|
فقه الممارسات الاجتماعية رئيس التحرير ان حركة المجتمع من جملة الحوادث الواقعة التي ينتظر من الفقه ان يعين موقفا منها سلبا او ايجابا .. والذي يبدو لاول وهلةانهذا من الواضحات البى نة التي لاتحتاج الى مزيد بحث .. اذ ان مايمارسه المجتمع : اما يقع في دائرة الوجوب او الحرمة ..واما يقع في دائرة الاباحة .. وهذا لا دخل للحيثية الاجتماعية فيه .. فقد يقال بعدم الفرق من هذه الجهة بين كون الممارسةاجتماعية او فردية .. لكن يمكن ان يدعى في مقابل ذلك ثمة خصوصية في المقام لو سلمت فسننتهي الى القول بالفرق بين ذينك النوعين منالممارسة .. وبالتالي سيقتضي منا الامر حتما اتخاذ سنخين من المعالجة .. وقبل بيان هذه الدعوى نعلن اننا سنحصر الكلام في حدود دائرة المباح بالمعنى الاخص لا مايشمل المستحب والمكروه ..وكذلك نستبعد من البحث الممارسات التي تعتبر محرمة وغير مشروعة .. ان بعض الممارسات التي تعتبر اباحتها من الامور القطعية فتوائيا ولو بنظر بعض الفقهاء لو فرض انها ادت عمليا الى تميعالمجتمع او شده الى الارض وانكبابه على الدنيا وزخارفها وبعده عن المعنويات او آلت الى ابتعاده عن الرسالية والانكفاءعلى الذات فهل يجترى احد ويقول : ان هذا كله مطابق للشريعة ما دام لم يصدق عليه عنوان المخالفة والعصيان .. فكل شيءمطلق حتى يرد فيه نهي ؟ ! .. بل ان هناك من يتحرك بالاتجاه المعاكس ويدعو بحماس الى البحث عن التخريجات الشرعية مناجل تحليل بعض الممنوعات تذرعا بما هو المعروف من ان اللّه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه يحب ان يؤخذ برخصه .. (قل منحرم زينة اللّه ...) .. واذا اردنا ان نقرب الفكرة اكثر فلنخرج من حالة التنظير الصرف ونتنزل الى ساحة الواقع فنقول : انه لو افتى فقيه بجوازالغناء والموسيقى او جواز الرقص فهل هذا يعني اباحة ممارسته من قبل جميع افراد المجتمع وانه لاباس بتشكيل فرق للرقصوالغناء داخل المجتمع الاسلامي .. بل وجواز تشجيع المتفوقين منهم والانفاق عليهم من بيت مال المسلمين الذي ينتظرهالسائل والمحروم ؟! .. ومن هذا القبيل ايضا مايروج اليه هذه الايام من رجحان ممارسة الالعاب الرياضية المتنوعة من قبل المراة ويتمسك لذلكباصالة الاباحة .. وبما انه لا وجود للحرمة شرعا فلم نحرم الحلال عليها ؟!.. وعليه فلا باس بتشكيل فرق رياضية نسائيةوممارسة مختلف النشاطات الرياضية حتى مثل ركوب الدرجات الهوائية والنارية ؟! .. ومعلوم ان الوجدان الديني والغيرة الرسالية لايستسيغان مثل هذه المظاهر ويدركان مدى البشاعة فيها .. وهذا خير منبهوشاهد على ان في النفس شيئا من ذلك .. وهو خير مؤشر على وجود خلل في البين .. فينبغي التوقف عند هذه الشبهة واعادةالنظر كرة اخرى .. الا ان ذلك يصطدم عادة بالمنطق الفقهي الذي تحول مع الاسف الشديد في بعض الحالات الى عمليات استدلالية جافة مجردةعن روح الواقع والحس الديني الباطن .. لانه لو تكلمنا بمر الصناعة فلا محيص من الافتاء بالحلية مما يجعل البعض يسمحالات الرفض والنقد لذلك بالرجوعية والتقليد الاعمى وربما بالفاظ اقسى من ذلك .. والمعالجة التي نقترحها تتلخص بدعوى ان الممارسات الاجتماعية ليست على حد واحد بل يمكن ان ينظر لها باحد لحاظينمتباينين : الاول اللحاظ الاستقلالي : اي يركز النظر على تلك الممارسة باعتبارها عنوانا له حكمه الخاص به ولاربط له بغيره منالعناوين ولو تعاملنا بهذا المنظار فلا نكاد نحس بالفرق بين الممارسة الفردية والاجتماعية فان الحلال حلال مطلقا .. فلا يحتملانه يباح لشخص من حيث هو ويحرم بمجرد طرو عنوان الممارسة الاجتماعية عليه .. الثاني اللحاظ المجموعي : وذلك بان ينظر الى الممارسة الاجتماعية لا بما هي بل باعتبارها تمثل مقطعا في مجمل مسيرةالمجتمع وحركته في افق الحياة الرحيب وفي عمود الزمان الممتد .. وبناء على هذا اللحاظ نبدا بحساب النتائج النهائية المترتبة على تلك الممارسات ثم نقوم بعملية تقويم لها وفقا لدرجةانسجامها مع الاهداف الكبرى للشريعة .. وعليه فربما ننتهي الى ترك الناس مطلقي العنان وربما ننتهي الى موقف سلبيتجاهها لو كانت غير منسجمة مع اهداف الشريعة .. فان هذا يعد دليلا لبيا لاتقل قيمته عن ارتكاز المتشرعة او سيرتهم .. وهذاالمطلب بروحه له جذور في كلمات فقهائنا فقد وقع الاستدلال في موارد مختلفة بمذاق الشارع .. كما هو الحال بالنسبة الىتحديد وظائف المراة وعدم تصديها للمناصب العليا الحساسة .. فان الادلة الاربعة قد لاتسعفنا باثبات شيء من ذلك .. الاانذلك بنظر بعض الفقهاء من المسلمات التي لاينبغي التشكيك فيها .. ولا ريب في كون من جملة اهداف الشريعة تربيةالمجتمع على التقوى وايقاظ الوجدان الرسالي فيه وتهدف الى بناء مجتمع قوي بعيد عن الميوعة والابتذال .. ولا شك ايضا فيان هناك قيما اخلاقية يريد الشارع حفظها كالعفاف للمراة .. ومن المعلوم ضرورة مراعاة المقاصد القطعية للشريعة .. وما تلكالمواعظ والارشادات المكثفة والمؤكدة في الروايات التي تصل احيانا الى التحذير والوعيد الوارد بشان بعض الممارساتالتي لم تصل الى حد الحرمة الا للكشف عن هذه الحقيقة .. فلايمكن الغض عن ذلك .. فانه كما يلزم مراعاة مصالح المسلمينالحياتية وتجميد بعض المباحات لذلك ايضا يلزم مراعاة مصالح الشريعة .. ولا داعي لحصر عنوان المصلحة بالقسم الاول حسب .. لذا فلا غضاضة بالافتاء بحلية فعل كالرقص مثلا للفرد وعدممشروعية تشكيل فرق ومؤسسات لترويج الرقص حتى مع فرض خلوها عن كل ممارسة محرمة بالمعنى الشائع او تحريمدعمها والترويج لها .. ونحن نعرض فعلا عن بعض المناقشات من قبيل ان هذا العنوان هل هو عنوان اولي او ثانوي ؟ وهل ان هذا من مقولة الافتاء اومن مقولة ولاية الامر ؟ ونؤجل البحث في ذلك الى فرصة اخرى .. وكيف كان فاننا نؤكد على ضرورة توفر الفقه على مثل هذه الرؤية الواقعية .. ولحاظ الوقائع بمنظار مجموعي وعدم النظربعين واحدة .. مما يؤدي الى الاقتراب اكثر من حكم اللّه الواقعي .. ولنصطلح على ذلك ب ((البعد الستراتيجي للفقه)) الذي يلحظ المصالح الكبرى للشريعة ويعتمد حساب المحصلات النهائيةللحركة الاجتماعية سواء كانت على المدى القريب او البعيد .. وسيكون لمثل هذا اللحاظ آثار وبركات وتطبيقات عديدة فيمجالات فقهية مختلفة .. وهذا الفقه يكون في طول ((الفقه التقليدي)) لا في عرضه .. فلا يكون منافيا له لانه تتميم وتكميل وتفعيلله .. ومما تجدر الاشارة اليه ان الموقف الفقهي الذي يجب اتخاذه ليس بالضرورة ان يدور بين الافتاء بالمشروعية وعدمها .. بلهناك مواقف بين بين تتفاوت شدة وضعفا بحسب خطورة المسالة واهميتها ومدى بعدها عن الهدف .. والمواقف المتصورةاجمالا هي : 1- الافتاء بعدم مشروعية الممارسة الاجتماعية او الحكم به .. 2- قد يلجا احيانا الى حذف بعض التسهيلات المادية او المعنوية مما يؤدي الى افول مثل هذه الظواهر او انعدامها .. 3- وقد يستوجب الحال المقاطعة العملية وان لم يصدر موقف واضح بالحظر من قبيل عدم فسح المجال للاستفادة من وسائلالاعلام العمومية او ايقاف الدعم المعنوي والمادي وعدم التبني .. 4- ابتكار ممارسات ومظاهر مباحة بديلة اكثر انسجاما مع جو الشريعة ومذاقها ودعمها بقوة ودفع افراد المجتمع نحوها.. هذا .. ويمكن الاستفادة من بعض المؤشرات التي تساهم في تحديد الموقف الفقهي وتشخيص مستوى الشدة والضعف فيه ،منها : 1- التمييز في الممارسات الاجتماعية بين المباح الذي يخالف المروءة وبين ما لايخالفها .. فنمنع الحالة الاولى دون الثانية.. 2- التمييز بين حالات وجود شهرة فتوائية وبين عدم وجودها.. 3- التمييز بين الظاهرة المستوردة من خارج المحيط الاسلاميوبين الظاهرة العفوية التي تنشا داخل المجتمع المؤمن ذاته.. 4- وينقدح في الذهن ايضا احتمال التمييز بين المباح الذي تكون اباحته اقتضائية وبين ما تكون اباحته غير اقتضائية .. ان مسؤولية الفقه بدات تزداد وتتضاعف يوما بعد يوم فلابد من مواكبة الواقع والتعامل مع الكيان الاجتماعي كامانة ثقيلةيجب بذل الوسع في حفظها .. وهذه قضية لايمكن التنصل عنها بحال .. اذ ان غياب النظارة عن حركة المجتمع وترك الاشرافالحقيقي سيتركان المجتمع يتصرف كما يحلو له .. وهذا ما لا يرضى به الشارع قطعا .. فان الشريعة لم ترض باهمال حقجزئي لشخص قاصر حيث عينت له وليا وناظرا فكيف تسمح بالتفريط بالمجتمع كله ؟! ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب ولا حول ولا قوة الا باللّه رئيس التحرير آية اللّه السيد محمود الهاشمي والبحث عن هذه المسالة وتنقيح جهاتها يتطلب الحديث في ثلاثة انحاء من العقوبات: 1- عقوبات الحدود التي تكون من حقوق اللّه، كحد الزنا وشرب الخمر والسرقة. 2- عقوبات الحدود التي تكون من حقوق الناس، كالقصاص وحد الفرية. 3- عقوبات التعازير. القسم الاول - حقوق اللّه وقبل الدخول في هذا القسم ينبغي ان يعلم ان المقصود بالحدود التي تكون من حقوق اللّه هو ما اذا كان نفس الحد والعقابمجعولا كحق للّه على المجرم، سواء كان سببه محض مخالفة امره سبحانه كما في شرب الخمر والزنا، او كان فيه عدوانعلى الناس ايضا كما في السرقة، فانها وان كانت اعتداء على المسروق منه الا ان عقوبة القطع فيها لم تجعل له بحيث يملك قطعيد السارق كما في عقوبة القصاص والفرية، وانما هي عقوبة ونكال من اللّه عليه بما كسب، كما صرحت به الاية الشريفة(والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم) ((1)) وكما هو المسلم فقهيا، وقد دلتعليه جملة من الروايات اصرحها صحيح فضيل عن ابي عبد اللّه(ع) في حديث ((اذا اقر على نفسه عند الامام بسرقة قطعه، فهذامن حقوق اللّه)) ((2)) . نعم، يوجد فرق بين هذا النحو من حقوق اللّه وبين ما يكون من حقوق اللّه محضا كحد الزنا وشرب الخمر، من حيث ان السببوالموضوع للقطع في السرقة حيث كان العدوان على حقوق الناس اعني المسروق منه ايضا امكن له ان يعفو عن السارق اويهبه المال، فلا يقام عليه الحد. وهذا يعني ان حد القطع فيه جنبتان، فمن حيث اصل العقوبة حق من حقوق اللّه قد جعله على منيعتدي على اموال الاخرين ويسرقها من محرزها، ولم تجعل عقوبة القطع ملكا للمسروق منه، ولكن في نفس الوقت من حيثانموضوع هذا الحد هو العدوان على مال الاخرين، وهو حق تابع لارادتهم، فلا يمكن ان يثبت هذا العدوان الا في طول عدمرضاه وعفوه عنه، فمن هذه الناحية يكون من حقوق الناس. فالحاصل: ان اثبات موضوع هذا الحد وهو العدوان على الاخرين من حقوق الناس وتابع لارادتهم، لا اقامته وانزاله بالمجرم،ولازم ذلك واثره ان اثبات موضوع الحد يكون حقا للمسروق منه، فلا يثبت بالبينة الحسبية، بخلاف ما يكون من حدود اللّهمحضا كالزنا وشرب الخمر، كما ان لازمه انه لو عفا عن السارق فلم يرفعه الى الحاكم كان له ذلك، فلا يقام عليه الحد، بخلاف مااذا اقر السارق بنفسه عند الحاكم او رفعه اليه وثبت عنده بالبينة ثم اراد المسروق منه العفو فانه لا يمكنه، لان عقوبة القطعليست ملكا له، بل هو من حقوق اللّه، وهذه مرتبة من الحقية للناس بين ما هو من حقوق الناس محضا بحيث يكونمنوطابمطالبتهم لكونه ملكا لهم كالقصاص وحد الفرية، وبين ما هو من حقوق اللّه محضا كحد الزنا وشرب الخمر، وهذا مايستفاد من روايات عديدة معتبرة، كصحيح الحلبي عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ((سالته عن الرجل ياخذ اللص يرفعه؟ او يتركه؟فقال: انصفوان بن امية كان مضطجعا في المسجد الحرام، فوضع رداءه وخرج يهريق الماء، فوجد رداءه قد سرق حين رجعاليه، فقال: من ذهب بردائي؟ فذهب يطلبه، فاخذ صاحبه، فرفعه الى النبي(ص) فقال النبي(ص): اقطعوا يده، فقال الرجل: تقطعيده من اجل ردائي يارسول اللّه؟ قال: نعم، قال: فانا اهبه له، فقال رسول اللّه(ص): فهلا كان هذا قبل ان ترفعه الي. قلت: فالامامبمنزلته اذا رفع اليه؟ قال: نعم. قال: وسالته عن العفو قبل ان ينتهي الى الامام؟ فقال: حسن)) ((3)) . وكذلك معتبرة سماعة بنمهران عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ((من اخذ سارقا فعفا عنه فذلك له، فاذا رفع الى الامام قطعه، فان قال الذي سرق له: انا اهبه له لميدعه الامام حتى يقطعه اذا رفعه اليه، وانما الهبة قبل ان يرفع الى الامام، وذلك قول اللّهغ: (والحافظون لحدود اللّه)، فاذاانتهى الحد الى الامام فليس لاحد ان يتركه)) ((4)) . وبهذا البيان يظهر الجواب عن دعوى المعارضة بين مثل صحيح الفضيل المتقدم الدال على ان القطع في السرقة من حقوقاللّه، فلا يشترط بعد ثبوته بالاقرار ان ينتظر المسروق منه ليطالب به وبين رواية الحسين بن خالد ((واذا نظر اي الامام آالى رجل يسرق ان يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لان الحق اذا كان للّه فالواجب على الامام اقامته، واذاكان للناس فهو للناس)) ((5)) . فان هذه الرواية لو تمت سندا من ناحية المحمودي وابيه فهي لا تدل على ان حد القطع من حقوق الناس بحيث لا يمكن للاماماقامته الا بعد حضور المسروق منه ومطالبته باقامته على السارق، وانما تدل على انه في مورد الحد اذا كان هناك حق للناسسواء في طرف نفس العقوبة والمطالبة بها او بلحاظ اثبات موضوعها، فلا يجب على الامام اقامته بمجرد مشاهدته للجريمة،بل هو متروك للناس. وبتعبير اخر: هناك حقان: حق المرافعة وسحب المدعى عليه الى الحاكم لاثبات الجرم عليه، وحق نفس الحد والعقوبةوالجريمة، فاذا لم يكن في الجريمة عدوان على الناس بل مجرد معصيته للّه كشرب الخمر والزنا كان كلا الحقين المذكورينللحاكم، فلو وجد من يزني ويشرب الخمر اقام عليه الحد ولم ينتظر من يرفعه اليه، واذا كان فيها عدوان على الناس وكانتالعقوبة مجعولة لهم كان اقامة الحد والمرافعة كلاهما للناس، فيمكن للمعتدى عليه ان لا يرفع، كما انه لو رفعه الى الحاكموثبت الجرم امكنه ايضا العفو عن نفس الحد والعقوبة كما في القصاص وحد القذف، وان كان فيها عدوان على الناس ولكنالحدوالعقوبة لم يجعلا للمعتدى عليه كما في السرقة كان حق المرافعة للناس، فلا تقبل البى نة الحسبية، كما لا يجب علىالامام ان يقيم الحد بمجرد مشاهدة الجريمة وعلمه بها، ولكن لو رفعه المسروق منه وجب قطعه، ولم يكن له العفو عنه، لانهليس ملكا للمسروق منه. ورواية الحسين بن خالد ناظرة الى الحق الثاني، اي حق المرافعة في السرقة، وهو للناس، بينما صحيح الفضيل ناظر الىالحق الاول، اي كون الحد بنفسه للّه، فلا تعارض بينهما، فيكفي في عدم وجوب الاقامة على الحاكم بمجرد مشاهدته للجريمة انيكون الحد بنحو بحيث يكون للمعتدى عليه وهو المسروق منه العفو عن السارق قبل الرفع الى الحاكم وان لم يكن يملكهبعد الرفع، اذ لعله يريد العفو لا الرفع الى الحاكم، فلابد وان يترك للناس، فلا تعارض بين الروايات من هذه الناحية. ثم ان البحث عن عفو الحاكم في الحدود التي هي من حقوق اللّه نورده ضمن جهات: الجهة الاولى: لا شك ان مقتضى اطلاق ادلة الامر باقامة الحدود المستفاد من الايات كاية حد الزنا ((6)) والسرقة ((7)) آوالروايات الدالة عليها عدم جواز ترك الحد او العفو عنه بعد ثبوت موضوعه، بحيث كلما شك في جواز العفو في مورد ولم يقمعليه دليل خاص كان المرجع تلك العمومات. ومما يؤكد ذلك بل يدل عليه ايضا جملة من الروايات بالسنة مختلفة: فتارة: بلسان ((ان الحد اذا انتهى الى الامام فليس لاحد ان يتركه)) مستشهدا بقوله تعالى: (والحافظون لحدود اللّه) ((8)) ، كما فيمعتبرة سماعة المتقدمة ((9)) . واخرى: بلسان ((ان الحد لا يضيع))، كما في موثقة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: ((كان لام سلمة زوج النبي(ص) امةفسرقت من قوم، فاتي بها النبي(ص) فكلمته ام سلمة فيها، فقال النبي(ص): يا ام سلمة هذا حد من حدود اللّه لايضيع، فقطعهارسول اللّه(ص))) ((10)) . وثالثة: بلسان ((لا يشفعن احد في حد اذا بلغ الامام، فانه لا يملكه))، كما في رواية السكوني عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ((قال اميرالمؤمنين(ع): لايشفعن احد في حد اذا بلغ الامام، فانه لايملكه، واشفع فيما لم يبلغ الامام اذا رايت الندم، واشفع عند الامام فيغير الحد مع الرجوع من المشفوع له، ولا يشفع في حق امرى مسلم ولا غيره الا باذنه)) ((11)) . ورابعة: بلسان عدم جواز ابطال الحد وان من عطل حدا من حدود اللّه فقد عاند اللّه وطلب مضادته، كما في رواية ميثم في حديثطويل: ((ان امراة اتت امير المؤمنين(ع) فاقرت عنده بالزنا اربع مرات، قال: فرفع راسه الى السماء، وقال: اللهم انه قد ثبت عليهااربع شهادات، وانك قد قلت لنبيك(ص) فيما اخبرته من دينك: يامحمد من عطل حدا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلكمضادتي)) ((12)) . وقد نقلها الكليني بسند اخر معتبر عن خلف بن حماد ((13)) ، فلو لم يستبعد رواية خلف عن ابي عبد اللّه(ع)صحالسند بهذا الطريق. الى غير ذلك من التعبيرات. وقد استدل بعض الاعلام(قده) على عموم حق العفو للامام بصحيح ضريس الكناسي عن ابي جعفر(ع) قال: ((لا يعفى عنالحدود التي للّه دون الامام، فاما ما كان من حق الناس في حد فلا باس بان يعفى عنه دون الامام)) ((14)) مدعيا بانها مطلقة فينفسها، ولابد من رفع اليد عن اطلاقها بما اذا ثبت الحق بالبينة، فانه لابد من اقامته عندئذ، ولا يعفى عنه ((15)) . الا ان الظاهر ان الرواية اجنبية عن ذلك، وانما هي ناظرة الى المسالة المتقدمة من ان الحدود التي يكون فيها حق للناس يمكنهمان يعفوا عنها عند الامام او قبل الوصول الى الامام، بخلاف ما يكون للّه محضا، فقوله(ع): ((دون الامام)) اما ان يراد به عند الامام،او يراد به قبل ان يصل الى الامام. واما ارادة ((غير)) من ((دون)) فهو غير محتمل، لانه لا يتناسب مع ((لا يعفى)) المبني للمفعول فيالفقرتين معا، بل كان ينبغي ان يقول: ((لا يعفو عن الحدود التي للّه دون الامام، واما في حقوق الناس فلا باس بان يعفو عنه دونالامام))، اي غيره، وهذا واضح. بل على هذا ايضا لم يكن يدل على عموم حق العفو للامام، وانما يدل على ان غيره لا حق له فيالعفو في حقوق اللّه اصلا، واما الامام فهل له الحق مطلقا او في الجملة؟ فهذا لا دلالة للحديث عليه حتى على فرض ارادة ((غير))من ((دون))، لعدم المفهوم للقيد باكثر من السالبة الجزئية على ما هو محقق في محله. الجهة الثانية: ان الروايات وفيها المعتبرة قد دلت على ان للامام حق العفو في حقوق اللّه اذا كان الذنب ثابتا بالاقرار دون مااذا كان ثابتا بالشهادة والبينة: منها: معتبرة طلحة بن زيد عن جعفر(ع) قال: ((حدثني بعض اهلي ان شابا اتى امير المؤمنين(ع) فاقر عنده بالسرقة. قال: فقال لهعلي(ع): اني اراك شابا لا باس بهبتك، فهل تقرا شيئا من القران؟ قال: نعم، سورة البقرة، فقال: فقد وهبت يدك لسورة البقرة. قال:وانما منعه ان يقطعه لانه لم تقم عليه البينة)) ((16)) . وهي معتبرة بسند الشيخ، لا الصدوق فانها مرسلة عنده ((17)) ، والظاهر انها مرسلة البرقي التي ينقلها الشيخ بسنده عنهايضا((18)) ، لتطابقها مع نقل الصدوق من حيث المتن وان تصور صاحب الوسائل انها من قضايا امير المؤمنين التي للصدوقاسناد اليها ((19)) . ودلالتها على التفصيل واضحة، الا انه قد يستشكل في الاستدلال بها باحد نحوين: 1- انها تحكي قضاء امير المؤمنين(ع)، وهو امام معصوم، فلعل الحكم المذكور مخصوص به، ولا يحق لغيره من الحكام. الا ان هذا الاشكال خلاف ظهور نقل الامام الصادق(ع) هذه القضية لطلحة بن زيد ثم التعليل والتعقيب عليها بقوله: ((وانما منعهان يقطعه لانه لم تقم عليه بينة))، فان هذا ظاهر في ان هذا هو تمام الملاك لحق العفو، لا كون الحاكم شخصا خاصا وهوالمعصوم(ع). 2- انها واردة في خصوص حد القطع في السرقة، فلا يمكن التعدي منه الى سائر الحدود التي هي من حقوق اللّه، كالجلدوالرجم ونحو ذلك، واحتمال الفرق موجود. ويمكن الجواب عليه باستظهار التعميم من التعليل في ذيل الرواية عرفا، وان ذكر القطع من باب كونه المورد. وان شئت قلت: ان ذيل الحديث كانه دفع دخل واشكال مركوز في اذهان المتشرعة، وهو انه كيف يعطل حد من الحدود الشرعيةبعد ثبوته؟ وحيث ان هذه النكتة لا تختص بحد السرقة بالخصوص، فيكون الجواب ايضا ظاهرا في العموم، وان الحد انما لايملكه الحاكم اذا قامت عليه البينة. ومما يؤيد هذا الفهم ما جاء في نقل نفس الحديث والقضية بطريق البرقي عن بعض اصحابه عن بعض الصادقين(ع) حيث جاءفي ذيله ((...قال: فقال الاشعث: اتعطل حدا من حدود اللّه؟ فقال: وما يدريك ما هذا؟ اذا قامت البينة فليس للامام ان يعفو، واذااقرالرجل على نفسه فذاك الى الامام ان شاء عفا، وان شاء قطع)) ((20)) ، وذكر جملة ((ان شاء عفا، وان شاء قطع)) في الذيل ظاهرفي الاستنتاج والتطبيق، لا التقييد للكبرى المبينة اولا. فالرواية واضحة الدلالة على حق العفو للحاكم في حقوق اللّه اذا لم تقمعليه بينة. ومنها : معتبرة مالك بن عطية عن ابي عبد اللّه(ع) انه قال:((بينما امير المؤمنين(ع) في ملا من اصحابه اذ اتاه رجل فقال: يا اميرالمؤمنين اني اوقبت على غلام فطهرني، فقال له: يا هذا امض الى منزلك لعل مرارا هاج بك، فلما كان من غد عاد اليه فقال له: ياامير المؤمنين اني اوقبت على غلام فطهرني، فقال له: اذهب الى منزلك لعل مرارا هاج بك، حتى فعل ذلك ثلاثا بعد مرته الاولى،فلما كان في الرابعة قال له: يا هذا ان رسول اللّه(ص) حكم في مثلك بثلاثة احكام فاختر ايهن شئت، قال: وما هن يا اميرالمؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، او اهداب «اهداء» من جبل مشدود اليدين والرجلين، او احراق بالنار،قال: يا امير المؤمنين ايهن اشد علي؟ قال: الاحراق بالنار، قال: فاني قد اخترتها يا امير المؤمنين، فقال: خذ لذلك اهبتك، فقال: نعم،قال: فصلى ركعتين ثم جلس في تشهده فقال: اللهم اني قد اتيت من الذنب ما قد علمته، واني تخوفت من ذلك، فاتيت الى وصييرسولك وابن عم نبيك فسالته ان يطهرني فخيرني ثلاثة اصناف من العذاب، اللهم فاني اخترت اشدهن، اللهم فاني اسالك انتجعل ذلك كفارة لذنوبي وان لاتحرقني بنارك في آخرتي، ثم قام وهو باك حتى دخل الحفيرة التي حفرها له امير المؤمنين(ع)وهو يرى النار تتاجج حوله، قال: فبكى امير المؤمنين(ع) وبكى اصحابه جميعا، فقال له امير المؤمنين(ع): قم ياهذا فقد ابكيتملائكة السماء وملائكة الارض، فان اللّه قد تاب عليك، فقم ولا تعاودن شيئا مما فعلت)) ((21)) . الا ان احتمال اختصاصها بحد اللواط لا دافع له، خصوصا مع ملاحظة كون القتل كالرجم في المحصن يرفع اليد عنه باقل سبب،بخلاف الحد الذي هو دون النفس كالجلد والقطع، ولهذا لو جحد المقر بعد اقراره يرفع عنه الرجم دون الجلد، ومن هنا قيدبعض الفقهاء كابن ادريس اختيار الامام وحقه في العفو بما اذا كان الحد رجما ((22)) . هذا، مضافا الى ان توبة المجرم فيمورد الرواية فرضت بالنحو الذي ابكت الامام(ع) والاصحاب وملائكة السماء والارض، فلعل سقوط العقوبة كان بسببها لا منناحية عفو الامام. بل قد يقال: بظهور ذيلها في ذلك، حيث لم يبين فيه ان الامام قد وهبه وعفا عنه كما في معتبرة طلحة، وانما ذكرفيه ((ان اللّه قد تاب عليك))، وهذا انسب مع مسقطية التوبة ولو بعد ثبوت الجرم اذا كان باقرار مثلا، ولا اقل من الاجمال من هذهالناحية. وعلى كل حال فلا اطلاق لها، لفرض عدم ظهور التوبة من المجرم، كما لا يخفى. ومنها : ما نقله في تحف العقول عن ابي الحسن الثالث(ع) في حديث قال: ((واما الرجل الذي اعترف باللواط فانه لم يقم عليهالبينة، وانما تطوع بالاقرار من نفسه، واذا كان للامام الذي من اللّه ان يعاقب عن اللّه كان له ان يمن عن اللّه، اما سمعت قول اللّه:(هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب))) ((23)) . وهي ايضا واضحة الدلالة على الكبرى الكلية، لظهور ذيلها في اعطاء ضابطة عامة في كل ما يكون عقوبة من اللّه وحقا منحقوقه، لا خصوص حد اللواط. الا انه لا سند لها، حيث ان ابن شعبة قد اسقط اسانيد روايات كتابه من اجل الاختصار، فحرمنا من طرقها. الجهة الثالثة: ان المشهور قيدوا عفو الحاكم في موارد ثبوت الجرم بالاقرار بما اذا تاب ايضا، فمتى لم يتب لم يجز العفو. ففي النهاية ذكر الشيخ (قده): ((ومن زنى وتاب قبل قيام البينة عليه بذلك درات التوبة عنه الحد، فان تاب بعد قيام الشهادة عليهوجب عليه الحد ولم يجز للامام العفو عنه، فان كان اقر على نفسه عند الامام ثم اظهر التوبة كان للامام الخيار في العفو عنه اواقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك، ومتى لم يتب لم يجز للامام العفو عنه على حال)) ((24)) . وذكر نفسالمعنى في سائر الحدود التي هي للّه ايضا. ((25)) وفي الشرائع: ((ولو اقر بحد ثم تاب كان الامام مخيرا في اقامته رجما كان او جلدا)) ((26)) . وهكذا عبائر سائر الكتب الفقهية حيث اخذت التوبة قيدا في جواز العفو، فيكون ظاهر الاصحاب ان العفو موضوعه مركب منجزءين: ثبوت الجرم بالاقرار، وتوبة المقر ولو من خلال نفس اقراره عند الامام. الا ان الشيخ المفيد (قده) في المقنعة جعل الميزان لعفو الامام توبة المجرم بعد ثبوت جرمه سواء كان بالاقرار او بالشهادة،قال: ((ومن زنى وتاب قبل ان تقوم الشهادة عليه بالزنا درات عنه التوبة الحد، فان تاب بعد قيام الشهادة عليه كان للامام الخيارفي العفو عنه او اقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له ولاهل الاسلام، فان لم يتب لم يجز العفو عنه فيالحدبحال)) ((27)) . ونفس الشيء ذكره في حد اللواط ((28)) وحد السحق ((29)) ، وتابعه على ذلك الحلبيان. ((30)) وعلى هذا القول يكون الموضوع لعفو الامام توبة المجرم بعد ثبوت جرمه سواء كان ذلك بالاقرار او بالبينة. وفي قبال هذين القولين قول ثالث اختاره بعض المتاخرين، وهو كفاية ثبوت الجرم باقرار المجرم في جواز عفوه سواء تاب املم يتب. فتكون الاقوال ثلاثة، ولابد من ملاحظة ما يطابق منها الادلة والقواعد، فنقول: لا اشكال في ان مقتضى اطلاق معتبرة طلحة بن زيد المتقدمة ((31)) عدم اشتراط توبة المقر في جواز عفوه من قبل الحاكم، بلقد يقال: ان فيها دلالة على ان ملاك عفو الامام له في مورد الرواية لم يكن توبته، بل مصلحة اخرى، حيث قال الامام(ع) فيها: ((انياراك شابا لا باس بهبتك))، فكانه(ع) لاحظ مصلحة شبابه، فيكفي مطلق المصلحة في جواز العفو، ولا يشترط التوبة. الا ان هذا الاستظهار قابل للمناقشة، لان تلك الحيثية انما ذكرها الامام(ع) ملاكا لعفوه لا لجواز العفو من قبله، فلا دلالة فيالرواية على ان حق العفو ليس مقيدا بفرض توبة المقر الا من ناحية الاطلاق ومقدمات الحكمة، حيث لم يقيد فيها الحكم بجوازعفو الحاكم بما اذا تاب المقر ايضا عن ذنبه، فيشمل ما اذا جاء الى الحاكم واقر عنده بالجريمة من جهة خوفه مثلا انه لو لميجى يبتلى بما هو اشد، فليس التعبير بقوله(ع): ((اتى امير المؤمنين)) مساوقا او ملازما للتوبة والندم، فلابد للخروج عن هذاالاطلاق من مقيد. ويمكن ان يستدل على التقييد باحد وجوه: 1- التمسك بمعتبرة مالك بن عطية ((32)) ، حيث انه فرض فيها توبة المقر ايضا، كما صرح الامام(ع) بذلك في ذيلها، وحينئذيقال بتقييد اطلاق رواية طلحة، وحمله على فرض التوبة من باب حمل المطلق على المقيد، فيثبت فتوى المشهور. ويلاحظ على هذا الاستدلال مضافا الى ماتقدم في التعليق على معتبرة مالك بن عطية من عدم دلالتها على حق العفو فيمورده فضلا عن مطلق حدود اللّه : انه لاموجب لحمل المطلق في المقام على المقيد بعد ان كانا مثبتين، نعم لو كانت روايةمالك ظاهرة في دخل توبة المقر في جواز عفوه بحيث لولاها لما جاز للامام ان يعفو كانت صالحة لتقييد اطلاق معتبرة طلحة،الا انه من الواضح عدم تمامية مثل هذه الدلالة فيها، وانما غايتها الدلالة على ان العفو كان من اجل توبته، لا انه لم يكن يجزللامام ان يعفو لولا توبته. 2- دعوى تقييد اطلاق رواية طلحة برواية تحف العقول المتقدمة، حيث ورد فيها التعبير بقوله(ع): ((وانما تطوع بالاقرار مننفسه)) ((33)) الظاهر في حصول الندم والتوبة منه. وفيه مضافا الى ضعف السند : ما اشرنا اليه في جواب معتبرة مالك ابن عطية. 3- التمسك بفحوى ما دل على تقييد الشفاعة بظهور الندم والتوبة من المجرم، كما في رواية السكوني عن ابي عبد اللّه(ع) قال:((قال امير المؤمنين(ع): لا يشفعن احد في حد اذا بلغ الامام، فانه لا يملكه، واشفع فيما لم يبلغ الامام اذا رايت الندم، واشفع عندالامام في غير الحد مع الرجوع من المشفوع له، ولا يشفع في حق امرى مسلم ولا غيره الا باذنه)) ((34)) ، حيث يقال: ان ظاهرهاانحق الشفاعة في غير الحد وفيما لم يبلغ الامام من الحد مختص بما اذا تاب المجرم، فكانه في غير مورد الندم والتوبة منالمجرم لايجوز الا اجراء العقوبة. وفيه: ان ظاهرها ان الندم قيد لنفس الشفاعة لا لحق الشفاعة، فضلا عن حق العفو للامام، فالرواية تريد ان تمنع من الشفاعة بلاتوبة وندم من المجرم، لانه لا يستحقه حينئذ، بل قد يتجرا اكثر على تكرار الجريمة، فلا ظهور في الرواية في اختصاص العفوبفرض توبة المقر، بل الرواية غير ناظرة الى مسالة الاقرار وحق العفو للحاكم فيه اصلا، كما لا يخفى . 4- التمسك بصحيح ابن سنان عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ((السارق اذا جاء من قبل نفسه تائبا الى اللّه ورد سرقته على صاحبهافلا قطع عليه)) ((35)) ، حيث يقال: بان مقتضى الشرطية فيه اشتراط التوبة من السارق زائدا على مجيئه من قبل نفسه الذي قديجعل كناية عن اقراره. الا ان الرواية اجنبية عن مسالة العفو، لانها ظاهرة في بيان حكم اخر هو سقوط الحد بالتوبة، حيث عبر فيها بانه لا قطع عليه،وظاهره السقوط، ولهذا فرع ذلك على عنوان السارق بوجوده الواقعي الذي هو موضوع الحد. كما ان التعبير بمجيئه ليسكناية عن الاقرار ولا عن المجيء الى الحاكم، والا لكان ينبغي ان يذكر ذلك، وانما المقصود بقرينة الذيل مجيؤه الى المسروقمنه ليرد عليه سرقته، فتكون الرواية ناظرة الى حكم اخر، وليست ناظرة الى حكم الاقرار كما توهم. ولو فرض اطلاقها من هذه الناحية فلابد من تقييدها بما قبل الاخذ او قبل العلم بذلك عن طريق البينة او الاقرار، حيث دل عليهمثل صحيح جميل عن رجل عن احدهما(ع) في رجل سرق، او شرب الخمر، او زنى، فلم يعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تابوصلح؟ فقال: ((اذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد...)) ((36)) . 5- دعوى المعارضة بين اطلاق حق العفو عن المجرم حتى لو لم يتب، وبين ما دل على ان حد اللّه لا يعطل ولا يضيع ((37)) ،وان من عطله قد عاند اللّه سبحانه ((38)) ، الى غير ذلك من الالسنة الشديدة الاكيدة الابية عن التخصيص الا مع فرض وجودنكتة ثبوتية للفرق بين مورد عفو الحاكم وسائر الموارد بحيث يكون تخصصا ولا يكون تضييعا لحد اللّه، فليس هذا حكماتعبديا صرفا كما في العبادات، وانما هو بملاك التخفيف عن المجرم، والتخفيف انما يكون على اساس تغير ثبوتي من المجرمتجاه الجريمة وهو توبته، والتي جعلت مسقطة للحد في الايات والروايات لو كانت قبل ثبوت الجريمة لا جزافا. وعندئذ يصحان يقال: ان الناظر في مجموع الروايات قد يستفيد منها ان موارد الاقرار من قبل المجرم نفسه، حيث يترصد فيها حالة التوبة منهعادة بقرينة مجيئه بنفسه وتطوعه بالاقرار، وهي مرتبة من التوبة، فجعل تشخيص ذلك الى الحاكم، فان راى منه الصلاحوالندم والمصلحة في اعطائه فرصة اخرى كان له ان يعفو، والا اجرى عليه الحد ولم يعطل حدا من حدود اللّه. فالحاصل: انه لا يمكن استفادة عموم الحكم لغير مورد توبة المقر وندمه كما اذا كان اقراره من جهة عدم مبالاته وجراتهوتهتكه، او من جهة قرب قيام البينة والوقوع في نتائج اشد من مثل اطلاق معتبرة طلحة، اما للانصراف وعدم اطلاق لها فينفسه حسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة لمثل هذا الحكم، او من جهة المعارضة مع الروايات ذات الالسنة الشديدةغير القابلة للتخصيص، فتكون النتيجة ماذهب اليه المشهور من اشتراط توبة المقر. هذا قصارى ما يمكن ان يثبت به فتوى المشهور، فان تم شيء منه فهو، والا كان المتعين القول الثالث. وقد يقال: بوقوع التعارض بين مثل صحيح ابن سنان الدال على سقوط الحد بالتوبة ولو قبل ثبوته عند الحاكم، وبين مادل على جواز العفو اذا ثبت الجرم بالاقرار، من جهة ان روايات العفو قد ورد جملة منها في مورد ظهور توبة المقر قبل اقراره،حيث كان يطلب باقراره التطهير ومع ذلك قد اجرى الامام(ع) عليه الحد في بعض الروايات، وقد عفا عنه في بعضها الاخربعنوان الهبة، مما يعني عدم سقوط الحد بالتوبة حتى قبل ثبوت الجرم، والا لم يكن مجال للعفو ولا لاجراء العقوبة، فيقعالتعارض بين الطائفتين بهذا الاعتبار. وحمل الطائفة الثانية على صورة عدم احراز توبة المقر قبل اقراره بعيد جدا، لمنافاته مع التصريح في موارد بعض تلكالروايات بطلب التطهير من قبل المجرم، بل واصراره على ذلك بحيث يعاود الاقرار تلو الاقرار كلما كان يصرفه الامام(ع) كمافي قضية المراة الزانية الواردة في رواية ميثم ((39)) وغيرها ومع ذلك قد اجرى الامام(ع) عليه الحد. هذا مضافا الى ان احتمال التوبة قبل الاقرار قد يكفي عندئذ لسقوط الحد من باب درء الحد بالشبهة، بناء على شموله لشبهةالحاكم وعدم اختصاصه بشبهة المرتكب للجريمة حين الارتكاب. كما ان تخصيص اطلاقات سقوط الحد بالتوبة قبل ثبوت الجرم بموارد البينة دون الاقرار غير محتمل عرفا ولا فقهيا، لانالثبوتبالاقرار اولى من البينة في التخفيف وسقوط العقوبة، كما هو واضح. وهكذا قد يقال باستحكام التعارض بين الطائفتين. الا ان الصحيح عدم التعارض بينهما، لان المستظهر من روايات سقوط الحد بالتوبة اشتراط ظهور صلاحه واستقامتهخارجاوعملا ، فلا يكفي مجر د الندم والتوبة في سقوط الحد، وهذا قد يحتاج الى مرور زمان عليه حتى يظهر فيه صلاحه، ولايتحقق بمجرد الندم والاقدام على التطهير. والدليل على اخذ هذا القيد في سقوط الحد بالتوبة وروده في السنة الادلة، فان الدليل على سقوط الحد بالتوبة ان كان مثلقوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه واصلح فان اللّه يتوب عليه ان اللّه غفور رحيم) ((40)) الوارد عقيب اية قطع يد السارق، اومثل قوله تعالى: (فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما) ((41)) الوارد عقيب اية السحق او الزنا قبل تشريع الحد، فمن الواضحانالمستظهر من قيد (واصلح) ان ما هو ما ذكرناه، فان (اصلح) بمعنى صلح في العمل والاستقامة الخارجية. وان كان الدليل على السقوط الروايات الخاصة فالوارد روايتان، احداهما صحيح ابن سنان المتقدم ((42)) ، وهو ظاهر فيالتوبة والصلاح العملي ايضا بقرينة ما فيه من التعبير بمجيء السارق من قبل نفسه تائبا ورده للسرقة الى المسروق منه،فذكر ردالسرقة الى صاحبها بعد التوبة كناية عن لزوم الصلاح العملي والاستقامة الفعلية. والاخرى صحيح جميل، وهيايضاظاهرة بل صريحة في ذلك، حيث عبر فيها: ((اذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد)) ((43)) ، بل في ذيلها ينقل ابنابي عمير عن جميل لزوم مرور مدة على توبته ليظهر فيها صلاحه. فالحاصل: انه لا تعارض بين الطائفتين بعد ان كان سقوط الحد بالتوبة مشروطا بظهور صلاحه عملا، لا مجرد التوبةواقعاالثابتة من خلال اقراره عند الحاكم، وان شئت قلت: ان لظهور التوبة وصلاحه قبل ثبوت الجرم دخلا في سقوط الحد، ولايكفي ظهوره في طول الاقرار به وان كانت قبله، فتامل جيدا. واما ما ذهب اليه الشيخ المفيد(قده) من ثبوت حق العفو للامام بالتوبة حتى في مورد البينة فهو على خلاف صراحة رواياتالتفصيل بين فرض البينة والاقرار، حيث لا يبقى عندئذ وجه للتفصيل بينهما. نعم لو قيل بعدم اشتراط التوبة في مورد الاقراربقي للتفصيل بينهما مجال عندئذ، الا انه خلاف مختاره ومختار المشهور، كما انه لا دليل على ثبوت حق العفو في مورد البينةحتى اذاتاب، فيكون مقتضى اطلاق ادلة الحدود وكذلك روايات حرمة تعطيل الحد وتركه وروايات التفصيل عدم ثبوت مثل هذاالحق في مورد البينة. الجهة الرابعة: في عموم الحكم المذكور لموارد ثبوت الجرم بالعلم او اختصاصه بمورد الاقرار. ولا شك انه لو لم نستظهر منادلة جواز العفو الشمول لموارد ثبوت الجرم بالعلم كان مقتضى القاعدة عدم جواز العفو، تمسكا بالعمومات الفوقانيةالمتقدمة، فلابد من ملاحظة السنة روايات حق العفو لنرى هل يمكن استفادة الاطلاق منها او لا؟ ولا ينبغي الشك في عدم امكان استفادة ذلك من مثل معتبرة مالك بن عطية ((44)) او رواية تحف العقول ((45)) ، لورودهما فيمورد الاقرار، بل ولظهورهما في حصول التوبة من المقر بالتطوع باقراره او بغير ذلك، فلا يمكن التعدي الى مورد ثبوت الجرمبالعلم. واما معتبرة طلحة والتي هي مهم الدليل على الحكم المذكور فصدرها وان كان واردا في الاقرار ايضا الا ان التعليل في الذيل((وانما منعه ان يقطعه، لانه لم يقم عليه بينة)) ظاهر في ان ملاك هذا الحكم وموضوعه عدم قيام البينة عليه، فيكون الميزانوالضابط لهذا الحكم قيام البينة والشهادة وعدمه، لا الاقرار وعدمه، وحيث ان ظهور التعليل حاكم على الصدر وصالحلتوسعته، فيكون جواز عفو الحاكم ثابتا في تمام موارد عدم قيام البينة سواء ثبت الجرم بالاقرار او بالعلم. وحمل البينة علىمطلق ما يبين الواقع لا خصوص الشهادة والبينة الاصطلاحية خلاف الظاهر، خصوصا مع التعبير بالقيام الصريح في ارادةالشهادة، فكان انكشاف الجريمة بالشهادة من الاخرين يقتضي عدم امكان تعطيل الحد ولزوم اقامته ردعا للاخرين، بخلافموارد مستورية الجريمة وعدم وجود شهود عليها، كما اذا اقر بنفسه، او ثبت للحاكم بعلمه الشخصي، واللّه العالم. الجهة الخامسة: بعد الفراغ عن ثبوت حق العفو عن العقوبة في مورد الاقرار او عدم البينة ينفتح البحث عن جواز تخفيفالعقوبة او تعليقها وعدمه، مثل ان يعفو عن نصف حد شرب الخمر بدلا من ان يعفو عن تمامه، فيضربه اربعين، او يحكم بهمعلقا على صدور تخلف منه، او غير ذلك من انحاء تخفيف العقوبة. قد يقال: بعدم الجواز، لان الوارد في الروايات المتقدمة عفو الامام عن الحد الذي هو حق من حقوق اللّه، فالمجرم اما يستحقالعفو فيعفى عنه، او لا فيجرى عليه الحد، واما تغير العقوبة وتخفيفها من الحد الى التعزير او من الجلد الى السجن او الغرامةالمالية او غير ذلك، فلا دليل على جوازه، والاصل حرمة انزال العقوبة على شخص بلا دليل على تشريعه، وهذا معنى توقيفيةالعقوبة، او ما يعبر عنه اليوم في قانون العقوبات بانه لا جريمة ولا عقوبة الا بنص. ويمكن ان يقال في قبال ذلك: بان المستفاد عرفا وعقلائيا من دليل جواز عفو الحاكم عن اصل الحد جواز العفو عن بعضه اوتخفيفه الى عقوبة اخف منه كما او كيفا بالفحوى، لان مناسبة هذا الحكم عرفا وعقلائيا انما هي استحقاق المجرم نتيجة اقرارهاو هو مع توبته مع ما يراه الحاكم من المصلحة في اعطائه فرصة اخرى ليتوب ويستقيم ويصلح امره، وهذه النكتة كماتقتضي العفو قد تقتضي التخفيف مع ابقاء شيء من العقوبة او تعليقها. فالحاصل: ان العرف يفهم من لسان هذه الروايات خصوصا ما عبر فيه بمثل ((اني اراك شابا لا باس بهبتك)) ان اجراء العقوبةقد اعطي بيد الحاكم حسب ما يراه ويشخصه من المصلحة بشان المجرم الذي جاء بنفسه واقر او تاب، فهو يملك ان يمن عليهويعفو، او ان يجري عليه العقاب، او يعفو عن البعض ويخفف عليه العقوبة، فان من يملك هبة الكل يملك هبة البعض ايضا، هذاهو المتفاهم من الروايات، لا الدوران بين اجراء الحد او العفو عن كل الحد بالخصوص. ودعوى ارتباطية الحدود، مدفوعة بانها خلاف الفهم العرفي، بل ولازمه ان المقذوف لا يمكن ان يعفو عن بعض الجلد للقاذف،كما اذا رجع في اثناء جلده عن الباقي. كما ان التفصيل بين العفو عن بعض الحد الى الاقل من جنسه فيجوز للحاكم، والتخفيف الى جنس عقوبة اخرى اخف كالسجناو الغرامة فلا يجوز، لكونها عقوبة اخرى تحتاج الى دليل لعله خلاف المتفاهم العرفي في باب العقوبات العامة المتروكة الىالحاكم من اجل ردع الناس واقامتهم على الجادة وان لم يكن خلاف المتفاهم في باب حقوق الناس، فمن له حق القصاص ليس لهالعفو الى الضرب او بسجنه، فتدبر جيدا. الجهة السادسة : في من بيده العفو، فهل هو الحاكم بمعنى القاضي، او الحاكم بمعنى ولي الامر؟ الصحيح هو الثاني،وذلك: اولا لانه الوارد في الروايات الدالة على العفو اما صريحا كما في ذيل رواية طلحة بنقل الصدوق ((46)) وفي رواية التحف((47)) او موردا، حيث ان الوارد فيها جميعا ان امير المؤمنين(ع) عفا عن المجرم وقد كان ولي الامر، فالتعدي منه الى القاضيغير وجيه. واما احتمال اختصاص الحكم المذكور بالامام المعصوم(ع) بالخصوص اي بما هو معصوم لا بما هو امام وولي الامر فخلافظاهر لفظ ((الامام)) الوارد في الروايات الظاهر في معناه اللغوي والعرفي العام لا المعصوم بالخصوص، خصوصا مع ملاحظةان الناقل للحديث طلحة بن زيد العامي. وثانيا لانه مقتضى الجمع بين دليل جواز العفو عن حدود اللّه في مورد الاقرار وبين ما دل على ان اقامة الحد الى السلطان اوالوالي او الامام. وان شئت قلت: ان دليل جواز العفو ظاهره اثبات جواز ذلك لمن بيده اقامة الحد، فاذا ثبت في محله ان اقامةالحدالى ولي الامر لا القاضي ثبت لا محالة ان هذا الحق ايضا ثابت له لا للقاضي، نعم له ان يفوض هذا الحق الى من ينصبهلذلك او يجعله واليا. هذا كله في القسم الاول من العقوبات، وهو الحدود التي هي حقوق اللّه. القسم الثاني - حقوق الناس واما القسم الثاني وهو الحدود التي هي حقوق الناس كحد الفرية والقصاص فانه حد بمعنى من المعاني فالظاهر عدم جوازالعفو عنه الا لمن جعل له هذا الحق وباذنه لان هذ،ا هو مقتضى القاعدة، وهو المصرح به في جملة من الروايات او مستفادمنها. واما مقتضى القاعدة فهو ما تقدم من ان حق العفو للحاكم بحاجة الى دليل يثبته، والا فالاصل الاولي وهو اطلاق ادلة الحدود آينفيه، كما ان الروايات المتقدمة التي دلت على جواز العفو للحاكم في مورد الاقرار خاصة بحق اللّه، فلا يمكن التعدي منه الىالحدود التي جعلت ملكا للناس. واما الادلة الخاصة، فمما ورد فيه عدم جواز العفو الا من قبل صاحب الحق ذيل خبر السكوني المتقدم ((ولا يشفع في حقامرىمسلم ولا غيره الا باذنه)) ((48)) . ويمكن ان يستفاد هذا المطلب ايضا من نفس الادلة الدالة على جعل الحد حقا خاصا للناس بلسان ((ما كان للناس فهو للناس))، او((انه وليه))، او ((جعلنا لوليه سلطانا)) او غير ذلك من الالسنة، فان مقتضى الحقية الخاصة ان امره متروك اليه اثباتا ونفيا، فلايحق لغيره حتى الحاكم اسقاطه او العفو عنه اذا طالب به صاحبه، فان هذا خلاف سلطنته وولايته على الحد، كما هوواضح. واما ثبوت حق العفو لمن له الحق فهو مقتضى كونه حقا، وهو صريح الادلة من الايات والروايات الدالة على ثبوت حق العفو لهمن اخيه والانتقال الى الدية في القصاص، او العفو عن حد الفرية في القذف. |