فان مقتضى الاطلاق حليه كل ما ذكر اسم الله عليه، وما ورد من الشرائط تقييد له، فما لم يثبت اعتباره يتمسك لنفيه بالاطلاق.

وفيه: ان الايه ليست فى مقام بيان شرائط الذبح والتذكيه وحليه الاكل من الحيوان وتحديد موضوعه، بل هى فى مقام ردع الممتنعين من اكل ما ذبح على اسمه كما يظهر من قوله تعالى بعد هذه الايه: (وما لكم الاتاكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه)((95))، فالايه فى مقام ردع توهم الحظر والامتناع من اكل الحيوان او بعضه.

نعم، يستفاد منه اعتبار التسميه على تامل فيه ايضا، فانه يمكن ان يقال: بانها ليست بصدد اعتبارالتسميه بل دفع توهم الحظر.

لكن يمكن دفع ذلك: بان الحظر المتوهم ليس فى خصوص ما ذكر اسم الله عليه حتى يكون القيد لبيان الموضوع، بل المتوهم حظره نفس الحيوان، فتقيد الاكل والامر به بما ذكر اسم الله عليه ظاهر فى اعتبارها فى الحليه.

تنبيه:

قد عرفت فى ضمن بيان دلاله الايات وصحه التمسك بها عموما واطلاقا عند الشك فى اعتبار شى ء فى التذكيه ان دلاله اكثرها موقوفه على وضوح معنى الميته وعدم اراده غير المذكى منها، اذ تحريمهايكون متصلا بتلك العمومات او الاطلاقات، فلو اريد منها هذا المعنى كما هو المعروف عند المتشرعه صار مفهومها مجملا فيما اذا احتمل اعتبار شى ء فى التذكيه، ويسرى اجمالها الى العام او المطلق لاتصالها به، فلايصح التمسك بها لنفى ما احتمل اعتباره، وعلى هذا فلابد من تحقيق مفهوم الميته حتى يتضح حال تلك العمومات وصحه التمسك بها.

تحقيق مفهوم الميته :

الميته والميته -مخففا ومشددا مونث الميت، وهى صفه مشبهه من الموت.

والموت -كما فى اقرب الموارد: (زوال الحياه عمن اتصف بها)، وفيه ايضا: (مات الحيوان وغيره يموت ويمات موتا: ضد حيى، وقال: الميت -ويخفف، كسيد وسيد: الذى فارق الحياه)((96)).

وفى تاج العروس: (مات: ضد حيى)((97)).

وفى لسان العرب: (الموت والموتان: ضد الحياه)((98)).

فالموت لغه وعرفا: عباره عن فقد الحياه وزوالها، وهذا واضح. ولا فرق فى مفهومه بين اسبابه من المرض والقتل بانواعه. كما ان الميت صفه للذى فارقته الحياه.

فالميته لغه وعرفا كالميت، تعم ما مات حتف انفه وما مات بسبب القتل باحد انواعه او الذبح، فيصدق عنوان الميته بمعناها العرفى واللغوى -وهو الذى فارقته الحياه على جميع ذلك، كما ان الموت -وكذاالماضى والمضارع منه يصدق على زهوق الروح من البدن باى سبب كان.

نعم، قد يطلق الموت -وكذا سائر المشتقات منه ويراد به ما يقابل القتل، وهو الموت حتف الانف، وليس هذا من باب استعمال اللفظ فى غير معناه ومفهومه، بل من قبيل الاستعمال فى المفهوم واراده بعض المصاديق من ذاك المفهوم مع القرينه، وهى هنا المقابله، كقولنا مثلا: الحيوان والانسان كذا، فانه اريدمن الحيوان غير الانسان مع استعماله فى مفهومه.

واكثر استعمالات هذه الماده فى القرآن -مصدرا وفعلا وصفه من قبيل الاول، كقوله تعالى: (كل نفس ذائقه الموت)((99))، وقوله تعالى: (قل ان الموت الذى تفرون منه فانه ملاقيكم)((100))، وقوله: (اينما تكونوا يدرككم الموت)((101))،وقوله: (الله يتوفى الانفس حين موتها)((102))، وقوله: (حتى اذا جاء احدكم الموت)((103))، وقوله: (ان الذين كفروا وماتوا وهم كفار)((104))، وقوله: (ربى الذى يحيى ويميت)((105))، وقوله: (وانا لنحن نحيى ونميت)((106))، وقوله: (وهو الذى احياكم ثم يميتكم)((107)).

هذا فى المصدر والفعل الماضى والمضارع منه، فان المراد بالموت وسائرمشتقاته فى هذه الايات وغيرها من الايات الكثيره: هو مفارقه الروح للبدن وزوال الحياه عنه، من غيرفرق بين اسبابه الموجبه له.

واما الصفه: فكقوله تعالى: (انك ميت وانهم ميتون)((108))، وقوله: (والموتى يبعثهم الله ثم اليه يرجعون)((109))، وقوله:

(كذلك يحيى الله الموتى)((110))، وقوله: (ثم انكم بعد ذلك لميتون)((111))، فان المراد من الميت والموتى فى هذه الايات ونظائرها:الذى فارقته الحياه من غير فرق بين اسبابه.

وقد اريد منه بعض مصاديق مفهومه بقرينه المقابله فى عده من الايات الكريمه، كقوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت او القتل)((112))، وقوله: (افاين مات او قتل انقلبتم على اعقابكم)((113))، وقوله: (لو كانوا عندنا ما ماتوا وماقتلوا)((114))، وقوله: (والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا او ماتوا)((115))، وقوله: (ولئن قتلتم فى سبيل الله او متم لمغفره من اللهورحمه)((116))، وقوله: (ولئن متم او قتلتم لالى الله تحشرون)((117))، فان الموت وسائر مشتقاته فى هذه الايات الشريفه قداريد منه ما يقابل القتل.

فتحصل من ذلك: انه لا اشكال فى ظهور لفظ (الموت) ومشتقاته فى المعنى اللغوى، وهو خروج الروح من البدن وزوال الحياه من الموجود الذى كان متصفا بها، انسانا كان او حيوانا او نباتا او شيئا آخركالارض الميته وغيرها.

ولا اشكال ايضا فى انه قد يطلق ويراد منه قسم خاص من مفهومه بقرينه، كالموت حتف الانف.

وبناء على هذا، فلفظه (الميته) قد تطلق ويراد منها معناها العرفى اللغوى، وهو ما فارقته الحياه، كالميت حيث يطلق على ما زالت عنه الروح ولو بواسطه القتل، وقد تطلق ويراد منها قسم خاص من هذاالمعنى، وهو ما فارقته الحياه بنفسه وحتف انفه او مات بغير ذبح او بغير ذبح شرعى بقرينه.

وانما البحث والاشكال فى انها ظاهره فى خصوص الموت حتف الانف لو استعملت بغير قرينه -كماصرح به فى المصباح، فانه قال: (الميته من الحيوان: ما مات حتف انفه)((118)) او كانت ظاهره فى غيرالمذكى وما حرم اكله ولو لفقد بعض شرائط التذكيه فى عرف الشرع، كما لا يبعد دعوى ذلك فى عرف المتشرعه، كما صرح بذلك فى كتب اللغه والتفاسير.

قال فى المصباح: (والمراد بالميته فى عرف الشرع: ما مات حتف انفه، او قتل على هيئه غير مشروعه اما فى الفاعل او فى المفعول، فما ذبح للصنم او فى حال الاحرام او لم يقطع منه الحلقوم ميته)((119)).

وقال فى المفردات: (والميته من الحيوان: ما زال روحه بغير تذكيه قال: (حرمت عليكم الميته))((120)).

وفى لسان العرب وتاج العروس: (الميته: ما لم تدرك تذكيته)((121)).

وفى التاج: (قال النووى فى تهذيب الاسماء واللغات: قال اهل اللغه والفقهاء: الميته: ما فارقته الروح بغيرذكاه)((122)).

وياتى قول المفسرين فى تفسير الميته والمراد منها عن قريب.

وتحقيق ذلك يستدعى البحث فى موضعين:

الاول: فى المراد منها فى الايات الوارده فيها هذه اللفظه.

الثانى: فى المراد منها فى الروايات.

اما الموضع الاول: فالايات هى:

(انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم)((123)).

وقوله تعالى: (حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقه والموقوذه والمترديه والنطيحه وما اكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب...)((124)).

وقوله تعالى: (قل لا اجد فى ما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميته او دما مسفوحا او لحم خنزير فانه رجس او فسقا اهل لغير اللهبه فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم)((125)).

وقوله تعالى: (انما حرم عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم)((126)).

وقد اختلف المفسرون فى تفسيرها، والاكثر على انها غير المذكى.

قال البيضاوى -فى تفسير الايه من سوره البقره: (انما حرم عليكم الميته): (اكلها والانتفاع بها، وهى التى ماتت من غير ذكاه)((127)).

وقال فى تفسير آيه سوره المائده: (والميته: ما فارقه الروح من غير تذكيه)((128)).

وفى تفسير روح المعانى فى تفسير الايه من سوره الانعام: (المراد بها: ما لم تذبح ذبحا شرعيا،فيتناول المنخنقه ونحوها)((129)).

وفى تفسير المنار: (والمراد من الميته فى عرف الشرع: ما مات ولم يذكه الانسان لاجل اكله تذكيه جائزه، فيدخل فى عمومه جميع ما ياتى مع اعتبار قاعده اذا قوبل العام بالخاص يراد بالعام ما وراءالخاص)((130)).

وقال فى سوره الانعام فى تفسير الميته: (اى بهيمه ماتت حتف انفها ولو بسبب غير التذكيه بقصدالاكل)((131)).

وفى تفسير القرطبى فى تفسير آيه البقره: (الميته: ما فارقته الروح من غير ذكاه مما يذبح، وما ليس بماكول فذكاته كموته، كالسباع وغيرها)((132)).

وقال الطبرسى فى مجمع البيان فى ذيل قوله تعالى فى سوره المائده: (حرمت عليكم الميته والدم...): (اى حرم عليكم اكل الميته والانتفاع بها، وهو كل ما له نفس سائله من دواب البر وطيره ... بغير تذكيه)((133)).

وقال فى تفسير قوله تعالى فى سوره الانعام: (قل لا اجد فى ما اوحى الى...): (والميته عباره عما كان فيه حياه فقدت من غير تذكيه شرعيه)((134)).

وكذا فى تفسير التبيان للشيخ الطوسى(قدس سره)((135)).

نعم، فى بعض التفاسير انها عباره عما مات حتف انفه لا بسبب خارج عن نفسه، قال فى الكشاف فى ذيل قوله تعالى: (حرمت عليكم الميته...): (كان اهل الجاهليه ياكلون هذه المحرمات: البهيمه التى تموت حتف انفها، والفصيد، وهو الدم فى المباعر (اى: الامعاء)((136)).

وقال فى تفسير روح المعانى فى ذيل هذه الايه: (وهى ما فارقه الروح حتف انفه من غير سبب خارج عنه)((137)).

والتحقيق ان يقال: بان الظاهر عدم اراده المعنى العام اللغوى من الميته فى هذه الايات وهو ما فارقه الحياه، وذلك لانها جعلت مقابله لما اهل لغير الله به فى سوره البقره والانعام والنحل مع انه ميته لغه،وجعلت مقابله لما اهل لغير الله به وللمنخنقه والموقوذه والمترديه وما اكل السبع والنطيحه فى سوره المائده، فلابد ان يراد منها غير هذه الاقسام من الموت قضاء للمقابله.

هذا، مضافا الى انه لو اريد منها معناها الاعم الشامل لجميع اقسام الموت لزم خروج المذكى من الايه حكما لا موضوعا، لانه ايضا من مصاديق الميته بهذا المعنى العام، وهو كما ترى.

فالمراد منها ليس هذا المعنى، اى ما لا حياه له وما فارقته الروح باى سبب موجب لها، وحينئذ يدور الامر بين ان يراد منها غير المذكى وبين ان يراد منها ما مات حتف انفه، ولازم الاول دخول المذكورات فى سوره المائده من المنخنقه والموقوذه وغيرها فى الميته، ويكون من قبيل ذكر الخاص بعد العام، وهو خلاف الظاهر، بل المقابله الواقعه بينها وبين ما اهل لغير الله به فى آيات البقره والانعام والنحل، وبينها وبين المنخنقه والموقوذه والمترديه وغيرها فى سوره المائده قرينه على انه اريد منها ما يقابل المذكورات لا ما يعمها.

وعليه، فالظاهر ان المراد بها فى سوره المائده ما مات بنفسه وحتف انفه لا باسباب موجبه لموته مثل الانخناق والتردى والنطح والذبح وغيرها من اسباب القتل.

واما المراد منها فى آيات سور البقره والانعام والنحل فحيث قوبل بينها وبين ما اهل لغير الله به -اى المذبوح باسم الاصنام فيمكن ان يقال بانه اريد منها ما مات بغير ذبح، سواء مات حتف انفه او بسبب آخر غير الذبح، فيشمل المذكورات فى سوره المائده كالمنخنقه والموقوذه وغيرها من اسباب القتل.

والحاصل: ان الميته فى آيه المائده اريد منها ما مات بنفسه وحتف انفه دون ما ذبح او قتل بسبب من اسباب القتل، وذلك بقرينه المقابله بينها وبين الذبح وبعض اسباب القتل.

واما الميته فى آيات سور البقره والانعام والنحل، فيحتمل اراده خصوص ما مات حتف انفه منها مثل ما فى سوره المائده، ويحتمل ان يراد منها ما مات بغير ذبح، سواء مات حتف انفه او بسبب من اسباب القتل غير الذبح، لقرينه المقابله بينها وبين المذبوح باسم غيره تعالى.

ولكن لا يبعد دعوى ظهورها فى معناها العرفى وهو ما مات بنفسه وحتف انفه لا بالذبح ولا بسائراسباب القتل، فان الميته بحسب ارتكاز العرف هى ذلك.

ان قلت: مقتضى التقابل الواقع بينها وبين ما ذبح لغير الله فى تلك الايات اراده ما مات بغير ذبح منها،فيعم الموت حتف الانف والقتل، وهذا بخلاف الميته فى سوره المائده حيث كان التقابل فيها بينها وبين الذبح وسائر اسباب القتل، فيختص بما مات حتف انفه.

قلت: لو قلنا بالفرق فى المراد بين الميته فى آيه المائده وبين الميته فى سائر الايات من جهه التقابل الواقع بينها وبين الذبح والقتل فى سوره المائده وبينها وبين الذبح دون غيره فى سائر الايات، لزم ان نقول بانها فى سوره المائده تعم ما اذا ذبح مع فقد بعض شرائط التذكيه، فان المذبوح كذلك خارج عن عنوان ما ذبح على النصب وما اهل لغير الله به وسائر العناوين المذكوره فى الايه، اذ المقابله واقعه بين الميته وبين ما ذبح على النصب وما ذبح لغير الله، لا بينها وبين مطلق الذبح حتى يختص بالموت حتف الانف فيشمل ما مات بنفسه وما ذبح مع فقد بعض الشرائط كالاستقبال او فرى جميع الاوداج او غيرهامن الشرائط، فلا وجه لاختصاصها بما مات حتف انفه لقرينه المقابله، اذ التقابل يقتضى الاعم كما لايخفى.

وكذا يلزم منه شمولها لما يقتل بغير الاسباب المذكوره فى الايه، اذ التقابل واقع بينها وبين بعض اسباب القتل لا ما يعم جميعها.

وبالجمله: الجمود على قرينه التقابل يقتضى شمولها للموت بغير الاسباب المذكوره فى الايه، مثل الذبح الفاقد للشرائط، وكذا القتل بغير هذه الاسباب، فلا يختص بما مات حتف انفه فى آيه المائده، وهو خلاف الظاهر.

فيدور الامر بين ان يكون المراد منها خصوص ما مات بنفسه من غير قتل ولا ذبح فى جميع الايات،وبين ان يراد منها ما مات بغير تذكيه شرعيه، فيشمل ما مات حتف انفه وما قتل او ذبح بغير وجه شرعى، فتكون المذكورات فى آيه المائده من قبيل ذكر الخاص بعد العام، والاول هو الظاهر العرفى منهافى الايات.

ويشهد لما ذكرنا بعض الروايات:

1 - منها: موثق ابان بن تغلب عن ابى جعفر(ع) انه قال فى قول الله تعالى: (حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير...) الايه، قال: (الميته والدم ولحم الخنزير معروف، وما اهل لغير الله به يعنى ما ذبح للاصنام، واماالمنخنقه فان المجوس كانوا لا ياكلون الذبائح وياكلون الميته، وكانوا يخنقون البقر والغنم، فاذا انخنقت وماتت اكلوها...)((138)).

فان المعروف عند العرف من الميته ما مات حتف انفه وبنفسه لا بالذبح ولا بغيره من اسباب القتل، ولذاقال فى المصباح: (الميته من الحيوان: ما مات حتف انفه)((139))، وكانه(ع) قال: ليس فى معنى الميته اجمال وابهام، وليس فيها اصطلاح خاص، بل معناه مثل الدم ولحم الخنزير معروف عند اهل اللسان والعرف.

ثم ان قوله(ع) فى بيان المراد من المنخنقه: فان المجوس كانوا لا ياكلون الذبائح وياكلون الميته ايضاظاهر فى ان المراد من الميته فى الايه هو ما مات حتف انفه حيث جعلها فى مقابل الذبائح والمنخنقه وسائر ما فى الايه من اسباب الموت.

2 - ومنها: ما رواه فى التهذيب باسناده عن ابى بصير، قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن الرجل يشترى اللحم من السوق وعنده من يذبح ويبيع من اخوانه فيتعمد الشراء من النصاب، فقال : (اى شى ء تسالنى ان اقول؟! ما ياكل الا مثل الميته والدم ولحم الخنزير...)((140)).

فان قوله(ع): (مثل الميته والدم ولحم الخنزير) اشاره الى تحريم هذه الثلاثه فى الايه، ولو كان المرادمن الميته فيها غير المذكى تكون ذبيحه الناصبى ميته لا مثلها، فالتشبيه بالميته دليل على ان المرادمنها فى الايه ما مات حتف انفه والا يكون المورد من مصاديقها لا مثلها حكما، اذ من شرائط الذابح عدم كونه ناصبيا، فذبيحته فاقده لبعض شرائط الحليه والتذكيه، فتكون ميته. هذا بناء على حرمه ذبيحه النصاب واشتراط عدم النصب فى الذابح، نعم بناء على عدم اعتبار ذلك فى الذابح يكون التشبيه صحيحاحتى بناء على اراده غير المذكى من الميته، وتكون الروايه دليلا على الكراهه.

3 - ومنها: ما رواه فى الاحتجاج عن ابى عبدالله(ع) ان زنديقا قال له: لم حرم الله الدم المسفوح؟ قال:(لانه يورث القساوه الى ان قال: فالميته لم حرمها؟ قال: فرقا بينها وبين ما ذكر اسم الله عليه، والميته قد جمد فيها الدم وترجع الى بدنها، فلحمها ثقيل غير مرى ء، لانها يوكل لحمها بدمها)((141)).

فقوله(ع) فى الروايه: (الميته قد جمد فيها الدم) بيان لعله تحريم الميته المذكوره فى الايه، وهذه العله مختصه بما لم يذبح ومات بنفسه، فانه يبقى دمها فى بدنها ويصير لحمها ثقيلا، وهذا دليل على ان الميته فى عرف السائل وسائر المسلمين لا يراد منها الا ما مات بنفسه من غير ذبح.

ولكن الانصاف: ان العله غير منحصره بما مات بنفسه، بل بعض انواع القتل ايضا يكون كذلك، وعلى اى حال لا تشمل ما ذبح بغير وجه شرعى، كما هو واضح.

4 - ومنها: ما رواه فى الكافى بسنده عن المفضل بن عمر، قال: قلت لابى عبدالله(ع): اخبرنى -جعلنى اللهفداك لم حرم الله الخمر والميته والدم ولحم الخنزير؟ قال: (ان الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده واحل لهم ما سواه من رغبه منه فيما حرم عليهم، ولا زهد فيما احل لهم -الى ان قال: اما الميته فانه لم يدمنها احد الا ضعف بدنه ونحل جسمه وذهبت قوته وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميته الا فجاه، واما الدم فانه يورث اكله الماء الاصفر...)((142)).

ورواه الصدوق فى الفقيه((143)) والعلل((144)) عن ابى جعفر(ع)، وفى الامالى والمحاسن للبرقى عن ابى عبدالله(ع)((145))، وكذا رواه الشيخ((146)).

والظاهر ان ما ذكره(ع) من العلل لتحريم الميته مختص -بحسب الارتكاز العرفى ومناسبه الحكم والموضوع بما مات حتف انفه، وليس فيما ذبح بغير وجه شرعى هذه الاثار والافات وان كان فيه آثارومضار اخرى.

5 - ومنها: صحيحه عبدالعظيم الحسنى عن ابى جعفر محمد بن على الرضا(ع) انه قال: سالته عما اهل لغير الله به، قال: (ما ذبح لصنم او وثن او شجر، حرم الله ذلك كما حرم الميته والدم ولحم الخنزير،فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان ياكل الميته)((147)).

والظاهر ان قوله(ع): (كما حرم الميته والدم) اشاره الى ما فى آيات البقره والانعام والنحل من تحريم هذه الثلاثه، بقرينه قوله(ع) فى ذيل الحديث: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه).

ودلاله الروايه من جهه قوله(ع): (حرم الله ذلك كما حرم الميته والدم ولحم الخنزير)، اذ لو كان المرادمن الميته مطلق ما لم تلحقه الذكاه لكان ما اهل لغير الله به من مصاديقها قطعا، ولا وجه لتشبيه حرمته بحرمه الميته، وظاهر التشبيه والتمثيل هو التغاير، ويشهد ذلك على ان المراد من الميته فى الايات معناها العرفى وهو ما مات بنفسه وحتف انفه، وحينئذ صح القول: بان الله حرم ما اهل لغير اللهبه كما حرم الميته والدم ولحم الخنزير.

هذا كله فى تحقيق معنى الميته والمراد منها فى الايات الشريفه، وقد عرفت ان الظاهر ولو بمعونه الروايات هو ما مات بنفسه لا بالذبح وسائر اسباب القتل.

واما الموضع الثانى: وهو تحقيق مفادها فى الروايات، فنقول:

قد استعملت لفظه الميته فى الاخبار تاره فى المعنى اللغوى وهو ما فارقته الحياه واريد منها مفهومهاالعام، واخرى استعملت فى معناها واريد منها قسم خاص منه وهو ما مات حتف انفه، وثالثه اريد منهاغير المذكى.

فمن الاول: صحيح الحلبى عن ابى عبدالله(ع) -فى حديث قال: وسالته عما يوخذ من السمك طافيا على الماء او يلقيه البحر ميتا؟ فقال: (لا تاكله)((148)).

ومثله ما رواه زيد الشحام، قال: سئل ابو عبدالله عما يوخذ من الحيتان طافيا على الماء ويلقيه البحرميتا، آكله؟ قال: (لا)((149)).

وفى روايه على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر(ع) قال:

سالته عما حسر الماء عنه من صيد البحروهو ميت هل يحل اكله؟ قال: (لا)((150)).

والظاهر ان الميت فى هذه الروايات وامثالها قد استعمل فى معناه العرفى -وهو ما فارقته الحياه من غيرفرق بين مصاديقه، ولم يرد منه قسم خاص من مفهومه. ولكن لا يبعد دعوى انصرافه فى هذه الاخبارالى ما مات بنفسه، اذ هو المتعارف الغالب فى السمك الطافى على الماء او الذى يلقيه البحر وهو ميت.

وكيف كان، اطلاق الميت او الميته فى الروايات واراده معناه العرفى -اعنى: ما فارقته الحياه من دون اختصاص بنوع خاص من انواع الموت، كثير.

ومن الثانى: -مضافا الى ما تقدم من الروايات فى ذيل الايات ما رواه فى الكافى فى الصحيح عن عاصم بن حميد، عن على بن ابى المغيره، قال: قلت لابى عبدالله(ع): الميته ينتفع منها بشى ء؟ فقال: (لا)، قلت:بلغنا ان رسول الله(ص) مر بشاه ميته فقال:

ما كان على اهل هذه الشاه اذا لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعواباهابها؟! فقال: (تلك شاه كانت لسوده بنت زمعه زوج النبى(ص)، وكانت شاه مهزوله لا ينتفع بلحمهافتركوها حتى ماتت، فقال رسول الله(ص): ما كان على اهلها اذا لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا باهابها، اى تذكى)((151)).

فان المراد بالميته -بقرينه قوله(ع): (فتركوها حتى ماتت) ما مات حتف انفه كما هو واضح.

ومن الثالث: ما رواه اسماعيل بن شعيب عن ابى عبدالله(ع) فى رجل دخل قريه فاصاب بها لحما لم يدراذكى هو ام ميت؟ فقال: (فاطرحه على النار، فكل ما انقبض فهو ذكى، وكل ما انبسط فهو ميت)((152)).

وفى مرسله الصدوق عن الصادق(ع) قال فى حديث: (واذا وجدت لحما ولم تعلم اذكى هو ام ميته فالق قطعه منه على النار، فان انقبض فهو ذكى، وان استرخى على النار فهو ميته)((153)).

ومنها: موثق ابان بن عثمان عن ابى عبدالله(ع)، وفيه: ثم قال ابو عبدالله(ع): (يكره من الذبيحه عشره اشياء، منها: الطحال، والانثيان، والنخاع، والدم، والجلد، والعظم، والقرن، والظلف، والغدد، والمذاكير.واطلق فى الميته عشره اشياء: الصوف، والشعر، والريش، والبيضه، والناب، والقرن، والظلف، والانفحه،والاهاب، واللبن، وذلك اذا كان قائما فى الضرع)((154)).

والمقصود من الذبيحه ما ذبح على وجه شرعى وحل اكله، فيحرم منها عشره اشياء، والمراد من الميته ما حرم اكله سواء مات حتف انفه او قتل او ذبح مع فقد بعض الشرائط، فيحل منها -مع حرمتها فى نفسها عشره اشياء.

ولو اريد من الميته ما مات حتف انفه لم يكن بعيدا، ولكن يفهم منه التعدى الى كل ما حرم اكله ولولفقد بعض شرائط الذبح، لعدم مدخليه عنوان الميته فى حليه هذه العشره، فلا تختص حليتها بما مات حتف انفه، بل تعم جميع ما يحرم اكله من الحيوان ولو لفقد بعض شرائط التذكيه.

ولكن الانصاف ظهورها بقرينه المقابله فى غير المذكى، فتامل.

ومثلها خبر محمد بن جمهور، عن ابى عبدالله(ع)، قال: (حرم من الذبيحه عشره اشياء، واحل من الميته عشره اشياء...)((155)).

ومنها: صحيحه محمد بن قيس عن ابى جعفر(ع) قال: (قال امير المومنين(ع): ما اخذت الحباله من صيد فقطعت منه يدا او رجلا فذروه، فانه ميت، وكلوا ما ادركتم حيا وذكرتم اسم الله عليه)((156)).

وبهذا المضمون روايات اخرى ذكرها فى الوسائل فى الباب الرابع والعشرين من ابواب الصيد.

وحيث قوبلت الميته بما ادرك حيا وذكى وذكر اسم الله عليه يستظهر ان المراد منها غير المذكى وانه لفقد التسميه والتذكيه صار ميته.

ومنها: روايه على بن ابى حمزه ان رجلا سال ابا عبدالله(ع) وانا عنده، عن الرجل يتقلد السيف ويصلى فيه؟ قال: (نعم)، فقال الرجل: ان فيه الكيمخت، قال: (وما الكيمخت؟) قال: جلود دواب منه ما يكون ذكياومنه ما يكون ميته، فقال: (ما علمت انه ميته فلا تصل فيه)((157)).

والميته جعلت فى مقابل المذكى فى كلام السائل، فيكون قرينه على انه اريد منها غير المذكى.

وقد يقال -استنادا الى هذه الاخبار ونظائرها: ان الميته فى عرف الشرع وفى لسان الروايات عباره عن غير المذكى، سواء مات الحيوان حتف انفه او قتل او ذبح مع فقد بعض الشرائط.

ولكن عرفت ان الميته فى جميع موارد اطلاقها استعملت فى معناها اللغوى وهو ما فقدت حياته وزهق روحه، وانما اريد منها فى بعض الموارد بعض اقسامه ومصاديقه بقرينه، وفى هذه الروايات اريد منها غير المذكى كما اريد منها فى بعض آخر مامات حتف انفه، او الاعم منه ومما قتل بلا ذبح، واراده بعض مصاديق المفهوم مع القرينه لا يدل على وجود اصطلاح خاص فى معناها وانها ظاهره فى عرف الشرع فى غير المذكى.

فكما اريد من المفهوم هذا القسم فى هذه الاخبار بقرينه المقابله او غيرها كذلك اريد منه ما مات حتف انفه كثيرا فى غيرها.

فما ذكره بعض اهل اللغه واكثر المفسرين من انها فى عرف الشرع عباره عن غير المذكى لا دليل عليه. نعم، لا يبعد دعوى ان المنصرف اليه من مصاديق المعنى عند العرف هو ما مات بنفسه وحتف انفه او بسبب غير الذبح، فعند الاطلاق وعدم القرينه ظهورها فى ذلك ليس ببعيد.

اذا عرفت ذلك فالاستدلال بالايات والتمسك باطلاقها او عمومها لنفى ما احتمل اعتباره فى حليه الذبيحه لا محذور فيه من ناحيه اجمال مفهوم الميته، فلو تمت دلالتها مع قطع النظر عن هذه الجهه يصح التمسك بها.

تحديد النسل والتعقيم

القسم الاول

آيه الله السيد محسن الخرازى

يقع الكلام فى مقامات:

المقام الاول

ان التناسل والتكاثر فى الاولاد مطلوب فى نفسه، ويشهد له طوائف من الاخبار:

الطائفه الاولى : الاخبار التى تدل على اختيار الولود -وهى كثيره الولد:

منها: صحيحه محمد بن مسلم، عن ابى جعفر(ع) قال: قال رسول الله(ص): (تزوجوا بكرا ولودا، ولاتزوجوا حسناء جميله عاقرا، فانى اباهى((158)) بكم الامم يوم القيامه)((159)).

ومن المعلوم ان الترغيب فى التزويج بالولود -مضافا الى التعليل بالمباهاه يدل على مطلوبيه اكثار الولد.

ومنها: صحيحه عبدالله بن سنان، عن ابى عبدالله(ع) قال: (جاء رجل الى رسول الله(ص) فقال: يا نبى الله،ان لى ابنه عم قد رضيت جمالها وحسنها ودينها، ولكنها عاقر، فقال: (لا تزوجها، ان يوسف بن يعقوب لقى اخاه فقال: يا اخى، كيف استطعت ان تتزوج النساء بعدى؟ فقال: ان ابى امرنى، وقال: ان استطعت ان تكون لك ذريه تثقل الارض بالتسبيح فافعل. قال: فجاء رجل من الغد الى النبى(ص) فقال له مثل ذلك،فقال له: تزوج سوآء ولودا، فانى مكاثر بكم الامم يوم القيامه. قال: فقلت لابى عبدالله(ع): ما السوآء؟ قال:القبيحه)((160)).

وهذه الصحيحه تدل على مطلوبيه الاكثار من الولد من نواح مختلفه: كالترغيب فى التزويج بالولود،ومحبوبيه تثقيل الارض بالمسبحين، وتعليل ذلك بمكاثره الامم بهم يوم القيامه.

الطائفه الثانيه: الاخبار التى تدل على الترغيب فى التزويج معلله ذلك بمحبوبيه الاكثار من الاولاد:

منها: صحيحه ابن رئاب، عن محمد بن مسلم او غيره، عن ابى عبدالله(ع) قال: قال رسول الله(ص):(تزوجوا فانى مكاثر((161)) بكم الامم غدا فى القيامه، حتى ان السقط ليجى ء محبنطيا على باب الجنه، فيقال له: ادخل الجنه، فيقول: لا، حتى يدخل ابواى قبلى)((162)).

قال فى معانى الاخبار: قال ابو عبيده: المحبنط ى -بغير همز:

المتغضب المستبط ى للشى ء، والمحبنط ى-بالهمز: العظيم البطن المنتفخ... الخ((163))، اذ التعليل يدل على مطلوبيه التكاثر، وهكذا فى الخبر التالى.

ومنها : ما رواه فى الخصال فى حديث الاربعمئه عن على(ع): (تزوجوا فان رسول الله(ص) كثيرا ما كان يقول: من كان يحب ان يتبع سنتى فليتزوج، فان من سنتى التزويج، واطلبوا الولد، فانى اكاثر بكم الامم غدا)((164)).

والاطلاق فى قوله: (واطلبوا الولد) يشمل محبوبيه الاكثار من الولد. هذا، مضافا الى دلاله التعليل على مطلوبيه الاكثار.

الطائفه الثالثه: الاخبار التى تدل على محبوبيه الاكثار من الاولاد:

منها: ما رواه فى الكافى عن عده من اصحابنا، عن احمد بن محمد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن محمد بن مسلم، عن ابى عبدالله(ع) قال: قال رسول الله(ص): (اكثروا الولد اكاثر بكم الامم غدا)((165)).

ومنها: ما رواه فيه ايضا: عده من اصحابنا، عن احمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن بعض اصحابه انه قال: قال على بن الحسين(ع): (من سعاده الرجل ان يكون له ولديستعين بهم)((166)).

ومنها: ما رواه فيه ايضا عن عده من اصحابنا، عن احمد بن محمد بن خالد، عن بكر بن صالح، قال:كتبت الى ابى الحسن(ع): انى اجتنبت طلب الولد منذ خمس سنين، وذلك ان اهلى كرهت ذلك وقالت: انه يشتد على تربيتهم لقله الشى ء، فما ترى؟ فكتب(ع) الى: (اطلب الولد فان الله يرزقهم)((167)).

ولكنه ضعيف، لجهاله بكر بن صالح.

الطائفه الرابعه: الاخبار التى تدل على مرجوحيه العزل:

منها: صحيحه محمد بن مسلم، عن احدهما(ع) انه سئل عن العزل فقال: (اما الامه فلا باس، واما الحره فانى اكره ذلك، الا ان يشترط عليها حين يتزوجها)((168)).

اللهم الا ان يقال: ان من المحتمل ان الكراهه من جهه رعايه حقوق المراه، كما يويده ارتفاعها بالاشتراطعليها حين العقد، وعليه فلا تدل الكراهه على مرجوحيه العزل من ناحيه عدم اكثار الولد.

نعم، لو قلنا بان حق المراه الاكثار من الولد فتدل كراهه العزل فى النهايه على مطلوبيه الاكثار.

الى غير ذلك من الروايات الوارده فى كتب العامه والخاصه الداله على مطلوبيه الاكثار من الولد.

لا يقال: تنافيها الروايات الداله على ان قله العيال احد اليسارين والتى منها: ما رواه فى الخصال عن ابيه،عن سعد، عن اليقطينى، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن ابى بصير ومحمد بن مسلم، عن ابى عبدالله(ع)، قال: (حدثنى ابى عن جدى عن آبائه(ع) ان امير المومنين(ع) علم اصحابه فى مجلس واحد اربعمئه باب مما يصلح للمومن فى دينه ودنياه -الى ان قال: (قله العيال احد اليسارين)((169)).

والقاسم بن يحيى مجهول.

ومنها: ما رواه فى قرب الاسناد عن ابن طريف، عن ابن علوان، عن الصادق، عن ابيه(ع)، قال: قال رسول الله(ص): (قله العيال احد اليسارين)((170)).

وابن طريف وابن علوان مجهولان.

ومنها: ما رواه فى العيون والامالى عن على بن احمد بن موسى، عن محمد بن هارون الصوفى، عن عبيدالله موسى الرويانى، عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسنى، عن ابى جعفر الثانى، عن آبائه، عن اميرالمومنين(ع)، قال: (قله العيال احد اليسارين)((171)).

ومحمد بن هارون الصوفى وعبيدالله موسى الرويانى مجهولان.

وكيف كان، فوجه المنافاه هو ان هذه الروايات ترغب فى تقليل العيال، فتنافى ما مر من الترغيب فى تكثير الاولاد. هذا، مضافا الى ما ذكر فى صدر الروايه الاولى من ان الامام(ع) علم اصحابه اربعمئه باب مما يصلح للمومن فى دينه ودنياه.

وفيه:

اولا: ان هذه الاخبار ضعيفه، ولا تقاوم الروايات الداله على محبوبيه الاكثار.

وثانيا: ان العيال اعم من الاولاد، فيقيد اطلاقه بما مر من الاخبار الداله على محبوبيه اكثار الولد.

وثالثا: ان المستفاد منها ليس هو الترغيب فى التقليل، بل هو ارشاد الى عسر كثره العيال، ولا ينافى ذلك استحباب ذلك بمجاهده وتحمل مشاكلهم، كما ان انفاق المحبوب او ايثار المال مع الخصاصه مشكل وعسر ومع ذلك يكون مستحبا ومرغوبا فيه.

وبالجمله، تحمل المشاكل فى سبيل نفقه العيال مرغوب فيه فى الاخبار، كقوله(ع): (والكاد على عياله من حل كالمجاهد فى سبيل الله)((172)).

ان قلت: ان كانت كثره الولد مطلوبه فلم جعلت -فى بعض الادعيه دعاء على الاعداء، كما جاء فى الحديث النبوى(ص): (اللهم ارزق محمدا وآل محمد ومن احب محمدا وآل محمد العفاف والكفاف، وارزق من ابغض محمدا وآل محمد كثره المال والولد)؟!((173))

قال فى الحياه: ويستفاد من هذا التعليم امور:

منها: ان من يتبع سيره النبى(ص) عليه ان لا يستكثر من الاولاد، حتى يتوفق لتامينهم وتربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم وتدريبهم وتعاهدهم وحفظ سلامتهم الجسميه واعتدالهم الروحى بارواء روحهم من المحبه والعطف والحنان، فيقدمهم الى المجتمع اعضاء سالمين نشيطين مفيدين بنائين مطورين.

ومنها: طلب النبى(ص) من الله تعالى ان يبتلى مبغضيه ومبغضى آله بكثره المال والولد.

ولعل هذا اشاره الى تبعات النظام التكاثرى المبيد الذى لو توفق اهله لحل مشاكله يقعون فى شبكات استغلال من هو فوقهم من المتكاثرين -ثم قال:

تنبيه: روى شيخنا الكلينى الحديث المذكور باسناده فى الكافى وجاء فيه: (وارزق من ابغض محمدا وآل محمد المال والولد) بدون كلمه (كثره)، لكن المراد معلوم، اذ اصل المال والولد غير مذموم، فالمقصودكثرتهما لا محاله((174)).

قلت: ان كثره المال او الولد فى ايدى الكفار وزر ووبال عليهم، فانهم لكفرهم واعراضهم عن طريق الحق يستخدمون كل ما يجدونه من الاموال والاولاد فى طريق اهدافهم، وصارت فى النتيجه موجبه لاستدراجهم نحو الضلاله والانحراف. فهذا الدعاء لا ينافى محبوبيه كثره الولد للمسلمين، لانها موجبه لمباهاه النبى(ص) وتقويه المسلمين، كما يدل عليه الاخبار الكثيره الصحيحه المتفق عليها. نعم، لو كان وضع المسلمين على نحو كانت الكثره موجبه لاختلال امرهم او عروض مفاسد فلا يبقى رجحان الكثره على الفعليه مادام الوضع المذكور باقيا.

هذا، مضافا الى ما فى دعوى صاحب الحياه من ان سيره النبى(ص) كانت على التقليل، كيف؟! وقداكد(ص) تمام التاكيد على الاكثار، ولعل عدم اكثاره من الولد مما يقتضيه التقدير الالهى، وايضا كانت سيره بعض الائمه(ع) على الاكثار، فكيف لا يوخذ بها ويوخذ بغيرها؟!

على ان ما ذهب اليه من ان النظام التكاثرى يوجب الوقوع فى شبكات الاستغلال، فيه: ان المطلوب هوما اذا لم يكن كذلك، ولا ملازمه بين النظام التكاثرى والوقوع فى شبكات الاستغلال اذا تدبر اولياءالامور وجهزوا الاسباب واستخرجوا ما عندهم من الامكانات التكوينيه وغيرها.

وعليه، فالدعاء عليهم بكثره الولد لا يستلزم عدم مرغوبيه نفس كثره الولد عند النبى(ص)، بل هو من جهه ان الكثره فى حق الاعداء تكون وزرا ووبالا عليهم. وربما جاء فى بعض الادعيه الدعاء عليهم بالعقم لكى يسلم المسلمون من تجاوزهم واذيتهم كما جاء فى الصحيفه السجاديه: (اللهم افلل بذلك عدوهم (اى اعداءآل محمد(ع)) -الى ان قال(ع): اللهم عقم ارحام نسائهم ويبس اصلاب رجالهم، واقطع نسل دوابهم وانعامهم)((175)).

ومما ذكر يظهر الجواب عما روى عن مولانا الرضا(ع)، عن ابيه، عن جده(ع) قال: مر جعفر(ع) بصيادفقال: (يا صياد، اى شى ء اكثر ما يقع فى شبكتك؟ قال: الطير الزاق، قال: فمر وهو يقول: هلك صاحب العيال، هلك صاحب العيال((176)). والزاق: هو الطائر الذى له فرخ يطعمه بمنقاره، وانما صار صيدا لكونه بصدد جمع الاشياء لفرخه.

اذ انه(ع) -بقوله: (هلك صاحب العيال، هلك صاحب العيال) - يكون فى مقام ابراز رقته وترحمه على صاحب العيال، وليس فى مقام مذمه كثره العيال او كثره الولد.

لا يقال: ينافى ذلك الايات الكريمه الداله على مذمه صاحب النسوان والولدان والشهوات والتفاخر بكثره الاولاد.

لانا نقول: المذمه فى هذه الايات على الحب الافراط ى والتفاخر الجاهلى الرائجين بين اهل الدنيا، ولاينافى ذلك مطلوبيه الاكثار من الولد لامور دينيه ومعنويه، كالمباهاه بهم يوم القيامه، او الغلبه بهم على الكفار، او تثقيل الارض بالمسبحين.

لا يقال: ان القرآن الكريم عبر عن الاولاد بالفتنه والعدو، فكيف يكون الاكثار من الاولاد امرا مرغوبافيه؟!

لانا نقول: ان الاولاد فى انفسهم مما من الله تعالى بهم على العباد، كما يدل عليه مثل قوله تعالى:(ويمددكم باموال وبنين)((177))، ولكن الوالدين فى معرض الامتحان بهم، والايات تدل على الامرين: امتنانه تعالى باعطائهم، وتحذير الناس من الجاذبه العمياء الموجوده فيهم الموجبه لخروج الوالدين عن الطريق الحق.ولا منافاه بين الامرين.

وهكذا الامر فى مثل الايات الداله على النهى عن الالهاء بالاولاد، فان مثل قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون)((178)) لا ينافى مطلوبيه الاكثار من الاولاد فى نفسه.

فتحصل الى حد الان: ان الاكثار من الاولاد امر مرغوب فيه من حيث ذاته، ولا يعدل عن ذلك الا بعروض العناوين الثانويه، كما اذا كان الزمان على نحو يضطر الانسان فى تحصيل المعيشه الى المعصيه، فان فى هذا الزمان حلت العزوبه وسقطت كثره الاولاد عن الرجحان، كما روى انه ياتى على الناس زمان لاتنال المعيشه فيه الا بالمعصيه، فاذا كان ذلك الزمان حلت العزوبه((179)).

ولذا قال فى المستند: (والظاهر نقص الرجحان بما اذا ضيقت معه المعيشه)((180)).

وهكذا لو كانت الكثره موجبه للمرض او اختلال امر الوالدين او امر الاولاد او اختلال امر المجتمع سقطت الكثره عن الرجحان ما دام كذلك.

المقام الثانى

ان مفاد الروايات السابقه هو استحباب التوالد والتناسل والتكثر لا وجوبهما، كما يشهد له تعليله(ص)بانى اباهى او اكاثر يوم القيامه، او تعليله(ص) بانه موجب لثقل الارض بالتسبيح، ونحوهما مما لايستفاد منه الا المحبوبيه.

هذا، مضافا الى جواز العزل كما تدل عليه النصوص الصحيحه:

منها: صحيحه محمد بن مسلم ايضا قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن العزل، فقال: (ذاك الى الرجل يصرفه حيث شاء)((181)).

ومنها: موثقه عبدالرحمان بن ابى عبدالله قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن العزل، فقال: (ذاك الى الرجل)((182)).وغير ذلك من الاخبار.

فهاتان الروايتان وغيرهما تشمل باطلاقها ما اذا انجر الى ترك الايلاد راسا فضلا عما اذا انجر الى عدم الاكثار، غايتها هو كراهه ذلك جمعا بينها وبين صحيحه محمد بن مسلم حيث قال(ع) فيها: (... فاماالحره فانى اكره ذلك)((183)). ويويد الكراهه الاصطلاحيه رفعها بالاشتراط عليها حين التزويج معها، اذ لوكان المراد من الكراهه هو الحرمه لا يجوز اشتراطه فى ضمن العقد، لانه شرط يخالف الكتاب والسنه،ولذلك ذهب المشهور الى جواز العزل على كراهه. على انه لو سلمنا حرمه العزل فلا اشكال فى جوازه بالاتفاق مع رضايه الزوجه او الاشتراط معها فى العقد، ومن المعلوم انه شاهد عدم وجوب التوالدوالتناسل، فانه يشمل ما اذا انجر الى ترك الايلاد فضلا عما اذا انجر الى عدم الاكثار.

هذا، مضافا الى ان ترك التزويج ليس بحرام ولو انجر الى عدم الاكثار كما لا يخفى.

فتحصل: ان الاكثار من الاولاد ليس بواجب كما لا يكون اصل طلب الاولاد واجبا، بل هو امر راجح موكد مرغوب فيه. نعم ينبغى ان لا يرغب عنه بمجرد بعض الامور الواهيه، وعلى الدوله الاسلاميه ان تسوق الناس نحو ما ساق اليه النبى الاعظم(ص). نعم لو عرض الاضطرار او الضروره فلا مانع حينئذ من المنع الموقت، ولكن فلتطلب الدوله الحيله لرفع الاضطرار والضروره عند الامكان، وان تعود الى الحث على الترغيب فى الاكثار كما رغب النبى(ص) اليه.

ثم ان مقتضى الاطلاقات هو شمول الترغيبات المذكوره لجميع طوائف المسلمين من دون اختصاص بقوم دون قوم، اذ المستفاد من الروايات هو الترغيب فى الاكثار حتى تحصل كثره الامه الاسلاميه وغلبتها على سائر الامم، وحملها على فرقه محقه من الامه الاسلاميه غير ظاهر. نعم تنصرف عن مثل النواصب واعداء آل محمد(ع)، اذ لا مباهاه ولا فخر باكثارهم.

تنبيه: وهو انه عند عروض العوارض الموجبه للمنع عن الاكثار فلتكن الدوله الاسلاميه ناظره الى ان المنع عن الاكثار فى منطقه فى صوره ما لو لم يوجب تقليل المحقين وتكثير المخالفين للاسلام فى تلك المنطقه، والا فالواجب هو الاكثار فى تلك المناطق لئلا يغلب الباطل على الحق وان لم يكن ذلك خاليا عن العوارض، لافسديه غلبه الباطل على الحق بالنسبه الى سائر العوارض، فلا تغفل.

المقام الثالث

ان المنع عن انعقاد النطفه لا مانع منه ما لم يوجب ارتكاب حرام، لما عرفت من عدم وجوب التوالدوالتناسل والتكثر. ولا فرق فيه بين كون المنع المذكور بالعزل خارج الرحم، او بالافراغ فى مثل كيس عادم المنافذ، او بشرب دواء يمنع اصل الانعقاد، او بنصب وسيله تمنع وصول منى الزوج الى بيضه المراه، او بسد الانابيب موقتا بحيث يمكن الاعاده.

نعم، لو احتاج نصب الوسيله الى لمس غير الزوج او نظره فلا يجوز ذلك لحرمتهما، كما تدل عليه النصوص، كصحيحه ابى حمزه الثمالى عن ابى جعفر(ع)، قال: سالته عن المراه المسلمه يصيبها البلاء فى جسدها اما كسر واما جرح فى مكان لا يصلح النظر اليه يكون الرجل ارفق بعلاجه من النساء، ايصلح له النظر اليها؟ قال: (اذا اضطرت اليه فليعالجها ان شاءت)((184)).

وموثقه سماعه بن مهران قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن مصافحه الرجل المراه، قال: (لا يحل للرجل ان يصافح المراه الا امراه يحرم عليه ان يتزوجها، اخت او بنت او عمه او خاله او بنت اخت او نحوها،واما المراه التى يحل له ان يتزوجها فلا يصافحها الا من وراء الثوب، ولا يغمز كفها)((185)).

نعم، اذا كان انعقاد النطفه موجبا لعروض المرض او شدته وكانت مضطره الى علاج الرجل جازالرجوع اليه ولو كان مستلزما للنظر او اللمس، لانها مضطره الى العلاج فى هذه الصوره، فيجوز اللمس والنظر عند الاضطرار.

المقام الرابع فى تعقيم المراه او الرجل

ان كانت العمليه الطبيه بنحو توجب العقم الدائم فيهما فلا اشكال فى كون ذلك نقصا فى البدن، والنقص ضرر، والاضرار بالبدن كالاضرار بالغير محرم بالنص المتفق عليه المروى عن النبى(ص) حيث قال -فى تعليل ممانعته من اضرار سمره على الغير: (فانه لا ضرر ولا ضرار)((186)).

وتخصيص ذلك بنفى الضرر فى حدود القوانين الشرعيه كوجوب الوضوء والصوم الضررى، لا شاهدله.

كما ان دعوى انصرافه الى خصوص ما كان واردا على الغير بقرينه مورد حديث سمره الذى كان يوردالضرر على الرجل الانصارى.

مندفعه، بان العبره بعموم الوارد لا بخصوصيه المورد.

وايضا دعوى الانصراف من جهه ان الانسان بطبيعته يدفع الضرر عن نفسه، فيختص نفى الضرر بنفى التسبيب الى الضرر بجعل حكم شرعى يستوجب له، كما عن بعض الاعلام.

ممنوعه، لان الانسان كثيرا ما يقدم على الضرر على نفسه.

هذا، مضافا الى ان نفى الحكم الشرعى يشمل باطلاقه نفى اطلاق سلطنه الانسان على نفسه، لانه ايضامن الاحكام.

واما الاستشهاد بقوله(ع) فى مكاتبه محمد بن الحسين المرويه بسند صحيح الى ابى محمد(ع) فى رجل كانت له رحى على نهر قريه، والقريه لرجل، فاراد صاحب القريه ان يسوق الى قريته الماء فى غير هذا النهر ويعطل هذه الرحى، اله ذلك ام لا؟ فوقع(ع): (يتقى الله، ويعمل فى ذلك بالمعروف، ولا يضر اخاه المومن)((187))، لتقيد اطلاق قوله(ص): (لا ضرر ولا ضرار) بالاضرار بالغير.

ففيه: انه لا وقع له، لان قوله(ع): (ولا يضر اخاه المومن) مصداق من مصاديق قوله(ص): (لا ضرر ولاضرار)، والمصداق لا يقيد المطلق.

هذا، مضافا الى انهما مثبتان، والتقييد بين المثبت والنافى.

وربما يويد التقيد بما رواه فى الكافى عن على بن محمد بن بندار، عن احمد بن ابى عبدالله، عن ابيه،عن بعض اصحابنا، عن عبدالله بن مسكان، عن زراره، عن ابى جعفر(ع) قال: (ان سمره بن جندب كان له عذق وكان طريقه اليه فى جوف منزل رجل من الانصار، فكان يجى ء ويدخل الى عذقه بغير اذن من الانصارى، فقال له الانصارى: يا سمره، لا تزال تفاجئنا على حال لا نحب ان تفاجئنا عليها، فاذا دخلت فاستاذن، فقال: لا استاذن فى طريق وهو طريقى الى عذقى.