|
ثم انه في الحدود التي هي حقوق الناس اذا عفا صاحب الحق عن المجرم جاز للحاكم عقوبته عقوبة تعزيرية على ما ارتكبه منالمعصية والجرم، وذلك تمسكا: 1- بمقتضى القاعدة، بناء على انها تقتضي التعزير والتاديب من قبل الحاكم على كل معصية، غاية الامر انه في مورد تحديدعقوبة حدية واجرائها يتداخل التاديب مع الحد ويكون به، واما اذا عفي عنه بقي للحاكم حق تاديبه وتعزيره على حسبذنبه. 2- وببعض الروايات الخاصة: ففي القصاص مثلا ورد في صحيح فضيل بن يسار قال: قلت لابي جعفر(ع): عشرة قتلوا رجلا؟قال: ((ان شاء اولياؤه قتلوهم جميعا وغرموا تسع ديات، وان شاءوا تخيروا رجلا فقتلوه وادى التسعة الباقون الى اهل المقتولالاخير عشر الدية كل رجل منهم. قال: ثم الوالي بعد يلي ادبهم وحبسهم)) ((49)) . فان هذه الرواية صريحة في ان للحاكم بعد عفو ولي الدم عن القتل وقبوله بالدية ان يتولى تاديب القاتل على جريمته.والتعبير بقوله(ع): ((ثم الوالي بعد يلي...)) فيه دلالة واضحة على ان هذا غير الحق الخارجي، ومرتبط بالحق العام الحاصل منارتكابهم الجريمة والمعصية والتي لابد وان لا تذهب بلا ردع وتاديب، والذي هو حكمة تشريع العقوبات والغرض الاساسمنها. ودعوى : احتمال اختصاص هذا الحكم بمورد الرواية. مدفوعة : بان هذا خلاف المتفاهم العرفي من مثل هذا الحكم الذي مناسباته واضحة عندهم، وليس من الاحكام العباديةالتعبدية. وهل يحتمل عرفا ان يكون عدد العشرة مثلا دخيلا في هذا الحكم، او الاشتراك في القتل، او قلة الدية المدفوعة من كلواحد منهم او كثرتها؟ فان شيئا من هذه الاحتمالات ليست عرفية، وانما المتفاهم منه خصوصا من الذيل ما اشرنا اليه منانالامام(ع) اراد بيان عدم سقوط الحق العام والذي وليه الحاكم الشرعي بسقوط الحد من جهة عفو وليه الخاص، فيستفادمن ذلك قاعدة عامة في سائر موارد عفو ولي الدم عن القصاص ايضا، بل عن مطلق الحدود التي هي حقوق الناس. وفي حد القذف يمكن ايضا الاستناد الى بعض الروايات الدالة على ان للحاكم ان يعزر القاذف اذا سقط عنه الحد الذي هو حقخاص ببعض الاسباب، او لم تكن فريته موجبة للحد. ففي صحيح عبد اللّه بن سنان قال: ((سالت ابا عبد اللّه(ع) عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه؟ فقال: يدرا عنهماالحدويعزران)) ((50)) . وفي صحيح الحسين بن ابي العلا عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ((ان رجلا لقي رجلا على عهد امير المؤمنين(ع) فقال: ان هذا افترىعلي، قال: وما قال لك؟ قال: انه احتلم بام الاخر، قال: ان في العدل ان شئت جلدت ظله، فان الحلم انما هو مثل الظل، ولكناسنوجعه ضربا وجيعا حتى لا يؤذي المسلمين، فضربه ضربا وجيعا)) ((51)) . وذيل الرواية الاخيرة فيه تعليل واعطاء الضابطة الكلية، وان ملاك التاديب والتعزير لا يفوت ولا يسقط بسقوط الحق الخاصبعفو صاحبه او بالتهاتر او بعدم اكتمال موضوع الحد الخاص، واللّه الهادي للصواب. ثم انه هل يجوز للحاكم الشرعي اعني ولي الامر في غير موارد العفو المتقدمة ان يمتنع عن اجراء الحد في حق من حقوقاللّه او حقوق الناس اذا راى المصلحة، او لابد من اجراء الحد في تمام الحالات؟ يمكن ان يقال: اما في الحدود التي هي حقوق اللّه فيجوز للحاكم الامتناع عن اجراء الحد فياحدى حالات ثلاث: 1- حالة التزاحم، ونريد بها ما اذا شخص الحاكم مفسدة وضررا لا يرضى به الشارع يترتب على تقدير اجراء الحد، من قبيلانصراف الناس عن اصل الاسلام، او حصول الضعف والانهيار في الحكومة، او نشوب الفتنة والحرب بين الدولة الاسلاميةودولة اخرى بسبب اجراء الحد على شخص من رعاياها مثلا، الى غير ذلك من الامثلة، وهذا حكم على القاعدة كما في سائرموارد التزاحم. 2- ان يلزم من اجراء الحد الشرعي فوات الغرض والاثر المطلوب منه، حيث انه لا اشكال في كون حدود اللّه زواجر يراد بهااصلاح المجرم وردعه، وكذلك ردع الاخرين ومنعهم عن التفكير في الاقدام على المعصية، فاذا لزم من اجراء الحد فساد المجرموابتعاده عن الدين اكثر من السابق كما اذا كان يلزم منه خروجه عن الاسلام مثلا والتحاقه بالاعداء والمخالفين فانه في مثلذلك قد يقال بانه يحق للحاكم الامتناع عن اجراء الحد اذا شخص ذلك، او تاخيره الى زمان اخر، اما لانصراف ما دل على ان علىالامام ان يقيم الحدود ولا يعطلها او يبطلها عن مثل هذه الحالة بحسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة والمتفاهمة منهاعرفا، بل قد لا يصدق فيه التعطيل والابطال، او لاستفادة ذلك من مثل معتبرة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عن علي(ع) انهقال: لا اقيم على رجل حدا بارض العدو حتى يخرج منها، مخافة ان تحمله الحمية فيلحق بالعدو)) ((52)) ، ومعتبرة ابي مريم عنابي جعفر(ع) قال: ((قال امير المؤمنين(ع): لايقام على احد حد بارض العدو)) ((53)) ، حيث دلتا على انه لايقام الحد على احد فيارض العدو، وقد عللته معتبرة غياث ب ((مخافة ان تحمله الحمية فيلحق بالعدو)). اللهم الا ان يقال بان المقصود منه تقويةالعدو وتضعيف جبهة الحق، فيكون من التزاحم. وعلى كل حال، ففي الرواية دلالة على ان للحاكم ان يراعي هذه الخصوصيات في مقام اجراء الحد، وانه لو لاحظ مصلحة منهذا القبيل لم يكن تعطيلا او ابطالا له، ولا خصوصية في ارض العدو بالخصوص، سيما مع التعليل المذكور. 3- موارد التعذر او تعسر اقامة الحد ولو من جهة حاجة الامة الى التدرج في تطبيق الاحكام الاسلامية عليهم اذا لم يكن يمكنتطبيقها عليهم دفعة، كما اذا فرضنا مثلا قيام دولة اسلامية في احدى الامم التي كانت محكومة بانظمة مضادة للاسلامردحاطويلا من الزمن حتى ابتعد الناس فيها عن روح الاسلام كجمهوريات اسيا الوسطى، فانه لا يمكن بين عشية وضحاهااقامة الحدود الاسلامية فيها على كل شارب خمر او زان او نحو ذلك، وانما يحتاج الى مضي فترة زمنية تمهد فيها المقدماتوالتمهيدات اللازمة فكريا واعلاميا واداريا لتقبل الناس وفهمهم للنظام الاسلامي وعدالة احكامه المقدسة. فالحاصل : ان الحاكم الاسلامي مسؤول عن اقامة حكم اللّه في المجتمع بما يضمن له الثبات والاستحكام والدوام، فلابد وانيضع سياسة تنفيذية مناسبة لذلك، وهذا قد يتوقف على التدرج في تطبيق الاحكام واقامة الحدود الشرعية. واما الحدود التي هي حقوق الناس كحد القذف او القصاص فهي وان كانت متروكة للناس ان شاءوا استوفوا وان شاءوا عفوا الاانه مع ذلك يمكن تصوير حق منع الحاكم لهم عن الاستيفاء في احدى حالتين: 1- حالة التزاحم مع مفسدة مهمة، كما اذا فرضنا ان اجراء القصاص على الجاني يستوجب الفتنة والحرب مع دولة يخشى منها،كما لو كان القاتل من رعاياها مثلا، بل قد يكون التزاحم المذكور موجبا لسقوط الحكم التكليفي بجواز الاستيفاء لصاحب الحقايضا، فلا يجوز له القصاص تكليفا وان كان من حقه وضعا، واثره عدم ترتب القصاص عليه لو خالف وقتله، وان كان يعزرعلى المخالفة. 2- ان يشخص الحاكم مصلحة في عفو الجاني عن القصاص والانتقال الى الدية، فانه يمكن ان يقال: بان مقتضى ولايته العامةعلى الناس في اموالهم وحقوقهم الشخصية اما مطلقا او فيما يرتبط منها بالمصالح الاجتماعية والنظامية ان له الولاية علىهذا الحق الخاص ايضا كولايته على سائر الاموال والنفوس، فكما يجوز له اخذ الضرائب ووضعها على اموالهم الخاصة اويجوز له المنع عن بعض التصرفات وتحديد الحريات حسب المصالح التي يشخصها للحكومة، كذلك له ان يمنع عن اعمالولي الدم او صاحب الحد حقه، لانه اولى به منه. هذا ولكن الانصاف: انه ليس معنى اولوية الحاكم بالاموال والانفس ان له ان يسلب وينفي ثبوت الحق الشرعي عن صاحبالحق، فان هذا معناه الولاية على الشارع لا الناس، ودليل الولاية ليس مشرعا، وانما معناها ان للحاكم ان ياخذ متعلق الحق منالمال ونحوه للنفع العام، وفي المقام ليس منع الحاكم عن القصاص بمعنى اخذ القصاص، بل بمعنى نفي الحق والسلطنة التيجعلها الشارع له، وهذا خارج عن مدلول الولاية. نعم للحاكم ان يمنع تكليفا من اعمال ولي الدم لحقه في القصاص كمنعه عن اي تصرف اخر يكون من حقوق الاشخاص اذاشخص مصلحة في ذلك، وعندئذ يحرم على الولي الاقتصاص تكليفا، لكونه مخالفة للحكم الولايتي، ولكنه جائز له وضعا،بمعنى انه لا يكون عليه قصاص لو اقتص من الجاني، لثبوت السلطنة والحق له وان كان يعزر على المخالفة. وقد يقال: بان من مقتضيات الولاية على من له الحق ان يكون له الولاية على نفس التصرف الذي كان لصاحب الحق، وهو العفوعن القصاص، فيكون لولي الامر ان يعفو عن قصاص الجاني كما كان لولي الدم، وليس هذا مستلزما لمشرعية دليل الولاية كمالا يخفى، وبذلك يسقط حق القصاص، ولايجوز لولي الدم ان يقتص حتى وضعا. الا ان الانصاف: ان استفادة مثل هذه الولاية في باب القصاص مشكل، ولهذا لا حق لولي المجنون او الصغير الذي له حقالقصاص ان يعفو عن الجاني، بل ينتظر بالصبي حتى يبلغ، فاما يقتص او يعفو. فالحاصل: كان حق التقاص من الامور المختصة بمن له ذلك فقط، وليس كالحقوق الاخرى، والمسالة بحاجة الى مزيدتامل. هذا كله في الحدود المقررة شرعا. القسم الثالث التعزيرات واما التعزيرات فسلطة الحاكم فيها اوسع، حيث ان له الاختيار في تحديد مقدار العقوبة كما، او كما وكيفا، كما هو المستفاد منملاحظة مجموعة من الروايات في موارد مختلفة وهذا بحث لا ندخل فيه ولا في معنى كونه دون الحد كذلك له الاختيار والحقفي العفو، فان هذا يمكن استفادته من لسان ادلة بعض التعزيرات: من قبيل ما ورد في حكم شهود الزور من انهم يجلدون حدا ليس له وقت اي مقدار فذلك الى الامام، كما في معتبرة سماعة قال:((سالته عن شهود زور، فقال: يجلدون حدا ليس له وقت وذلك الى الامام، ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس، واما قوله تعالى (ولاتقبلوا لهم شهادة ابدا الا الذين تابوا) قال: قلت كيف تعرف توبتهم؟ قال: يكذب نفسه على رؤوس الناس حتى يضرب ويستغفرربه، فاذا فعل ذلك فقد ظهرت توبته)) ((54)) ، حيث ان ظاهر التعبير والسياق ان امر التعزير بيد الامام، وهو كناية عن انه يملكه،لا ان التحديد والتقدير فقط بيده، فهذا تعبير عرفي عن كون العقوبة بيد الحاكم. ويمكن استفادة ذلك ايضا من مثل لسان ((سنوجعه ضربا وجيعا حتى لايؤذي المسلمين)) الوارد في رواية الحسين بن ابي العلا((55)) ، او من مثل لسان ((ثم الوالي بعد يلي ادبهم وحبسهم)) ((56)) ، فان هذه الالسنة تتناسب ايضا مع كون التعزير بيد الاماموالحاكم، وليس ملزما عليه كما في الحد، فراجع وتامل. ويدل عليه صريحا بعض الروايات الخاصة: منها معتبرة السكوني المتقدمة ((57)) ، حيث ورد فيها ((واشفع عند الامام في غير الحد مع الرجوع من المشفوع له))، فان هذهالجملة بعد قوله: ((لا يشفعن احد في حد اذا بلغ الامام، فانه لا يملكه)) تدل بوضوح على ان وجه صحة الشفاعة عند الامام في غيرالحد انه يملكه، والذي هو عبارة اخرى عن ان الاختيار بيده وجواز العفو منه اذا راى المصلحة فيه، وقيد ((مع الرجوع منالمشفوع له)) ليس راجعا الى حق العفو والاختيار للامام، بل الى شفاعة الشفيع، كما ذكرناه سابقا، وايضا فان هذا هو المتفاهمعرفا منه بحسب مناسبة الحكم والموضوع، ولهذا ذكرته الرواية ايضا في فقرتها الثانية في الشفاعة قبل بلوغ الامام، والذييعني الشفاعة عند صاحب الحق في حقوق الناس، حيث قيد الشفاعة بما اذا راى من المشفوع له الندم، مع وضوح عدم قيديتهفي حق العفو وقبول الشفاعة ممن له الحق كالمسروق منه بلحاظ حق الرفع الى الحاكم والمجني عليه في القصاص، فتدبرجيدا. ومنها معتبرة سلمة عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ((كان اسامة بن زيد يشفع في الشيء الذي لا حد فيه، فاتي رسول اللّه(ص) بانسانقد وجب عليه حد فشفع له اسامة، فقال رسول اللّه(ص): لا تشفع في حد)) ((58)) . وهي ايضا واضحة الدلالة على المطلوب كالرواية السابقة، لان الامام(ع) وان كان ينقل عن اسامة الاان ذلك في مقام بيان الحكم،فيكون مفاد اخباره(ع) ان الحكم الشرعي هو جواز الشفاعة في الشيء الذي لا حد فيه دون ما فيه الحد، فيتمسك باطلاقه في كلتاالفقرتين. ودعوى : اختصاص النظر فيها الى بيان عدم قبول الشفاعة في الحد فقط دون قبولها في غير الحد، فلا اطلاق فيها من هذهالناحية. ممنوعة، خصوصا مع ظهور مثل هذا السياق عرفا في التعليل وبيان النكتة والضابطة الكلية، وهي ان ما يكون حدا من قبل اللّهسبحانه لا يملكه الامام. ومنها مفهوم مثل معتبرة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: ((كان لام سلمة زوج النبي(ص) امة، فسرقت من قوم، فاتي بهاالنبي(ص) فكلمته ام سلمة فيها، فقال النبي(ص): يا ام سلمة هذا حد من حدود اللّه لا يضيع، فقطعها رسول اللّه(ص))) ((59)) ،فانظاهر الحد خصوصا في هذا السياق وبقرينة الروايات الاخرى ايضا ما يقابل التعزير، لا مطلق العقوبة الاعم من الحدودوالتعزيرات. نعم، قد يقال بعدم الاطلاق في المفهوم المذكور وانه ليس باكثر من انه في غير الحد يمكن الشفاعة والعفو في الجملة، الا انهحيث لا يحتمل الفرق بين تعزير و تعزير من هذه الناحية يكون المفهوم الجزئي في قوة الكلية. ثم ان حق العفو كاصل تقدير التعزير واجراء الحدود كل ذلك الى الحاكم بمعنى الولي لا القاضي، لان الوارد في السنة الرواياتفي الحدود والتعزيرات عنوان الوالي والامام، او رسول اللّه(ص) و امير المؤمنين(ع) ونحو ذلك، بل جاء في صحيح حمادالمعروف ((على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة ((60)) ، ومنه يعرف انه ليس للقاضي حتى لو كان بدنه)) مجتهدا ان يقدرالتعزيرات ابتداء، الا اذا فوض اليه ذلك من قبل ولي الامر زائدا على حيثية القضاء. وتفصيل هذا المطلب وبعض الخصوصيات الاخرى المتعلقة به نتركه الى مجال اخر، والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّهعلى سيدنا ومولانا اشرف الانبياء والمرسلين محمد واهل بيته الطيبين الطاهرين. حقيقتها وبعض مقوماتها القسم الثاني الشهيد اية اللّه السيد محمدباقر الصدر(قده) تقرير: سماحة السيد علي رضا الحائري الانحاء المتصورة للحوالة: اما الانحاء المتصورة لهذا التصرف المعاملي بعد البناء على انه تصرف بلحاظ مرتبة الذمة كما هو المعروف بين فقهائنا فهياربعة، وقبل شرحها لابد من الاشارة الى ان الفقهاء يقسمون الحوالة الى قسمين: الحوالة على المدين، والحوالة علىالبريء. فاما الاول: فهو ان يكون زيد مدينا لعمرو بمئة مثلا، ويكون في نفس الوقت زيد دائنا لخالد بمئة، فيحيل زيد دائنه وهو عمروعلى مدينه وهو خالد لياخذ المبلغ المعلوم، فالحوالة وقعت على مدين المحيل وهو خالد. واما الثاني: فهو ان يكون زيد مدينا لعمرو بمئة مثلا ثم يحيله على خالد من دون ان يكون له حق في ذمة خالد، فالحوالة وقعتعلى البريء وهو خالد. والمتيقن من الادلة الدالة على امضاء الحوالة هو القسم الاول، واما القسم الثاني اي الحوالة على البريء فقد وقعت موردالكلام بينهم، والمشهور صحته ايضا كما هو المختار، وسياتي ذلك ان شاء اللّه تعالى. واذ قد عرفنا قسمي الحوالة فلابد من الالتفات الى ان الانحاء الاربعة الاتية بعضها يناسب كلا القسمين والبعض الاخر يناسباحدهما. النحو الاول: الوفاء كما ذكره صاحب الجواهر (ره) من ان الحوالة هي بمعنى الاستيفاء((61)). وله نظريتان فقهيتان: النظرية الفقهية الاولى للوفاء: هي ان يكون المحيل هو الموفي للدين والمحتال هو المستوفي، وذلك بان يستعين زيد المحيل بذمة خالد المحال عليه في مقاموفاء دينه الى المحتال وهو عمرو، فيكون الموفي هو زيد المحيل، ويكون الدين المستوفى هو دين عمرو في ذمة زيد، ويكونالوفاء قد تم عن طريق ذمة خالد المحال عليه، وهذا الوفاء تصرف مستقل في الدين ولا يرجع الى باب المعاوضة، وان توهمهبعضهم بتخيل ان الوفاء عبارة عن تبديل مالكية الدائن للمال الذمي الى المال الخارجي فهو معاوضة بين المال الذمي والمالالخارجي، ولكن هذا غير صحيح، ويظهر وجه عدم صحته بالتامل في معنى الذمة الذي سبق ذكره، فان الذمة هي الوعاءالاعتباري للاموال الرمزية التي تكون مرآة للاموال الخارجية، ونسبتها الى الاموال الخارجية نسبة المعنى الحرفي الىالمعنى الاسمي، وحيث ان الدائن يملك مالا رمزيا في ذمة المدين فوفاؤه عبارة عن تعيين المال الرمزي في المال الخارجي، ايتبديل المال الرمزي الحرفي الى المال الخارجي الذي هو روح ذلك المال الرمزي، فليس بين المال الرمزي والمال الخارجياثنينية كي يصدق على الوفاء انه معاوضة، بل المال الرمزي هو المال الخارجي، غاية الامر انه رمز له ومرآة لتصوره. وان شئت قلت: ان المال الرمزي لو كان بنفسه مالا فهو مغاير للمال الخارجي، ويكون تبديله به معاوضة بينهما، حيثانالاثنينى ة متحققة بينهما، الا ان المال الرمزي ليس مالا حقيقة، بل هو امر ذهني لوحظ مرآة للمال الخارجي، فهو مال اعتباري،والمال الحقيقي هو المال الخارجي، فلا مغايرة بينهما كي تتحقق المعاوضة. وبالجملة: فالوفاء ليس معاوضة، بل هو عنوان مستقل في مقابل سائر المعاوضات والعناوين، ومرجعه الى تعيين المالالرمزي في المال الحقيقي، فلنلاحظ ان الحوالة هل هي وفاء او لا ؟ لا اشكال في ان الحوالة ليست وفاء بالمعنى الذي سبق وهو تعيين المال الرمزي الذمي في المال الخارجي اذ ان المحيل لا يوفيدينه عن طريق تبديل المال الذي في ذمته الى مال خارجي، بل هو يبدله بمال ذمي آخر وهو المال الذي في ذمة المحال عليه، فلايصدق على الحوالة انها وفاء الا بعناية زائدة ونكتة فقهية، وهي: ان المال الموجود في ذمة المدين ان كان هو المال الكلي القابلللانطباق على المال الخارجي فقط اي كانت العشرة دنانير الذمية التي هي في ذمة المدين هي العشرة الكلية الجامعةللعشرات من الدنانير الخارجية فقط، اي لا تنطبق على غير الخارجيةفحينذاك لايكون الوفاء صحيحا الا بتطبيق العشرةالذمية على عشرة خارجية فقط ، وبدونها لايصدق الوفاء، وحينذاك فلا تكون الحوالة وفاء، لان التطبيق فيها ليس تطبيقا للمالالذمي على المال الخارجي بل على المال الذمي الاخر. واما ان كان المال الموجود في ذمة المدين هو المال الكلي القابل للانطباق على المال الخارجي وعلى المال الذمي ايضا ايكانت العشرة دنانير الذمية التي هي في ذمة المدين هي العشرة الجامعة بين العشرة الخارجية والعشرة الذمية ففي مقامالوفاء يمكن للمدين ان يطبق ما في ذمته على المال الخارجي وعلى المال الذمي الاخر، فتكون الحوالة حينئذ وفاء، لان المحيليطبق ما في ذمته على المال الذي في ذمة المحال عليه. اذن: فتصوير الوفاء يدور مدار تصوير كيفية المال الكلي الذي هو في ذمة المدين، فان كان قابلا للانطباق على المال الخارجيوالذمي اي كان جامعا للمال الخارجي والمال الذمي فيتعقل ان تكون الحوالة وفاء، والا فلو كان المال الذي في ذمة المدين قابلاللانطباق على المال الخارجي فقط فلا تكون الحوالة وفاء بل ينحصر معنى الوفاء بالتطبيق على المال الخارجي. وهنا قد تاتي شبهة قائلة بان هناك اصلا موضوعيا وهو ان المدين اذا اراد ان يطبق المال الذي هو في ذمته على المال الخارجيويوفي به للدائن فيجب على الدائن قبول ذلك، لان الدائن لا يستحق الا الجامع، وهو ينطبق على الفرد الخارجي، وللدائنالمطالبة بالفرد الخارجي، وحينذاك فاذا قلنا ان الموجود في ذمة المدين هو الجامع بين المال الخارجي والمال الذمي فهذا يعنيان المدين له الحق في ان يجبر الدائن على القبول بتطبيق ما في ذمته على الفرد الذمي الاخر، اي للمدين الحق في ان يجبرالدائن على قبوله الحوالة، والحال انه ليس كذلك، فقد فرغنا عن الاصل الموضوعي القائل بان للدائن المطالبة بالفرد الخارجي،فليس للمدين الحق في اجباره على القبول بالفرد الذمي، وهذا يكشف عن ان الثابت في ذمة المدين هو المال الكلي الذي ينطبقعلى الفرد الخارجي فقط وليس قابلا للانطباق على الفرد الذمي الاخر، وحينذاك فلا تكون الحوالة وفاء. والجواب على هذه الشبهة: ان الارتكاز العقلائي يساعد على ان الدائن حيث انه يملك مالا رمزيا في ذمة المدين بما هو استطراقللوصول الى الواقع وهو المال الخارجيفيكون له على المدين حق في ان يوصل المدين المال المملوك في ذمته الى الواقع ،ومن هنا شرع للدائن حق المطالبة بالفرد الخارجي، فانه لولا ثبوت حق الايصال الى الواقع، على المدين للدائن لما كان للدائنحق المطالبة بالفرد الخارجي، اذ حينئذ يمكن للمدين ان يقول للدائن بان المال الخارجي لا تملكه انت والمال الذمي ان قدرتعلى قبضه فاقبضه، وبذلك يكون قد سحق على حق المطالبة الثابت للدائن، اذن فحق المطالبة بالمال الخارجي انما ثبت للدائنفي طول ثبوت حق آخر له وهو حق الايصال الى الواقع، وحينئذ فاذا فرض ان الدائن تمسك بهذا الحق فلا يمكن للمدين ان يطبقما في ذمته على فرد ذمي آخر، اي لا يمكنه احالة الدائن على ذمة شخص ثالث، فان الفرد الذمي الاخر وان كان فردا للجامع الكليالثابت في ذمة المدين الا ان هذا الفرد لا يوصل الدائن الى الواقع وهو المال الخارجي، اذن فلا تكون الحوالة وفاء، واما لو لميتمسك الدائن بحق المطالبة بالفرد الخارجي واسقط حقه او سكت وقبل بالتطبيق على الفرد الذمي اي قبل بالاحالة فتكونالحوالة وفاء صحيحا، وبهذا تحقق عندنا وفاء متوسط يختلف عن الوفاء بالفرد الخارجي، فهناك نحوان من الوفاء: الاول: الوفاء الحقيقي: وهو تطبيق ما في الذمة على الفرد الخارجي، وولاية هذا القسم من الوفاء يكون للمدين فقط، وليسللدائن الامتناع من التطبيق على الفرد الخارجي، فان هذا القسم يجمع بين حقي الدائن، وهما: مالكيته للفرد الذمي وحق ايصالهالى الواقع، فكلاهما ثابتان في الوفاء الحقيقي. الثاني: الوفاء غير الحقيقي: وهو تطبيق ما في الذمة على ما في ذمة اخرى، وهو الحوالة، وولاية هذا القسم من الوفاء يكونللمدين ايضا ولكن لا بنحو مطلق بل في حدود رضا الدائن، فاذا رضي الدائن به فهو، والا فلو امتنع منه فلا يكون وفاء، وذلكلانالفرد الذمي وان كان فردا للكلي الجامع الثابت في ذمة المدين الا ان ه لاينسجم مع الحق الثابت للدائن وهو حق الايصالالى الواقع الخارجي فان الفرد الذمي لا يوصله الى الواقع، فاذا طالب الدائن بهذا الحق فلا ينفذ هذا الوفاء، والا فلو لم يطالبوسكت عنه فهو وفاء صحيح. وهذا القسم الثاني هو المعني بقولنا انه وفاء متوسط. هذا كله في النظرية الفقهية الاولى للوفاء، وهي كما تناسب الحوالة على المدين كما عرفت فكذلك تناسب الحوالة على البريء،بان يحيل زيد دائنه وهو عمرو على خالد الذي هو بريء عن ثبوت اي حق في ذمته، وذلك بنكتة زائدة وهي تصوير الوفاء بغيرمال المدين. وتوضيحه: ان الوفاء بالفرد الخارجي كما يكون تارة بالفرد الخارجي المملوك للمدين واخرى بالفرد الخارجي غير المملوك لهكما فيما اذا تبرع شخص بالوفاء عن المدينفكذلك الوفاء بالفرد الذمي تارة يكون بالفرد الذمي المملوك للمدين كما فيالحوالة على المدين واخرى يكون بالفرد الذمي غير المملوك له كما في الحوالة على البريء، اذن فالنكتة في جميع الصورواحدة، غاية الامر انه لابد في الوفاء بغير المملوك سواء كان بالفرد الخارجي غير المملوك او الفرد الذمي غير المملوك من اذنذلك الغير المالك لهذا المال او لهذه الذمة، وعليه فيشترط في التبرع رضاية المتبرع، وفي الحوالة على البريء رضايتهايضا. هذه هي النظرية الفقهية الاولى للوفاء، وقد عرفت انها تناسب كلا قسمي الحوالة اي الحوالة على المدين والحوالة علىالبريء على ضوء البيان المزبور. النظرية الفقهية الثانية للوفاء: هي ان يكون المحيل هو المستوفي للدين والمحتال هو الموفي له، بان نفرض ان لزيد المحيل في ذمة خالد المحال عليه عشرةدنانير، ولعمرو المحتال في ذمة زيد المحيل عشرة دنانير ايضا، فيوفي عمرو بعشرة دنانير لزيد قائلا له: انا اوفي ما في ذمةخالد لك بما فيذمتك لي، وبهذا تنتقل العشرة التي هي لعمرو في ذمة زيد الى زيد، ويسقط ما في ذمة زيد، ويكون من قبيل بيعالدين على من هو عليه، وبذلك ينتج شيئان: الاول: سقوط الدين الذي كان لزيد المحيل في ذمة خالد المحال عليه، وذلك بوفاء عمرو نيابة عنه. الثاني: سقوط الدين الذي كان لعمرو المحتال في ذمة زيد المحيل، وذلك ببيع عمرو على زيد الدين الذي كان له في ذمته بمالزيد في ذمة خالد، فهو يسقط بالاستيفاء. اذن: فحين يسقط هذان الدينان تبقى نقطة واحدة وهي: انه ما هو مصير عمرو مع خالد حيث ضحى عمرو بدينه الذي كان له فيذمة زيد في سبيل الدين الذي كان لزيد في ذمة خالد، فهل يكون المحتال هنا وهو عمرو مالكا لما في ذمة المحال عليه وهو خالداو لايكون مالكا ؟ يمكن تقريب مالكية عمرو المحتال لما في ذمة خالد المحال عليه باحد تقريبين : التقريب الاول: بقاعدة التسبيب المقتضية للضمان، حيث ان خالدا يضمن لعمرو ما وفاه عمرو لزيد، وذلك لان عمروا المحتالانما وفى ذلك الدين الذي كان في ذمة خالد لزيد بامر خالد، فيضمن له خالد ذلك كما هو مقتضى قاعدة التسبيب، حيث سببخالد ان يوفي عمرو ما في ذمته لزيد، فتكون ذمة المحال عليه مشغولة للمحتال. لكن الدين الذي اصبح لعمرو في ذمة خالد مغاير للدين الذي كان لزيد في ذمة خالد، فان ذلك اوفي وسقط واصبح عمرو دائنالخالد بملاك آخر وهو الضمان التسبيبي. التقريب الثاني: بالمعاوضة القهرية، اي بنحو ينتقل نفس الدين الذي كان لزيد في ذمة خالد الى عمرو في ذمة خالد، وهذا يحتاجفي توضيحه الى مقدمة، وهي: ان جملة من الفقهاء (قده) ذكروا في باب تعاقب الايادي الغاصبة على العين المغصوبة اذا تلفت العين في يد الاخير: ان للمالكمطالبة اي واحد منهم شاء بالقيمة، فلو طالب المالك من قبل الاخير ووفى هذا للمالك قيمة العين التالفة فيرجع هذا الى الاخيرقائلا له: انا اعطيت ضمان العين التي تلفت في يدك فانت ضامن لي بما دفعته الى المالك. وقد خرج جملة منهم كالمحققالاصفهاني والمحقق النائيني(قده) والسيد الاستاذ (دام ظله) هذا الحكم وهو الحكم برجوع من قبل الاخير الى الاخير بما دفعهالى المالك من قيمة العين التالفة بتخريج فقهي، وهو الالتزام بالمعاوضة القهرية بين ما دفعه من قيمة العين التالفة وبينالعين التالفة، اي ان هذا الذي دفع قيمة العين التالفة لمالكها كانه ملك العين التالفة بالمعاوضة القهرية بين ما دفعه من القيمةوبين العين التالفة، بحيث لو كان قد بقيت للعين التالفة انقاض فهي ملك لهذا الدافع دون المالك، وحينئذ فحيث ان الدافع يملكالعين التالفة بالمعاوضة القهرية وقد اتلفها الاخير فيرجع الى الاخير ويطالبه بما دفعه الى المالك. فاذا تبينت لك هذه المقدمة فالمقام من هذا القبيل ايضا، حيث ان عمرا المحتال وفى لزيد ما كان في ذمة خالد، والمفروض انه كانباذن من خالد، فتحصل معاوضة قهرية بين ما دفعه المحتال وهو عمرو الى زيد نيابة عن خالد وبين ما في ذمة خالد، وبتعبيراوضح: تحصل المعاوضة القهرية بين ما وفاه عمرو لزيد وبين ذمة خالد، فيملك عمرو المحتال ذمة خالد المحال عليهبالمعاوضة القهرية على نحو ما كان يملك من قبل الاخير ذمة الاخير في باب تعاقب الايادي على العين المغصوبة بما دفعهالى مالكها. وقد يقال: ان فرض المعاوضة القهرية في المقام خلف، وذلك لانا ذكرنا فيما سبق ان الوفاء ليس معاوضة بين المال الذميوالمال الخارجي بل هو تعيين للكلي في مصداقه على الرغم مما توهمه بعضهم من ان الوفاء معاوضة بين المال الذميوالخارجي، فقد ذكرنا ان هذا التوهم ليس بصحيح، وذلك لان المال الذمي ليس مالا في قبال المال الخارجي، لما ذكرناه منانالمال الذم ي رمز ومعرف ومشير الى المال الخارجي، فلو لوحظ بالنسبة الى المال الخارجي فهو وهم واعتبار،وحينئذفبناءعلى ان الوفاء ليس معاوضة بين المال الذمي والخارجي بل هو تعيين المال الرمزي في المال الخارجي فكيفيمكن ان يكون وفاء عمرو المحتال ما في ذمة خالد المحال عليه معاوضة قهرية بين ما وفاه عمرو وبين ما في ذمة خالد والحالان الوفاء ليس معاوضة اصلا؟! وفي مقام الجواب على هذه المقالة لابد لنا من ان نقدم مقدمة تمهد السبيل للجواب، وهي: ان الانسان قبل ان يكون مدينا لشخص يملك ذمة نفسه من دون ان يملك اموالا فيها، لان ملكية اموال في الذمة تعني الدائنيةوالمديونية، والحال انه لايوجد هناك من يكون دائنا له، فقبل ان يكون مدينا يملك ذمة نفسه فقط، ومعنى ملكيته لذمته تسلطهعليها بحيث يحق له اشغالها وجعلها مدينة بما يشاء من الاموال، فاذا اعمل هذا السلطان الثابت له على ذمة نفسه فاشغلهابمنمن حنطة مثلا لزيد اصبح زيد بذلك مالكا لمن من حنطة في ذمة المدين نتيجة اعمال المدين سلطنته على ذمته وجعلهامدينة لزيد، ثم حيث ان زيدا الدائن يملك منا من حنطة في ذمة المدين يملك بنفس المقدار نفس الوعاء والذمة من المدين، اييكون الدائن مالكا لذمة المدين بمقدار ما هو مالك للمال الثابت في الذمة، وهذا يعني انتقال تلك الملكية التي كانت ثابتة للمدينعلى ذمة نفسه الى الدائن، فيترتب للدائن امران: الاول: مالكيته للمظروف، وهو عبارة عن المن من الحنطة. الثاني: مالكيته للظرف، وهو عبارة عن المقدار من الذمة الذي هو وعاء للمن من الحنطة. ومن هنا يصحح بيع الدين على من هو عليه في مقابل الاشكال الذي اورده الشيخ الاعظم الانصاري (قده) في المكاسب علىبيع الدين على من هو عليه بانه غير معقول، اذ يصبح الشخص دائنا لنفسه((62))، والحال ان بيع الدين على من هو عليهصحيح عندهم ومسقط للدين، فقد خرجه جملة منهم السيد الاستاذ (دام ظله) ((63)) بان مرجع بيع الدين على من هو عليهتمليك المدين بالملكية الحقيقية ذاك المقدار من الذمة الذي افتقده عند صيرورته مدينا كما ذكرنا آنفا فبيع الدين على من هوعليه ارجاع لتلك الملكية التي كانت ثابتة للمدين على ذمته قبل ان يكون مدينا، لا انه احداث لملكية جديدة كي يرد عليه اشكالالشيخ (قده) ، فمرجع بيع الدين على من هو عليه بيع وعاء الدين اي بيع المقدار عن الذمة الذي كان يملكه الدائن لا بيع نفسالدين، وان كان تعبير الفقهاء: ((بيع الدين على من هو عليه)) لكن المراد بحسب النكتة التي ذكرناها بيع الوعاء والذمة،فانالدائن يملك الظرف والمظروف معا كما ذكرنا آنفا فاذا باع الدائن دينه على مدينه فهو حقيقة بيع الظرف لا بيع المظروف،اذ يسترجع المدين بهذا البيع سلطانه الذي كان ثابتا له على ذم ة نفسه قبل اشغالها بالدين والذي فقده عند ارهاقها بالدين،فهذا هو التفسير الصحيح والتخريج الفقهي لبيع الدين على من هو عليه. فاذا تبينت لنا هذه المقدمة بوضوح ناتي الى محل الكلام وهو الوفاء، فنرى ان الوفاء تارة يكون الموفي فيه هو المدين واخرىيكون شخصا آخر، فان كان الموفي هو المدين فتارة نلحظ الوفاء بالنسبة الى المظروف واخرى بالنسبة الى الظرف، فان كانوفاء للمظروف فهو تطبيق للمال الرمزي على المال الخارجي وقد سبق بيانه وليس معاوضة، وان كان وفاء للظرف اي يكونالمدين قد استرجع بوفائه سلطنته على ذمته فهذا يكون معاوضة ان كان الموفى به مالا خارجيا، اذ تحصل المعاوضة القهريةبين المقدار من الذمة الذي كان يملكها الدائن على المدين وبين ما يدفعه المدين الى الدائن في مقام الوفاء. وان كان الموفي غير المدين ولكن باذن من المدين فهو يقوم بنفس العملية التي كان يقوم بها المدين نفسه، اي يطبق الكلي علىمصداقه، فلا تكون هناك معاوضة بلحاظ المظروف، واما بلحاظ الظرف فحيث ان مالكية الدائن للظرف تزول عند زوال مالكيتهللمظروف بسبب الوفاء فيبقى الظرف دائرا امره بين ان يكون مالكه هو المدين المحيل وبين ان يكون مالكه هو الموفي، فان كانمالكه المدين فهذا يعني ان الوفاء كان تبرعيا من قبل الموفي، حيث انه ادى ما على المدين من الدين ورجع الوعاء ملكا للمدين،واما اذا قلنا ان مالك الذمة يكون هو الموفي الذي وفى الدين عن المدين فهذا لايكون الا بالمعاوضة القهرية بين ذمة المدين وبينما وفاه الموفي، ففي مثالنا السابق اذا كان لزيد المحيل دين في ذمة خالد المحال عليه وكان لعمرو المحتال دين في ذمة زيدالمحيل فباع عمرو دينه الذي كان له في ذمة زيد بالدين الذي كان لزيد في ذمة خالد فيسقط الدينان لا محالة، لكن ينشا بعدئذدين ثالث وهو دين ثابت لعمرو في ذمة خالد، حيث ان عمرا هو الذي وفى دين خالد الذي كان عليه لزيد، فتحصل بسبب الوفاءمعاوضة قهرية بين ذمة خالد وبين ما وفاه عمرو الى زيد عن خالد على نحو المعاوضة القهرية الحاصلة فيما اذا كان الموفيهو المدين كما ذكرناه قبل اسطر. هذه هي صيغة المعاوضة القهرية، وقد اندفع بها الاشكال المزبور. وبهذا نكون قد انتهينا من النظرية الفقهية الثانية للوفاء، وقد عرفت انها تناسب احد قسمي الحوالة وهو الحوالة على المدين،دون القسم الاخر وهو الحوالة على البريء، وذلك بخلاف النظرية الفقهية الاولى للوفاء، حيث انها كانت تناسب كلا القسمينكما مر بيانها مفصلا. والى هنا تم الحديث عن النحو الاول من الانحاء الاربعة المتصورة للحوالة وهو الوفاء. النحو الثاني: التنازل: وهو ينقسم الى قسمين: التنازل المجاني، والتنازل الى بدل. ولا ينبغي الاشكال في ان المقصود منه في باب الحوالة التنازل غير المجاني، فانه لايتصور في باب الحوالة ان يحيل المحيلدائنه الى ثالث على فرض ان يكون الدائن قد تنازل مجانا عن دينه، بل ينحصر تصور الحوالة وتطبيقها على التنازل بالتنازلالى بدل، فانه نحو تصرف في الدين، فلنلاحظ انه كيف يمكن تطبيق الحوالة على التنازل والحكم بكونها تنازلا لا مجانيا يمكن تصوير ذلك باحد تقريبين:؟ التقريب الاول: ان يقال: ان تنازل الدائن عن دينه حيث انه عمل سائغ فيصح جعل جعالة عليه كما هو كذلك في كل عمل سائغ، فيجعل المدينجعالة في مقابل تنازل الدائن عن دينه، والجعالة كما يمكن ان تكون عينا خارجية كذلك يمكن ان تكون مالا ذميا، فاذن يتنازلعمرو عن دينه الذي كان في ذمة زيد مشروطا بان يجعل زيد لعمرو جعالة على تنازله، والجعالة عبارة عن الدين الذي يكونلزيد في ذمة خالد، فيقول زيد المحيل لدائنه عمرو المحتال: ان ابراتني عما لك في ذمتي فلك ما لي في ذمة خالد، وهذه العمليةتعني شيئين: الاول: سقوط الدين الذي كان لعمرو المحتال على زيد المحيل، وذلك بالتنازل اللامجاني. الثاني: تغيير دائن خالد المحال عليه، حيث ان دائنه قبل هذه العملية كان زيدا، والان بعد التنازل يكون دائنه عمرا، والدينمحفوظ على حاله. وهذا التقريب للتنازل غير المجاني واضح، غايته بالنسبة للحوالة على المدين، واما اذا كانت الحوالة على البريء كما اذا لميكن خالد في المثال مدينا لزيد ومع ذلك احال زيد دائنه عمرا على خالد البريء فلا يتصور فيها معنى التنازل غير المجانيبالتقريب المتقدم، اذ لايمكن لزيد ان يجعل جعالة على تنازل دائنه عن دينه وتكون الجعالة عبارة عن مال في ذمة خالد والحالانه لايملك في ذمة خالد مالا، لفرض ان خالدا بريء، فهو من قبيل جعل الجعالة من مال الغير، فكما لا يجوز ذلك لايجوز هنا ايضا،فلا يصح ان يقول زيد المدين لعمرو الدائن مثلا: ان ابراتني فلك في ذمة خالد عشرة دنانير، حيث انه لا يملك اي شيء في ذمةخالد البريء. اذن: فالتقريب الاول لتطبيق التنازل على الحوالة جعل الجعالة من قبل المدين المحيل على تنازل الدائن المحتال، وهي عبارةعن الدين الثابت في ذمة المحال عليه بشرط ان تكون الحوالة على المحال عليه المدين. التقريب الثاني: ان يقال: ان المحال عليه يستدعي من المحتال ان يبرى ذمة المحيل ويستجيب المحتال لهذا الاستدعاء، وحينذاك فيسقط الدينالذي كان على المحيل للمحتال وذلك بالابراء والتنازل، الا انه لايذهب حق الدائن المحتال هباء، بل حيث ان التنازل انما كانبسبب استدعاء المحال عليه منه ذلك والاستدعاء موجب للضمان بالارتكاز العقلائي، فيكون المحال عليه المستدعي للابراءضامنا للدين الذي كان في ذمة المحيل للمحتال، فيعود المحتال على المحال عليه لياخذ الدين منه. وهذا الضمان الثابت علىالمستدعي هنا نظير الضمان الثابت على من قال لشخص: الق متاعك في البحر، فان هذا الاستدعاء ان كان عقلائيا فهو موجبلضمان القائل، فكما ان هذا الاستدعاء يوجب الضمان على المستدعي فكذلك استدعاء المحال عليه من المحتال ان يبرى ذمةالمحيل يوجب ضمانه، ولا فرق بين الاستدعاءين من ناحية الحكم وان كان هناك فرق بينهما من ناحية ان الاستدعاء الاول امرباتلاف المال الخارجي فيما اذا قال له: الق متاعك في البحر والاستدعاء الثاني امر باتلاف المال الذمي فيما اذا قال المحالعليه: ابرى ذمة المحيل الا ان هذا لايكون فارقا بينهما من ناحية الحكم وهو الضمان، اذن فتشتغل ذمة المحال عليه للمحتالبالمقدار الذي كانت ذمة المحيل مشغولة للمحتال به. وحيث ان استدعاء المحال عليه لم يكن تبرعيا بل كان بسبب من استدعاء المحيل نفسه فانه هو الذي قال للمحال عليه:استدعانت من الدائن ابراء ذمتي فيعود المحال عليه على المحيل بالخسارة التي اصابته من جراء استدعائه من المحتال ابراءذمة المحيل، وذلك لان استدعاءه هذا مسبب عن استدعاء المحيل نفسه منه ذلك فيضمن له، وحينذاك فيحصل للمحال عليه دينفي ذمة المحيل، وقد كان للمحيل دين في ذمة المحال عليه كما هو المفروض، لان الحوالة كانت على مدين لا على بريء فقد كانالمحال عليه مدينا للمحيل قبل ذلك، فاذا اصبح المحال عليه دائنا للمحيل بسبب استدعاء المحيل من المحال عليه ابراء ذمتهعند المحتال فيحصل التهافت بين الدينين، فيسقط الدين الذي كان للمحيل في ذمة المحال عليه قبل الاستدعاء بالدين الذيحصل للمحال عليه على المحيل بسبب الاستدعاء. اذن: فقد وصلنا الى النتيجة المطلوبة من التنازل وهو سقوط الدين الذي كان للمحتال على المحيل، وذلك بالابراء والتنازلوسقوط الدين الذي كان للمحيل على المحال عليه بحصول دين للمحال عليه على المحيل بسبب الاستدعاء الموجه من قبلالمحيل الى المحال عليه بان يطلب من المحتال ابراء ذمته. وبهذا قد انتهينا من النحو الثاني من الانحاء المتصورة للحوالة وهو التنازل، وقد عرفت انه يقرب باحد تقريبين، وكلاهمايناسب احد قسمي الحوالة وهو الحوالة على مدين، لا القسم الاخر وهو الحوالة على بريء كما هو واضح. النحو الثالث: تغيير الدائن مع الحفاظ على اصل الدين والمدين: ولا يسقط الدين فيه كما كان يسقط في الوفاء والتنازل، وهذا هو الذي يسمى في الفقه الاسلامي ب((بيع الدين)) او ((هبة الدين))،وفي الفقه الغربي ب((حوالة الحق))، فاذا اردنا تطبيق هذا التصرف في الدين على الحوالة فتارة يكون الكلام في الحوالة علىالمدين واخرى في الحوالة على البريء. فان كانت الحوالة على مدين كما اذا فرضنا ان زيدا المدين يحيل دائنه عمرا على خالد الذي هو مدين لزيد فتخريج الحوالة علىاساس بيع الدين في غاية السهولة، وذلك لانه في المثال يوجد دينان: الاول: الدين الذي يملكه عمرو في ذمة زيد، اي دين المحتال على المحيل. الثاني: الدين الذي يملكه زيد في ذمة خالد، اي دين المحيل على المحال عليه. فاذا احال زيد دائنه عمرا على مدينه خالد فهذا يعني ان زيدا باع مايملكه في ذمة خالد بما يملكه عمرو في ذمته، وعمرو اشترىذلك، فيسقط الدين الاول الذي كان لعمرو في ذمة زيد بنفس البيع، لان الدين انتقل بالبيع الى زيد نفسه، وانتقال الدين الى منهو عليه يوجب سقوطه عنه، واما الدين الثاني الذي كان لزيد في ذمة خالد فهو محفوظ، غاية الامر انه تغير دائنه، حيث اندائنهكان زيدا والان اصبح الدائن عمرا، هذا اذا كان بائع الدين الاو ل زيدا والمشتري عمرا. وكذا الحال في العكس اي فيما اذا كان البائع عمرا والمشتري زيدا فان عمرا يبيع ما يملكه في ذمة زيد بما يملكه زيد في ذمةخالد، فيسقط الدين الاول بالبيع ويتغير دائن الدين الثاني كما سبق آنفا. واما ان كانت الحوالة على البريء بان نفرض ان زيدا في المثال احال دائنه عمرا على خالد الذي هو بريء وليس في ذمته شيءلزيد المحيل فتخريج الحوالة على اساس بيع الدين يتوقف على احدى دعويين، وذلك لان عمرا المحتال يملك مالا وهو ما فيذمة زيد، واما زيد المحيل فلا يملك مالا في ذمة احد لتتحقق المعاوضة بين المالين، فكيف يتصور بيع الدين في الحوالة علىالبريء ؟ يتوقف تصويره على احدى دعويين: الدعوى الاولى: ان نلتزم بانه لايشترط في المعاوضة ان يدخل كل من العوضين في ملك من يخرج منه العوض الاخر، فان هناك خلافا بينالفقهاء في انه هل يشترط في المعاوضة ان يدخل الثمن في ملك من خرج منه المثمن ويدخل المثمن في ملك من خرج منه الثمن،او لايشترط ذلك؟ وقد تعرض لهذه المسالة في مكاسب الشيخ الانصاري(قده) ((64)) . فان قلنا انه يشترط ذلك في باب المعاوضة فلا يصح بيع الدين هنا، لان الشرط مفقود، فانه لم يدخل المثمن وهو الدين الذيلعمرو على زيد في ملك من خرج منه الثمن وهو خالد، فان الثمن خرج من ملك خالد ودخل في ملك عمرو من دون ان يدخلالمثمن الذي هو عبارة عن دين عمرو في ذمة زيد في ملك خالد وانما دخل في ملك زيد، فلا تصح المعاوضة، ولا يمكنحينئذتخريج الحوالة على البريء على اساس بيع الدين، فهو نظير ما اذا اشترى كتابا بمال غيره. واما ان قلنا انه لا يشترط في المعاملة دخول كل من العوضين في ملك من خرج منه العوض الاخر بل يجوز ان يدخل المثمن فيملك من لم يخرج منه الثمن وكذلك العكس كما ذهب اليه المحقق الايرواني(قده) في حاشيته على المكاسب((65))فتصحالمعاوضة هنا ، ويتحقق بيع الدين فيما اذا احال زيد دائنه عمرا على خالد البريء، غاية الامر ان ه يتوقف على اذن خالد،فيكون تخريج الحوالة على البريء على اساس بيع الدين صحيحا. اذن: فالدعوى الاولى لصحة بيع الدين في الحوالة على البريء هي عدم اشتراط دخول كل من العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الاخر في باب المعاوضة. الدعوى الثانية: ان نلتزم باعارة خالد البريء ذمته لزيد، فان العارية مرجعها الى تسليط المستعير على الانتفاع بالعين المستعارة، فاذاوسعناها وعممناها الى الذمة بان قلنا بصحة اعارة الذمة كما تصح اعارة العين الخارجية فيصح للبريء هنا ان يعير ذمةنفسه للمحيل، فانه قبل الاعارة كان مالكا لذمة نفسه، ومعنى ملكه لها سلطنته على اشغالها بما شاء من الاموال، فاذا اعارهاللمحيل فهذا يعني ان حق الانتفاع بها انتقل الى المحيل المستعير، فينتفع المستعير بها بان يشغلها كما كان للمعير نفسه حقلاشغالها، فتصح الحوالة ان تكون بيعا للدين فيما نحن فيه. اذن: فالدعوى الثانية تستند الى تعميم فكرة العارية الى غير الاعيان الخارجية، فلو التزمنا بذلك وقلنا بصحة اعارة الذمةفيصح للمحال عليه البريء اعارة ذمته للمحيل فينتفع بها المحيل المستعير، ومعنى الانتفاع بها اشغالها، فيشغلها بجعلها ثمنالما اشتراه وهو الدين الذي كان عليه للمحتال، فتكون الحوالة هنا عبارة عن تغيير الدائن. الا ان الفقهاء لم يلتزموا في باب العارية صحة اعارة الذمة بل خصصوها بالاعيان الخارجية، ومن هنا لم تصح الدعوىالثانية، فتبقى صحة تخريج الحوالة على البريء على اساس بيع الدين متوقفة على صحة الدعوى الاولى المزبورة. |