السماء الاولى: فى المصطلحات، الثانيه: فى صور الافلاك السبع، الثالثه: فى الدوائر الكائنه على محيطالعالم والقسى المشهوره، الرابعه: فى حركات الافلاك، الخامسه: فى حالات الارض وما يتعلق بها من الطول والعرض، السادسه: فى معرفه سمت القبله بالدائره الهنديه، السابعه: فى معرفه الليل والنهار والصبح والشفق والساعات والشهور والسنين.

اوله: (احمدك يا من جعل آيات بينات فى خلق السماوات والارض).

وذكر فى آخره: انه فرغ منه فى ثلاث ساعات من يوم ثلثى البروج من شهر كواكب اليوسفيه، من سنه السموات، من عشر الثوابت بعد قطع راس الغم من الهجره النبويه، فى قريه ادكان فى خدمه الحاج محمدحسين)((290)).

والنسخه ضمن مجموعه من رسائل المصنف عند الشيخ هادى ابن الشيخ عباس آل كاشف الغطاء.

23 - رساله فى القيافه: يذكر فيها احكام الاعضاء من الراس الى القدم. مثلا: الراس الكبير يدل على الهمه العاليه والنباهه...

وهكذا الى آخر الاعضاء.

اولها: (وبعد، فيقول -الى قوله: احمد بن عبدالرضا عرفه الله علامه سلافته قبل قيام قيافته).

وقال فى آخرها: (ينبغى ان لا يتبادر الى الحكم بدليل واحد، بل يجمع منها ما امكن، ومتى تضادت الادله وزنت قوه وضعفا وكثره وقله، واعلم ان دلائل الوجه اقوى من سائر الدلائل).

فرغ منها فى النصف الثانى من اليوم الثالث من الشهر الاول من السنه الاولى من العشر التاسع من المئه الاولى من الالف الثانى من الهجره.

وهى تزيد على مئه وخمسين بيتا، رآها العلامه الطهرانى فى المجموعه الانفه الذكر.

24 - كليات الطب: وهو مختصر يقرب من مئه بيت. الفه فى سابع شهر التاسع من السنه الثانيه من العشر التاسع من المئه الاولى من الالف الثانى 1082ه فى (شاهجان آباد).

وقال فى آخره: (وقد اكملنا الامر فى كتابنا الموسوم ب (المفرده الطبيه)). توجد نسختها ضمن المجموعه المنوه اليها آنفا.

25 - المنهج القويم فى تفضيل الصراط المستقيم على(ع) على سائر الانبياء والمرسلين سوى نبينا ذى الفضل العميم:

فرغ من تاليفه سنه خمس وثمانين والف (1085ه). رآه العلامه الطهرانى عند الشيخ محمد على الحائرى نزيل سنقر.

اوله: (الحمد لله الذى انعم علينا بالوجود بعد العدم وفضلنا على كثير ممن خلق من الامم...).

وذكر فى اوله: (انى رايت فى هذا الباب كتاب (منهاج الحق واليقين فى تفضيل على امير المومنين على سائر الانبياء والمرسلين) للسيد ولى بن نعمه الله الحسينى الرضوى الحائرى، لكنه ترك كثيرا من احاديث الباب. فذكرت انا جمله منها فى هذا الكتاب). والنسخه بخط الشيخ ناصر بن الحسن بن محمد،فرع من الكتابه فى سنه 1121ه.

وهناك كتب اشار اليها المولف نفسه خلال بعض كتبه، ولم نقف عليها فى تراجمه، وهى:

26 - التحفه العزيزه: وهى فى الاصول، وقد احال اليها فى كتابه (عمده الاعتماد).

27 - المقنعه: وهى فى الدرايه، وقد احال اليها فى (عمده الاعتماد) ايضا عند تعرضه الى اقسام الخبر،وقال: (فمن شاء الاستيفاء فليرجع الى هناك).

28 - المفرده الطبيه: احال اليها فى آخر كتابه (كليات الطب).

والظاهر انها اوسع من الكليات، لقوله هناك: (وقد اكملنا الامر فى كتابنا الموسوم ب(المفرده الطبيه)).

كما ان بعض المترجمين ذكر ان له من الكتب الاسماء التاليه:

1 - جوابات المسائل الشاهيه((291)): ولعله تصحيف (جوابات المسائل الشائعه).

2 - رساله فى الاخلاق((292)): ولعلها (العبره العامه) المتقدمه.

3 - رساله الحد((293)): ولعلها تصحيف (كتاب الحسد) المتقدم آنفا.

4 - رساله فى القراءه((294)): والظاهر انها نفس (تجويد القرآن) المتقدم.

وفاته:

لم اجد من المترجمين له((295)) من حدد تاريخ وفاته بدقه.

ولعله توفى خلال ترحاله فى بلاد الهندالمتراميه الاطراف، والذى كان يسافر فيها وحيدا بعيدا عما يميزه عن سائر القاطنين هناك.

الا ان الثابت انه سافر فى سنه 1081ه الى بلاد الهند، وكان فى حيدرآباد سنه 1085ه، حيث الف فيهاآخر ما وصلنا من كتبه.

وليس من المستبعد ان يكون قد قضى نحبه وحيدا فى بلاد نائيه، غريبا بعيدا عن الاهل والوطن،مجاهدا فى سبيل الله، ناشرا للعلم والفقه والدين، شانه فى ذلك شان مئات العلماء والمجاهدين الذين تحملوا الصعاب فى نشر العلم والفضيله فى سائر اقطار العالم.

فسلام عليه يوم ولد ويوم مات غريبا ويوم يبعث حيا، وحشره الله مع مواليه اهل البيت: الذين كانواالقدوه فى التضحيه والجهاد فى سبيل الله.

2 - الكتاب

هذا الكتاب من التراث الاسلامى المضيع فى مكتبات الغرب، وقد صوره لنفسه سماحه العلامه السيدمحمد حسين الجلالى خلال بحثه الحثيث عن التراث الاسلامى فى مكتبات الغرب.

والنسخه مكتوبه فى كابل سنه 1080ه، كما يظهر من عباره آخر الكتاب.

والكتاب يبحث بايجاز عن اهم شروط الاجتهاد وكيفيته، محرضا فيه على ممارسه عمليه الاجتهاد لمن فيه القدره والكفايه، وخلع ربقه التقليد، والاستقلال فى استنباط الاحكام الشرعيه.

فهو من جهه يحاول بعث الامل وفتح باب التفاول بالنسبه الى من يحاول اجتياز عقبه الاجتهاد ولا يرى فى نفسه الجراه والكفاءه على ذلك. وقد عقد(رحمه الله) الخاتمه فى هذا الكتاب لهذا الغرض بالذات.

فيقول فى ضمن ذلك: (فشمر العزم وجد فى الطلب واقطع المراحل للوصول الى المطلب الذى تنال به اعلى المراتب واسنى المواهب، وقد علمت سهوله الطريق وحسن الرفيق على التحقيق، وكثره الزادووقوع الامداد من رب العباد... واياك واهل البطاله والتكاسل والجهاله والمقلدين للاموات المتكلين على الاصوات، فانهم اعوان الشيطان الرجيم واعداء الرحمن الرحيم).

ومن جهه اخرى يوكد على اتباع آثار السلف الصالح، والاقتداء بانوارهم واستدلالهم فى الاحكام الشرعيه، فيقول فى آخره:

(لعلك تهتدى بهداهم بسلوكك ما سلكوه وادراكك ما ادركوه فتكون معهم من الذين جاهدوا فى سبيل الله، وبذلوا انفسهم فى مرضاه الله، وحق فيهم قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينالنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين)).

وصف الكتاب العلامه الطهرانى فى الذريعه بقوله: (... فى كيفيه الاجتهاد والاستدلال على الاحكام الشرعيه الفرعيه، واخذها من الادله الاصوليه التفصيليه، وما يلزم ذلك من الشروط والاسباب مرتبا على مقدمه واربعه فصوص وخاتمه.

فالمقدمه: فى معنى الاجتهاد ووجه الحاجه اليه.

والفص الاول: فى العلوم الاثنى عشر الموقوف عليها الاجتهاد:

وهى اللغه، الصرف، النحو، المنطق،الكلام، الاصول، التفسير، الحديث، الرجال، المعانى، الفقه، الوفاق والخلاف.

والفص الثانى: فى الادله الشرعيه الاربعه: الكتاب والسنه والاجماع والعقل بطرقه الخمسه: الاستصحاب والبراءه ومفهوم الموافقه والعله المنصوصه واتحاد طريق المسالتين.

والفص الثالث: فى كيفيه الاجتهاد والاستدلال، وترتيب الادله وترجيح بعضها عند المعارضه، وما يقع فيه الاجتهاد وما لا يقع، مثل الاعتقادات والاتفاقيات التى دلت عليها ظواهر الكتاب او السنه النبويه اوالاماميه او غيرها من الامارات...)((296)).

والكتاب يقع فى 73 صفحه، طول كل صفحه 18 سم، وعرضها 5/7 سم، وعدد الاسطر فى كل صفحه 9 اسطر.

وهى نسخه جيده الخط، قليله التصحيف، واضحه.

والكتاب على وجازته غنى فى موضوعه، دقيق فى اسلوبه، مفيد فى غايته.

وقد عمدنا الى اخراجه بما هو عليه مع اضافه بعض التعليقات واستخراج ما تيسر من النصوص،وجعل عناوين للفصول بين معقوفين للدلاله على انها مضافه منا، كما واثبتنا فى الهوامش الكلمات التى وجدناها مكتوبه فى هامش المخطوطه بقولنا:

(فى نسخه)، والمراد منها (نسخه بدل) المثبته فى هوامش المخطوطه.

رحم الله المولف برحمته الواسعه، ووفق سيدنا الاستاذ العلامه السيد محمد حسين الجلالى الذى ساهم فى احياء هذا الاثر باستخراجه من خبايا المكتبات الغربيه واتحافنا بنسخه منه.

ونسال الله لجميع العاملين فى خدمه التراث الاسلامى كل خير.

عمده الاعتماد فى كيفيه الاجتهاد

للشيخ مهذب الدين احمد بن عبدالرضا البصرى الميبدى

كان حيا سنه 1085ه

بسم الله الرحمن الرحيم

احمدك يا من من علينا بالتوفيق للهدايه الى سوآء الطريق، واصلى على من ارسلته بالبرهان العظيم والسلطان القويم، وعلى آله مفاتيح ابواب الكتاب ومصابيح اسباب الصواب ما ردت الفروع الى الاصول، وترتبت العلوم على العقول.

اما بعد، فيقول الجانى الراجى عفو ربه العفو والرضى، احوج خليقته اليه المشتهر بمهذب الدين احمد بن عبد الرضا وفقه الله للدليل الاوضح على المدلول الارجح: قد اتفق حصول قليل الانصاف عديم الوفاء فى البلده الموسومه بكابل سنه العين المتوجه والفاء «1080ه»،فالتمس منى بعض من لاحت على صفحات وجهه انوار((297)) العلم والكمال ان املى له رساله وجيزه فى كيفيه الاجتهاد والاستدلال على الاحكام الشرعيه الفرعيه واخذها من الادله الاصوليه التفصيليه، وما يلزم ذلك من الشروط والاسباب والماخذ والانتساب، فاجبته لوجوبها ابتغاء لمطلوبها، وسميتها: (عمده الاعتماد فى كيفيه الاجتهاد) ورتبتها على مقدمه واربعه فصوص وخاتمه.

« المقدمه »

اما المقدمه: ففى الاجتهاد والاحتياج اليه.

اما الاجتهاد لغه، فهو عباره عن استفراغ الوسع فى تحصيل الشى ء الذى فيه مشقه وكلفه.

واصطلاحا: فهو عباره عن ملكه يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعى الفرعى من الاصل فعلا او قوه قريبه منه.

او استفراغ الوسع فى طلب الظن بشى ء من الاحكام الشرعيه الفرعيه بحيث ينتفى عنه اللوم بسبب التقصير.

او استفراغ الفقيه الوسع فى تحصيل الظن بحكم شرعى.

والمجتهد: من قامت به تلك القوه القدسيه التى يوتيها الله من يشاء من عباده المجاهدين الصالحين على وفق حكمته، يرد بها الفرع الى الاصل ويرجح الدليل فى مقام((298)) التعارض، بان يكون فطنا ذكيا قوى الادراك فى مراعاه اجزاء القياس وشرائط الجمع((299))، لئلا يعرضه الخطا، وهى العمده فى هذا الباب العظيم والمدخل الجسيم. ومن لم يكن له تلك القوه لا يكون مجتهدا وان تكمل فى غيرها من العلوم والاسباب والماخذ، فاذا كان كذلك وجب ترافع الرعيه اليه وتقليده والاعتماد عليه، للاخبار الصحيحه والاثار الصريحه. وسياتى باقى الشرائط والصفات ان شاء الله تعالى.

واما الاحتياج اليه، فلان الله سبحانه كلف العباد بالاحكام الشرعيه ليفوزوا بالسعاده الابديه، ولما كان ذلك يتوقف على هاد يهديهم اليه ومفيديرشدهم عليه، وكان سبحانه وتعالى مجردا منزها عن ان تدركه الابصار او العقول والاوهام والافكار((300))، استحالت استفادتهم منه بغير واسطه قدسيه بشريه ذى قدره على الاستفاده من الذات السبحانيه بالوحى، لطهاره نفسه الزكيه الملكيه. وعلى الافاده لمن شاركه بنوع الانسانيه. وهو النبى صلى الله عليه وآله وابهج نهج الدين بنور كماله. ولما كان المبلغ على الاطلاق لا يجب بقاوه ببقاء المكلفين بالاتفاق، وجب فى الحكمه على الخبير اللطيف نصب قائم بعده حافظ لجميع افراد التكليف، وهو الامام المعصوم عليه صلوات الحى القيوم، ولما كان الامام فى الانتقال كرسول الملك المتعال. او كان كل منها عليهما صلوات البارى لا يسعهما ايصال جميع الاوامر والنواهى الى جميع افراد نوع الانسان، لكثرتهم وانتشارهم فى البلدان، احتيج الى نصب نائب لتبليغ الاحكام وتبيين الحلال من الحرام، ذى فكر قويم وطبع مستقيم، وقدره استعداد على افاده المرادباستنباط الاحكام الشرعيه الفرعيه من الادله المحفوظه الاصوليه، لتعذر الرجوع فى الاحكام المتجدده والحوادث المتبدده التى لم تكن منصوصه فى الكتاب المبين ولا فى سنه الرسول الامين فى عرصات الزمان وجوزات البلدان وساحات الامكان الى المعصوم من النبى المصطفى والامام المرتضى مع احتياج المكلف الى ذلك الحكم الضرورى الشريف فى ذلك الوقت للعمل به امتثالا للخبير((301)) اللطيف، فانحصر الامر فى الاستدلال والاجتهاد، تحصيلا للمطلب والمراد من صلاح احوال العباد الى انتهاء زمان التكليف والعباده، اعنى يوم الشقاوه والسعاده.

فوجود المجتهد من ضروريات الدين كما اجمع عليه اصحاب العلم واليقين، وان كان وجوب الاجتهاد على الكفايه عند اكثر العلماء اعلام الهدايه،وللافتقار اليه وجوه كثيره ودلائل خطيره، وما ذكرنا كافيا فى المطلوب((302)) وشافيا، لكن يعجبنى ان انقل بعض ما ورد من الايات الكريمه والدلالات المستقيمه فى ذم ترك الاجتهاد والاستدلال فى تكاليف الملك المتعال، كقوله تعالى: (انا وجدنا آباءنا على امه وانا على آثارهم مقتدون)((303)).

وقوله على جهه الاستفهام التوبيخى: (اصلواتك تامرك ان نترك ما يعبد آباونا)((304)).

وقوله: (انا اطعنا ساداتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا)((305)).

وقال سبحانه فى طلب الدين بالدليل المبين: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)((306)).

وبعض ما ورد من الاخبار عن النبى المختار وآله الاطهار فى الحث عليهما والتوجه بالكليه اليهما، فقد روى اهل الوفاق والخلاف عن النبى سيد الاشراف انه قال: (على الحاكم ان يجتهد فى الحكم الحادث، فان اصاب فله اجره، وان اخطا فلا اثم عليه)((307)).

وعنه عليه وآله السلام والتحيه البالغه والاكرام: (اذا اجتهد الحاكم فاخطا فله اجر، وان اصاب فله اجران)((308)) وقد قرره صلى الله عليه وآله وابهج نهج الدين بنور كماله فى خبر معاذ، فانه «لما» بعثه الى بلاد اليمن قاضيا، قال له: (بما تحكم يا معاذ؟ فقال: بكتاب الله. قال:فان لم تجد؟ قال: بسنه رسول الله.

قال: فان لم تجد؟ قال: اجتهد رايى. فقال النبى صلى الله عليه وآله وابهج نهج الدين بنور جماله: الحمد للهالذى وفق رسول رسول الله لاجتهاد الراى)((309)).

وقرره الامامان الصادقان حجتا الخالق محمد بن على الباقر وجعفر بن محمد الصادق عليهما صلوات رب المغارب والمشارق، فيما رواه زراره وابو بصير عنهما،رضى الله عنهما من قولهما: (علينا ان نلقى اليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا)((310))، فاوجبا علينا التفريع على الاصول واستخراج الاحكام الفرعيه منهاعلى المنقول، وهذا هو الاجتهاد والاستدلال والمراد.

«الفص الاول: فيما يتوقف عليه الاجتهاد»

واما الفص الاول: ففيما يتوقف عليه الاجتهاد فى الاحكام الشرعيه من العلوم.

وهى اثنا عشر: اللغه، والصرف، والنحو، والمنطق، والكلام، والاصول، والتفسير، والحديث، والرجال، والمعانى، والفقه، والوفاق والخلاف.

اما اللغه: فلان اكثر الادله المعتبره التى يستدل بها على الاحكام ماخوذه من كتاب الله وسنه رسول الله، وهما لغويان، باللغه العربيه، فلا بد للمجتهدالمستدل من معرفتها للاطلاع على معانيهما، ويكفى منها ما يتعلق بلغه آيات القرآن الكريم والحديث المستقيم.

واما الصرف: فلان المعانى تختلف باختلاف احوال اللفظ وما يعرضه من الصفات كالمضى والحال والاستقبال، والخطاب والغيبه والتكلم، والوحده والتثنيه والجمع، الى غير ذلك منها، فلا بد له من معرفته، احترازا من اختلافها الموجب لاختلاف ما يتعلق بها من الاحكام، ويكفى منه ما يتعلق بالنيرين المذكورين لاغير.

واما النحو: فلان معانى كلام العرب تختلف باختلاف الاعراب من الرفع والنصب والخفض والجزم الى غير ذلك من الاحوال، فلا بد له من معرفته ليامن بها من الغلط، ويكفى منه ما يتعلق بهما لا غير.

واما المنطق: فلان المجتهد يستنبط الاحكام من الادله المعتبره بطريق النظر، فلا بد له من معرفته ليميز بين الصحيح من الفاسد، ويكفى منه المعرفه بدلالات الالفاظ والكليات الخمس والحد والرسم والقضايا والاقيسه والاشكال الاربعه وشرائطها وكيفيه ترتيب البرهان لتصح النتيجه ويامن من الخطا.

واما الكلام: فلانه هو الباحث عن معرفه الله عز وجل وصفاته الثبوتيه والسلبيه، ونبوه نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وامامه الائمه اوصيائه عليهم السلام، ووجوب التكليف، واللطف، الى غير ذلك من الاحكام العقليه، فلا بد له من معرفته ليبنى عليه الاحكام الشرعيه، لانه اصلها، ويكفى منه معرفه الله تعالى وتوحيده وعدله والنبوه والامامه والمعاد وعصمه الانبياء والاوصياء عليهم السلام او ما يلحق ذلك من المسائل الضروريه بالاستدلال على الجميع بالدلائل القاطعه والبراهين اللامعه.

والاقوى انه ليس من شرائط الاجتهاد والاستدلال، بل هو من اعظم شرائط الايمان والاعتدال.

واما الاصول: فلانه هو الباحث عن الادله وكيفيه الاستدلال واحكام الكتاب والسنه: من الامر والنهى، والوجوب والحرمه والندب والكراهه والاباحه،والعموم والخصوص، والتقييد والاطلاق، والبيان والاجمال، والنص والظاهر، والماول والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والحقيقه والمجاز، والحسن والقبح، الى غير ذلك من القواعد المقرره فى محلها، فلا بد له من ضبطه غايه الضبط، ويكفى فيه ما يعرف به الادله واحوالها ويجهد به فانه اهم العلوم له.

واما التفسير: فلان اكثر الاحكام انما توخذ من كتاب الملك العلام كما عرفت، وهو قد اشتمل على ظواهر انيقه وبواطن عميقه ومحامل دقيقه الى غير ذلك من الاحوال المقرره فى التفسير، فلا بد له من الاطلاع التام عليه واسناد القريحه بالكليه اليه، ويكفى منه ما يتعلق بايات الاحكام خاصه،وهى نحو من خمسمئه آيه، ولا يجب علمه بالكتاب اجمع ولا حفظ هذه الايات ولا تفسيرها، بل انما الواجب كونه قادرا على الرجوع اليها، عارفابمواضعها آخذا بالمحكم منها ولو بالرجوع الى اصل مصحح مضبوط.

واما الحديث: فلانه من اعظم الاصول، فلا بد له من الاطلاع عليه والعلم بماخذه والبحث عن غوامضه والتفحص عن سوارده((311))، ليعرف احواله كماينبغى من المتواتر والاحاد، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، الى غير ذلك منها، ويكفى منه ما يتعلق بالاحكام خاصه، لا ما يتعلق بالمواعظ والاداب والقصص واحوال الاخره، فانه لا مدخل له فى الاجتهاد.

واما الرجال: فلانه الباحث عن احوال الناقلين لهذه الاحاديث والاخبار عن النبى وآله الاطهار على تطاول الازمنه خلفا عن سلف الى ان وصلت الينا تواترااو آحادا، فلا بد له من الاطلاع عليه والتفحص عنه بقدر الطاقه ليعرف احوالهم من الجرح والتعديل حتى يتمكن به من التمييز بين الصحيح والحسن والموثق والضعيف، ويكفى منه ذلك المقدار بالرجوع الى اقوال السلف الصالح فى مصنفاتهم، لكن لا بد من الاطلاع على اختلافهم فى احوالهم والنظرفى مستند الجرح والتعديل عند اختلافهم فيها احتياطا لازما، ولا يجب عليه حفظ اسمائهم ولا صفاتهم ولا معرفه انسابهم وبلدانهم وتواريخهم.

اما المعانى والبيان: فلانه هو الباحث عن الفصاحه والبلاغه، فلا بد له من معرفته ليعرف قدرا مما فى النيرين الاعظمين منها، لفوائد عظيمه وعوائد جسيمه لا بد له منها، ويكفى منه ما يتعلق بالايات والاحاديث الاحكاميه خاصه.

واما الفقه: فلانه طريق جيد معين على الوصول الى الاجتهاد، فمن لا فروع له لا اصول له، فلا بد له من الاطلاع عليه ليكون عارفا بمطلبه الذى يريد الاستدلال عليه بالطريق الاجمالى، لاستحاله طلب المجهول المطلق، وليس الفقه شرطا للاجتهاد، والا لزم الدور، ويكفى منه الانس بلسان الفقهاء وتصور مطالبه اجمالا.

واما العلم بالوفاق والخلاف: فلانه لولاه لم يامن المجتهد ان يخالف الاجماع فى فتواه ويقع فى الخطا وبلواه، فلا بد له من الاطلاع عليه بقدرالطاقه، لاحتياجه اليه فى الاستدلال غايه الاحتياج، ويكفى منه مقدار ان كل مساله يفتى فيها يعلم ان فتواه ليست مخالفه للاجماع، اما بان يعلم انها موافقه مذهب ذى مذهب، او يعلم انها واقعه متولده فى العصر لم يكن للاجماع واهله فيها خوض. ولا يجب عليه معرفه كل مساله اجمع عليها اهل الاجماع و((312)) اختلفوا فيها.

«الفص الثانى: فى الادله »

واما الفص الثانى: ففى الادله، وهى اربعه: الكتاب، والسنه، والاجماع، ودليل العقل.

واما القياس فليس من مذهبنا.

اما الكتاب: فهو الكلام المنزل للاعجاز بسوره، او ما نقل بين دفتى المصحف متواترا، او ما لا تصح الصلاه بدون تلاوه بعضه، او كلام بعض نوعه معجزا، اوكلام يحرم على المكلف مس خطه محدثا.

وهو الدليل القاطع والبرهان اللامع، والمستمسك الاعظم، والطريق الاتم، واصل سائر الاحكام، وهدى لجميع الانام، المتضمن من التحدى والاعجاز ما لواجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بسوره من مثله لتفشل امرهم وقد مر عمرهم((313)). ويستدل منه على اصول الاحكام وفروعها بالنص والظاهر والمنطوق والفحوى والتنبيه والخطاب، الى غير ذلك.

واما السنه: فهى قول النبى صلى الله عليه وآله او فعله او تقريره غير قرآن ولا عادى.

وقد يحد مطلقها بانها كلام يحكى قول المعصوم او حكايه قوله او فعله او تقريره.

واما ما لا ينتهى الى المعصوم فليس بحديث عندنا.

وهى الدليل المتين، والنور المبين، والطريقه الواضحه، والحجه الراجحه المشتمله على اكثر احكام الدين ومهمات العلم واليقين، ويستدل منها بما يستدل منه.

واما الاجماع، فهو اجتماع روساء الدين من امه محمد سيد المرسلين فى عصر على امر، وهو الدليل القوى، والطريق السوى، والبرهان الناسخ، والسلطان الراسخ، حجيته عندنا لكشفه من((314)) دخول المعصوم فيه، لا لانضمام اقوال غيره الى قوله، فلا بد له من الرجوع اليه والاعتماد عليه، وخرقه غيرجائز عقلا ونقلا، والمنقول منه بخبر الواحد حجه ايضا على الاصح.

واما دليل العقل، فمنحصر عندنا فى خمسه:

الاول - الاستصحاب: وهو الحكم على وجود الشى ء او عدمه فى الحال للعلم بوجوده او عدمه فى الماضى، فيقال: الاصل بقاء ما كان على ما كان حتى يعلم المزيل.

الثانى - البراءه الاصليه، فيقال: الاصل براءه ذمه المكلف من جميع الاحكام حتى يتحقق دليل خلافها، وهى حجه قائمه وان اختصت بنفى الحكم دون اثباته.

الثالث - مفهوم الموافقه: وهو ان يكون الحكم فى المسكوت عنه اولى، نحو قوله تعالى: (ولا تقل لهما اف)((315)) فى الدلاله على تحريم الضرب.

الرابع - التفريع: وهو «فى » المنصوص على((316)) علته، كقوله: (من اجل انه اذا جف نقص)((317))، فاذا وجدت العله فى غير المحل ثبت الحكم.

الخامس - اتحاد طريق المسالتين: وهو تعليق الحكم على وصف وهو سبب التحريم، فيتعدى الى كل محل يوجد فيه ذلك الوصف، كالحكم بتحريم ذات البعل المزنى بها لتحريم المعتده للرجعيه((318)) مع الزنا بها، للنص على انها بحكم المزوجه فالمزوجه اولى.

وهذه الثلاثه ليست من القياس، بل هى فى حكم المنصوص، لروايه زراره وابى بصير عن الباقر والصادق عليهما السلام والتحيه والاكرام، انهما قالا: (علينا ان نلقى اليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا)((319)) ولانه لو كانت منه لماعمل بها مانع القياس، وقد ثبت انها عندنا حجج قويمه ودلائل مستقيمه.

«الفص الثالث: فى كيفيه الاجتهاد»

واما الفص الثالث: ففى كيفيه الاجتهاد والاستدلال وترتيب هذه الادله حالته، وترجيح بعضها على بعض عند التعارض، وما يقع فيه الاجتهاد وما لا يقع.

فنقول: اذا نزلت الحادثه بالمستدل واراد ان يجتهد فى مساله شرعيه فرعيه، رجع فى حكمها اولا الى الكتاب الكريم والصراط المستقيم، فياخذه منه نصا او ظاهرا او منطوقا او فحوى او غير ذلك من دلالاته المقرره.

فان لم يجده فى شى ء منه او تعسر عليه معرفته منه تعسرا شديدا بحيث لايطيقه مثله، رجع فيه الى السنه السنيه والطريق البهيه من النبويه والاماميه، فياخذه منها كما مر فى الاول.

فان لم يجده فى شى ء منها او تعسر عليه معرفته منها كذلك، رجع فيها الى اجماع الامه او الفرقه المحقه خاصه، فمتى تحقق عنده اجماعهم عليه جزم بذلك واخذه منهم، ولا يجوزله خرقه والتجاوز عنه، ولا يحتاج فيه الى البحث والتفتيش عن حججهم وادلتهم.

ويعرف اجماعهم: اما بالتواتر، او الاشتهار المفيدان للعلم او متاخمه، او بكثره الفحص عن اقاويلهم فيه، او بنقل اتفاقهم عليه عن احد العلماءالموثوق بقوله بطريق صحيح لا يشوبه خدش، وذلك هو الاجماع المنقول بخبر الواحد، وهو حجه كما قرر فى محله.

وان وجدهم مختلفين فى حكمها ولا مساواه، رجع فيه الى الاشهر او المشهور او ما عمل به الاكثر وجزم به واخذه منه.

ومع التساوى فى الشهره والكثره، رجع فيه الى ادله العقل الشريف والجوهر اللطيف، فيرجع - اولا - الى الاستصحاب، فان وجده فيه على الشرائطالمعتبره والقواعد المقرره جزم به واخذه، والا فالى البراءه الاصليه، فان وجده فيه كذلك فكذلك، والا فالى مفهوم الموافقه كذلك، ثم الى التفريع،ثم اتحاد طريق المسالتين.

وليس له الانتقال الى المتاخر منها الا مع تعذر المتقدم.

هذا كله مع عدم تعارضها وانتفاء تناقضها.

واما التعارض، فالرجوع الى احكام الترجيح، ولا بد له من مراعاتها وضبطها، والمحافظه عليها، والممارسه فيها، والتامل فى كيفيه الترجيحات ولوازمها،والتحرز عن الغلط والخطا، فان اكثر اتيانهما انما هو من هذا الباب العظيم والامر الجسيم، فعليك بالاطلاع عليه غايه الاطلاع والانتفاع به نهايه الانتفاع.

والترجيح - لغه - : عباره عن جعل الشى ء راجحا، واصطلاحا:

تقديم اماره على اخرى فى العمل بموداها من الحكم، او اقران الاماره بما يقوى به على معارضها، وهو انما يكون فى النقليين اما بالسند او المتن المدلول او الخارج.

فالسند يرجح بكثره الرواه((320)) وعلو الاسناد((321)) وزياده الثقه والفقاهه والعربيه((322)) والفطنه والضبط والجزم والورع والمباشره((323)) والمشافهه((324))والقرب((325)) وكثره المزكين واعدليتهم واعلميتهم بالرجال ومخالطه العلماء، والتحمل بالغا، وتوثيق الاكثر او الكثير او الثقه او الاوثق وعدم الالتباس بضعيف او ملتبس.

والمتن بالمسند على المرسل دون العكس خلافا لابان((326))، والمقروء على المسموع، والمسموع من المعصوم على المشتبه به او بغيره، والموكد على العارى، والفصيح على غيره لا الافصح عليه، خلافا لبعضهم((327))، والمنطوق على المفهوم، ومفهوم الموافقه على مخالفه، دون العكس، خلافا للامدى((328))،والحقيقه على المجاز، واقربه على ابعده، واقله على اكثره، والاشهر علاقه على ضده، والمجاز على المشترك - والعكس معكوس - ، والخاص على العام،وغير المخصص عليه دون العكس، خلافا لبعض، والاقتضاء على الاشاره والايماء والمفهوم، ومتضمن التعليل على عديمه، والمنقول بلفظه على المنقول بمعناه، والعام المخصص على الخاص الماول، وهو على العام الماول، والمطلق على العام، والمقيد على المطلق والمقيد من وجه دون آخر،والعام المتفق على عمومه عليه مختلفا فيه، وما فيه الخلاف اضعف على ما فيه الخلاف اقوى، وما مدلوله نهى على ما مدلوله امر، وصيغه الشرط الصريح على صيغه النكره الواقعه فى سياق النفى، والمقترن بالتهديد على عديمه، والدال بالوضع الشرعى او العرفى على الدال بالوضع اللغوى، والدال من وجهين على الدال من وجه واحد، والدال على علو شان الرسول عليه السلام على ما ليس كذلك، والمدلول بالاثبات على النفى، دون التساوى على الاصح، والتحريم على الاباحه دون العكس، ولا التساوى، خلافا لبعضهم، وما تضمن درء الحد على الموجب، والعتق على عدمه،والناقل على المقرر على الاقوى، والخارج بالتقوى بغيره على عديمه، وما عاضده اظهر او اكثر «على غيره »((329))، وما عمل به الاعلمون على ما علم به العالمون،ومذكور سبب الورود فيه «على »((330)) عديمه، وما دليل تاويله ارجح «على غيره »((331))، وما خالف عليه من خالفنا على ماوافقه.

وقد تتركب الترجيحات مثنى وثلاث فصاعدا، فعليك منها بالاقوى والاحتياط فى الفتوى.

تكمله فيها تكرمه

الخبر: اما متواتر، وهو خبر جماعه يفيد بنفسه القطع بصدقه، وشرط حصوله بلوغ رواته فى كل طبقه حدا يومن معه تواطوهم على الكذب،وحصر اقلهم فى عده غير مقبول.

واما آحاد، وهو ما لا يفيد بنفسه الا ظنا وقد يفيد العلم بانضمام القرائن اليه.

وينقسم الى : مسند، ومنقطع، ومتصل، ومستفيض، ومشهور، ومعنعن، ومقبول، ومعلل، ومسلسل، ومضمر، وغريب، وشاذ، ومدرج، ومصحف، وعال،ومزيد، ومختلف، وناسخ ومنسوخ، ومقلوب، ومضطرب، ومدلس، وموضوع، ومتفق، ومفترق((332))، ومختلف وموتلف((333))، ومتشابه، وروايه الاقران،وروايه الاكابر، الى غير ذلك من اقسامه المذكوره فى محالها، وقداستوفينا هذا الباب وما يتعلق به فى رسالتينا (التحفه العزيزه) فى الاصول، و(المقنعه) فى الدرايه، فمن شاء الاستيفاء فليرجع الى هناك.

ثم سلسله السند، اما اماميون ممدوحون بالتوثيق فى كل طبقه، فصحيح، وان اعتراه شذوذا.

واما اماميون ممدوحون بدونه - كلا او بعضا - مع توثيق الباقى، فحسن.

او مسكوت عن مدحهم وذمهم كذلك، فقوى.

او غير اماميين - كلا او بعضا - مع توثيق الجميع، فموثق وقوى ايضا.

وما سواها فضعيف، فان اشتهر العمل بمضمونه فمقبول، والا فغيره.

وقد يطلق الضعيف على القوى بمعنييه.

وقد ينتظم المرسل فى الصحيح كمراسيل ابن ابى عمير وان روى عن غير ثقه بشروط اربعه:

«اولها»: ان يكون الراوى ارسله مره واسنده اخرى.

ثانيها: ان يكون ارسله واحد واسنده آخر.

ثالثها: ان يعتضد باحد الادله، او بعمل الطائفه او اكثرهم، او اشتهاره بينهم.

رابعها: ان يكون الراوى المرسل علم من حاله انه لا يرسل الا عن الثقات العدول.

فالمتواترات قطعيه الصدق والقبول فى العلم والعمل، والاحاد ظنيتهما فيهما، وقد عمل بها المتاخرون رضوان الله عليهم، وردها السيد المرتضى رضى الله عنه واكثر المتقدمين، والعمل اولى، ومع القرينه المفيده للعلم فكالمتواترات.

والصحاح لا شبهه فى قبولها ووجوب العمل بها، والحسان كالصحاح عند بعض وعند آخرين بشرط الاخبار باشتهار عمل الاصحاب بها كالموثقات وغيرها.

واما الصفات، فقد عمل الاصحاب بها فى السنن والمستحبات، وهو جيد جدا، لان العمل عندنا ليس بها فى الحقيقه، بل بالحسنه المشهوره المقبوله المرويه عن الامام ابى عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام والتحيه والاكرام، وهى:

(من سمع شيئا من الثواب على شى ء فصنعه، كان له اجره وان لم يكن على ما بلغه)((334)).

واعتضدت بعده اخبار وجمله آثار، ولا يثبت بها شى ء من الاحكام الخمسه سوى الاستحباب، لما عرفت.

فنقول: اذا توجه المستدل الى السنه المستقيمه والسكه القويمه نظر فى المتواتر منها ثم الصحيح، فان وجد حكم الحادثه فى شى ء منهما اخذه وعمل به ان لم يعارض بمثله، والا رجع الى احكام التراجيح كما مر.

وان لم يجده، رجع الى الحسن، فان وجده فيه ولا معارض مثله اخذه وعمل به، والا رجع الى احكام التراجيح كذلك.

فان لم يجده فيه رجع الى الموثق، فان وجده فيه ولا معارض مثله اخذه وعمل به، والا رجع الى احكام الترجيحات كذلك، فياخذ ما ترجح بشى ء منها ويعمل به.

وعليك بالمراعاه الى الغايه، وبالتامل الى النهايه، واتق الخطا فى الفتوى، فانه عين البلوى، واعلم ان الاجتهاد والاستدلال انما يقع فى حكم المساله التى اختلف فيها آراء العلماء المجتهدين، والفضلاء روساء الدين، فتعددت آراوهم بها وتكثرت مذاهبهم لاجلها، او الواقعه الحادثه المتولده فى العصر لم يكن لاحد منهم فيها خوض، واما ما عدا ذلك من الاحكام الشرعيه والمسائل الفرعيه فليس محلا للاجتهاد، ولا مناطا للاستدلال، كما لو دل عليه الكتاب الاكرم والنور الاعظم، والسنه اللامعه والحجه القاطعه نبويه كانت او اماميه، بالنص او الظاهر اوالمنطوق او الفحوى او غير ذلك من الدلالات والامارات، فيتلقى ذلك الحكم من غير بحث واجتهاد، فياخذه من تلك الايه الكريمه او الروايه العظيمه بالمطالعه فى تفسيرها وما ذكر لها من الاقوال والمعانى والوجوه والتاويلات بنظر عميق ودرك دقيق، فيرجح منها ما رجحه رايه بالمرجح، فيقدم ما هو اقرب الى الحقيقه الشرعيه، فان تعذرت فالحقيقه العرفيه بالعرف العام، ثم بالعرف الخاص، ثم الحقيقه اللغويه، ثم المجاز ويعتمد اقربه، فان تعذرفالبعيد، ثم المشترك... الى غير ذلك من العوارض كما تقرر.

ويتصفح ما فيها من النص والظاهر والتاويل والعموم والخصوص والاطلاق والتقييد والناسخ والمنسوخ الى غير ذلك تصفحا حقيقيا، ويتامل فيهاتاملا دقيقا، ولو ظهر له فيها معنى مغاير لمعانيهم او تفسير مغاير لتفاسيرهم او احتمل بنظره احتمال هو اقرب اليها مما ذكروه من احتمالاتهم، فان كانا يستلزمان لرفع ما هم عليه فيها او بعضه وجب عليه الرجوع الى ما هم عليه، ولا يجوز له العمل بما اداه نظره اليه، والا فالجواز، فان القرآن بحرلا تفنى عجائبه ولا تنقضى غرائبه، وكذلك السنه الشريفه.

وكما لو اثبته الاجماع العظيم والطريق المستقيم - سواء كان من مجموع الامه او من الفرقه المحقه خاصه - فانه يجب عليه الرجوع اليه واخذه منه من غير تفحص ونظر فى دليل اجماعهم، لكن لا بد له من تحقيقه وتصحيح حصوله على حكم تلك المساله بالبحث والتفتيش فى مصنفاتهم والاطلاع على اقوالهم وفتاويهم، او بالتواتر والاشتهار ونحو ذلك حتى يحصل له به ظن متاخم للعلم فيجزم، وللعامى ان يرجع اليه اذا حققه، ولا يحتاج فى المجمع عليه الى المفتى المجتهد ولو بالرجوع الى المتداول المعروف من الكتب الفقهيه التى هى لاصحابنا رضوان الله عليهم لا غير.

ثم نقول: ان الحادثه التى تعرض للمجتهد ويريد البحث عن حكمها، فاما ان تكون من الحوادث التى فى اصول الشريعه وبحث عنها الفقهاء الكرام والمجتهدين الاعلام، او من بعض الفروع التى فرعها بعضهم على تلك الاصول المضبوطه، او لم تكن من ذلك، بل حادثه مختصه الوقوع بزمانه والتولد فى عصره واوانه.

فان كانت الاولى: وجب عليه النظر بالفكره التامه المستجمعه للشرائط المعروفه فى آرائهم ومذاهبهم فى حكمها، وادلتهم المعارضه وحججهم المتناقضه واماراتهم الموجبه لكل واحد منهم - رضوان الله عليهم - الرجوع الى ما اقتضاه رايه واجتهاده فيه، والتامل الكامل فى ما اورد بعضهم على بعض من الايرادات والاعتراضات والاجوبه والاسئله، الى غير ذلك من الامور.

فان اداه نظره الى قوه احد تلك الدلائل والامارات ورجحه بالدليل الصحيح، واثبته بالمرجح الصريح، عمل بما اداه نظره اليه، وكان اجتهاده اجتهادا موافقالاجتهاد ذلك القائل السالف، والا بل اداه نظره ورايه الى حكمها غير ما ذكروه وان دلائلهم مخدوشه بدليل قاطع وبرهان لامع، رجع الى ما اداه رايه اليه وعمل به، وترك اقوالهم فيه.

وان لم يتمكن من استنباطه بوجه من الوجوه بل تعذر عليه او تعسر جدا لديه، لعدم حصول المرجح او بعض اسباب، وجب عليه الوقف فيه،والمراجعه والممارسه والتامل الصائب بالفكر الثاقب حتى يتمكن من ذلك بحصول اسبابه، وذلك حد ما كلف به جزاه الله عن الاسلام واهله خيرا.

وان كانت الثانيه: وجب عليه البحث والتفحص عن كيفيه استنباط حكمها، وعن دليله على((335)) كونه راجعا الى ذلك الاصل رجوعا كاملا، فان عرفه نظر فيه بالنظر الصحيح وتامل فيه بالتامل الصريح، فان وافق نظره اجتهاد المجتهد السالف فيه رجع اليه واخذه منه وعمل به، والا بل ظهر له ان فى اجتهاده خلل او خدش، اما فى كيفيه الاستنباط، او الترجيح، او رد الفرع الى اصله او دليله، او غير ذلك من الشروط والاسباب والماخذ، رجع الى رايه فيه واستنبطه بطريق آخر من ذلك الاصل او غيره من الاصول بدليل ارجح وبرهان اوضح.

وان قصرت معرفته عن معرفته اصلا، وجهل كلا من قوته وضعفه، وجب عليه الوقف فى الحكم حتى يظهر له دليل بالغ وبرهان دامغ فيعمل سواء((336)) بمقتضاه، سواء وافق السالف رحمه الله ام خالفه.

وان كانت الثالثه: نظر فى حكمها، فان وجده مماثلا لبعض مسائل اصول الشريعه او لبعض فروع اهل الاجتهاد رحمهم الله، او كان جزئيا مندرجا تحت احكامهم العليه وضوابطهم الكليه، رجع فيه الى ما قرروه وقررناه آنفا وذكرنا سالفا، والا فالنظر((337)) الصائب فى استخراجه والفكر الثاقب فى استنباطه فيراعى فيه الاصول الشريفه ويرده الى بعضها باحدى الدلالات الصحيحه والامارات الصريحه، وهذا محل اجتهاده الخاص، وهو اشق مراتبه واصعب مراكبه.

ومع التعارض فالرجوع به الى احكام التراجيح المقرره، فان ظهر له مرجح فذاك والا وقف الى ظهوره.

وكذا يجب الوقوف فيما لو تعذر عليه معرفه الاصل الذى يرده اليه، او تعسر عليه جدا الى زوال المانع فيعمل.

كمال فيه جمال

لا يجب على المجتهد تكرر((338)) النظر بتكرر القضيه الواحده، سواء كان مستحضرا للنظر الاول ام لا، بل يستصحب الحكم، اللهم الا اذا مضى له زمان زادت فيه قوه الاستنباط بكثره الممارسه والاطلاع، فان وجوبه عليه ليس ببعيد.

والمتجزى - وهو من له ملكه الاستنباط والترجيح فى بعض المسائل دون بعض -يقلد فيما لم يتجز فيه اذا ضاق وقته او عجز عن الاجتهاد فيه، لا فيما ظهر له دليله، فانه لا يجوز له التقليد فيه.

والمجتهد فى الكل نادر، بل المراد به فى كل الاكثر((339))، وهو المطلق والمتبوع على الاطلاق والمقتدى بالاتفاق، بل اذا نظرت بعين البصيره والفكره المنيره رايت اكثر المجتهدين متجزين، وان قلت: كلهم ايضا، فليس ببعيد، لان احاطه الملكه بجميع الاحكام ولو تهيوا قريبا متعذر.

وهذا كيفيه الاجتهاد والاستدلال وتصرف المجتهد فى احكام الملك المتعال.

«الفص الرابع: فى المجتهد والمقلد واحكامها»

واما الفص الرابع: ففى المجتهد والمقلد وما يتعلق بهما من الاحكام والشروط.

قد عرفت فيما تقدم ان المجتهد هو كل من اتقن هذه العلوم الشريفه، وعرف كيفيه سلوك هذه المسالك اللطيفه، وكان له تلك القوه القدسيه التى يقتدر بها على استنباط الاحكام الشرعيه الفرعيه عن ادلتها التفصيليه فعلا او قوه قريبه منه، فاعرف - ايضا - ان الواقعه ان اختصت به لم يشترط فيه الا علمه بكيفيه ماخذها كما مر، فياخذ حكمها بالاستدلال ويعمل به، وليس له الرجوع فيه الى قول غيره وان كان اعلم منه - حيا كان او ميتا -، لقدرته على تحصيله بطريق العلم، والتقليد لا يفيده اجماعا، لانه ليس بعلم.

وان لم تختص به، او كانت لغيره فقط ليعمل بحكمها سمى مفتيا -زياده على الاجتهاد، واشترط فيه -زياده على ما مر من العلم بماخذ الحكم والقدره على استنباطه شرط ثان، وهو العداله، وهى ملكه راسخه فى النفس تمنعها من فعل الكبائر والاصرار على الصغائر ومنافيات المروه، فلو عرف من نفسه انه غير عادل لم يكن له ان يفتى غيره، لان اجتهاد الفاسق نافع له لا لغيره،وليس لاحد ان يستفتيه مع علمه بحاله، ولا يصح له العمل بفتواه، ويشتركان فى الاثم.

ومع جهله بحاله صح له استفتاوه والعمل بفتواه واختص الاثم بالمفتى دونه، فلا بد له من الاتصاف بها ليسقط بوجوده الوجوب الكفائى عنه وعن غيره ممن يمكنه الاستفتاء منه من اهل بلده وما قاربها.

ثم ان كان رافعا بالحادثه ما بين المتخاصمين من التخاصم، سمى قاضيا ايضا -زياده على الاجتهاد والافتاء، واشترط فيه -فوق الشرطين السابقين للاجتهاد والافتاء شرط ثالث، وهو كونه منصوبا عن الامام اذا كان ظاهرا، والا فحكمه نافذ وقضاوه جار مع اتصافه بالشرطين السابقين فقط، لمادل عليه مضمون حديثى ابى خديجه -سالم بن مكرم الجمال المتلقى بالقبول بين الفرقه المحقه عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، قال:(اياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور، ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم((340)) شيئا من قضايانا فاجعلوه حكما بينكم فانى جعلته عليكم قاضيافتحاكموا اليه)((341)).

وقال: بعثنى ابو عبدالله(ع) الى اصحابنا، فقال لى: (قل لهم:اياكم اذا وقعت بينكم خصومه، او تدارى((342)) بينكم فى شى ء من الاخذ والعطاء، ان تحاكموا((343)) الى احد من هولاء الفساق، ولكن اجعلوا بينكم رجلا ممن عرف حلالنا وحرامنا فانى قد جعلته عليكم قاضيا، واياكم ان يحاكم بعضكم بعضاالى السلطان الجائر)((344)).

فكل مجتهد عادل فهو مفت، وكل مفت صح ان يكون قاضيا فى زمن الغيبه.

فالمفتى: هو المستنبط للاحكام الشرعيه الفرعيه المثبت لها بالادله الاصوليه من غير تشخيص لها بالصور الجزئيه والاعيان الشخصيه.

والقاضى: هو المثبت لها بالادله فى صور جزئيه على اشخاص معينه.

والفتوى: تعم جميع الاحكام الشرعيه والمسائل الفرعيه.

والقضاء: يختص بالمعاملات والايقاعات والاحكام، دون العبادات.

فاتضح الفرق، وظهر ان الاحتياج الى المفتى اهم، ونفعه اعم، للاحتياج اليه فى جميع تعريف الاحكام ومعرفه الحلال والحرام، فوجوده من ضروريات الدين المنيف، لانه به يتم شرائط التكليف، فلا يجوز خلو الزمان عنه لاقامه الاسلام والايمان، ولو خلا بلد منه وجب على اهلها ان يجدوا بالسعى الى بلديمكنهم فيها تحصيل الشرائط على الكفايه، لقوله تعالى وتبارك فى الكتاب العزيز المبارك: (فلولا نفر من كل فرقه منهم طائفه ليتفقهوا فى الدين) الايه((345)) فوجوب النفور على طائفه غير معينه، فوجب على الجميع حتى يحصل منهم من يقوم بذلك الامر العظيم والخطر الجسيم، فيسقطبه الوجوب عن الباقى، وليس لهم الاشتغال عن ذلك بامر من الامور مطلقا، ومع الاهمال اثم الجميع، اذ لا يحل لهم صرف شى ء من الزمان فى غيرذلك، للايات الكريمه والاحاديث المستقيمه.

وخلو جميع البلاد عنه غير جائز عندنا عقلا ونقلا، لاستلزامه رفع التكاليف الشرعيه ومناط السعادات الابديه وفسق جميع الامه ووقوعهم فى الغمه وخروجهم عن العداله والاعتدال، نعوذ بالله من الغوايه والضلال.

واما المقلد والمستفتى: فهو كل من ليس له قوه يقتدر بها على استنباط الاحكام الشرعيه الفرعيه من ادلتها التفصيليه لا فعلا ولا قوه قريبه منه، فان كان عاميا صرفا لزمه الرجوع فى الاحكام الشرعيه والمسائل الفرعيه الى المجتهد المفتى واخذها منه.

وتحصيل معرفته وكونه موصوفا بشرائط الافتاء: اما برويته منصوبا للافتاء بمشهد من الخلق وتعظيمهم له واقبال العلماء على سواله والانقياد الى فتواه واقواله ونحو ذلك من الامارات الداله عليه.

وليس له ان يستفتى من يعلم انه غير عالم ولا عادل.

او يظن ذلك منه.

وان كان محصلا لشى ء من العلوم والشروط المحتاج اليها فى الاستدلال او لجميعها مطلقا لكن ليس له قوه على استنباط الفرع من الاصل ولا رده اليه،لزم كلا منهما الرجوع فى الاحكام اليه، لعدم الفرق بينهما وبين العامى فى عدم الاقتدار على تحصيل الحكم بطريق الاستنباط.

فالثلاثه سواء فى وجوب الاستفتاء منه والاحتياج اليه.

وان كان محصلا لجميعها، ضابطا لها، قادرا على الاستنباط، متمكنا من الاجتهاد بالقوه القدسيه والملكه العليه، لكن لم يجتهد، ففى امره وجوه:

احدها: انه يجوز له الرجوع الى المفتى فى الاحكام مطلقا.

ثانيها: له ذلك فيما يخصه دون ما يفتى به.

ثالثها: له ذلك اذا ضاق وقته عن الاجتهاد فى الحكم.

رابعها: ليس له ذلك مطلقا. وهو الاولى ومذهب اكثرهم الفضلاء.

وليس لمن يتصف بالاجتهاد والافتاء الافتاء اجماعا، فلا تصح فتوى المقلد وان قلد حيا، لكن من سمع حكما من المفتى وكان عدلا متقنا لما سمع عارفابمعناه جاز له ان يرويه لغيره، وصح لذلك ان يعمل بما حكى له من الحكم عن المفتى مع معرفته بعداله كل من الراوى والمروى عنه واتصافه بشرائط الافتاء، ويسمى ذلك راويا لقول المفتى لا مفتيا.

وذلك مشروط ايضا بحياه المفتى، اذ لو مات فلا روايه لفتواه ولا عمل بها، اذ قول الميت هنا كالميت اجماعا، لكن تصح الروايه لاقواله وحكايه فتاويه وكيفيه حاله فى الوفاق والخلاف ونحو ذلك، ليفيد من ياتى بعده من اهل الاجتهاد وغيرهم.

ثم ان اتحد المفتى تعين رجوع المقلد اليه واخذ احكام دينه منه، وان تعدد اجتهد فى طلب الافضل، فياخذ منه، فان كان احدهما اعلم والاخر اورع رجح الاعلم عليه، وان تساويا فى العلم وتفاوتا فى الورع رجح الاورع، وان تساويا تخير فى الاخذ من ايهما شاء.