تبصره فيها تذكره

اعلم ان التقليد والاستفتاء انما يصح فى المساله الشرعيه الفرعيه الخلافيه الحادثه الاستدلاليه الاجتهاديه، واما ما سوى ذلك كاحكام اصول الدين المبين فانه يجب النظر فيها على كل مكلف وجوبا عينيا تحصيلا للعلم بها، والتقليد فيها غير كاف، لانه لا يكون علما اتفاقا، بل هو قبول قول الغير من غير دليل، فاعلى مراتبه الاعتقاد لا العلم، وكالمسائل الفرعيه التى ليست محل الاستدلال ولا موضع الاجتهاد، مما ثبت حكمها بنص الكتاب المجيداو السنه الغراء او الاجماع المستقيم، فانها ليس محلا للتقليد والاستفتاء، بل ياخذه العامى ونحوه بطريق الروايه اما بالنقل عن اهل الذكر او بالتفتيش له من مظانه والبحث عنه فى محاله.

وكذا القول فيما تواتر واشتهر من الاحكام الشرعيه الفرعيه بين الطائفه وعملوا بها، فانه يستغنى فيه عن التقليد والاستفتاء بما ثبت عنده من التواتر والاشتهار بالتوجه والاستفسار.

« الخاتمه »

واما الخاتمه: ففى تحريضك على المقصود والوصول الى المقام المحمود، بالارتقاء عن حضيض التقليد وجهل الجهال الى ذروه مراتب الاجتهاد والاستدلال.

بعد ان عرفت ان ترك الاستدلال مذموم، وان شان العامى والمقلد معلوم، وان ما تعتمده من نقل الاحكام الشرعيه والمسائل الفرعيه وتعمل بها على الوجه الذى يعهد منك وتعتقد صحته وترتب عليه الفتاوى والاحكام من الحلال والحرام وغيرهما من شرائع الاسلام، وتتكل عليه فى النفقه والتدين، وتتقاعد عن الاشتغال بتحصيل الفقه بالاستدلال، او على الوجه المامور به المتلقى من الشارع، غير معروف ولا معهود فى مذهبنا ولا مذهب غيرنا ايضا، بل هو غلط محض وسفه بحت، وكل ما يترتب عليه فاسد وان طابق الواقع ونفس الامر.

فشمر العزم وجد فى الطلب، واقطع المراحل للوصول الى المطلب الذى تنال به اعلى المراتب واسنى المواهب، وقد علمت سهوله الطريق وحسن الرفيق على التحقيق، وكثره الزاد ووقوع الامداد من رب العباد، وارتفاع المانع وجم المنافع، فاقطع عن نفسك علائق البطلان، وتجرد عن شهوات الهوى والشيطان، وجود السعى فى تحصيل هذه المهمات، وانظر الى السلف الذين اتصفوا بهذه الصفات، وارتقوا اعلى((346)) درجات الباقيات، وطالع فى اقوالهم، وتامل فى افعالهم، واتبع آثارهم، واقتد بانوارهم، وانظر فى تصرفاتهم فى الاحكام الشرعيه والمسائل الفرعيه، لعلك تهتدى بهداهم بسلوكك ما سلكوه، وادراكك ما ادركوه، فتكون معهم من الذين جاهدوا فى سبيل الله وبذلوا انفسهم لمرضاه الله، وحق فيهم قوله تعالى:(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين)((347)) فهم المهتدون حقا والمخلصون صدقا، فاذا سلكت هذه المسالك الشريفه،وتمكنت من تلك القوه اللطيفه فزت بالدوله الابديه والسعاده السرمديه، واياك واهل البطاله والتكاسل والجهاله والمقلدين للاموات، المتكلمين على الاصوات، فانهم اعوان الشيطان الرجيم واعداء الرحمن الرحيم، واياك والتقصير فى الاجتهاد فى تحصيل المطلب والمراد.

وهذه وصيتى اليك ونصيحتى لديك، افاض الله سوابغ نعمه علينا وعليك، وذلك كاف فى ذلك، والحمد لله على ذلك.

اتفق الفراغ من مشقه مشقها يوم الرابع من الشهر الخامس من السنه المزبوره فى البلده المذكوره، الرخيه المحبوره، والحمد لله وحده.

من الفقهائنا:

الفضل بن شاذان(قدس سره)

القسم الثانى

الشيخ صفاء الدين الخزرجى

البعد الفقهى :

لا شك ان الفضل بن شاذان(قدس سره) يعد احد ابرز فقهاء مدرسه اهل البيت(ع). وقد صنف الفضل فى علم الفقه -بحسب ما اورده الشيخ والنجاشى((348)) عشره مصنفات، الا ان الذى نحدسه ان عدد مولفاته الفقهيه يربو على ذلك، اذ ان ما اورداه فى مجموع تعداد كتبه يقل عن نصف عددها البالغ مئه وثمانين كتابا.

والظاهر وصول بعض كتبه الفقهيه بايدى فقهاء عصر الغيبه الصغرى كالشيخ الكلينى والشيخ الصدوق(قدس سرهما). حيث نقلا آراءه فى باب الارث فى الكافى ومن لا يحضره الفقيه والمقنع، كما انه قد نقل عنه فى الفتره ما بعد الغيبه الصغرى كل من السيد المرتضى فى رسائله والشيخ الطوسى فى الخلاف.وقد كانت آراوه فى كتب هولاء الاعلام محلا للتاييد تاره والتفنيد اخرى، سيما من قبل الشيخ الصدوق الذى خطا الفضل فى بعض مسائل الارث، كمساله توريث ابن الاخ للاب والام مع وجود الاخ من الام، حيث ذهب الفضل الى توريثه((349))، ومساله من ترك ابن اخ لام وابن ابن ابن اخ لاب وام، حيث اختار الفضل ان لابن الاخ من الام السدس وما بقى فلابن ابن ابن الاخ للاب والام((350))، وكذافى مساله اعتبار الجد بمنزله الاخ ابدا يرث حيث يرث ويسقط حيث يسقط((351))، وغير ذلك من مسائل الارث التى عارض فيها الشيخ الصدوق الفضل بن شاذان.

وقد تعرض كل من تلا هذه الطبقه لاراء الفضل التى طرحها فى باب الارث.

وكنا قد المحنا فيما مضى الى ان العطاء الفقهى للفضل بن شاذان قد تركز بشكل واضح على بعض ابواب الفقه التى كثر الخلاف فى العديد من فروعها ومسائلها بين الفريقين كمسائل باب الارث والطلاق والوضوء، حتى ان الاول منها قد استاثر باهتمام ملحوظ من بين سائر مولفاته، حيث افرد له ثلاثه كتب تتفاوت فى مستوى البحث وسعته، وذكرنا ان ذلك كان استجابه مناسبه لطبيعه بيئته ومناخها العلمى فى نيسابور.

وفيما يلى نشير الى بعض المرتكزات والنقاط فيما يخص فقهه وآراءه، بالرغم من فقدان كتبه التى يمكن ان تمدنا فيما لو ظفرنا بها بالكثير فى هذا المجال.

اولا:

اعتبار الكتاب والسنه مصدرين اساسيين فى اجتهاداته واستنباطاته الفقهيه، وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح فى رجوعه الى هذين المصدرين فى جمله من آرائه المنقوله، سيما ما نقله عنه الشيخ الكلينى(قدس سره).

وقد يلوح من بعض العبارات اعتماده على الاجماع ايضا كواحد من الادله المعتبره، فقد نسب الشيخ المفيد(قدس سره) -على ما نقله عنه السيد المرتضى(قدس سره) للفضل عندما سئل عن امامه امير المومنين(ع) فقال: الدليل على ذلك من كتاب الله عزوجل، ومن سنه نبيه، ومن اجماع المسلمين((352)).

الا انه يحتمل ان يكون احتجاجه بالاجماع على سبيل الالزام للخصم بما يرضخ له من الادله.

واما السنه فى رايه فهى تشمل -بلا شك سنه الائمه الهادين(ع) قولا وفعلا وتقريرا، وهذا ما ندركه منه بوضوح عندما يقوم بمقارنه بيننا وبين الجمهور فيقول: (فعن هولاء (علمائهم) اخذوا اديانهم واحكامهم،وبهم اقتدوا، وآثارهم اتبعوا، فهم الائمه الراشدون عندهم. واما نحن فانا ناتم بائمتنا من اهل بيت نبينا،ونقتدى بهم)((353)).

ثانيا:

من المرتكزات الاساسيه فى منهجيه الفضل الفقهيه رفضه للراى والقياس، معتبرا العمل على ضوئهماركونا لغير ما انزل الله، وهذا ما نفهمه من مناقشاته وتعريضاته المتكرره فى كتاب الايضاح على القائلين بالراى. بل يمكن ان يقال: ان المحور الاساس فى كتاب الايضاح هو الرد على مسلك الاجتهادوالراى، حتى ان البعض قد عنون كتابه هذا بذلك فقال: كتاب الايضاح فى ابطال القول بالراى والاجتهاد((354)).وفيما يلى بعض النصوص المنتقاه من كتاب الايضاح والتى تعكس راى الفضل فى هذه المساله:

ا - ذكر فى بعض فصول هذا الكتاب: ان القرآن هو من عند الله، والراى فى الحلال والحرام صعب، لان الحلال والحرام هو من عند الله عزوجل لا من قول من يخطا ويصيب((355)).

ب - وقال فى بعض احتجاجاته: فان اقررتم ان الله بعث نبيه(ص) الى خلقه بجميع ما يحتاجون اليه من امر دينهم وحلالهم وحرامهم وسائر احكامهم، وان رسول الله(ص) كان يعلمه فلا اختلاف بيننا وبينكم،وذلك انه لابد لكم اذا قلتم ذلك ان تلزموا الصواب اهله والخطا اهله، فيرجع الحكم الى الله والى رسوله(ص) والى اهل بيته والى ان دين الله تعالى قد كمل، فبطل الراى واهله((356)).

ج - قوله فى تقرير بعض معتقدات الاماميه: اقرارنا من تنزيل الله واثبات الحجه لله والتبليغ لرسوله وحاجه الناس الى الكتاب والسنه وانه لاهدايه لاحد الى شى ء من الحق بغيرهما، وان الناس بهما يهتدون وبتركهما يضلون، وانه لا حلال الا حلال الله ولاحرام الا حرام الله، وانه ليس لاحد ان يحرم او يحلل دون الله ورسوله، وذلك قوله: (يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله ان الله سميع عليم)((357)). فاى تقدم اشد من تقدم من احل ما لم يحله الله ورسوله او حرم ما لم يحرمه الله ورسوله؟! اليس الله تعالى يقول: (قل ارايتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءالله اذن لكم ام على الله تفترون)((358))، وقال تعالى: (ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ان الذين يفترون على الله الكذب لايفلحون * متاع قليل ولهم عذاب اليم)((359))؟! فاى شى ء تكون به الفريه على الله عزوجل اكثر من تحليل الدماء والفروج والاموال اوتحريمها بما زعمتم من انه ليس فى كتاب الله ولا سنه رسوله؟! واعلموا انا لم نورد الاحتجاج عليكم الابما انتم مقرون به او بما القرآن به شاهد عليكم [وبالله عزوجل التوفيق واياه نسال العصمه من كل هوى  وراى وفتنه مضله ]((360)).

  وقد كررنا البحث عن هذه المساله هنا، وقدمنا شطرا من الحديث عنها فيما سبق، وذلك لخطورتها سيمافيما يتصل بفقه القدماء، حيث قد سمعت عن مثل السيد المرتضى والشيخ الصدوق القول بان الفضل من العاملين بالقياس.

ثالثا:

استخدم الفضل فى مقام تحرير المسائل وطريقه عرضها اسلوبين: الاسلوب الاول:

تحرير المسائل والفروع الفقهيه بالطريقه المتداوله، تاره مع ذكر الدليل من الكتاب والسنه، وتاره مجرده عنه، وهو الغالب، وهذا ما يدركه الباحث بوضوح من خلال ما نقله عنه الشيخ الكلينى والشيخ الصدوق من آراء ونصوص من كتبه الفقهيه.

الاسلوب الثانى:

اسلوب الالزام، وقد استخدمه فى المسائل الخلافيه مع المذاهب الفقهيه الاخرى، وهو اسلوب علمى دقيق طبقه الفضل فى مجالى الفقه والكلام. ويعتمد هذا الاسلوب على الانطلاق مع الند من المسلمات التى يعترف بها ويرضخ اليها، ثم النقض عليه بجمله من التهافتات واللوازم غير الصحيحه التى تترتب على قوله مع التزامه بتلك المسلمات.

وقد نقل الشيخ الطوسى(قدس سره) جمله من تلك الالزامات التى اوردها الفضل على فقهاء الجمهور فى باب الارث، قال الشيخ: اوردناها على وجهها، لانها واقعه موقعها((361)).

وسوف نورد ما نقله الشيخ من هذه المسائل ونضمه الى جمله ما جمعناه من فقه الفضل فى نهايه هذاالبحث، ولكن نشير هنا الى نموذج من نماذج تطبيق هذا الاسلوب فى مساله ارث ولد الولد واعتراض الفضل على الجمهور القائلين بعدم توريثه مع التزامهم فى مسائل اخرى بترتيب آثار بنوته.

قال الفضل: من الدليل على خطا القوم فى ميراث ولد البنات انهم جعلوا ولد البنات ولد الرجل من صلبه فى جميع الاحكام الا فى الميراث، واجمعوا على ذلك فقالوا: (وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم)((362))، فاذا كان ابن الابنه ابن الرجل لصلبه فى هذا الموضع لم لا يكون فى الميراث ابنه؟! وكذلك قالوا: لو ان رجلا طلق امراه له قبل ان يدخل بها لم تحل تلك المراه لابن ابنه((363))، لقول الله عزوجل: (ولاتنكحوا ما نكح آباوكم من النساء)((364))، فكيف صار الرجل هاهنا ابا ابن ابنته ولا يصير اباه فى الميراث؟! وكذلك قالوا:يحرم على الرجل ان يتزوج بامراه كان تزوجها ابن ابنته، وكذلك قالوا: لو شهد لابى امه بشهاده او شهد لابن ابنته، بشهاده لم تجز شهادته. واشباه هذه فى احكامهم كثيره، فاذاجاووا الى باب الميراث قالوا: ليس ولد الابنه ولد الرجل ولا هو له باب، اقتداء منهم بالاسلاف، والذين ارادوا ابطال الحسن والحسين(ع) بسبب امهما، والله المستعان، هذا مع ما قد نص الله فى كتابه بقوله عزوجل: (كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وايوب)((365)) الى قوله: (وعيسى والياس كل من الصالحين)((366))، فجعل عيسى من ذريه آدم ومن ذريه نوح وهو ابن بنت، لانه لا اب لعيسى، فكيف لا يكون ولد الابنه ولد الرجل؟!((367))

رابعا:

من خصائص فقه الفضل اطلاعه الواسع على فقه المذاهب الاخرى وفتاوى فقهاء الجمهور، كما يشير الى هذا الامر عناوين مولفاته فى مسائل الخلاف ككتابه الذى جمع فيه مسائل للشافعى وابى ثور والاصفهانى، والزاماته التى ذكرها الشيخ فى التهذيب((368)).

خامسا:

وثمه ملاحظات يمكن تسجيلها على بعض آرائه التى قد يبدو عدم الانسجام فيها من حيث التخريج والتعليل، ونشير فى هذا الصدد الى ما ذكره السيد المرتضى(قدس سره) فى مساله ميراث ولد الولد حيث سجل على الفضل تهافتا فى بعض فروع المساله.

قال المرتضى(رحمه الله): (وقد ناقض الفضل بن شاذان فى مذهبه، وقال فى كتابه فى الفرائض -فى رجل خلف بنت ابن وابن بنت: ان لبنت الابن الثلثين نصيب ابيها ولابن البنت الثلث نصيب امه.

ثم قال فى هذا الكتاب -فى بنت ابن وابن ابن: ان المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين. وهذه مناقضه لماقرره، لان بنت الابن تتقرب بابيها وابن الابن يتقرب ايضا بابيه، فيجب ان يتساويا فى النصيب، فكيف جعل هاهنا للذكر مثل حظ الانثيين مع ان كل واحد يتقرب بغيره؟! فله على مذهبه نصيب من يتقرب به، والا فعل مثل ذلك فى بنت ابن وابن بنت وجعل للذكر مثل حظ الانثيين.

ومن العجب انه قال فى كتابه ما هذه حكايه لفظه: فان ترك ابن بنت وابنه ابن وابوين فللابوين السدسان، وما بقى فلابنه الابن حق ابيها الثلثان، ولابن البنت حق امه الثلث، لان ولد الابنه ولد كما ان ولد الابن ولد.

وهذا التعليل ينقض الفتوى، لانه اذا كان ولد البنت ولدا، كما ان ولد الابن كذلك، فيجب ان يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين، لظاهر (يوصيكم الله)، وكيف اعطى  الانثى ضعف ما اعطى الذكر)((369)).

سادسا:

للفضل آراء يختص بها، وهى تخالف المشهور عند الطائفه، نذكر من هذه الاراء ما يلى:

ا - اذا خلف اخا لام وابن اخ لاب وام فان للاخ من الام السدس سهمه المسمى له، وما بقى فلابن الاخ للاب والام.

وحجه الفضل فى ذلك: ان ابن الاخ للاب والام يقوم مقام الاخ الذى يستحق المال كله بالكتاب، فهو بمنزله الاخ للاب والام، وله فضل قرابه بسبب الام.

وذهب مشهور الفقهاء الى ان المال كله للاخ من الام، وسقط ابن الاخ للاب والام، لان الاخ اقرب بدرجه، وتكثر الاسباب انما يراعى مع قرب الدرج وتساويها، اما مع اختلافها فلا((370)).

ب - لو انفردت البنت والبنتين بالتركه كان الامر كالابن فى انتفاء الفرض، فالمال كله لها او لهمابالقرابه لا بالفرض.

وذهب الى هذا الراى الحسن بن ابى عقيل ايضا.

وادعى الاجماع على ان نصف المال للبنت او البنتين بالفرض والباقى يرد عليها((371)).

ج - لو ترك جده لام وخالا، فالمال بينهما نصفان بمنزله ابن الاخ والجد. والمشهور ان المال لجده الام وسقط الخال، لان الجد وان علا اولى من العم والخال((372)).

هذا، وللفضل موافقات مع المشهور يلتقى فيها وآراء سائر الفقهاء، كما فى مساله من ترك عما وابن اخ فالمال لابن الاخ((373)).

سابعا:

تتميز آراء الفضل بالاستقلاليه وعدم التاثر بفقه الاخرين ونظرياتهم. من هنا نجد الفضل ينفرد باراءتخصه فى قبال كبار الرواه والفقهاء كيونس بن عبدالرحمن، بل انه يخطى يونس فى جمله من المسائل ويناقش آراءه فيها.

ومن تلك المسائل ما ذهب اليه فى باب الارث من انه لو ترك عما وابن اخ فقد قال يونس: المال بينهمانصفان، وذكر الفضل:

ان يونس غلط فى هذا، وان المال لابن الاخ((374)).

ومن جمله تلك المسائل ايضا: ما لو ترك عمه وخاله وجده لابيه، فذهب الفضل الى ان المال للجده،قال: وجعل يونس المال بينهن.

قال الفضل: غلط (يونس) هاهنا فى موضعين:

احدهما: انه جعل للخاله والعمه مع الجده ام الاب نصيبا.

والثانى: انه سوى بين الجده والعمه، والعمه انما تتقرب بالجده((375)).

البعد الكلامى:

وهو من الابعاد البارزه فى النشاط العلمى للفضل، بل ان لهذا البعد ظهورا مبكرا لديه، وهو بعد فى اوائل امره، مما لفت نظر شيخه الحسن بن على بن فضال -وقد تقدم ذلك فى قضيه تعرفه عليه حيث كان -كما يقول الفضل يغرى بينه وبين ابى محمد الحجال الذى كان من اجدل الناس واكثرهم تمكنا من الكلام والجدل، وذلك فى اكثر البحوث حساسيه وهو موضوع (المعرفه)، فهنا ثلاثه امور تستدعى الامعان والتامل:

صغر سن الفضل فى حواره ومناقشاته مع الحجال، وشخصيه مجادله ابى محمد الحجال،وخطوره الموضوع الذى وقع محلا للبحث.

كما انه يكفى لاثبات اقتداره وغوره فى هذا المجال ملاحظه مصنفاته وكتبه، حيث اتسمت بالطابع الكلامى فى اكثر من مفرده من مفرداتها، وربما يبدو هذا تعبيرا طبيعيا عن المناخ العلمى الساخن الذى كانت تعيشه نيسابور حيث اختلاف المذاهب فيها والفرق، مما يدعو الى تركيز الجهد باتجاه تثبيت الخطالفكرى والعقائدى والفقهى للمذهب من جهه، ونقد ودراسه العقائد الاخرى من جهه ثانيه. ولذا فان مولفاته الفقهيه هى الاخرى لم تكن بعيده عن التاثر بهذا الامر، اى انها جاءت ناظره لجمله من المسائل الخلافيه الحساسه، كمسائل باب الارث والطلاق والوضوء وغيرها، وهذا ما نستجليه بوضوح من خلال قراءه لعناوين ما كتب، حيث انه كتب فى الفرائض والارث ثلاثه مستويات من البحث:

الفرائض الكبير، والفرائض المتوسط، والفرائض الصغير.

وصنف -مضافا الى كتاب الطلاق كتاب النقض على ابى عبيد فى الطلاق، وكتاب مسائل متفرقه للشافعى وابى ثور والاصفهانى، مما يعكس اهتمامه وتركيزه على الهدف المذكور.

واما كتاباته فى البحوث الكلاميه فقد بحث مسائل التوحيد والامامه (وله فيها ثلاثه كتب) والرجعه والوعد والوعيد والايمان والاستطاعه وغيرها من مباحث العقيده والكلام((376)).

كما ان له عده مصنفات نقديه لاراء ومعتقدات المذاهب الاسلاميه الاخرى على طريقه النقض والرد،منها: الرد على الفلاسفه، الرد على الثنويه، الرد على اهل التعطيل، الرد على الغاليه المحمديه، النقض على الاسكافى فى الجسم، الرد على احمد بن الحسين، الرد على المرجئه، الرد على البائسه، الرد على الحشويه، الرد على الحسن البصرى فى التفضيل، وغيرها كثير((377)).

ومن تراثه الكلامى الواصل الينا هو كتاب الايضاح، الفه فى الرد على القول بالاجتهاد والراى والاستنباطات الظنيه، وقد ناقش فيه عده مسائل مختلف فيها فى التفسير والفقه والحديث والتاريخ، وسلك فيه طريق الاحتجاج والالزام والتحاكم الى نفس ما رواه الجمهور فى تلك المسائل لتكون الحجه الزم واقوى، وهذا ما اشار اليه بقوله فى بعض مواضع كتابه: (ان جميع ما رويناه فى كتابنا هذا من رواياتهم، وليس لاهل بيت رسول الله(ص) ولا لاحد من علماء الشيعه هاهنا ذكر او خبر يوثر)((378)).

ان المنهج الذى اتبعه الفضل فى كتابه هذا هو من امتن المناهج واكثرها فائده ونفعا، وقلما يوجد فى كتب الكلام من سلك هذا المنهج. وكل من وقف على كتابه هذا وامعن النظر فيه يجد القدره التامه والكفاءه العاليه التى يتمتع بها مولفه فى مقام المحاججه والزام الخصم واستدراجه، واطلاعه الوافر على ما رواه وقاله علماوهم فى كل مساله يرد فيها عليهم، فيلزمهم بذلك كله.

ومن الامور الاخرى التى نلحظها فى البعد الكلامى لدى الفضل هو تصديه لمواجهه خط الغلو، وذلك من خلال تضعيفه لبعض رواته وشخصياته، مثل تضعيفه لابن بابا القمى وابى الخطاب ويونس بن ظبيان وابى العباس الطبرنانى وابى سمينه، حتى انه قال فيه:

كدت اقنت على ابى سمينه، فقال له القتيبى: ولم استوجب القنوت من بين امثاله (اى من الغلاه)؟ قال: لانى اعرف منه ما لا تعرفه((379)). وقال الفضل بن شاذان فى بعض كتبه: الكذابون المشهورون:

ابوالخطاب، ويونس بن ظبيان، ويزيد بن الصايغ، ومحمد بن سنان، وابو سمينه اشهرهم((380)).

وجميع هولاء -سوى يزيد الصائغ قد نص على غلوهم((381)).

وقد كان ابو سمينه -وهو محمد بن على بن ابراهيم بن موسى القرشى ضعيفا جدا، فاسد الاعتقاد، قدورد قم، واشتهر بالكذب، ونزل على احمد ابن محمد بن عيسى مده، ثم اشتهر بالغلو فجفى، واخرجه احمد بن محمد ابن عيسى منها، وكان كذابا، شهيرا فى الارتفاع، لا يلتفت اليه((382)).

والذى يظهر من النصوص الذامه للفضل -والتى تقدمت فى توثيقه انه كان فى نيسابور جماعه ممن يذهب مذهب الغلو والارتفاع، حتى ان وكيل الامام(ع) عندما قدم اليها نزل فى منازلهم، فكان سببالمعارضه الفضل وتكذيبه له. وقد ورد فى النص الاول من نصوص ذمه شطر من افكار هولاء الغلاه،مما سبب اختلاف اهل نيسابور فيها، وان الفضل كان يخالفهم فيها وينكر عليهم اكثرها، حسب ما وردفى هذا النص.

ولا ينبغى الاشكال بانه قد تقدم تضعيف هذه الاخبار، فكيف يستشهد بها هاهنا؟! اذ لا تنافى بين الامرين، لامكان صحه بعض ما ورد فيهما مما لا يرتبط بالتوقيع الصادر منه(ع) فى امر الفضل وذمه.

واخيرا، فان الفضل قد تعرض لبعض المضايقات نتيجه لتشيعه وعقائده المذهبيه، فقد ذكروا انه قد نفاه والى نيسابور عبدالله بن طاهر بعد ان دعاه واستعلم كتبه وامره ان يكتبها، فكتب الفضل تحته: الاسلام الشهادتان وما يتلوهما، فذكر ابن طاهر انه يجب ان يقف على قوله فى السلف، فقال ابن شاذان: اتولى ابابكر واتبرا من عمر، فقال له: ولم تتبرا من عمر؟ فقال:لاخراجه العباس من الشورى، فتخلص منه بهذاالجواب((383)).

البعد الروائى:

وقد شكل هذا البعد -ايضا معلما بارزا من شخصيه الفضل العلميه، فكان كثير الروايه، ولا يكاد يخلوكتاب من كتب الحديث من الروايه عنه سيما الكتب الاربعه. وقد بلغ مجموع رواياته سبعمئه وخمسه وسبعين موردا على ما قيل((384))، ولربما يزيد على ذلك.

وقد روى عن ابى الحسن الرضا(ع) فى علل الشرائع، ولم ينص على روايته عنه(ع) سوى الشيخ الصدوق، حيث ذكر -فى الباب (182) من هذا الكتاب العلل التى رواها الفضل بن شاذان عن الرضا(ع).

وجاء فى آخر هذا الباب: سال على بن محمد بن قتيبه النيسابورى الفضل ابن شاذان وقال: اخبرنى عن هذه العلل التى ذكرتها عن الاستنباط والاستخراج، وهى من نتائج العقل او هى مما سمعته ورويته؟ فقال لى: ما كنت لاعلم مراد الله تعالى بما فرضه، ولا مراد رسول الله(ص) بما شرع وسن، ولا اعلل ذلك من ذات نفسى، بل سمعتها من مولاى ابى الحسن على بن موسى الرضا(ع) المره بعد المره والشى ء بعد الشى ء فجمعتها. فقلت له: فاحدث بها عنك عن الرضا(ع)؟ فقال: نعم.

وفيه ايضا: ذكر ابو عبدالله محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان انه قال: سمعت هذه العلل من مولاى ابى الحسن بن موسى الرضا(ع) فجمعتها متفرقه والفتها.

وقد روى فى الفقيه موارد عديده لروايته عن الرضا(ع)((385)). وقال السيد الخوئى(قدس سره) بعد تعرضه لكلام الشيخ الصدوق(رحمه الله): هذا، وظاهر النجاشى -حيث خص والدالفضل بروايته عن الجواد(ع)، وعلى قول عن الرضا(ع) عدم روايه الفضل عن الرضا(ع)، وهو ايضاظاهر الشيخ، حيث انه لم يعد الفضل من اصحاب الرضا ولا من اصحاب الجواد(ع)، ولكن الظاهر ان ما ذكره الصدوق هوالصحيح، وذلك لقرب عهده وطريقه الى الفضل. ويوكد ذلك ان والد الفضل روى عن ابى الحسن الاول(ع) فلا بعد فى روايه الفضل نفسه عن الرضا(ع)، فقد روى محمد بن يعقوب، عن الحسن ابن محمد الاشعرى، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن شاذان عن ابى الحسن موسى(ع)((386)).

واما طرق المشايخ العظام اليه فى الكتب الاربعه فهى:

1 - طريق الشيخ الكلينى: محمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان. وهو مشترك بين جماعه، الا ان الراجح فيهم هو النيسابورى وكنيته ابو الحسن((387)).

2 - طريق الشيخ الصدوق فى العلل التى ذكرها الفضل عن الرضا(ع): عبدالواحد بن عبدوس النيسابورى العطار(رضى الله)، عن على بن محمد بن قتيبه، عن الفضل بن شاذان((388)).

3 - طريق الشيخ الطوسى فى كتابيه: اسانيده المعروفه والمعتبره الى محمد بن يعقوب، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن الفضل بن شاذان((389)).

وتعتبر طرق الفضل فى رواياته من اوثق الطرق واكثرها اعتبارا، لروايته عن المشايخ الثقات، كيونس وصفوان وابن ابى عمير والحسن بن فضال وغيرهم.

وكان الفضل يتوقف فى الروايه عن محمد بن سنان ويقول: لا استحل ان اروى احاديث محمد بن سنان. وذكر فى بعض كتبه -على ما يروى عنه ان من الكذابين ابن سنان، وليس بعبد الله.

وفى نقل آخر عنه قال: ردوا احاديث محمد بن سنان، وقال: لا احل لكم ان ترووا احاديث محمد بن سنان عنى مادمت حيا، واذن فى الروايه بعد موته((390)).

البعد الرجالى:

ويعتبر الفضل من ائمه علم الرجال وفرسان هذا المضمار، ولا يكاد يخلو مصنف من مصنفات علماءالرجال من نقل آرائه واعتماد توثيقاته وتضعيفاته، وقد شهد له بذلك كبار اساتذه هذا الفن، يقول المحقق الخبير المتتبع الشيخ آقا بزرك الطهرانى فى حقه: كونه من ائمه علم الرجال لا شبهه فيه لكثره الاعتماد على اقواله ونقلها فى الكتب الرجاليه معتمدا عليها، حتى ان الشيخ ابا على فى رجاله جعل للتسهيل رمزا لاسمه((391)).

وللفضل آراء وتوثيقات وتضعيفات لجمله من الصحابه والتابعين والرواه عن الائمه المعصومين(ع)ذكرها علماء الرجال كابى عمرو الكشى والنجاشى والشيخ والسروى وابن داود وابن طاووس والعلامه ومن تاخر عنهم الى يومنا.

وقد اعتمدوا آراءه فى عدد غير قليل من الموارد، وربما قدموا رايه على راى غيره من علماء هذا الفن،ولناخذ مثالين لذلك:

1 - ذكر النجاشى -فى ترجمه محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين راى ابن الوليد شيخ القميين فيه وانه قال -كما نقل عنه تلميذه ابو جعفر الصدوق: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لايعتمد عليه. ثم اورد النجاشى بعد هذا الكلام راى الفضل فيه فقال: قال ابو عمر: قال القتيبى: كان الفضل بن شاذان(رحمه الله) يحب العبيدى ويثنى عليه ويمدحه ويميل اليه ويقول: ليس فى اقرانه مثله. قال النجاشى معلقا على ذلك: وبحسبك هذا الثناء من الفضل(رحمه الله)((392)).

2 - وفى محمد بن سنان اخذ النجاشى بتضعيف الفضل له حيث قال:

لا احل لكم ان ترووا احاديث محمد بن سنان، مع ان الشيخ المفيد قد وثقه، وكذا توقف العلامه فيه لتضعيف الفضل له ايضا((393)). واما طرق المشايخ العظام الكشى والنجاشى والطوسى(رحمهم الله) فى كتبهم الرجاليه وفهارسهم الى الفضل بن شاذان فهى كالتالى:

اولا:

طريق الشيخ الكشى:

1 - على بن محمد بن قتيبه او القتيبى، عن الفضل((394)).

2 - محمد بن مسعود، عن عبدالله بن حمدويه البيهقى، عنه((395)). 3 - محمد بن اسماعيل البندقى النيسابورى، عنه((396)).

4 - جعفر بن معروف، عن سهل بن بحر الفارسى، عنه((397)).

5 - ابوالقاسم نصر بن الصباح، عنه((398)).

6 - محمد بن مسعود، عن ابن ازداد، عنه((3999)).

7 - محمد بن مسعود، عن ابن المغيره، عنه((400)).

8 - محمد بن مسعود، عن الفضل، مكاتبه((401)).

9 - محمد بن احمد بن شاذان، عنه((402)).

10 - ابو الحسن بن ابى طاهر، عن محمد بن يحيى الفارسى، عن مكرم ابن بشر، عنه((403)).

11 - ويروى عنه وجاده من كتبه((404)).

ثانيا:

طريق الشيخ النجاشى: ابو العباس بن نوح، عن احمد بن جعفر، عن احمد بن ادريس بن احمد، عن على بن احمد بن قتيبه النيسابورى، عنه((405)).

وعلى بن احمد تصحيف او تحريف، والصحيح هو على بن محمد بن قتيبه كما فى فهرست الشيخ، لتصديق العيون ومشيخه الفقيه له((406)).

ثالثا: طريق الشيخ الطوسى: الشيخ المفيد، عن محمد بن على بن الحسين بن بابويه، عن محمد بن الحسن، عن احمد بن ادريس، عن على ابن محمد بن قتيبه، عنه((407)).

خاتمه المطاف:

لقد وقفنا من خلال ما تقدم من حديث -عن حياه الفضل بن شاذان وابعادها المختلفه على الدورالمرموق الذى نهض به هذا الفقيه الكبير، والجهد المعطاء الذى قدمه خدمه للدين الحنيف، ولئن كانت ثمه نقاط وضاءه فى حياته وشخصيته، فان تشرفه بصحبه ورفقه الائمه الاطهار(ع) تبقى هى الاكثراشراقا وتلالوا فى حياه هذا الفقيه العالم الذى نال بجميل خصاله وسيرته رضاهم(ع) فى حياته، حتى انهم ليغبطون اهل بلاده فى خراسان على وجوده بينهم، ثم كان ذلك ايضا وقت رحيله حيث ترحم عليه الامام العسكرى(ع) وهو بسامراء.

قال بورق البوشنجانى -الذى لقى الامام العسكرى(ع) وحدثه فى امر الفضل: فقلت له: الفضل بن شاذان شديد العله ويقولون انها من دعوتك بموجدتك عليه، لما ذكروه عنه انه قال ان وصى ابراهيم خير من وصى محمد(ص)، ولم يقل، جعلت فداك هكذا، كذبوا عليه؟ فقال: (نعم، رحم الله الفضل).

قال بورق: فرجعت فوجدت الفضل قد توفى فى الايام التى قال ابو محمد(ع): رحم الله الفضل((408)).

وقد كانت وفاته سنه (260ه) حيث كان فى رستاق بيهق، فورد عليه خبر الخوارج فهرب منهم، واصابه التعب من خشونه السفر فاعتل ومات، وقد صلى عليه احمد بن يعقوب ابو على البيهقى((409)). وقبره على فرسخ من نيسابور خارج البلد((410))، حيث بقعته اليوم تعلوها قبه، ويحوطها صحن يقصدها المومنون بالزياره والدعاء.