابراء الذى يكون مرجعه الى اسقاط الدائن حقه من المدين. وهذا تاره يكون الى بدل، اى لايكون مجانيا، واخرى يكون الى غير بدل،اى يكون مجانيا، فمثال الاول ما اذا قيل للدائن مثلا: ابرى ذمه مدينك ولك عشره دنانير، ففى طول التنازل والابراء يتولد دين آخر، ومثال الثانى مااذا قال الدائن للمدين: ابرات ذمتك.

والجامع بين هذه الصور هو عنوان التنازل، وهذا العنوان وان لم يكن مذكورا فى الفقه الغربى الا ان الصور مذكوره، ولا خلاف بين الفقه الاسلامى والفقه الغربى فى ذلك وانه يوجب انحلال الدين، لكن الخلاف فى المصطلحات.

والفرق بين هذين النحوين من انحاء التصرف الواقع على الدين وبين الانحاء الثلاثه الاتيه: ان الدين فى هذين النحوين المزبورين غير ثابت بل هو منحل، واما فى الانحاء الثلاثه الاتيه فالدين ثابت فى نفسه، غايه الامر يكون التغيير بالنسبه الى الدائن او المدين او المال مع الحفاظ على اصل الدين.

الثالث: تغيير الدائن مع الحفاظ على اصل الدين وعلى المدين، فمثلا اذا كان زيدمدينا لعمرو بخمسه فيجوز تبديل الدائن -وهو عمرو بشخص آخر، وهذا نظير المال الخارجى، فكما يمكن تبديل مالك المال الخارجى بالبيع وغيره كذلك يمكن تبديل مالك المال الذمى، فانه ليس الا رمزا او اعتبارا يعتبره العقلاء، فيمكن اعتباره فى وعاء ملصق بشخص آخر، فلا فرق بين المال الخارجى والمال الذمى فى كونهما مالا، غايه الامر ان المال الخارجى روح العشره دنانير والمال الذمى رمزها.

وتغيير الدائن تاره يكون ببيع الدين واخرى بهبته، اما الاول فالمشهور عند الفقه الجعفرى هو الجواز اذا كان البيع بنقد حاضر لا بدين آخر والا فيكون من باب بيع الدين بالدين، واما الثانى فالمشهور عدم الجواز. واما العامه فالمشهور عندهم -الامالك عدم الجواز فى بيع الدين فضلا عن هبته الا على المدين نفسه، فانه يجوزعندهم بيع الدين على نفس المدين، واما مالك فيرى جواز بيع الدين مطلقا.

الرابع: تغيير المدين مع انحفاظ الدائن والمال، بمعنى ان يتحول المدين من شخص الى آخر، فيكون من قبيل تبديل مكان المال الخارجى، فان مكان المال الذمى هو الذمه فيجوز تحويله من ذمه الى ذمه اخرى، غايه الامر انه يتوقف على رضا المحول اليه، اذ هو الذى تكون ذمته وعاء للمال بعد تحويله من ذمه المدين،وهذا لا اشكال فيه وان كان بحسب الفهم الفلسفى يرى ان الدين يتغير بسبب تحويله من ذمه الى اخرى، لان الاعتبار لا ينقل والذمه امر اعتبارى، فاذا نقلت الى ذمه اخرى فمعناه احداث دين غير الاول.

الا ان هذا فهم فلسفى لا فقهى، والكلام فى الثانى دون الاول، فانه لا اعتبار بالفهم الفلسفى فى الامور الارتكازيه العقلائيه، فان العقلاء يرون ان المكان قد تغير من دون ايما تغيير فى الدين.

وهذا هو احد محتملات الحواله بحسب الفقه الاسلامى كما يتضح بعد ذلك ان شاءالله تعالى.

والان فقد جاء دور النحو الخامس من الانحاء الخمسه، وقبل بيانه لابد من الوقوف على النحو الثالث والرابع لنرى الفرق فيهما بين التصور الاسلامى للذمه وبين التصور الغربى لها، فانه بناء على التصور الاسلامى للذمه يصبح امكان النحو الثالث والرابع على درجه عاليه من الوضوح، وذلك لان الذمه بحسب التصور الاسلامى عباره عن الوعاء الاعتبارى للاموال الرمزيه -كما سبق والدين هوالمال المطروح فى ذلك الوعاء، وحينذاك فيمكن تبديل مالك الوعاء وكذلك يمكن تبديل الوعاء نفسه، اى يمكن تبديل الدائن -وهو النحو الثالث وتبديل المدين -وهوالنحو الرابع ولا يرد عليه اى اشكال بناء على هذا.

واما بناء على تصور الفقه الغربى للذمه والدين فان الدين عنده عباره عن الالتزام الشخصى من قبل انسان بان يدفع الى غيره مالا، وبناء عليه وقع النحو الثالث والرابع المزبوران موردا للاشكال الثبوتى فى الفقه الغربى، فلا يرى انهما ممكنان، بل هو يرى ان ايه محاوله لتغيير الدائن او المدين ترجع الى انهاء الدين الاول وانشاء دين آخر، فيكون مرجعه الى التنازل غير المجانى،فالاشكال ناشى من ناحيه تصور فقهاء الرومان للدين، حيث فسروه بالالتزام الشخصى، ومن هناك استشكلوا فى تغيير الدائن او المدين بان الالتزام الشخصى لايمكن انحفاظه فى صوره تغيير الملتزم او الملتزم له، بل مع تغيير احدهما يتغيرالالتزام ايضا، فلا يبقى الدين اصلا.

وهذا الاشكال غير صحيح بالنسبه الى ما تصوره الفقه الاسلامى للذمه، فانه لايفسر الدين بالالتزام كى يرد عليه الاشكال، بل يفسره بالمال الرمزى المحتفظ فى الوعاء الاعتبارى المسمى بالذمه، وهذا ينحفظ حتى مع تغيير الدائن او المدين فان العقلاء لايرون اشكالا فى تغيير مالك الوعاء او الوعاء نفسه مع الحفاظ على اصل الدين كما مر آنفا.

واما الفقه الغربى فحيث تصور الدين وفسره بالالتزام الشخصى فاستشكل فى جواز حواله الحق -اى تغيير الدائن وحواله الدين -اى تغيير المدين باعتبار ان الدين يتغير فيهما ايضا، ولا يمكن انحفاظه مع تغييرهما، لان الدائن والمدين هماالمقومان للدين، فبتغييرهما يتغير الدين الى دين جديد، وهذا هو معنى التنازل الى بدل.

ومن هنا لم يشرع القانون الرومانى حواله الحق وحواله الدين، نعم اعترف فى باب الارث بحواله الحق وحواله الدين، فان الابن يقوم مقام ابيه فى كونه دائنا اومديونا، وذلك باعتبار ان الوارث امتداد للمورث واستمرار للحكم الذى كان مسجلاعلى المورث سواء كان الحكم هو الدائنيه او المديونيه، اذن فالالتزام فى هذه الصوره لايتغير، فيبقى الدين على حاله فيصح.

ثم بعد ان اشكل الفقه الغربى على الملكيه بالنسبه الى الاموال الرمزيه ولم يتعقلهابل اعتبر الملكيه فى خصوص الاموال الخارجيه، اخذ يشعر بوجود الحاجه الى اعمال هذه العمليه -اى عمليه تغيير الدائن فكان يتوصل الى بعض نتائجها اوجميعها عن طريق التجديد، فاذا كان للشخص مدين واراد ان يجعل له دائنا آخرفحيث ان الدين بنفسه التزام ويستحيل تغيير طرفى الالتزام مع البقاء على نفس الالتزام فكان الفقه الغربى يحتال على هذه العمليه عن طريق التجديد -اى انشاء دين آخر غير الدين السابق فكان يلغى الدين الكائن بين زيد وعمرو ويحدث دينا آخربين خالد وعمرو، فبينما كان لزيد حق لمطالبته عمرا بالدين فقد انتقل الحق الى خالد واصبح هو الذى يطالب عمرا بالدين، وهذا الدين يغاير الدين السابق.

فالعمليه روحها هو ما قلناه من تغيير الدائن، الا ان الفقه الغربى البسها ثوب عمليه تغيير الدين وسماها بالتجديد، وجعل الفارق بين الدين السابق واللاحق احتياج الاخير الى اذن المدين حيث يراد جعل خالد دائنا له، فاصبح الفقه الرومانى بذلك معترفا بحواله الحق بعدما كان ناكرا، ثم اعترف الفقه الالمانى الجرمانى بحواله الدين ايضا.

وقيل فى سبب اعتراف الفقه الغربى بحواله الحق: ان ركنيه الدائن فى الدين اخف وطاه من ركنيه المدين فيه، فان المدين لا يفرق فى حاله بين ان يكون دائنه زيدا او عمرا، فاذا تغير الدائن لايضر به شيئا، واما الدائن فيفرق فى حاله بين ان يكون مدينه زيدا او عمرا، فقد يكون المدين الاول اسهل فى طلب الحق منه من المدين الثانى، ولاجل هذا فلا يضر ان قيل بجواز حواله الحق وتغييرالدائن دون حواله الدين وتغيير المدين.

وثم بعد ذلك افترض عند الفقه الغربى ان حواله الدين ايضا كذلك فاعترف بها،وسياتى بيان ذلك تفصيلا.

واخيرا: فقد اتضح ان الاشكال الذى عاشه الفقه الغربى تجاه عمليتى تغيير الدائن والمدين انما تولد عن تصوره لمعنى الذمه والدين، واما الفقه الاسلامى فقد امضى هاتين العمليتين من دون ايما اشكال، وذلك على اساس تصوره لمعنى الذمه والدين.

نعم، عاش الفقه الاسلامى سنخ الاشكال المزبور، وذلك بالنسبه الى نقل الحق وبيعه لا نقل الدين، فان هناك كلاما بين فقهاء الاسلام فى جواز نقل الحقوق وعدمه((68)) فجاء فى ذلك اشكال نظير الاشكال السابق، حيث قيل فى مقام افاده عدم الجواز: ان الحق عباره عن الاضافه الشخصيه ومتقومه بطرفيها -اى من له الحق ومن عليه الحق فلا يتعقل انحفاظ هذه الاضافه مع تبدل طرفيها، فمثلا فى باب الشفعه حيث انها حق للشريك فهى اضافه شخصيه متقومه بالشريك الذى له الحق وبالمشترى الذى عليه الحق، فاذا تغير احدهما او كلاهما باحد اسباب النقل فقدتغيرت الاضافه ايضا لتغير طرفيها المقومين لها، فلا يتصور انحفاظها مع تبدلهما.

وهذا الاشكال يوول الى الاشكال السابق الذى اورده الفقه الغربى على انتقال الدائن والمدين ، وقد اقترح جمله من فقهائنا -كالمحقق الاصفهانى قدس سره حلا للاشكال،وافادوا:

ان طرفى الاضافه قد لايكونان مقومين لها بل يمكن انحفاظها مع تبدلهما،فهذا يشبه كثيرا ما افادوه فى باب الدين من الغاء مقوميه الطرفين، والتفصيل موكول الى محله.

اذن فقد عاش الفقه الاسلامى روح الاشكال ولكن بالنسبه الى باب الحقوق لا فى باب الديون.

هذا هو النحو الرابع من انحاء التصرف المتصوره.

الخامس: هو تغيير المال نفسه وتطويره، وسوف نوجل بيانه الى ما بعد البدء فى التخريجات لنكته نذكرها هناك ان شاء الله.

الامر الثالث:

ان العناوين المنطبقه على التصرفات المعامليه على قسمين:

الاول: العناوين الاوليه الحاكيه عن نفس التصرف المعاملى ابتداء ومباشره، كعنوان البيع فانه لا يحكى الا عن نفس التمليك والتصرف المعاملى بنفسه، وكعنوان الهبه فانه يحكى عن نفس التمليك بعوض او مجانا.

الثانى: العناوين الثانويه المنتزعه عن التصرفات المعامليه بلحاظ امور واضافات زائده، كعنوان الحواله فانه ليس حاكيا عن نفس التصرف المعاملى مباشره، بل هوعنوان ثانوى لهذا التصرف المخصوص بلحاظ ان هذا التصرف يكون عن طريق الاحاله فينتزع العنوان عن كيفيه هذا التصرف، وكعنوان الصلح فانه ليس عنوانااوليا للمعامله، فان المعامله المخصوصه انما ينطبق عليها عنوان الصلح بلحاظ انها انشئت بلسان التسالم والاصلاح فانتزع منها عنوان الصلح، وكذلك عنوان الاجاره فان هذه المعامله عباره عن تمليك المنفعه بعوض، وانتزع منها عنوان الاجاره بلحاظ انها تكون عن طريق ايجارالمالك عينه، فهذا العنوان قد انتزع من العين، ولهذا تسند الاجاره الى العين لا الى المنفعه، اى يقال: آجر داره، ولا يقال: آجر منفعتها، فهذا يكشف عن ان هذاالعنوان منتزع من هذه المعامله المخصوصه لا انه ينطبق عليها مباشره، والا لصح اسناد الاجاره الى المنفعه التى تقع المعامله عليها.

وحينذاك فيجب التنبيه على نقطتين:

النقطه الاولى: انه ذكر فى الجواهر فى مقام تحقيق الحواله وماهيتها -بعد ذكر كلمات بعض العامه وبعض فقهائنا فى انها معاوضه او استيفاء او تغيير فى المدين اوالدائن ان الصحيح ان الحواله اصل براسها وعنوان مستقل، فليست معاوضه ولااستيفاء ولا غير ذلك، فهى معامله بنفسها مستقله فى عرض الاستيفاء كسائرالعناوين التى تنطبق على التصرفات مباشره، فالبحث عن انها وفاء او تغيير للمدين او غيره غير مجد بعد فرض انها عنوان اولى غير منتزع عن شىء((69)).

وهذا غير صحيح بعدما ذكرنا ان الحواله بنفسها ليست عنوانا اوليا بل هى منتزعه عن العنوان الاولى بلحاظ نكته، فلابد من الفحص عن تلك النكته هل هى نكته الوفاء او تغيير المدين او غير ذلك ؟ فالبحث فى تكييف الحواله ضرورى،وكونها اصلا من الاصول لا يجدى بعد فرض انها عنوان ثانوى منتزع من العنوان الاولى.

النقطه الثانيه: اذا دل الدليل على امضاء العنوان الثانوى لمعامله، فاما ان يفرض عدم الانفكاك بين العنوان الاولى للمعامله وبين عنوانها الثانوى المنتزع عن ذاك، فلا اثرعملى فى البحث عن ان الدليل الدال على امضاء العنوان الثانوى يشمل العنوان الاولى او لايشمله، وذلك لفرض التلازم بينهما، فاذا دل الدليل على امضاء احدهما كان مثبتا للاخر ايضا كما هو كذلك فى الاجاره، فانه اذادل الدليل على امضاء تمليك المنفعه بعوض فهو دال على امضاء الاجاره.

واما ان يفرض انفكاك العنوان الاولى لمعامله عن العنوان الثانوى لها، فيجب البحث عن ان الدليل الدال على امضاء العنوان الثانوى لها هل يشمل العنوان الاولى او لا؟ فاذا تمسكنا بعمومات الامضاء فبها نصحح العنوان الاولى ايضا، والا فلو اقتصرنا على الادله الخاصه فى الامضاء -والمفروض ان الادله دلت فى باب الحواله على امضاء الحواله اى العنوان الثانوى لا المعاوضه بين الدينين فهل يمكن استفاده العنوان الاولى منها -وهو المعاوضه بين الدينين او لا ؟

وهذا يرتبط بما يستفاد من دليل الامضاء، فان استفيد منه ان العنوان الثانوى معرف للعنوان الاولى فبنفس دليل الامضاء تثبت صحه العنوان الاولى -اى المعاوضه بين الدينين فى باب الحواله وان لم ينطبق عليها العنوان الثانوى وهوالحواله، وان استفيد من دليل الامضاء ان العنوان الثانوى له موضوعيه بنفسه من دون ان يكون معرفا للعنوان الاولى فلا يستفاد من الدليل الدال على العنوان الثانوى صحه العنوان الاولى.

هذا تمام الكلام فى الامور الثلاثه التى كان لابد من تقديمها قبل البحث عن حقيقه الحواله وبيان الانحاء المتصوره فيه.

والان فلابد لنا من البحث عن الانحاء المتصوره فى الحواله، ثم بعد ذلك يقع البحث عن الاثار واللوازم لها اثباتا ونفيا، وحينئذ نرى ان جمله من الاثار واللوازم تنسجم مع بعض الانحاء وجمله اخرى منها مع البعض الاخر.

الذباحه واحكامها

القسم الثانى

آيه الله السيد طاهرى خرم آبادى

تناول الباحث فى القسم الاول حكم ذبيحه غير المسلم .. وبعد استعراض كلمات الفقهاء بحث ما يمكن ان يستدل به من الايات وصنفها الى طوائف، تقدمت منها اربع ..

فى شرائط الذابح الطائفه الخامسه: الايات الداله على حصر المحرمات فى الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به ونحوها، فتدل على حليه غيرها، وهى:

1 - قوله تعالى: (قل لا اجد فى ما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميته او دما مسفوحا او لحم خنزير فانه رجس او فسقا اهل لغيرالله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم)((70)).

دلاله الايه على حصر المحرمات فى خصوص المذكورات واثبات الحليه لما عداها واضحه، وليس المرادنفى الحرمه الذاتيه لغيرها حتى يقال بعدم منافاتها لاشتراط الحليه الفعليه بشرائط، ولعل منها اسلام الذابح، وذلك لان استثناء الميته وما اهل لغير الله به دليل على ان المراد اثبات الحليه الفعليه لما عداالامور المذكوره، اذ حرمتهما ليست بذاتيه بل حرمه فعليه، بل لعلهما قد يكونان حلالين ذاتا كما هو واضح.

ان قلت: مفاد الايه عدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود.

قلت: اولا : الايات فى مقام رد بعض اهل الكتاب حيث يحرمون على انفسهم ما لم يحرمه الله من الانعام وغيرها، فلو لم يكن عدم وجدانه كنايه ودليلا على عدم وجوده لما تم الرد المذكور، اذ لهم ان يقولوا فى مقام التخاصم والجواب: بان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، فلعل الله حرم عليك غير هذه الاموروانت لم تجده.

وبالجمله: عدم الوجدان فى هذا المورد ملازم لعدم الوجود، وذلك لان هذا الكلام ليس من الرسول بل من الله الذى امر التحريم والتحليل بيده فقط وليس بيد غيره، فاذا اوحى الى نبيه ذلك وامره بان يقول فى مقام ردهم بهذا القول، فيدل على عدم الوجود قطعا، اذ فرق واضح بين قول النبى من عنده: (لا اجدمحرما فى ما اوحى الى) وبين قول الله له: (قل لا اجد فى ما اوحى الى محرما)، فاذا قال الله سبحانه: (قل لا اجد)،مع ان التحريم والتحليل منه وهو الشارع المقنن، فكانه تعالى قال: ليس فى الشرع محرم غير هذه المذكورات.

وبالجمله: دلاله الايه على حصر الحرام فى المذكورات واضحه.

ثانيا : هذا، مضافا الى ان الحلال والحرام لا بد من ان يثبت بحجه وبرهان، فلو لم يوجد فيما اوحى اليه محرم غير المذكورات فلا برهان ولا حجه على تحريم غيرها، وهذا كاف لردهم فى مقام التخاصم والمحاجه.

وثالثا: لو فرض وجود الحرام فيما اوحى الى النبى(ص) ولكن لم يجده النبى(ص)، فلابد وان يكون ذلك لخطئه وسهوه فى تلقى الوحى وجهله به، وهو مناف لعصمته عن الخطا والسهو فى مقام تلقى الوحى،فاذا ثبت بالبرهان عصمه النبى(ص) عن الخطا والنسيان والغفله فى تلقى الوحى فعدم وجدانه ملازم لعدم وجوده، فاذا قال: لا اجد فيما اوحى الى محرما غير الميته والدم و...، نعلم بعدم وجوده، اذ لو كان موجودا للزم منه كذب النبى(ص) -نعوذ بالله او خطاه وسهوه او نسيانه، والكل مناف لعصمته(ص).

وعلى هذا فالايه تدل -بمقتضى الحصر المستفاد من الاثبات بعد النفى على ان غير الموارد المذكوره حلال، فيستدل بها على حليه الحيوان المذبوح بيد الكافر، وكذا فيما شك فى اعتبار شىء فى التذكيه وكل مورد شك فى تحريمه ولم يكن من المذكورات.

2 - قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ان كنتم اياه تعبدون * انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله...)((71)).

3 - قوله تعالى: (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمه الله ان كنتم اياه تعبدون * انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير اللهبه...)((72)).

ودلاله الايتين على الحصر مبنيه على احد امرين:

الاول: ظهور كلمه (انما) فى الحصر كما هو المشهور بين اهل العربيه، ولكن ثبوت ذلك مشكل، بل اقصى ما تدل عليه هذه الكلمه التاكيد.

الثانى: وقوع الايه الداله على تحريم المذكورات عقيب الايه الداله على جواز الاكل من طيبات الرزق فى الايه الاولى ومما رزقكم الله فى الايه الثانيه، يكون بمنزله الاستثناء من العموم، والمعنى: جواز الاكل من كل شىء طيب الا الميته والدم ولحم الخنزير.. الى آخر ما فى الايتين، فيدل على حليه ما عدا المذكورات وحصر المحرم فيها، فقوله تعالى: (انما حرم عليكم الميته والدم...) فى سورتى البقره والنحل يقرر ويوكد الحصر المستفاد من الايه فى سوره الانعام، فيستفاد من الايات الثلاث فى سور الانعام والبقره والنحل -مع وحده مضمونها فى تحريم الموارد المذكوره حليه ما عداها وحصر الحرمه فى هذه الموارد.

ولكن الاستدلال بالحصر المستفاد من هذه الايات موقوف على عدم اجمال معنى الميته بدعوى ظهورهافى غير المذكى، فيشمل ما فقد فيه شرائط التذكيه، اذ لو اريد منها ذلك واحتمل فى التذكيه اعتبار شىء-كاسلام الذابح مثلا يصير الاستثناء مجملا، ويسرى اجماله الى المستثنى منه والعموم، فلا يصح التمسك بالعام مع اجمال المخصص المتصل مفهوما، والمورد من هذا القبيل.

وقد يناقش فى الحصر المستفاد من هذه الايات: بانه مناف لقوله تعالى فى سوره المائده: (حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقه والموقوذه والمترديه والنطيحه وما اكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالازلام ذلكم فسق...)((73))، حيث حرمت فى هذه الايه اشياء اخرى غير المذكورات فى تلك الايات الثلاث، وكذلك ينافى الحصر المذكور ما ورد فى السنه من تحريم بعض الحيوانات البريه والبحريه كالسباع والحشرات وبعض الطيور وبعض الاسماك والنجاسات، فان ما فى السنه ايضا مما اوحى الله الى نبيه، فتحريم الاشياءالمذكوره فى سوره المائده وكذا تحريم اشياء كثيره وردت فى السنه مناف للحصر المستفاد من الايات الثلاث.

واجيب عن تلك المناقشه او يمكن ان يجاب عنها بامور:

الاول: ان الاحكام نزلت تدريجا وسورتا الانعام والنحل مكيتان، والمائده مدنيه وهى آخر السور النازله فى المدينه على الرسول(ص) على ما قيل، فالحصر صحيح بالنسبه الى زمان نزول السورتين وحتى زمان نزول المائده فى المدينه، فالمحرمات النازله فى سوره المائده زائدا على ما نزلت قبلها وكذا ماورد فى السنه كلها محرمات نازله بعد نزول هذه الايات، ولا ينافى تقرير الحصر فى سوره البقره، وهى ايضا مدنيه، لامكان نزول سائر المحرمات بعدها فى الازمنه المتاخره.

فالايه فى سوره الانعام تدل على انه لم يجد فيما اوحى اليه الى ذاك الزمان غير هذه المذكورات، وهذا لاينافى ورود التحريم فيما بعد ذاك الزمان.

قال القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن: (والايه مكيه (اى الايه فى سوره الانعام)، ولم يكن فى الشريعه فى ذلك الوقت محرم غير هذه الاشياء، ثم نزلت سوره المائده بالمدينه وزيد فى المحرمات كالمنخنقه والموقوذه والمترديه والنطيحه والخمر وغير ذلك، وحرم رسول الله(ص) بالمدينه اكل كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير -الى ان قال : وعلى هذا اكثر اهل العلم من اهل النظر والفقه والاثر)((74)).

الثانى: ان الحصر فى الايه او الايات اضافى، قال القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن: (قيل: ان الايه جواب لمن سال عن شىء بعينه فوقع الجواب مخصوصا، وهذا مذهب الشافعى، وقد روى الشافعى عن سعيد بن جبير انه قال: فى هذه الايه اشياء سالوا عنها رسول الله(ص) فاجابهم عن المحرمات من تلك الاشياء)((75)).

وقال ابن عربى فى احكام القرآن: (قال اصحاب الشافعى: تقدير الايه: قل لا اجد فيما اوحى الى محرمامما كنتم تستخبثونه وتجتنبونه الا ان يكون ميته ... الايه، فاما غير ذلك من المحرمات فلا، بدليل ان الله حرم اشياء منها المنخنقه واخواتها، اجمعت الامه على تحريم اشياء غير ذلك، منها القاذورات، ومنها الخمر، والادمى)((76)).

قلت: ويمكن ان يقال بانها فى مقام الرد على من حرم بعض الانعام، كما يدل عليه قوله تعالى فى سوره الانعام فى الايات السابقه على هذه الايه: (ثمانيه ازواج من الضان اثنين ومن المعز اثنين قل ءالذكرين حرم ام الانثيين اما اشتملت عليه ارحام الانثيين نبئونى بعلم ان كنتم صادقين...)((77))، وعلى هذا يكون الحصر اضافيا بالنسبه الى تحريم بعض الازواج الثمانيه من الانعام، فالمعنى: قل لا اجد فيما اوحى الى محرما مما حرمتم سوى هذه الاشياء، وعليه: فالاستثناء بالنسبه الى غير الميته وغير ما اهل لغير الله به منقطع كما لايخفى.

الثالث: قيل بان الايه منسوخه بما فى سوره المائده وبما ورد فى السنه من تحريم اشياء اخرى غيرالمذكورات فى الايه.

والتحقيق ان يقال: بان ما نزل فى آيه المائده من تحريم المنخنقه والموقوذه والمترديه والنطيحه وما اكل السبع كله داخل فى عنوان الميته بناء على انها عباره عما فارق الحياه من الحيوان، وكذا لو كان معناهاغير المذكى او غير المذبوح، فان جميع هذه الموارد ميته على هذه المعانى. نعم، لو كان المراد منهاخصوص ما مات حتف انفه فلا يشملها عنوان الميته، وسياتى عن قريب البحث فى معنى الميته،فانتظر.

واما الخمر فهو خارج عن موضوع آيه الانعام، اذ موضوع نفى التحريم فى الايه الاطعمه، وهى مايتغذى به الانسان وياكله، والخمر ليس من الماكولات بل من المشروبات.

واما النجاسات والسموم والحشرات فهى ايضا خارجه من موضوع الايه، اذ الموضوع فيها ما يوكل ويطعم عاده مما لا يتنفر الطبع منه، لا كل ما يمكن ان يوكل، فلا تشمل مثل الاحجار والاخشاب والتراب ولا مثل النجاسات والسموم والحشرات، فانها غير ماكوله عاده وتتنفر الطباع منها، فهذه كلها خارجه عن مفهوم الايه تخصصا.

واما قوله تعالى: (وما ذبح على النصب) ففيه وجوه:

الوجه الاول: ان يراد به ما ذبح للاصنام تقربا اليها، كما فى المجمع قال:

(وقيل: معناه وما ذبح للاوثان تقربا اليها، و(اللام) و(على) متعاقبان، الا ترى الى قوله تعالى: (فسلام لك من اصحاب اليمين) بمعنى عليك. وكانوا يقربون ويلطخون اوثانهم بدمائها)((78)).

وفى تفسير البيضاوى: (وقيل: هى (اى النصب) الاصنام، و(على) بمعنى اللام، او على اصلها بتقدير: وماذبح مسمى على الاصنام)((79)).

وفى موثقه ابان بن تغلب عن ابى جعفر(ع): (...(...وما ذبح على النصب): كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجر والصخره فيذبحون لهما...)((80)).

وعلى هذا التفسير فالفرق بينه وبين ما اهل لغير الله به بالاهلال -وهو رفع الصوت باسم الصنم وعدمه ، فهما من قبيل ذكر العام بعد الخاص، فان ما اهل لغير الله به نوع تقرب الى الله، وكانوايذبحون لاصنامهم فيرفعون صوتهم عند الذبح باسم الصنم كاللات او العزى.

الوجه الثانى: ان (النصب) هى احجار كانت منصوبه حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربه.

قال فى المفردات: (كان للعرب حجاره تعبدها وتذبح عليها، قال: (كانهم الى نصب يوفضون) قال: (وما ذبح على النصب))((81)).

وفى مجمع البيان عن ابن جريح قال: (ليست النصب اصناما، انما الاصنام ما تصور وتنقش، بل كانت احجارا منصوبه حول الكعبه، وكانت ثلاثمئه وستين حجرا، وقيل: كانت ثلاثمئه منها لخزاعه، اذا ذبحوانضحوا الدم على ما اقبل من البيت وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجاره)((82)).

وعلى هذا فان كان المراد مما ذبح على النصب ما ذبح عند النصب بقصد التقرب اليها من غير اهلال باسم النصب، ويكون المراد مما اهل لغير الله به ما ذبح بقصد التقرب لغير الله مع الاهلال باسمه -كمافسر ما اهل لغير الله به بما ذبح للاصنام فى موثقه ابان بن تغلب وغيرها كروايه عبدالعظيم الحسنى عن ابى جعفر محمد بن على الرضا(ع) انه قال: سالته عما اهل لغير الله به، فقال: (ما ذبح لصنم او وثن او شجر حرم الله ذلك...) الحديث((83)) - فيكون بين العنوانين المذكورين فى الايه عموم من وجه، فما اهل لغير الله به اعم مماذبح على النصب من جهه انه يصدق على ما ذبح لغير الله صنما كان او غيره، كان ذبحه عنده او لا،وخاص من جهه اعتبار الاهلال وهو رفع الصوت باسمه، وما ذبح للنصب خاص من جهه اختصاصه بالنصب والذبح عندها، وعام من جهه عدم اعتبار الاهلال باسم النصب.

والجامع بينهما ان الذبح يقع للتقرب الى غير الله، ولعله لذلك قد فسر فى موثقه ابان المتقدمه ما اهل لغير الله به وما ذبح على النصب بمعنى واحد، فقال فى الاول: (وما اهل لغير الله به: يعنى ما ذبح للاصنام)، وفى الثانى: (وما ذبح على النصب: كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجروالصخره فيذبحون لها)، فقد فسرهما بما هو الجامع بينهما وهو الذبح للتقرب الى غير الله تعالى. والفرق بينهما: ان الاول خاص بالاصنام، والثانى خاص بمثل الشجر والصخره وبيوت النيران.

نعم، لو اريد مما اهل لغير الله به نفس الاهلال باسم غيره عند الذبح من غير تقرب اليه فلا جامع بين العنوانين وان اتفق صدقهما فى مورد، بان اهل باسم النصب وذبح للتقرب اليه، ولكن صدق العنوانين فى مورد لا يلازم وجود الجامع بينهما، ولكن مقتضى موثقه ابان بن تغلب وجود الجامع بينهما وان اختلفا فى بعض الخصوصيات، والجامع هو الذبح للصنم او الشجر او غيرهما.

قال القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن: (قال قطرب: قال ابن زيد: ما ذبح على النصب وما اهل به لغيرالله شىء واحد، قال ابن عطيه: ما ذبح على النصب جزء مما اهل به لغير الله، ولكن خص بالذكر بعدجنسه لشهره الامر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له)((84)).

الوجه الثالث: ان يراد بما ذبح على النصب ما هو ظاهر لفظه، اعنى: الذبح على النصب، بان يذبح على الحجاره التى كانوا يعبدونها، كما تقدم عن ابن جريح من انها كانت احجارا منصوبه حول الكعبه يقدسونها ويذبحون عليها. وهكذا فى المفردات حيث قال: (كان للعرب حجاره تعبدها وتذبح عليها)((85)).وفى الجامع عن مجاهد قال: (هى حجاره كانت حوالى مكه يذبحون عليها)((86)).

وعلى هذا التفسير: فان اريد بما اهل لغير الله به صرف الاهلال بالاسم من دون تقرب اليه وعباده له فالعنوانان متباينان وان تصادقا احيانا فى مورد، واما ان اريد منه التقرب اليه مع الاهلال باسمه -كما هو الظاهر من الروايات المتقدمه فهو وما ذبح على النصب مشتركان فى ذلك، لانهم كانوا يتقربون الى الاوثان والاحجار بالذبح عليها ونشر اللحم على الحجاره، وقد تقدم عن المفردات انه كان للعرب حجاره تعبدها وتذبح عليها، وقد نقل القرطبى فى الجامع لاحكام القرآن عن ابن فارس انه قال: (النصب: حجركان ينصب فيعبد، وتصب عليه دماء الذبائح)((87))، وكذا نقل عن ابن جريح: (انها كانت احجارا منصوبه حول الكعبه يقدسونها ويذبحون عليها)((88)).

الوجه الرابع: ان يراد بقوله تعالى: (وما ذبح على النصب) ما ذبح على اسم الاوثان، كما نقله فى المجمع عن مجاهد وقتاده وابن جريح((89)).

وفى تفسير البيضاوى: (وقيل: هى للاصنام، و(على) بمعنى اللام، او على اصلها بتقدير: وما ذبح مسمى على الاصنام)((90)).

وعليه، فهو وما اهل لغير الله به عنوان واحد، الا ان يراد بالنصب احجار او اصنام خاصه، فيكون اخص بالنسبه الى ما اهل لغير الله به.

اذا عرفت هذه الوجوه والاحتمالات، فنقول:

على الوجه الاخير وهو وحده العنوانين وكذا على فرض اعميه ما اهل لغير الله به كما تقدم فى الوجه الثانى -مع القول بان ملاك الحرمه فى الموردين واحد وهو العباده والتقرب لغير الله وان اختلفا بحسب بعض الخصوصيات فما ذبح على النصب داخل فى آيه سوره الانعام والنحل والبقره، لشمول ما اهل لغير الله به فى هذه الايات لما ذبح على النصب المذكور فى هذه الايه.

واما على فرض اخصيه ما اهل لغير الله به مما ذبح على النصب كما فى الوجه الاول، او كونهما اعم واخص من وجه مع دخاله الخصوصيه فى الحرمه، او تباين العنوانين كما هو مقتضى الوجه الثالث على بعض التقادير، فلا يكون داخلا فيما اهل لغير الله به.

وحينئذ يمكن ان يقال: بان قوله تعالى: (او فسقا اهل لغير الله به)   ((91)) وحرم ما اهل لغير الله به لكونه فسقا وخروجا عن طاعه الله حيث تقرب به الى غيره، وقال تعالى فى سوره المائده: (ذلكم فسق)((92))، والظاهر رجوعه الى ما ذبح على النصب وان تستقسموابالازلام، وبناء على رجوعه اليهما يكون ما ذبح على النصب فسقا، فيدخل فى التعليل الوارد فى سوره الانعام وهو قوله: (او فسقا اهل لغير الله به)، فهو صغرى لهذه الكبرى.

واما قوله تعالى: (وان تستقسموا بالازلام) فالمراد به: اما الضرب بالقداح لاستعلام الخير والشر فى الافعال كماقيل، او استقسام الجزور بالاقداح على الانصباء المعلومه، بان يوخذ جزور او بهيمه اخرى على سهام ثم يضرب بالقداح لتشخيص من له سهم ممن لا سهم له على ما ذكر مفصلا فى التفاسير، وهو قسمه اللحم بالمقامره.

وعلى اى تقدير فالمحرم هو طلب القسمه بالازلام الذى هو الميسر، او طلب الخير والشر كما قيل، فلايكون داخلا فى موضوع آيه الانعام، وهو الطعام والاكل حتى ينافى الحصر المستفاد من الايه.

وبناء على هذا فبعض ما ذكر فى سوره المائده من المحرمات مثل الدم والاستقسام بالازلام خارج من موضوع الايه فى سوره الانعام، وبعضها مثل المنخنقه والموقوذه والمترديه وما اكل السبع داخل فى عنوان الميته ان كان المراد منه غير المذكى او غير المذبوح او ما لا حياه له.

نعم، على القول بانها عباره عما مات حتف انفه بمرض وغيره فلا تدخل تلك الموارد فى عنوان الميته،وسياتى البحث عن مفادها عن قريب.

ويدل على دخول المنخنقه فى الميته ما تقدم من موثقه ابان بن تغلب عن ابى جعفر(ع)، وفيها: (...واماالمنخنقه فان المجوس كانوا لا ياكلون الذبائح وياكلون الميته، وكانوا يخنقون البقر والغنم، فاذا انخنقت وماتت اكلوها)((93))، فان الظاهر منها ان المنخنقه داخله فى الميته، وانها فى مقابل الذبائح، وانه اذا ذبح الحيوان لا يصدق عليه الميته، واذا انخنقت البقر او الغنم صارت ميته، وحيث كانوا ياكلون الميته يخنقون الحيوان ليصير ميته فياكلونها.

والظاهر ان المقصود من الذبائح التى لا ياكلونها المذكى، لا كل مذبوح، واذا كانت الميته عنوانا فى مقابل الذبيحه -اى المذكى فسائر تلك العناوين كالمترديه والموقوذه والنطيحه وما اكل السبع داخله فيها، ولا خصوصيه للمنخنقه، فيظهر من الروايه انها ليست خصوص ما مات حتف انفه، بل المراد منهااما غير المذكى او غير المذبوح، وقد عرفت ان ما ذبح على النصب داخل فى عنوان ما اهل لغير الله به على بعض الوجوه والاحتمالات.

هذا كله مضافا الى امكان دعوى استفاده حرمه كل رجس من آيه التحريم فى سوره الانعام، حيث علل فيها تحريم الخنزير بانه رجس، فيستفاد من التعليل حرمه كل رجس، وبذلك يجمع بين الحصرالمستفاد من الايه وبين ما ذكر فى آيه المائده وما فى السنه من المحرمات، فان جميع المذكورات فى الايه وكذا ما حرمه النبى(ص) والائمه: وما ورد فى الاحاديث النبويه والولويه هى من مصاديق الرجس، اذ المقصود من الرجس الواقعى منه لا الرجس العرفى، وكل ما حرم على جميع الناس رجس واقعا قد كشف عنه الشارع، سواء كان رجساعند العرف ام لا، وعلى هذا فلا ينافى حصر المحرمات فى الامور المذكوره فى آيه الانعام تحريم غيرهافى آيه المائده او فى السنه، فانها داخله فى عنوان الرجس المذكور فى تلك الايه.

اللهم الا ان يناقش فى ذلك: بان عموم التعليل مناف للحصر، فاذا انحصرت الحرمه فى شىء او اشياءوعلل ذلك فلا عموم للتعليل المذكور، مثلا لو قيل: لم يحرم شىء غير الخمر لانه مسكر، فلابد وان تنحصر المسكريه بالخمر، اذ لا معنى لحصر الحرمه فى الخمر وتعميم العله وشمول التحريم لغيره،فانه لو كانت العله عامه فلامحيص من عموميه المعلول وهو الحرمه ايضا، فلو كانت المسكريه عله للتحريم وكانت غير منحصره بالخمر بل كانت عامه لاشياء اخر موجوده فيها فلابد من عموميه الحرمه ووجودها فى كل ما وجد فيه الاسكار، ولذا يقال: بان العله معممه، واذا كانت العله معممه فلا معنى لحصر الحرمه فى مورد او موارد، فحصر الحكم بموارد مع تعميم العله متنافيان، فاذا انحصرت الحرمه فى مورد او موارد وعللت بشىء فلا محيص عن القول بانحصار العله ايضا فيه.

نعم، لو لم يكن حصر كقوله: (الخمر حرام لانه مسكر) فلا اشكال فى عموم التعليل، فالتمسك بعموم التعليل وتسريه الحكم بما فيه العله مخصوص بغير مورد الحصر.

وعلى هذا، فلا يصح التمسك بقوله تعالى: (فانه رجس) ولا بقوله: (او فسقا اهل لغير الله به) لشمول الحرمه لغير المذكورات فى الايه.

الطائفه السادسه: التمسك بالاطلاق المقامى للايات الداله على بيان المحرمات مثل ما فى آيه البقره والانعام والنحل والمائده مع قطع النظر عن دلالتها على الحصر، فنفس بيان المحرمات وعدها مع كون المقام مقام بيان جمع المحرمات كاف للاطلاق ونفى حرمه غيرها، فاذا شك فى حرمه شىء -مثل ماذبح بيد الكافر يصح التمسك بالاطلاق المقامى، وانه لو كان حراما لكان عليه البيان.

ولكن احراز ذلك المقام مشكل، خصوصا مع ملاحظه ان بعض المحرمات ورد بيانها فى السنه وليس جميعها فى الكتاب.

وبالجمله: احراز ان الايه بصدد بيان جمع المحرمات او جميع ما حرم اكله وشربه مع وجود محرمات كثيره فى الاحاديث فى غايه الاشكال، فلا يمكن التمسك بالاطلاق المقامى فى مواردالشبهه.

هذا، مضافا الى ان ذلك مبنى على عدم ظهور الميته فى الايات فى غير المذكى، اذ لو كان المراد منهاغير المذكى ففى موارد الشك فى اعتبار شىء فى التذكيه يكون المورد من المصاديق المشكوكه للميته، فلا يصح التمسك بالاطلاق، لاحتمال دخوله فى الميته التى دلت الايات على تحريمها، وهذا واضح.

الطائفه السابعه: قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم باياته مومنين)((94)).