|
قال: فشكا الانصارى الى رسول الله(ص)، فارسل اليه رسول الله(ص)، فاتاه فقال له: ان فلانا قد شكاك وزعم انك تمر عليه وعلى اهله بغير اذنه فاستاذن عليه اذا اردت ان تدخل، فقال: يا رسول الله، استاذن فى طريقى الى عذقى؟! فقال له رسول الله(ص): خل عنه ولك مكانه عذق فى مكان كذا وكذا، فقال: لا، قال:فلك اثنان، قال: لا اريد، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشره اعذاق، فقال: لا، قال: فلك عشره فى مكان كذاوكذا، فابى، فقال: خل عنه ولك مكانه عذق فى الجنه، قال: لا اريد. فقال له رسول الله(ص): انك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مومن. قال: ثم امر بها رسول الله(ص) فقلعت، ثم رمى بها اليه، وقال له رسول الله(ص): انطلق فاغرسها حين شئت)((188)). بتقريب: ان الروايه حاكيه عما افاده النبى(ص) فى قصه سمره، وحيث كانت القضيه واحده فقوله(ص): (على مومن) يقيد اطلاق ما رواه فى الكافى عن زراره: (فانه لا ضرر ولا ضرار)، وعليه فلا يبقى اطلاق. ويمكن ان يقال: ان الروايه ضعيفه لجهاله بعض اصحابنا، فلا تصلح للتقييد، مضافا الى ان القضيه طبيعيه، ومقتضاها هو عموميتها حتى للاضرار بالنفس، فانه ايضا اضرار وضرر على المومن كما ان الاضرار بالغير ضرر على المومن. اللهم الا ان يقال بالانصراف، فتامل. لا يقال: ان الالتزام باطلاق (لا ضرر ولا ضرار) حتى بالنسبه الى الاضرار بالنفس مشكل، اذ لا يمكن الالتزام بحرمه اضرار الانسان بماله، فاذا لم يكن الاضرار بالمال محرما فالاضرار بالنفس ايضا كذلك. لانا نقول: اولا: ان الاضرار بالمال كالاضرار بالنفس محرم، قضاء لاطلاق دليل الضرر، مضافا الى حرمه تضييع المال وحرمه الاسراف. وثانيا: ان تخصيص العام فى مورد لا يوجب الاشكال فى حجيه مدلوله فى البواقى، وقياس الاضراربالنفس على الاضرار بالمال لا وجه له، بل هو باطل، لانه اسراء حكم من موضوع الى آخر من دون دليل. ويويد حرمه الاضرار بالنفس تسليم الاصحاب بحرمه الاضرار بالنفس ووجوب دفعه. قال شيخنا الانصارى(قدس سره)- على المحكى فى رساله (لا ضرر) ما لفظه: نعم قد استفيد من الادله العقليه والنقليه تحريم الاضرار بالنفس((189)). واستدل شيخ الطائفه- على المحكى بوجوب دفع المضار عن النفس فى موارد مختلفه: منها: الخوف من عروض المرض عند ترك اكل الميته((190)). والظاهر من المحكى عن اصول (الغنيه) -فى مساله ان الاصل فى الاشياء الحظر او الاباحه هو وجوب دفع الضرر المحتمل عقلا، ويكون الاقدام عليه قبيحا محظورا عليه((191)). الى غير ذلك من العبارات الداله على ان حرمه الاضرار بالنفس من المسلمات عند الاصحاب. نعم لاتكشف هذه الكلمات عن غير المستندات الموجوده فى المقام، كالادله العقليه والنقليه. مفاد (لا ضرر ولا ضرار): وحاصل الكلام فيه: ان قوله(ص): (فانه لا ضرر ولا ضرار) تعليل، فيعم ولا يختص بمورد دون مورد، ومقتضى التعميم هو نفى كل سبب من اسباب الضرر، بتقريب: ان الضرر اسم مصدر واسم جنس، والنفى متعلق بالجنس، ومقتضاه هو نفى جنس الضرر شرعا، ومن المعلوم ان الضرر معلول لعلل وعوامل مختلفه، وعليه فنفى المعلول نفى لجميع انحاء علله واسبابه،سواء كانت تلك العلل هى الاحكام الشرعيه التكليفيه، او الوضعيه الثبوتيه او العدميه، كعدم جعل حق كحق الشفعه او حق الخيار او غيرهما من العوامل، فيدل اطلاق نفى المعلول شرعا فى حوزه الاسلام بدلاله الاقتضاء على نفى العلل والعوامل وسد جميع موجبات الضرر، فيرجع نفى الضرر الى محكوميه الاطلاقات والعمومات الضرريه، والى النهى عن ايراد الضرر على النفس وعلى الغير، والى تدارك الضرربجعل الخيار فيما اذا كان اللزوم ضرريا. وبالجمله، فنفى الضرر شرعا ينتهى فى المال الى النفى والنهى والتدارك والحكم السلطانى وغير ذلك بحسب اختلاف الموارد، كما ان قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا)((192)) يدل على نفى جعل السلطه فى الاحكام الاسلاميه وعلى النهى عن ايجاد السلطه. وكيف كان، فهذا المعنى فى حديث (لا ضرر) اولى مما ذهب اليه شيخنا الاعظم من ان المراد هو نفى الحكم، لان استعمال عنوان الضرر واراده الحكم منه يحتاج الى عنايه، اذ عنوان الضرر غير عنوان المضر، والمنفى هو عنوان الضرر لا عنوان المضر اى الحكم. كما ان هذا المعنى ايضا اولى مما ذهب اليه صاحب الكفايه من ان المراد هو نفى الحكم بنفى الموضوع الضررى كالوضوء الضررى، فانه ايضا خلاف الظاهر، لان الضرر عنوان غير عنوان المضر والضاروالضائر، فالمنفى هو نفس الضرر الذى هو النقص لا المضر الذى هو المنقص كالوضوء الضررى. هذا كله بالنسبه الى كبرى حرمه الضرر والاضرار، فلا وجه للخدشه فيها بعد وضوح ما عرفت. كما لا وجه للمناقشه فى صغراها بدعوى: (ان الاقدام على التعقيم اذا كان عن داع عقلائى -كما اذا كان لها او لهما غرض اهم عندهما من مساله توليد النسل بكثير، مثل ان يكون الزوجان ممن يحملان السلاح ويقومان فى صف الحرب النظامى امام اعداء الاسلام والمسلمين والمستضعفين، او ان يكونا من اقدم علماء العلوم الطبيعيه الذين وقفوا انفسهم على خدمه ابناء البشر او خصوص الامه الاسلاميه، ولاسيما اذا كانت هذه العمليه بعد تولد عدد من الاولاد وقضاء وطرهم من هذه الناحيه الى غيرذلك فالظاهر ان الاقدام الى عمليه التعقيم الدائم ايضا لا يعد من مصاديق الاضرار ). انتهى. وذلك لان الدواعى العقلائيه لا تخرج التنقيص عن كونه ضررا، الا ترى ان كسر باب الغير لانقاذ الغريق ونحوه امر عقلائى بل واجب شرعى ومع ذلك لا يوجب ذلك خروجه عن كونه ضررا على صاحب البيت؟! ولذا يجب ضمانه، بل يكون بابه من باب التزاحم بين الاهم والمهم، فيقدم الاهم وهو حفظ النفس على حرمه الاضرار بالغير((193)). وفى المقام ايضا ان كانت المشاركه فى الحرب لازمه ومتوقفه على التعقيم بحيث لا محيص عنه فهو اهم، ومع اهميته يجوز الاقدام على ذلك، بل ربما يكون واجبا فيتحمل النقص والضرر من جهه الاهم، وليس معنى ذلك عدم وجود النقص والضرر بمجرد وجود الاهم، وعليه فلا يجوز الاضرار بالنفس لمجرد بعض الدواعى العقلائيه مع عدم اهميتها بالنسبه الى الاضرار بالنفس. هذا، مع الغمض عن امكان منع توقف المشاركه فى الحرب ونحوها على التعقيم، اذ يمكن المنع من انعقاد النطفه بالطرق المختلفه الاخرى. وبالجمله، لا ينتفى الضرر بوجود دواع عقلائيه، بل هو متحقق وكائن، فان كان الضرر منهيا عنه فلا يجوز ارتكابه الا بعروض الاهم، كمعالجه المرض مع انحصارها فى ذلك، او كالوقايه من حدوث المرض الذى يكون اضر على الحامل، وغير ذلك من الضرورات والمصالح التى تكون لازمه الاستيفاء عند الشارع. ثم انه ربما استدل للمنع عن التعقيم بمثل ما ورد فى النهى عن الاخصاء كخبر سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن ابى وقاص يقول: رد رسول الله(ص) على عثمان بن مظعون التبتل، ولو اذن له لاختصينا((194)). وكخبر ابن مسعود قال: كنا نغزو مع النبى(ص) وليس لنا نساء فقلنا: يا رسول الله، الا نستخصى؟ فنهاناعن ذلك((195)). وكخبر ابن عباس قال: شكا رجل الى رسول الله(ص) العزوبه فقال: الا اختصى؟ فقال له النبى(ص): (ليس منا من خصى واختصى)((196)). وكخبر عبدالله بن جابر عن عثمان بن مظعون قال: (قلت لرسول الله(ص): يا رسول الله، اردت ان اسالك عن اشياء، فقال: وما هى يا عثمان؟ قال: قلت: انى اردت ان اترهب، قال: لا تفعل يا عثمان، فان ترهب امتى القعود فى المساجد وانتظار الصلاه بعد الصلاه، قال: فانى اردت يا رسول الله ان اختصى، قال: لاتفعل يا عثمان، فان اختصاء امتى الصيام) الحديث((197)). بدعوى انه لا وجه للمنع الا لكونه موجبا للتعقيم. ولكنه مدفوع: بان الاخصاء يوجب ازاله الشهوه اصلا بحيث لا يقدر على الجماع وسائر الاستمتاعات الاخرى. وهذا بخلاف التعقيم، فانه لا يوجب الا سلب القابليه عن الاستيلاد، فالمنع عن الاشد لا يكون مستلزما للمنع عن الاخف، كما لا يخفى. ثم انه بناء على ممنوعيه التعقيم الدائم لا فرق فيه بين ان يكون مستلزما لاجراء عمليه جراحيه او لا يكون، كما اذا امكن ذلك بشرب دواء او توجيه اشعه كهربائيه او غير ذلك،لان كل هذه الصور تعقيم وضرر على البدن. ثم انه قد عرفت انه عند تزاحم ضرر اقوى مع ضرر التعقيم تسقط حرمه التعقيم، ولكن اللازم فى هذاالتقديم هو ان يكون رفع الضرر الاقوى او دفعه متوقفا على التعقيم، والا فلا تسقط حرمه التعقيم، كمالا يخفى. واذا كان العمل موجبا لنقص الجنين، فهل يجوز التعقيم فيما اذا لم يمكن المنع عن انعقاد النطفه الا بذلك او لا يجوز؟ يمكن ان يقال: لا يجوز ذلك لان الضرر لا يصدق الا فيما اذا كان الموجود كاملا، واما اذا وجد من اول الامر ناقصا بطبع خلقته فلا يصدق عنوان الضرر عليه، اذ الضرر هو النقص الوارد على الكامل، ولذا لايقاس المورد بما اذا كان حفر البئر فى دار موجبا لاضرار الجار فى ملكه وكان عدم الحفر موجبالضرر صاحب الدار، فان الضرر صادق فى الطرفين فيقدم الاقوى على الاضعف، بخلاف المقام اذ الضررلا يصدق بالنسبه الى الجنين، لما عرفت، ومع عدم صدق الضرر على الطرف الاخر لا يتزاحم الضرران.ومقتضى القاعده هو تحريم التعقيم فى هذه الصوره. نعم، لقائل ان يقول: ان نفى الضرر فى مثله اما معارض بنفى الحرج فيما اذا كان الولد الناقص الخلقه حرجا عليه، فمع التعارض يتساقطان ويرجع الى اصاله الاباحه، واما مزاحم بنفى الحرج فالحكم هوالتخيير لو لم يكن راجح بينهما، ومع ترجيح احدهما فالمقدم هو الراجح. بل يمكن ان يقال: ان الضرر مزاحم بالضرر المالى فيما اذا كان الولد العليل مستلزما للمخارج الكثيره.اللهم الا ان يقال: ان الضرر البدنى اهم من الضرر المالى، فتامل. وكيف كان، يتم ذلك لو احرز وجود الحرج او الضرر بقيام العلم اوالعلمى على وجوده، واما مع عدم العلم بذلك فلا وجه لرفع اليد عن التكليف المعلوم باحتمال المعارض او المزاحم. ثم انه بناء على حرمه التعقيم من جهه كونه ضررا بدنيا، هل يجوز اغلاق انابيب الحمل مع احتمال عوده بالعمليه الجراحيه -كما احتمله الاخصائيون فى هذا المجال بنسب مئويه معينه او لا يجوز؟ يمكن ان يقال: ان كان احتمال العود غير معتنى به فلا يجوز، لانه حينئذ مطمئن بالضرر، والا فمقتضى الاصل هو الجواز، لان مع الشك فى صدق الضرر لا يجوز التمسك بعموم نفى الضرر، لانه تمسك بالعام فى الشبهات الموضوعيه، ومقتضى الاصل هو الجواز، ولا دليل فى المقام على اجتناب الظن بالضرر او خوفه، اذ لزوم اجتناب خوف الضرر او الظن به محتاج الى الدليل. اللهم الا ان يقال: ان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل يكفى. ولكن يمكن ان يقال: ان حكم العقل فيما اذا كان المحتمل مهما لا فى كل مورد، الا ان يقال: ان العقم من تلك الموارد. نعم، لا يحرز الحكم العقلى فى مثله اذا كان له من الولد بحد الكفايه وكان الزائد غير مرغوب فيه، فان الحكم العقلى يختلف باختلاف القيود والاوصاف، الا ترى ان العقل يحكم بقبح الكذب لكن اذا انضم الى ذلك مصلحه من المصالح العقلائيه لا يحكم بقبحه بل يحكم بحسنه؟! اللهم الا ان يصطاد من المواردالمختلفه التى يسقط الوجوب فيها باحتمال الضرر -كالصوم والوضوء وغيرهما حكم كلى تعبدى، فتامل. ثم انه هل يجوز التعقيم -مع كونه ضررا بالفعل باحتمال كون الحمل موجبا للضرر البدنى بالنسبه الى الام او لا يجوز؟ الظاهر انه لا يجوز ذلك، لان ضرر التعقيم فعلى، ولا يرتكب الضرر الفعلى لدفع الضرر الاحتمالى. اللهم الا ان يكون المحتمل ضررا على النفس فيجب ارتكاب التعقيم دفعا للهلاك، كما يدل عليه قوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكه)((198)). ثم ان فى كل مورد جاز التعقيم لا يجوز الاقدام عليه من دون رضايه من يريد التعقيم، لانه تصرف فى بدن الغير من دون رضاه واذنه وهو محرم. المقام الخامس هل يجوز الاقدام على اعدام النطفه المنعقده او لا؟ استدل للحرمه بروايات: منها: ما رواه فى الكافى عن عده من اصحابنا، عن احمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن رفاعه قال:(قلت لابى عبدالله(ع): اشترى الجاريه، فربما احتبس طمثها من فساد دم او ريح فى رحم فتسقى دواءلذلك فتطمث من يومها، افيجوز لى ذلك وانا لا ادرى من حبل هو او غيره؟ فقال (لى): لا تفعل ذلك. فقلت له: انه انما ارتفع طمثها منها شهرا، ولو كان ذلك من حبل انما كان نطفه كنطفه الرجل الذى يعزل، فقال لى: ان النطفه اذا وقعت فى الرحم تصير الى علقه ثم الى مضغه ثم الى ما شاء الله، وان النطفه اذا وقعت فى غير الرحم لم يخلق منها شى ء، فلا تسقها دواء اذا ارتفع طمثها شهرا وجاز وقتها الذى كانت تطمث فيه)((199)). وقوله(ع): (لا تفعل) فى جواب السوال عن جوازه وهكذا قوله فى الذيل: (فلا تسقها...) يدلان على حرمه ذلك فى صوره احتمال الحبل فضلا عن العلم به، واكد ذلك ببيان الفرق بين النطفه الواقعه فى الرحم وبين النطفه المعزوله فى خارج الرحم، بان الاولى مبدا الخلق وصيرورتها علقه ثم مضغه ثم الى ما شاءالله، بخلاف الثانيه. ومنها: ما رواه فى الفقيه باسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن ابى عمير، عن محمد بن ابى حمزه وحسين الرواسى جميعا، عن اسحاق بن عمار، قال: (قلت لابى الحسن(ع): المراه تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقى ما فى بطنها، قال: لا. فقلت: انما هو نطفه، فقال: ان اول ما يخلق نطفه)((200)). يدل الخبر على حرمه اسقاط النطفه بشرب مثل الدواء، واكده فى الذيل بقوله(ع): (ان اول ما يخلق نطفه)، حيث بين الفرق بين النطفه الواقعه فى الرحم والواقعه فى غيره بكون الاولى مبدا للخلق. ولعل المستفاد من التعليل المذكور هو عدم جواز اعدام النطفه التى ركبت فى خارج الرحم ووضعت فى مايسمى بالرحم الاصطناعى وشرعت فى التكامل، لعموم التعليل، واذا ركبت النطفه ولم توضع فى الرحم الطبيعى او الاصطناعى جاز اعدامها، لانها متوقفه عن السير والتكامل، والذى يستفاد من التعليل هوممنوعيه اسقاط النطفه السائره والاخذه نحو التكامل. وكيف كان، فمقتضى الاطلاق عدم الفرق بين ان تكون النطفه المستقره عن حلال او حرام، وبين ان يكون اقرار النطفه حلالا او لم يكن، فان ما بعد الاقرار يشمله اطلاق الدليل، كما لا يخفى. نظره عامه فى ادله الاثبات القضائى الشيخ قاسم الابراهيمى مراجعه الاستاذ الشيخ آل راضى تعريف ادله الاثبات: ادله الاثبات القضائى او وسائله او طرقه اصطلاحات يطلقها الحقوقيون على كل ما ثبتت له الحجيه مما يتوصل به الى اثبات موضوع الحكم القضائى. وربمااوجبت اضافته الى الاثبات اختلافا فى صدقه على بعض الوسائل كالاقرارواليمين وما يوجب العلم للقاضى من غير طريق المدعى، فان موضوع الحكم وان ثبت بها، لكن الخصم لما لم يمارس فعلا لاثباته، كان ذلك فى الواقع ثبوتاللحقيقه لا اثباتا لها، فكان صحه صدق الاثبات موقوفه على اخذه بما انه فعل الخصم المتمثل بابراز وتقديم الدليل المثبت لصدق دعواه على خصمه، فمع ظهور الحقيقه بنفسها او باقرار الطرف الاخر لا اثبات. وفى المقابل فان الدليل اثبت موضوع الحكم فيصدق عليه انه مثبت وعلى العمليه اثبات، وحينئذ تكون اضافته اليه اضافه بيانيه. وكيفما كان فالاختلاف المذكور راجع الى ما ذكر فى تعريف الاثبات فى المقاله الاولى من انه محض ما يودى الى ظهور الحقيقه ام هو اقامه الدليل امام القضاء بالطرق المعروفه((201)). واذ كان التعريف المنطقى يقتضى الاقتصار على العناصر المقومه لذات المعرف دون النظر الى ما عداها مما هو خارج عنها كالمحقق للاثبات فقداخذنا جانب الاليه قيدا فى التعريف اولا ايضاحا لمعنى الدليليه والوسيليه،واخراجا لما يكون مطلوبا لذاته، وجانب الحجيه فى باب القضاء ثانيا اخراجالما يتمسك به توصلا الى الحكم مما لا حجيه له، كما لم نات على ذكر المثبت ثالثا تاكيدا على جانب الموضوعيه للدليل، مع خص دائره دليليه الدليل بموضوع الحكم القضائى تحاشيا عما يكون دليلا فى باب الاحكام وموضوعاتها. وكيفما كان فالحقوقيون لم يعرفوا ادله الاثبات وان حصروا افرادها وضبطوها.وفى الحصر -وان ربما اتفق مرادهم اختلفت عباراتهم فعدها بعض خمسه هى الكتابه والشهاده والقرائن والاقرار واليمين((202)). واضاف اليها بعض آخرالمعاينه، لكنه ربما احالها الى قانون المرافعات((203)). ولعله الوجه فى عدم ذكرالفريق الاول له ضمن ادله الاثبات، كما الحق الدكتور نشات الاستجواب بهاايضا((204)): واما الكتب الحقوقيه التطبيقيه او المولفه على ضوء الشريعه الاسلاميه فهى ايضا مختلفه بين التوسعه والتضييق((205)) فبعض اقتصر على الخمسه المذكوره((206))، وبعض زاد عليها القرعه والقسامه والقيافه((207)) فى حين توسع فريق ثالث لينهيها الى سبعه عشر دليلا او سته وعشرين((208)). وبعض كتب الحقوق المولفه على اساس المذهب الشيعى وقف عند اربعه هى الشهاده والاقرار والقسم وعلم القاضى((209)). انحصار ادله الاثبات : المشهور بين الفقهاء على ما يظهر من مجموع عباراتهم انحصار ادله الاثبات- عدا علم القاضى والاقرار بالبينه واليمين، قال الصدوق فى المقنع: (واعلم ان الحكم فى الدعاوى كلها ان البينه على المدعى واليمين على المدعى عليه، فان نكل عن اليمين لزمه الحق، فان رد المدعى عليه اليمين على المدعى اذا لم يكن للمدعى شاهدان فلم يحلف فلا حق له، الا فى الحدود فلا يمين فيها، وفى الدم فان البينه على المدعى عليه واليمين على المدعى، لئلا يبطل دم امرى مسلم)((210)). وقال فى اللمعه: (وجواب المدعى عليه اما اقرار او انكار او سكوت، فالاقراريمضى مع الكمال ... واما الانكار فان كان الحاكم عالما قضى بعلمه والا طلب البينه، فان قال: لا بينه لى عرفه ان له احلافه، فان طلبه احلفه الحاكم ... فان حلف سقطت الدعوى عنه وحرمت مقاصته ... وان رد اليمين حلف المدعى، فان امتنع سقطت دعواه...)((211)). وقد يستدل على انحصار ادله الاثبات بما ذكر بعده طوائف من الروايات: الاولى: ما ورد من قول رسول الله(ص): (انما اقضى بينكم بالبينات والايمان)((212))،فان (انما) اداه حصر دلت على حصر القضاء بين الناس بوسيلتين هما البينات والايمان((213)). والروايه رغم اضطراب سندها فى كتب الحديث وضعفه فى بعضها صحيحه «انظر: الملحق رقم 1». لكن قد يناقش فى الاستدلال المتقدم تاره بان البينات الوارده فى الروايه يرادبمفردها مطلق الدليل والحجه((214))، فلا حصر فى نوع من انواع الادله فيجاب بان جعلها فى مقابل الايمان يدل على اراده شهاده العدلين منها. او بان الحصر اضافى لا حقيقى اخرى لتقيده بغير ما نزل به الوحى فيما بعدمن الشاهد واليمين((215)) ليجاب بان الاصل حمل الحصر على الحقيقه، وما ثبتت له الحجيه كدليل من ادله الاثبات بدليل منفصل لا يرفع دلاله الحديث على الحصر، وانما يكشف عن خروجه عن دائره الحصر المذكور وتقيده بغيرالمورد المقام عليه الدليل من اول الامر. او بان الروايه وارده فى مقام الاهمال والاجمال ثالثه لا فى مقام التفصيل والوضوح واجيب عنه بانها وارده كذلك لا من هذه الجهه بل من جهه من تكون عليه البينه، ومن عليه اليمين والا فهى فى مقام البيان من هذه الجهه((216)). وحقيقه الامر ان افاده الحديث الحصر مما لا مجال للاشكال فيه، وانما الكلام فى المحصور فان للحديث الشريف احد معان هى: الاول: ان النبى(ص) يريد ان يحصر وسائل الاثبات بالبينه بمعناها المصطلح اعنى شهاده العدلين واليمين فلا اعتداد بايه وسيله غيرهما. وهو ما استظهره غيرواحد من الفقهاء منه كما تقدم. الثانى: ان النبى(ص) يريد ان يحصر وسائل الاثبات باحد نوعين الاول الادله التى لها نوع كاشفيه عن الواقع، والثانى الادله التى تستند الى وجدان الخصم وعقيدته كاليمين ويكون الفردان المذكوران محمولين اما على المثال للنوع معبرين عنه بتعبير ناقص فيكون المراد بالبينه شهاده العدلين تمثيلا لما له درجه كشف ولو ناقصه عن الواقع كعلم القاضى الحاصل بالقرائن اوبالمشاهده او بغيرهما، وباليمين القسم للتمثيل به عن كل ما يكون راجعا الى الوجدان كالاقرار. او على بيان حقيقه الموضوع للحكم معبرا عنها بشكل تام فيكون المراد بالبينه على هذا كل ما يكون كاشفا عن الواقع وباليمين خصوصه. وبه يرد على الاشكال المتقدم على اخذ البينه بمعنى مطلق الدليل والحجه. الثالث: ان يكون مراد النبى(ص) تحديد شخصيته الحقوقيه كقاض بشخصيه انسان عادى فيقضى بعلمه البشرى لا بعلمه الغيبى، واطلاعه على حقيقه الامرفى لوح الواقع. ولازم ذلك اعتماده على وسائل اثبات ظاهريه لاحراز موضوع الحكم، وهى قد تصل الى حقيقه ما وقع وقد لا تصل، وبهذا المعنى صرح السيدان الگلبايگانى((217)) والخوئى((218)). الرابع: ان يكون مراد النبى(ص) من الروايه تحديد شخصيته كقاض بشخصيه انسان عادى ايضا لكن لا لاستبعاد شخصيته كمطلع على الغيب وحقيقه الامربل لاستبعاد شخصيته كرسول ومشرع او ولى امر مما يعنى تبعيه حكمه القضائى لموضوعه وانه ليس حكما تاسيسيا. الخامس: ان يريد(ص) من حديثه كلا الامرين فهو ينفى اولا استخدام علمه الغيبى فى احراز موضوع الحكم باعتباره مطلعا على عالم الغيب وثانيا عدم كون حكمه القضائى حكما تاسيسيا باعتباره مشرعا او ولى امر فيمكن لطرق الاثبات المعتمده من قبله فى احراز الموضوع ان تخط ى الواقع، فيتبعها الحكم لينتج حكما مخالفا للحكم الواقعى. وهذا يعنى وجود حكمين قضائيين احدهما واقعى والاخر ظاهرى وانحفاظ الحكم الواقعى فى مرتبته حتى مع صدور الحكم من النبى(ص) على خلافه. والظاهر ان المعنى الاخير هو الصحيح فان النبى(ص) ليس فى مقام حصر افراد وسائل الاثبات ولا انواعها بالكاشفه والوجدانيه فانما يصح ذلك لو اقتصر فى الحديث على قوله: (انما اقضى بينكم بالبينات والايمان)، فتوخذ البينات -سواءبمعناها المصطلح الخاص او بمعناها اللغوى العام والايمان على سبيل الموضوعيه كما هو مقتضى الاصل فى وسائل القضاء وادواته لكنه وصل حديثه الشريف بما يكون قرينه على عدم كونه بصدد البيان من هاتين الجهتين ولا فى مقام نفى اعتماده علمه الغيبى فى القضاء فقط او نفى كونه فى مقام التشريع او اصدار الحكم الولائى كذلك ايضا بل كلاهما معا حيث قال:(وبعضكم الحن بحجته من بعض، فايما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا،فانما قطعت له به قطعه من النار)((219))، اذ تضمن كلامه الاول خطايه الطريق والحجه وظاهر يتهما والثانى بقاء الحكم الواقعى على حاله وعدم حليه ما قطع له مع علم الاخذ بعدم عائديته له. ولعل فيما ورد عن العسكرى فى تفسيره عن امير المومنين(ع) ما هو اوضح فى الدلاله على المطلوب حيث قال(ع): كان رسول الله(ص) يحكم بين الناس بالبينات والايمان فى الدعاوى فكثرت المطالبات والمظالم، فقال: ايها الناس! انماانا بشر، وانتم تختصمون ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض، وانما اقضى على نحو ما اسمع منه، فمن قضيت له من حق اخيه بشى ء فلا ياخذنه، فانما اقطع له قطعه من النار)((220))، فكان قوله: (كثرت المطالبات والمظالم) فيه اشاره الى استحلالهم ما ياخذونه بعد حكم النبى(ص)، ولا غرابه فى الامر فان فى اهل السنه من افتى بجواز ذلك((221))، وكانه لقولهم بالتصويب او جعل الحكم المماثل. وكيفما كان فالحديث بصدد حصر اسلوب القضاء المتبع من قبل النبى(ص)بالطريقه المتعارفه، واتباعه فى قضائه سبيل الناس، وتقمصه قميصهم فيه كمايدل عليه قوله: (انما انا بشر) و(انما اقضى على نحو ما اسمع)، ومعه فلامجال للقول بدلاله الحديث على حصر ادله الاثبات بالبينات والايمان، فان النبى(ص) وان ربما قصد ذلك ايضا لكنه لا دليل على كونه فى مقام البيان من هذه الجهه. ومنه يعرف ايضا -وان كان ليس هذا محله ان ما استفيد من الحديث فى نفى جواز قضاء القاضى بعلمه الشخصى فى غير محله. الثانيه: ما ورد من الروايات فى قضاء داود(ع) وايحاء الله تعالى اليه بالحكم بالبينه واليمين وهى عده روايات: منها: صحيحه سليمان بن خالد عن ابى عبدالله(ع) قال فى كتاب على(ع): (ان نبيا من الانبياء شكا الى ربه فقال: يا رب كيف اقضى فيما لم ار ولم اشهد (لم اشهد ولم ار خ ل)؟ قال: فاوحى الله اليه: احكم بينهم بكتابى، واضفهم الى اسمى فحلفهم (تحلفهم خ ل) به، وقال: هذا لمن لم تقم له بينه)((222)). ومرسلتا ابان بن عثمان عنه(ع) ومحمد بن قيس عن ابى جعفر(ع)((223)). حيث استفاد منها البعض انحصار الادله بما ذكر، ولعله لاستظهار كون الامام(ع) فى مقام البيان من جهه افراد ما يحكم به من الادله فيتمسك بالاطلاق المقامى لاثبات عدم فرد آخر من افراد ادله الحكم. وفيه ما تقدم من ان الامام(ع) قد لا يكون فى مقام البيان من هذه الجهه، وانماهو بصدد بيان اعتماد الانبياء(ع) وسائل الاثبات العاديه وطرق تحصيل العلوم المتعارفه بين الناس، وامكان مخالفه احكامهم القضائيه للاحكام الواقعيه بل استحاله العمل بالعلم بالواقع، ففى مرسله ابان بن عثمان عمن اخبره عن ابى عبدالله(ع) (فى كتاب على(ع): ان نبيا من الانبياء شكا الى ربه القضاء فقال: كيف اقضى بما لم تر عينى ولم تسمع اذنى؟ فقال: اقض بينهم بالبينات واضفهم الى اسمى يحلفون به. وقال: ان داود(ع) قال: يا رب ارنى الحق كما هو عندك حتى اقضى به، فقال: انك لا تطيق ذلك، فالح على ربه حتى فعل، فجاءه رجل يستعدى على رجل، فقال: ان هذا اخذ مالى. فاوحى الله الى داود: ان هذا المستعدى قتل اباهذا، واخذ ماله، فامر داود بالمستعدى فقتل، واخذ ماله، فدفع الى المستعدى عليه.قال: فعجب الناس وتحدثوا حتى بلغ داود(ع)، ودخل عليه من ذلك ما كره، فدعاربه ان يرفع ذلك، ففعل، ثم اوحى الله اليه: ان احكم بينهم بالبينات، واضفهم الى اسمى يحلفون به)((224)). ثم لو سلمنا ذلك لم يكن من البعيد ان يكون ما ورد فى الروايات المذكوره انماهو وسائل الاثبات المعتبره فى القضاء بحسب القاعده الاوليه، اذ مع فرض وجود طوليه وترتب فى اعتبار وسائل الاثبات لا يكون انحصار واحده فى مرتبتها منافيا لوجود وسيله اخرى فى مرتبه ومع عدم الاولى. الثالثه: ما حصر فيها مستند الاحكام بعدد معين مثل روايه ابى ضمره قال: قال امير المومنين(ع): (احكام المسلمين على ثلاثه: شهاده عادله، او يمين قاطعه، اوسنه ماضيه من ائمه الهدى)((225))، وبطريق الصدوق (جميع احكام المسلمين)،ومرسله يونس عمن رواه قال: (استخراج الحقوق باربعه وجوه: بشهاده رجلين عدلين، فان لم يكونا رجلين (عدلين خ ل) فرجل وامراتان، فان لم تكن امراتان فرجل ويمين المدعى، فان لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه، فان لم يحلف ورد اليمين على المدعى فهى واجبه (فهو واجب خ ل) عليه ان يحلف، وياخذ حقه.فان ابى ان يحلف فلا شى ء له)((226)). وتقريب الاستدلال بهما اما من جهه مفهوم العدد لو تم، او الاخبار عن العام بالخاص المفيد للحصر، او التمسك بالاطلاق المقامى بعد فرض الامام(ع) فى مقام البيان من هذه الجهه. وقد تلحق بهما فى بعض وجوه الاستدلال صحيحه بريد بن معاويه عن ابى عبدالله(ع) قال: سالته عن القسامه؟ فقال: (الحقوق كلها البينه على المدعى،واليمين على المدعى عليه الا فى الدم خاصه)((227)). ويرد الاستدلال بهذه الروايات ان مفهوم العدد غير تام عند المحققين فى علم الاصول، والحصر والتمسك بالاطلاق المقامى ان تم فى الاوليين لا يتم فى الاخيره، لان الامام(ع) بصدد وضع قاعده عامه فيها لمن يطالب بالبينه ممن يطالب باليمين لا انه يرمى الى استقصاء كل ما يكون حجه للمدعى والمنكرليستفاد انحصار وسائل الاثبات بما ذكر يرشد الى ذلك ما ورد فى ذيل الصحيحه من استثناء الدم المفسر فى بعض الروايات كموثقه ابى بصيربانعكاس القاعده المذكوره فيه حيث قال ابو عبدالله(ع) فيها: (ان الله حكم فى دمائكم بغير ما حكم فى اموالكم، حكم فى اموالكم ان البينه على المدعى واليمين على المدعى عليه، وحكم فى دمائكم ان البينه على من ادعى عليه واليمين على من ادعى لئلا يبطل دم امرى مسلم)((228)). هذا مضافا الى ضعف الروايتين المتقدمتين، اما الاولى فبغير واحد من رواتهاعلاوه على اضطراب سندها «انظر الملحق رقم 2». واما الثانيه: فبالارسال والاضمار. الرابعه: الروايات الكثيره المحدده لوظيفه كل من المدعى والمنكر((229)) المستفادمن مجموعها، بل ومفهوم الشرط فى اطراف بعضها((230)) انحصار وسائل الاثبات بالبينه فى طرف المدعى واليمين فى طرف المنكر. ومن ضم المجموع الى ماتقدم من الطوائف يشرف الفقيه على القطع بانحصار وسائل الاثبات بهما وعدم وسائل اخرى غيرهما معتبره فى باب القضاء. وهذا الاستدلال لو لم نناقش فى روايات الطائفه الاولى منه بعدم ظهورها فى موضوعيه البينه واليمين حجتين للمدعى والمنكر ليستفاد انحصار حججهمابهما، بل لبيان الحد فى حجه كل منهما على ما تم استظهاره فى المقاله الاولى((231)) لامكنت المناقشه فيه بان استفاده الانحصار من مجموع هذه الروايات قائمه على الاستقراء وتجميع القرائن والاحتمالات التى لا اشكال فى تراجعهالدى اطلاع الفقيه على ما يشكل قرينه معاكسه لذلك فى روايات وفتاوى اخرى.وقد تضمنت كتب الحديث والفتوى روايات وفتاوى كثيره تدل على جواز الحكم بالقسامه وشهاده الواحد المنضم اليها اليمين او شهاده النساء منضمات اومنفردات والقرعه والتحصيص والقضاء لاكثر المتداعيين بينه او اعدلهماواصدقهما قولا عدا النكول ورد اليمين على المدعى. هذا سوى ما دل على الرجوع الى العرف واهل الخبره فى تحديد بعض موضوعات الاحكام كالهجووالسباب والكفر وعادات اهل البلد وغيرها. وهذه وان اجيب عن بعضها ببعض الوجوه، لكن احتمال عدم صدق الاجابه يبقى وان ضعف، مما يترك لو ضم الى غيره تاثيرا فى النتيجه الحاصله بالاستقراء. والظاهر ان الروايات الحاصره ليست بصدد حصر وسائل الاثبات فى مطلق الدعاوى بل اولا: فى خصوص الدعاوى على الوقائع والتصرفات القانونيه الواقعه بين الاشخاص، فالدعاوى على طريقه العرف مثلا كجلب جهاز العروس من بيت ابيها وان صلح مستندا للقضاء لكنه اصل عام يرجع فى اثباته ونفيه الى العرف ومتعلق الاثبات فيه لا يشكل واقعه شخصيه بل عامه. وثانيا: فيما يكون فيها مدع ومنكر لا ما يكون فيها شخصان او اكثر كل منهم مدع ومنكر كما فى صوره التداعى حيث يرجع فى الحكم الى اعدل البينات واكثرها عددا واوفقها بالظاهر او الاصل، ومن اخرجته القرعه او التحصيص،ولا فيما يكون فيها مدع ولا منكر كما فى صور الاقرار. وثالثا: فى غير ما اذا كانت الدعوى ماليه، فانه قد يقضى بالشاهد واليمين. ورابعا: فى الفعل الذى لا اثر له يعلم من خلاله تحقق الفعل وفاعله فقد يرجع الى اهل الخبره لتشخيصهما كما فى بعض الحوادث التى يترك الفاعل فيهاآثارا من وسائل جنايته. وخامسا: فى مورد ما اذا لم يكن اصل الموضوع محرزا ومعلوما للقاضى فان الحاجه الى الاثبات انما تكون مع الجهل وعدم العلم. وغير ذلك مما قد يحدد مورد النص. وعلى هذا فالذى يظهر لنا من مجموع ذلك ان الحصر المدعى فى وسائل الاثبات بالبينه واليمين اما استقرائى لا ينتج قطعا، او اضافى، لا عقلى اوشرعى وارد على سبيل الحقيقه، فلو اقام احد الدليل على حجيه وسائل اثبات اخرى كالاستفاضه وما يوجب الظن مثلا لم يحل دونه الحصر المذكور ولم ينافه. وقد تلخص من مجموع البحث انه لا وجه لحصر الحقوقيين والفقهاء ادله الاثبات بالانواع التى ذكروها، وان حصرهم لا يعدو ان يكون حصرا اضافيابالقياس الى ما تقتضيه القاعده الاوليه فى المقام او مبنيا على الاستقراء. تقسيمات ادله الاثبات: قسمت الكتب القانونيه الادله الى عده تقسيمات منها: اولا: تقسيمها الى طرق مباشره وطرق غير مباشره(preuves directes & preuves indirectes). فالمباشره ما تنصب دلالتها على الواقعه المراد اثباتهامباشره وبلا استنتاج، ومنها الكتابه عندهم والبينه. وغير المباشره ما لا تكون كذلك بل تثبت استنتاجا كالقرائن((232)). وفى عد الاقرار واليمين من القسم الثانى او الاول خلاف((233)) من جهه انهما يثبتان ما يعفى الخصم من الاثبات وانهما يثبتان الواقعه من جهه صاحب الحق او من عليه الحق نفسه،فكان نشاه الخلاف بسبب اخذ الطرف المقابل فى تعريف الاثبات. ثانيا: تقسيمها الى طرق مهياه وغير مهياه preuves) preconstituees & preuves casuelles): ومرادهم بالمهياه ما يعده صاحب الشان منها مقدما لاثبات حقه لدى المنازعه كسندات البيع والميراث، وغير المهياه ما يتم تهياته عند نشوب النزاع وعاده ماتكون وسائل الاثبات الاخرى غير الكتابه غير مهياه، وقد تعد مقدما فتكون مهياه كالشهود((234)). ثالثا: تقسيمها الى طرق ذات حجيه ملزمه وغيرها: والمراد بذات الحجيه الملزمه ما حدد القانون مبلغ حجيتها، فلم يدع تقديرها الى القاضى، بمعنى ان القاضى ليس حرا فى قبولها وردها بعد فرض ثبوتها وتنقسم هذه بدورها الى قاطعه لا مجال لاثبات العكس فيها كاليمين والقرائن القانونيه، وغير قاطعه قابله للطعن من قبل من لا تصب فى صالحه كالاقراروالكتابه، فقد يدعى الاكراه فيهما والتزوير فى الاخيره. وبذات الحجيه غير الملزمه ما ترك فيها المجال للقاضى للاخذ بها وعدمه كالبينه والقرائن القضائيه((235)). رابعا: تقسيمها الى طرق اصليه وطرق تكميليه وطرق احتياطيه: والطرق الاصليه هى ما قامت دليلا براسها وان تممها دليل آخر كالكتابه وبخلافها التكميليه التى تدخل متمما للدليل الاصلى كالاشهاد فى بعض السندات، والاحتياطيه هى ما يتخذ وسيله للاثبات عند فقدان الادله الخارجيه ومثالها الاقرار واليمين((236)). خامسا: تقسيمها الى طرق ذات قوه مطلقه وطرق ذات قوه محدوده وطرق معفيه من الاثبات: والطرق ذات القوه المطلقه ما تصلح لاثبات جميع الوقائع على الاطلاق كالكتابه عندهم، وذات القوه المحدوده ما تصلح لاثبات بعض الوقائع دون بعض، ومنهاالبينه والقرائن بزعمهم، والمعفيه من الاثبات ما تصلح لاعفاء الخصم من اثبات دعواه فى مطلق الدعاوى ومنها الاقرار واليمين الحاسمه. وهذه التقسيمات وان اشتملت على بعض الفوائد لكنا واتباعا للنهج الفقهى الباحث عن كل بدليله فضلنا ان نبحث عن ثبوت هذه الفوائد وعدمها لدى البحث عن كل واحده من وسائل الاثبات ان وجدنا لذلك نحوا من الاستحقاق. الملحق رقم 1 اورد الروايه المحمدون الثلاثه فى بعض كتبهم كما نقلها صاحب الوسائل عنهم فى كتابه ايضا، وسند الروايه على ما جاء فى الكافى: محمد بن يعقوب عن على بن ابراهيم عن ابيه وعن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن ابى عمير عن سعد بن هشام بن الحكم عن ابى عبدالله(ع)((237)) لكن فى الهامش: (وفى بعض النسخ «عن سعد وهشام بن الحكم » وهواصوب)((238)). وسندها فى الوسائل عنه بعد ابن ابى عمير: (عن سعد يعنى ابن ابى خلف عن هشام بن الحكم عن ابى عبدالله(ع)((239)). وفى التهذيب: على بن ابراهيم عن ابيه عن ابى عمير عن سعد وهشام بن الحكم عن ابى عبدالله(ع)((240))، لكن فى طبعه اخرى ابن ابى عمير بدل ابى عمير((241))، وكذا فى الوسائل عنه((242)). والظاهر انه خطا مطبعى. وفى معانى الاخبار قال: اخبرنى ابو الحسين محمد بن هارون الزنجانى، قال:حدثنا على بن عبدالعزيز عن ابى عبيد القاسم بن سلام باسانيد متصله الى النبى(ص)((243)) لكن فقره (انما اقضى بينكم بالبينات والايمان) غير موجوده فيه. وسند الصدوق لا اشكال فى ضعفه ان لم يكن من جهه الرفع فيما بين القاسم بن سلام ورسول الله(ص) فلا اقل من جهه مجهوليه الراويين الاخرين مضافا الى نفس القاسم فانه وان وصفه النمازى بانه من مشاهير العلماء((244)) نقلا عن العلامه الطباطبائى لكن لم يرد له توثيق فى واحد من كتب الرجال فضلا عن الروايات. هذا مضافا الى عدم ورود الفقره مورد الاستدلال فالحديث ساقط سندا ودلاله. واما الروايه ذات الفقره المذكوره فالصحيح من السند ما عليه الشيخ والنسخ الاخرى من الكافى العاطفه هشام بن الحكم على سعد، اذ لا وجود لسعد بن هشام بن الحكم فى اسانيد الروايات فى الكتب الاربعه والوسائل وبحار الانوارغير المورد ولا تراجم الرجال، ولم يعهد فى كتب الحديث المتقدمه روايه سعدعن هشام مع اكثار ابن ابى عمير الروايه عنهما مشتركا او مستقلا. وبذلك يكون سند الشيخ هو الصحيح بقرينه سائر الروايات. وعلى جميع التقادير المذكوره عدا ما وقع فى بعض نسخ الكافى من روايه ابن ابى عمير عن سعد بن هشام بن الحكم تكون الروايه صحيحه لوثاقه كل من هشام وسعد سواء رويا عن بعضهما البعض او رويا معا عن الامام(ع) وروى عنهما ابن ابى عمير. نعم، قد يناقش من جهه ابراهيم بن هاشم والد على بن ابراهيم بعدم استفاده التوثيق مما ورد فيه، بل المدح ومعه تكون الروايه حسنه. لكن مع ذلك يمكن القول بتصحيح الروايه من طريق الكلينى الاخر حيث رواهاعن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن ابى عمير، سواء على القول بان محمد بن اسماعيل بن بزيع او الزعفرانى ما لم يقل ببعد طبقته عن الكلينى وسقوط الواسطه بينهما، او محمد بن اسماعيل البرمكى فانهم جميعاثقات او محمد بن اسماعيل النيسابورى بناء على ما ذهب اليه استاذنا الشيخ آل راضى -دام بقاوه من وثاقته بسبب اكثار الكلينى الروايه عنه((245)). الملحق رقم 2 وردت الروايه فى الكافى مرويه عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن احمد بن محمد بن عبدالله عن ابى جميله عن اسماعيل بن ابى ادريس عن الحسين بن ضمره بن ابى ضمره عن ابيه عن جده قال: قال اميرالمومنين(ع)((246))...الروايه. وفى التهذيب المطبوع نفس السند مع ابدال ابى جميل من ابى جميله وحذف ابن ابى ضمره منه((247))، والحجرى ابى جميله كما هو مع ابدال ابى اسماعيل بن اويس من اسماعيل بن ابى ادريس وحذف ابن ابى ضمره كما فى المطبوع((248)). وفى هامش الوسائل المخطوط: (فى التهذيب: ابن اسماعيل ...عن الحسين بن حمزه)((249)). وفى الوافى عنهما: (عن احمد بن محمد بن عبدالله عن ابى جميله (جميل خ ل) عن اسماعيل بن ابى اويس (ادريس خ ل) عن الحسين بن ضمره عن ابيه عن جده)((250)). وفى الوسائل المطبوع: (وعن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن احمدبن محمد بن عبدالله عن ابى جميله عن اسماعيل بن ابى اويس عن ضمره بن ابى ضمره عن ابيه عن جده)((251)). كما رواها الصدوق فى الخصال( عن ابيه: عن سعد بن عبدالله عن احمد ابن ابى عبدالله البرقى عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنط ى عن ابى جميله عن اسماعيل بن ابى اويس عن ضمره بن ابى ضمره عن ابيه عن جده)((252)). والصحيح من كل هذه الاسانيد فى الحسين بن محمد او سعيد هو (الحسين بن محمد) لعدم روايه الكلينى روايه واحده عن الحسين بن سعيد ولا هو عن معلى مع روايتهما كثيرا من الروايات تحت عنوان الحسين بن محمد بهذا السند. وفى ابى جميل او جميله (ابو جميله) وهو المفضل بن صالح الذى روى احمد بن محمد بن ابى نصر البزنط ى عنه كثيرا ولم يرو عنه ابن عبدالله الا هذه الروايه.وفى اسماعيل بن ابى اويس او ادريس رواياتنا متضاربه الاسانيد ففى الاكثراويس((253))، وفى الاقل ادريس((254))، وقد ذكره اهل السنه تحت عنوان اويس وهوالارجح. وفى الحسين بن ضمره او حمزه او ضمره بن ابى ضمره نفسه الصحيح (الحسين بن ضمره بن ابى ضمره)، والظاهر انه هو الحسين بن عبداللهاو عبيدالله بن ضمره لاتحاد اسمه واسم جده وروايته عن ابيه عن جده فى جميع الروايات فتكون نسبته من باب النسبه الى الجد. والروايه على كل حال ضعيفه بغير واحد، ان لم تكن من جهه الحسين بن محمد ومعلى بن محمد لامكان الاعتماد على الطريق الاخر، فلا اقل من جهه ابى جميله المفضل بن صالح واسماعيل بن ابى اويس والحسين بن ضمره وابيه وجده فانهم جميعا مجاهيل ما عدا المفضل بن صالح فانه ضعيف على ما ذكر النجاشى فى ترجمه جابر بن يزيد((255)). مراحل تطور الاجتهاد فى الفقه الامامى القسم الثانى السيد منذر الحكيم منهج (دليل المحقق) ورسالته: لكل باحث ان يختار منهجا معينا لدراسته التاريخيه فى حقل الفقه الاسلامى، وقد يكتفى بعرض نتائج دراسته فحسب، وقد لا يقتصر على ذلك بل يتجاوز النتائج، فيهتم بعرض منهجه الذى سلكه للوصول اليها. وغايه الباحث هنا هى ابلاغ نتائج جهده الى القارى والمتعلم والمسترشد فى حقل دراسته تلك. ولكن حيث نرمى الى هدف اكبر وهو تربيه الباحثين والمحققين فانه لا ينبغى لنا ان نتعامل معهم كتعامل الاستاذ مع المتعلم المستهلك الذى يقتصر فى احسن الاحوال على استيعاب وفهم ما يلقى اليه فقط، كما هو المتداول عند كثير من الاساتذه مع طلابهم، وانما نتعامل مع الباحث الناشى -الذى يهدف الى ان يكون باحثا متضلعا وناضجا فيما يبحث عنه فيكون التعامل معه على اساس انه المتعلم المنتج الذى يصبو الى الابداع والتطوير. ومن هنا، فاننا بدل تلقين المتعلم واعطائه المفاهيم المستنتجه من خلال جهد علمى بشكلها الناجزوالنهائى كما يعط ى المفتى فتواه للسائل بشكلها الناجز من دون ان يشعر السائل بعناء المفتى للوصول الى هذه الفتوى ولا كيفيه سلوكه الطريق لكشف الحكم الشرعى ... اقول: بدل هذا الاسلوب ينبغى لنا ان نربى الباحث العلمى ونحاول ان نسلحه بمنهج الوصول وادواته ومصادر البحث، ونرشده الى كيفيه سلوك الطريق ونعينه على سلوكه، ليكون ذلك حافزا له للسعى والمثابره باتجاه تنميته لقدراته، وبهذا نوفر له مجالا خصبا لتطوير قابلياته باتجاه الهدف الاقصى فى مجال التربيه العلميه والفكريه للمتعلمين. ومن هنا كنا قد عرضنا المنهج العام لهذا الدليل اولا والمنهج العام لدراسه كل مرحله، واقتصرنا على اهم النقاط فى مفرداتها بغيه تسليح الباحث بالادوات والمصادر، فكانت الاشاره الى كل الشخصيات العلميه وآثارها الفقهيه مفرده ضروريه للباحث، بالاضافه الى مصادر كل بحث وكيفيه الاستفاده منهابما يقرب المسافه للباحث ويوصله الى الهدف من اقرب طريق ممكن. والهدف هو الاطلاع على كل المناهج والاطروحات والانجازات التى تحققت لحد الان، ليكون قادرا على المقارنه والتقويم. ولهذا ينبغى ان نستدرك للقارى العزيز ما فات عليه فى القسم الاول من هذا البحث. المنهج العام لكل مرحله: 1 - تحديد المرحله (بشكل تقريبى). 2 - اهم خصائص المرحله. 3 - اعلام المرحله. 4 - آثار كل فقيه من اعلام المرحله. 5 - مصادر الدراسه عن المرحله (بشكل تفصيلى). استدراك: تقدم فى القسم الاول دراسه المرحلتين الاولى والثانيه -وقد سميتا بمرحله التاسيس ومرحله الانطلاق،وقبل البحث عن المراحل الاخرى نورد استدراكا لبعض محاور الدراسه لغرض تطبيق هذا المنهج على كل مرحله. وسنذكر هنا -تتميما لما سبق تحديد المرحله الاولى، ثم بيان اعلام فقهاء المرحلتين الاولى والثانيه، وآثاركل فقيه، ومصادر الدراسه لكل مرحله: 1 - تحديد المرحله الاولى: وهى مرحله تاسيس الفقه الاجتهادى (الاستدلالى): وتبدا بالصدوق الاول على بن الحسين القمى (المتوفى 329ه)، وتنتهى بحمزه بن عبدالعزيز الديلمى المعروف بسلار (المتوفى 448 ه واو 464ه). فبدايه المرحله هى بدايه القرن الرابع ونهايتها تعتبر منتصف القرن الخامس الهجرى، فهى قرن ونصف تقريبا. واقتصر بعض المورخين للفقه الاسلامى الامامى على ذكر بعض الاعلام لكل مرحله، ولعله اكتفى بذكرالمعروفين منهم، او اهم الاعلام بحسب النشاط الفقهى ونوع الانتاج الفقهى وكميته. بينما يكون الالمام بكل النشاط الفقهى للمرحله امرا ضروريا، ومن هنا رجحنا الوقوف على كل النشاطالفقهى المعلوم والذى يمكن مراجعته ومطالعته والغور الى اعماقه. ولذلك هيانا قائمه بكل الاعلام الذين ورد ذكرهم فى المصادر التاريخيه وكانت لديهم نشاطات فقهيه تاليفيه وان لم يكن هذا كل ما ينبغى، ولكنه يحتوى على جل ما ينبغى لنا الوقوف عليه من النشاطالفقهى لكل مرحله. |