|
والى هنا انتهينا من النحو الثالث من الانحاء الاربعة وهو تغيير الدائن، وقد عرفت انه يناسب الحوالة على المدين، واما الحوالةعلى بريء فصحتها متوقفة على الدعوى الاولى السابقة. النحو الرابع: تغيير المدين مع الحفاظ على اصل الدين وعلى الدائن: وهو المسمى في الفقه الغربي ب((حوالة الدين))، وقد سبق ان بحثنا عن امكانه واستعرضنا الاشكال الثبوتي الذي وجهه الفقهالغربي الى هذا التصرف واجبنا عنه، والان فلنلاحظ هل من الممكن تخريج الحوالة على اساس تغيير المدين او لا يمكن? الصحيح ان من الممكن تخريجها عليه.؟ وتوضيحه: ان الحوالة ان كانت حوالة على مدين بان نفرض ان زيدا يحيل دائنه عمرا على مدين له وهو خالد فتخريج هذهالحوالة على اساس تغيير المدين واضح، وذلك لانا ذكرنا فيما سبق ان الدائن الذي يملك مالا في ذمة مدينه يملك بتبعه مقدارامن الذمة نفسها، فبمقدار ما هو يملك من الاموال في ذمة المدين يملك الوعاء والذمة التي هي ظرف لتلك الاموال، وملكيته لذمةالمدين لا تعني سوى جواز الانتفاع بذمته، والانتفاع بالذمة يكون باشغالها، فيصح للدائن اشغال ذمة مدينه بالمقدار الذي يملكمن الاموال في ذمته. فاذن يصح في المثال ان يتفق زيد مع دائنه وهو عمرو على حمل الدين الذي هو لعمرو على زيد من وعاء ذمة زيد الى وعاء ذمةخالد، فان ذمة خالد مملوكة لزيد بالمقدار الذي يملكه عليه من الاموال فيها، فينتقل وعاء الدين من ذمة زيد الى ذمة خالد، فيطالبعمرو خالدا به، وينتج امران: الاول: تبدل وعاء الدين الذي كان لعمرو على زيد، فان وعاءه كان هو ذمة زيد فاصبح الان وعاؤه ذمة خالد مع الحفاظ على اصلالدين والدائن، وهذا التبدل في الوعاء كان نتيجة لاعمال سلطتين: سلطة زيد على ذمة خالد وسلطة عمرو على الدين، فباعمالهاتين السلطتين استطعنا تبديل وعاء الدين من ذمة زيد الى ذمة خالد. الثاني: سقوط الدين الذي كان لزيد على خالد قهرا، لان زيدا باعمال سلطته على ذمة خالد واشغالها بالدين الذي كان عليهلعمرو اسقط حقه ومالكيته لذمة خالد، فلا يكون بعد ذلك مالكا لذمة خالد، وهذا يعني سقوط دينه، اذ ان ذلك المقدار من ذمةخالد لا يفي ولا يتحمل اكثر من دين واحد، فاما هو دين زيد عليه واما هو دين عمرو عليه، فاذا سقط الاول بمجيء الثاني فيبقىالثاني عليه. وبهذا يكون ما يملكه عمرو من الان في ذمة خالد هو نفس ما كان يملكه في ذمة زيد، فالدين والدائن محفوظان والمدين قدتغير. وبما ذكرناه من ان المتغير في مورد الحوالة على مدين هو المدين ظهر عدم صحة ما ذكره بعض فقهاء العامة حيث قال: ان فيمورد الحوالة على مدين يتحقق تغير الدائن والمدين معا، فان زيدا كان هو الدائن لخالد واصبح عمرو هو دائنه، وعمرو كانمدينه زيدا فاصبح الان خالد هو مدينه، فقد تغير الدائن والمدين معا. فان ما ذكره هذا غير صحيح بل غير معقول بناء على ما سبق آنفا، فان في مورد الحوالة على مدين كالحوالة على خالد المدينلزيد اما ان يتغير الدائن او يتغير المدين، ولا يمكن الجمع بين التغيرين. والسر العلمي في ذلك هو ان في موارد الحوالة علىمدين يوجد دينان: احدهما: دين المحتال على المحيل. وثانيهما: دين المحيل على المحال عليه. فاما ان يتغير الدائن، وهذا يعني ان زيدا المحيل يبيع دينه الثابت على خالد المحال عليه لعمرو المحتال، فيصبح عمرومحلزيد في دائنى ته لخالد، فينتهي بذلك الدين الذي كان لزيد على خالد، واما الدين الثابت لعمرو على زيد فينتهي باحدالتخريجات السابقة. واما ان نلتزم بتغيير المدين، فهذا يعني ان الدين الثابت لعمرو على زيد ينتقل وعاؤه الى ذمة خالد، واما الدين الثابت لزيد علىخالد فينتهي باشغال زيد ذمة خالد لعمرو. اذن فلا يجتمع تغير الدائن مع تغير المدين، لان تغير كل من الدائن والمدين لايوجب انحلال الدين بل يبقى الدين على حاله، فاذاقلنا في موارد الحوالة على مدين ان التغيرين مجتمعان بتقريب: ان دائن خالد كان زيدا ثم اصبح عمرا ومدين عمرو كان زيداثم اصبح خالدا فهذا يعني اجتماع دينين على خالد، لان كلا من التغيرين يعني بقاء الدين وانحفاظه، فحينما يتغير دائن خالدمن زيد الى عمرو يبقى الدين على حاله، وحينما يتغير مدين عمرو من زيد الى خالد يبقى الدين ايضا على حاله، فيجتمع دينانعلى خالد المحال عليه، وهذا خلاف طبع الحوالة. اذن فاما ان يتغير الدائن فقط واما المدين فقط، كي يلزم في كل مورد ثبوت دين واحد في ذمة المدين المحال عليه، هذا كله فيالحوالة على مدين. واما اذا كانت الحوالة على بريء كما اذا كان خالد في المثال بريئا لم يثبت في ذمته شيء للمحيل فلا يملك زيد المحيل شيئا منذمته كي يتوجه التوجيه السابق، وانما ذمة خالد تحت سلطان نفسه، فالعملية التي كان يقوم بها زيد المحيل في الحوالة علىخالد المدين هناك يقوم بها خالد نفسه هنا، والعملية هي اشغال ذمة خالد لعمرو، فكما كان زيد المحيل وعمرو المحتال يتواطنهناك على اشغال ذمة خالد المدين لزيد بدين عمرو فكذلك هنا يتواطا خالد نفسه مع عمرو على اشغال ذمة نفسه بدين عمروبدلا عن زيد، وبهذا يصح النحو الرابع في الحوالة على البريء ايضا كما كان يصح في الحوالة على المدين. هذا تمام الكلام في الانحاء الاربعة المتصورة للحوالة. والان يقع الكلام بلحاظها في ثلاث نقاط: النقطة الاولى: انه مع قطع النظر عن الدليل الدال على صحة الحوالة بعنوانها هل يمكن الحكم بصحة كل من الانحاء السابقة اوبعضها، او لا يمكن ؟ النقطة الثانية: ملاحظة الدليل الدال على صحة الحوالة وان موضوعه ماهو؟ النقطة الثالثة: ان كلمات الفقهاء وتعريفهم للحوالة ينسجم مع اي من الانحاء السابقة، وبتعبير اوضح: ماهي الحوالةبالارتكاز الفقهي من بين الانحاء المذكورة؟ فاما النقطة الاولى: فلابد فيها من استعراض الانحاء السابقة لنرى ما يدل على كل منها بقطع النظر عما دل على الحوالة: فاما النحو الاول: وهو الوفاء فليس عقدا ولا معاوضة، اي لايندرج تحت عنوان العقود والمعاوضات، فلا يمكن التمسك بصحتهبمثل: (اوفوا بالعقود)((66))، ولكن بالامكان تصحيحه بالارتكازات العقلائية القائمة على توسيع نطاق الدين بحيث يشملالفرد الذمي والفرد الخارجي، بمعنى ان الكلي الذي هو في ذمة المدين لا يختص شموله للافراد الخارجية بل يشملها ويشملالفرد الذمي الاخر كما ذكرنا في النحو الاول فيكون الكلي الذمي جامعا للخارجي والذمي، فاذا ادى المدين فردا خارجيا من المالاو فردا ذميا فيحصل به الوفاء، ولهذا تكون الحوالة منطبقة على الوفاء لانها وفاء بالفرد الذمي، فلا فرق بين اداء الفرد الذميوالفرد الخارجي غاية الامر انه يحتاج في اداء الفرد الذمي الى رضا الدائن، اذن فالارتكازات العقلائية تساعد على توسيع نطاقالدين الى الفرد الذمي، فتكون الادلة الدالة على وجوب وفاء الدين شاملة للوفاء بالفرد الذمي كشمولها للفرد الخارجي، فينعقدلادلة وجوب وفاء الدين اطلاق مقامي للحوالة كاي دليل يتكفل حكم عنوان من العناوين من دون تخصيصه بخصوصيته،ويكون للنظر العقلائي امضاء فرد مشكوك وادراجه تحت العنوان الكلي. اذن فهذا النحو الاول وهو الوفاء يمكن تصحيحهبلحاظ احد هذين السبيلين المبتنيين على الارتكاز العقلائي، وهما: الاول: الاطلاق المقامي لادلة وجوب وفاء الدين. الثاني: السيرة العقلائية على امضاء الوفاء بالفرد الذمي اي الحوالة مع عدم ردع الشارع عنها. فيثبت باحدهما او بهما ان الحوالة وفاء. واما النحو الثاني: وهو التنازل فقد تصورناه باحد تقريبين: الاول: ان يكون على نحو الجعالة. الثاني: ان يكون على نحو الاستدعاء الموجب للضمان. فاما التقريب الاول له فصحيح بضم ادلة نفوذ التنازل والابراء الى ادلة صحة الجعالة، واما التقريب الثاني له فصحيح ايضابضم ادلة نفوذ الابراء والتنازل الى ما دل على كون الاستدعاء موجبا للضمان وهو السيرة العقلائية مع عدم الردع عنها من قبلالشارع. واما النحو الثالث: وهو تغيير الدائن او بيع الدين فلا اشكال في انه مشمول لعموم (اوفوا بالعقود)، فانه عقد ومعاوضة،وذلك بناء على المختار من ان هذا العموم يرجع اليه حتى في تصحيح كل عقد، ولا يكون الرجوع اليه منحصرا باثبات لزوم كلعقد، خلافا لما قيل من ان هذا العموم يرجع اليه في اثبات لزوم كل عقد لا في تصحيحه، مضافا الى الادلة الخاصة الواردة فيباب البيع بالخصوص فانها تشمل هذا البيع وهو بيع الدين ايضا. نعم في المقام اشكال واستدراك: فاما الاشكال: فقد يقال: انا لو قطعنا النظر عما دل على صحة الحوالة بعنوانها فهذه المعاوضة وهي بيع الدين خارجة عنعموم (اوفوا بالعقود)، وكذلك هي خارجة عن شمول الادلة الخاصة الواردة في باب البيع، وذلك لان هذه المعاوضة عبارة عنبيع الدين بالدين، وقد ورد في النبوي انه(ص) نهى عن بيع الدين بالدين((67)) فتبطل، وحينذاك فلا يمكن تخريجها بالتخريجالسابق. والجواب عن هذا الاشكال واضح، فان النبوي الدال على نهي النبي (ص) عن بيع الدين بالدين ظاهره عدم جواز بيع الدينالذي يبقى على حاله حتى بعد البيع بالدين الذي يبقى على حاله ايضا، اي ان ظاهره بقاء الدين الواقع ثمنا والدين الواقع مثمناعلى حاله ولا يخرج الدينان بالبيع عن كونهما دينين، واما اذا كان البيع موجبا لخروج احد الدينين او كليهما عن كونه دينا فلايشمله النبوي فيصح. والمقام من هذا القبيل، فان الدين الثابت لعمرو على زيد لايبقى على حاله بعد البيع، فانه بمجرد ما اشترى زيد دينه الثابت فيذمته لعمرو بالدين الثابت له في ذمة خالد فهذا يعني انتقال الدين الذي كان على زيد الى نفسه، وانتقال الدين الى من هو عليهيعني سقوطه، فيسقط الدين الثابت لعمرو على زيد بهذا البيع، اذن فلم يبق الدين على حاله بعد البيع، فلا يشملهالنبوي. هذا هو الاشكال مع جوابه. واما الاستدراك فحاصله: انا لو بنينا على صحة هذه المعاوضة وذلك استنادا الى عموم (اوفوا بالعقود) والادلة الخاصةالواردة في البيع فحينذاك لابد من ان تخضع هذه المعاوضة للاستثناءات التي تخضع لها العقود والمعاوضات الاخرى، فمثلادل الدليل على اشتراط القبض في بيع الصرف اي بيع النقود بالنقود ومع عدم القبض لايصح، فاستثنى بيع الصرف منسائر البيوع بان اشترط فيه القبض وبدونه لا يصح، بخلاف سائر البيوع فانها تلزم قبل القبض وتصح، فلو بنينا على ان هذهالمعاوضة ايضا بيع فلابد من ان نلتزم فيها بانه يشترط القبض اذا كان الدينان من قبيل الدراهم والدنانير، كما اذا كان فيمثالنا السابق زيد مدينا لعمرو بعشرة دنانير ودائنا لخالد بعشرة دنانير، فان بيع احد الدينين بالاخر يكون من بيع الديناربالدينار فيشترط فيه القبض. وايضا دل الدليل على عدم صحة بيع الطعام المسلم فيه قبل قبضه الا بنحو التولية وهناك قول بالكراهة فاذا بنينا على عدمجوازه فلابد من ان نلتزم به في المقام ايضا، فاذا كان لعمرو من من حنطة في ذمة زيد ولزيد من من حنطة في ذمة خالد ببيعالسلم بان كان زيد قد اعطى الثمن وكان في ذمة خالد ان يعطيه المن من الحنطة وقت حلول الاجل فلا يجوز حينئذ ان يبيع زيدالمن من الحنطة الثابت له على خالد بالمن من الحنطة الثابت لعمرو عليه ما دام لم يقبض المن من الحنطة الثابت له علىخالد. اذن فهذا النحو الثالث يصح بعموم (اوفوا بالعقود) وبالادلة الخاصة في باب البيع. واما النحو الرابع: وهو تغيير المدين فلا اشكال في انه لاتشمله الادلة الخاصة الواردة في باب البيع وباب الجعالة وبابالصلح وباب الهبة وغيرها، فانه لاينطبق عليه اي عنوان من هذه العناوين، فليس بيعا ولا صلحا ولا جعالة ولا هبة، فينبغيتصحيحه بالعمومات كعموم (اوفوا بالعقود)، وهذا يتوقف على ان لا يكون المنصرف من العقود ما كان معهودا في عصرالشارع، واما لو بنينا على ان المنصرف من الاية العقود المعهودة في عصر الشارع فلا يمكن تصحيح النحو الرابع الا اذا اثبتناانه حوالة، فان اثبتنا ذلك فتشمله ادلة الحوالة وان لم نثبته فلا يصح، وحيث ان المختار في الاية عدم انصرافها الى خصوصما هو المعهود في عصر الشارع بل تشمل غيره ايضا فيصح هذا النحو الرابع ايضا استنادا الى عموم (اوفوا بالعقود). اذن فالانحاء الاربعة كلها صحيحة بالعمومات والادلة الخاصة الواردة في البيع والجعالة وغيرها بلا حاجة الى التمسك بادلةالحوالة، نعم يفيد التمسك بادلة الحوالة بالنسبة الى بعض الاستثناءات اللاحقة للحوالة. وبهذا انتهينا من النقطة الاولى. واما النقطة الثانية: وهي ملاحظة ما دل على صحة الحوالة وان موضوعه ما هو؟ فنقول: ان لاحظنا باب الالفاظ فينبغي ان نقول ان الحوالة الماخوذة بعنوانها في الروايات تحتمل احتمالين: فاما ان نقدر ان تكونمضافة الى الدين او الى الدائن، اي اما ان يكون تحويل الدين او تحويل الدائن. فان فرض الاول فمقتضى الجمود على حاق اللفظ هو الالتزام بالنحو الرابع من بين الانحاء الاربعة، فان النحو الرابع عبارة عنتغيير المدين، اي تحول الدين من وعاء الى وعاء آخر، فهو تحويل للدين مع الحفاظ عليه، واما الانحاء الاخرى فليست تحولاللدين بهذا المعنى. وان فرض الثاني بان كانت الحوالة عبارة عن تحويل الدائن لا تحويل الدين فاما ان نفرض ان المقصود تحويل الدائن بما هودائن فايضا يكون مرجعه الى تحويل الدين، اذ معناه تحويل دائنيته، ولا يكون المقصود تحويل ذاته بل تحويل الصفة المتمثلةبه وهي الدائنية، اذن فيكون تحويل الدائنية عبارة اخرى عن تحويل الدين فيرجع اليه. واما ان نفرض ان المقصود من تحويل الدائن دفعه الى المحال عليه لياخذ منه ما كان له ان ياخذ من المحيل، فهذا يناسب جميعالانحاء الاربعة، فان كلا من الوفاء والتنازل وتغيير الدائن وتغيير المدين عبارة عن دفع المحتال الدائن الى المحال عليه، غايةالامر انها تختلف اختلافا جزئيا كما اتضح، وحينئذ فيتمسك باطلاق الدليل الدال على صحة الحوالة، اذ لم يؤخذ فيه سنختصرف مقيد بخصوصية تختص ببعض الانحاء دون البعض الاخر، بل له اطلاق لكل ما ينطبق عليه عنوان التصرف الاوليالذي هو عبارة عن دفع ذات المحتال الدائن الى المحال عليه، وهذا هو ما قلناه سابقا من تقسيم العناوين الى اولية وثانوية،فان هذا عنوان اولي للتصرف المباشر. هذا كله ان لاحظنا باب الالفاظ، الا ان هناك عاملا آخر ينبغي الالتفات اليه وهو الارتكاز العقلائي، فانه لو فرض قيام الارتكازالعقلائي على كون الحوالة عبارة عن النحو الاول وهو الوفاء فهذا بنفسه قرينة على صرف ظهور اللفظ عن النحو الرابع الىالنحو الاول لو كان اللفظ مضافا الى الدين اي كان تحويل الدين الذي قلنا باختصاصه بالنحو الرابع كما انه لو قام الارتكازعلى كون الحوالة عبارة عن النحو الرابع فهذا بنفسه قرينة على صرف ظهور اللفظ عن بقية الانحاء الى النحو الرابع لو كاناللفظ مضافا الى الدائن اي كان تحويل الدائن الذي قلنا بشموله للانحاء كلها ولا يبقى للدليل اطلاق بحيث يشمل سائر الانحاء،وذلك لان الدليل الدال على امضاء الحوالة انما يدل على وجوب ترتيب احكام عليها، كبراءة ذمة المحيل وعدم جواز الرجوعوغيرهما من الاحكام، فتنصرف هذه الاحكام الى المعاملة المعهودة بين العقلاء، فينعقد للدليل ظهور في خصوص ما هوالمرتكز عقلائيا. لكن الانصاف عدم وجود ارتكاز عقلائي كذلك، ولعل احسن الشواهد على ذلك نفس الاختلاف الموجود بين العقلاء في فهمالحوالة، فان المسلمين شيعة وسنة منذ مئات السنين يذكرون ان الحوالة استيفاء او معاوضة او من قبيل الاستيفاء او منقبيل المعاوضة او نقل الذمة، فنفس هذا الاختلاف قرينة على عدم وجود ارتكاز عقلائي يقيد الحوالة بشيء من الانحاء الاربعةدون غيره، فيتمسك باطلاق الدليل بعد فرض اضافة الحوالة الى الدائن فيشمل الانحاء الاربعة كلها. واما النقطة الثالثة: وهي ملاحظة ان الحوالة بحسب الارتكاز الفقهي تنسجم مع اي من الانحاء السابقة؟ فهذه من مشكلاتالحوالة، فان فقهاءنا لم يتعرضوا لحقيقة الحوالة بنحو فني وسيع دقيق بل اكتفوا بنفس الاجمال وفرعوا عليها الفروع ، ومنهنا كان علينا ان نلتفت الى الفروع المذكورة في الحوالة كي نرى انها تناسب مع اي من الانحاء، ومقتضى الجمود على ظاهراللفظ الموجود في تعريفهم للحوالة بانها: معاوضة تقتضي انتقال الذمة الى ذمة اخرى هو النحو الرابع، فانه يقتضي نقل ذمةالى ذمة اخرى، لانه عبارة عن تغيير المدين، اي تغيير وعاء الدين وهو الذمة، الا اننا مع ذلك لا ندري انهم حين عرفوا الحوالةبهذا التعريف هل كانوا ملتفتين الى بقية الانحاء الاربعة وخصصوا من بينها النحو الرابع، او انهم لم يكونوا ليلتفتوا الى ذلكبل كان تعريفهم للحوالة تعريفا غامضا يمكن تطبيقه على كل من الانحاء السابقة؟ وبالتدقيق في الفروع التي ذكرها السيد (قده)في العروة وذكرها الجواهر ومفتاح الكرامة تختلف مناسبتها للانحاء، وهذا ماسوف يتضح عند البحث في الفصل الثاني والفصل الثالث. وبهذا انتهينا من دور الفصل الاول، وهو بيان حقيقة الحوالة والانحاء المتصورة فيها.
القسم الثاني اية اللّه السيد محسن الخرازي المقام السادس انه لا يجوز اسقاط الجنين في اي مرحلة كان، بدليل الاخبار الدالة على حرمة اسقاط النطفة الواقعة في الرحم، فانها تدل علىحرمة اسقاط الجنين بطريق اولى. هذا مضافا الى صحيحة ابي عبيدة عن ابي جعفر(ع) في امراة شربت دواء وهي حامل لتطرح ولدها فالقت ولدها، فقال: ((ان كانعظما قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فان عليها ديته تسلمها الى ابيه، وان كان جنينا علقة او مضغة فان عليهااربعين دينارا او غرة (اي العبد والامة) تسلمها الى ابيه. قلت: فهي لا ترث من ولدها من ديته؟ قال: لا، لانها قتلته)). ((68)) وهذه الرواية بضميمة الاخبار الدالة على ان القتل من الكبائر تدل على حرمة اسقاط الجنين من حين كونه علقة وحتى بلوغهالمراتب الاخرى. لا يقال: ان بعض فقراتها ليس معمولا به. لانا نقول: لا يضر ذلك بسائر فقراتها، فقوله(ع): لا ترث معللا بانها قتلته معمول به، وهو كاف للاستدلال. ويشكل ذلك: بان صدق القتل بنحو الحقيقة منوط بولوج الروح، فلابد من التخصيص لصورة ولوج الروح. ويمكن الجواب عنه: بان تطبيق القتل على مثل العلقة والمضغة في الرواية مع ان المعلوم عدم ولوج الروح فيهما دليل علىان المراد من القتل معنى يعم مورد السوال. اللهم الا ان يقال: ان القتل بهذا المعنى لا يكون من الكبائر. وعليه فدلالة الرواية على الحرمة التكليفية في جميع موارد الاسقاطغير واضحة. ولقائل ان يقول: ان تنزيل سائر الموارد من الاسقاط بمنزلة القتل يكفي للدلالة على ان الاسقاط ذنب عظيم. وربما يستدل بالاخبار الدالة على وجوب تاخير رجم الزانية الحامل الى ان تضع ما في بطنها، لظهور تلك الاخبار في انالوجهفي التاخير هو لزوم حفظ الجنين، مع ان المعلوم هو لزوم المبادرة الى اجراء الحدود، كما ورد عنهم(ع) بانه: ((ليس في الحدودنظر ساعة)) ((69)) . ومن جملة تلك الاخبار موثقة عمار الساباطي، قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن محصنة زنت وهي حبلى، قال: ((تقر حتى تضع مافي بطنها وترضع ولدها، ثم ترجم)) ((70)) . ومرسلة المفيد عن امير المومنين(ع) انه قال لعمر وقد اتي بحامل قد زنت فامر برجمها، فقال له علي(ع): ((هب لك سبيل عليها،ايسبيل لك على ما في بطنها واللّه يقول: (ولا تزر وازرة وزر اخرى)؟)) فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها ابو الحسن، ثمقال: فما اصنع بها يا ابا الحسن؟ قال: ((احتط عليها حتى تلد، فاذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فاقم الحد عليها)) ((71)) . هذا كله مضافا الى اشعار ادلة جعل الدية على اسقاط النطفة وما بعدها بالحرمة التكليفية وان امكن انفكاك الدية عن الحرمةكالكفارة. ثم ان مقتضى الاطلاق في الروايات هو عدم الفرق في الحرمة بين رضاية الزوجين بالاسقاط وعدمه. ثم لا يخفى عليك ان المحرم هو الاسقاط، واما تقوية الجنين او ايجاد تغيير فيه من جهة الذكورة والانوثة او غيرهما فلا دليلعلى حرمتها ما لم يود الى الاضرار بالحمل او الحامل. المقام السابع في فروع الحمل والاسقاط الاول: اذا كان الحمل موجبا لخوف موت الحامل فلا يجوز الحمل وان امر به زوجها، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة)((72)) . الثاني: اذا حملت المراة ثم خافت من الموت من جهة ادامة الحمل، فان كان قبل ولوج الروح جاز لها الاسقاط، لتزاحم وجوبحفظ النفس مع حرمة الاسقاط، واهمية وجوب حفظ النفس بالنسبة الى حرمة الاسقاط. وان كان ذلك بعد ولوج الروح ففي المسالة قولان: احدهما: انه لا يجوز الاسقاط بوجه، لان حفظ النفس لا يجوز بقتل نفس اخرى، والمفروض ان الجنين نفس انسانية ولا فرقفي ذلك بين الكبير والصغير والجنين وغيره، كما هو مقتضى الروايات المانعة عن قتل الغير بالتقية والضرورة والاضطرار،كقوله(ع): ((انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فاذا بلغت التقية الدم فلا تقية...)) ((73)) ، اذ لا خصوصية للتقية في ذلك. هذا مضافا الى امكان ان يكون المراد من التقية هو معناها الاعم، وهو حفظ النفس من كل شر ومكروه فتامل كما قال سيدناالامام المجاهد(قده): ان التقية اعم لغة، فانها بمعنى التجنب والتحذر والمخافة، فصدقت على التحرز من كل مكروه وشرثمقال:فلا وجه لتقييد عمومات التقى ة بخصوص ما ذكر ( من تقية المخالفين) بمجرد كون مورد بعض الاخبار ذلك مع امكانحملها على التفسير بالمصداق كما هو شائع ثم قال:ومضافا الى روايات فيها صحاح قال : التقية في كل ضرورة. ((74)) فمع شمول اخبار التقية للمقام بالاطلاق او القاء الخصوصية لا مجال للرجوع الى قاعدة التزاحم او بناء العقلاء، بل لا مورد لهمامع اخبار التقية، اذ القاعدة تصلح للرجوع اليها اذا لم يرد دليل في موردها، وهكذا لا يصح الرجوع الى بناء العقلاء على فرضتسليم وجوده، لان البناء مردود بالاخبار الدالة على المنع عن حفظ النفس بقتل نفس محترمة، فتدبر جيدا. وثانيهما: انه يجوز الاسقاط. واستدل له بوجوه: منها: ان المسالة تكون من باب الدفاع، فيجوز للام الدفاع عن نفسها بالاقدام على اسقاط جنينها كما يجوز لها الدفاع عن نفسهااذا خافت من هجوم الغير، لعدم الفرق بين هجوم العامل الخارجي وهجوم العامل الداخلي. ويشكل ذلك: بان فرض الهجوم في الحمل مع عدم حركة ارادية من الجنين كما ترى، فلا يقاس المقام بباب الدفاع. هذا مضافا الى ان دفاع الام معارض بدفاع الحمل، اذ لوليه ان يدافع عنه بمنع الام من الاسقاط، فافهم. ومنها: ان المسالة من باب التزاحم، اذ دار الامر بين ارتكاب محرم وهو قتل النفس وبين ترك واجب وهو حفظ نفسه وعدمتعريضه للهلاك، فمقتضى حكم العقل عند التزاحم ودوران الامر بين المحذورين وعدم ترجيح احدهما على الاخر هو التخيير،وعليه فالحامل تتخير بين حفظ نفسها باسقاط الولد واعطاء الدية، وبين الكف عن الاسقاط وتحمل الموت. ((75)) ويشكل ذلك: بما عرفت من حكومة ادلة التقية على دليل حفظ وجوب النفس، فالتزاحم فرع وجود الملاك في الطرفين، ومعحكومة تلك الادلة فلا ملاك لوجوب حفظ نفسها في هذه الصورة حتى يلزم التزاحم ((76)) . والقول بان دليل نفي الحرج حاكم على دليل عدم التقية في الدم وان كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه، لان عدم التقيةفي الدم اعم من ان يلزم الحرج في تركه ((77)) . لا ترجيح له من دعوى العكس، فان قوله(ع): ((واذا بلغت التقية الدم فلا تقية)) ((78)) من العناوين الحاكمة. هذا مضافا الى ان نفيالحرج يدل على جواز ارتكاب الدم او تقديم نفي الحرج على حرمة ارتكاب الدم فيما اذا كان الشر والضرر متوجهين الى الغيربالطبع، لا في مثل المقام الذي وقع الطرفان في الشر والضرر بطبعهما ويكون الضرر متوجها اليهما معا، فان الرفع في مثلهبالنسبة الى احد الطرفين خلاف الامتنان على الامة، وايضا نفي الحرج كنفي الضرر، فلا يشمل الاحكام الواردة مورد الضرروالحرج كالجهاد. وفي المقام يكون تحمل الضرر بعدم اراقة دم الغير حكما واردا مورد الضرر، فلا تشمله ادلة نفي الحرج. وايضا لو قدم نفيالحرج على نفي التقية فيما اذا بلغت الدم لا يبقى مورد لنفي التقية وصار قوله(ع): ((اذا بلغت التقية الدم فلا تقية)) لغوا، فلاتغفل. وعليه، فمع حكومة ادلة التقية لا ملاك في وجوب حفظ النفس حتى يرجع الامر الى الدوران بين المحذورين. ومنها: ان مقتضى الادلة الدالة على الحلية عند الاضطرار كقوله تعالى: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان اللّهغفور رحيم) ((79)) ، وقوله(ص): ((رفع عن امتي ... وما اضطروا اليه...)) ((80)) هو رفع الحرمة عن الاسقاط من باب الاضطرار،والاصحاب عملوا بادلة الاضطرار في مثل اكل الميتة، فلم لا يجوز التمسك بها في مثل المقام؟! هذا مضافا الى تاييد ذلك بوجوب اكل الاب الغذاء المختص به دون اهله وولده فيما اذا توقف حفظ حياتهم على اكل الغذاءالمذكور. ويشكل ذلك: بان جواز قتل النفس بادلة الاضطرار مما لا يلتزم به احد، ولذلك لا يفتي احد بجواز قتل انسان عند الاضطرار الىاكل لحمه. هذا مضافا الى ان الاضطرار كما يكون للام كذلك يكون للولد، فلوليه ان يمنع الام من الاسقاط حتى يحفظ حياة الولد، ولو سلماطلاق ادلة الاضطرار يقيد بما ورد في التقية من انها ما دامت لم تبلغ الدم. واما التاييد بالمثال المذكور ففيه: انه اجنبي عن المقام، لان عامل الموت في المثال ليس هو الاب بل مات الاهل والولد بسببالجوع الوارد بالعوامل الطبيعية، وهذا غير اسقاط الجنين، فان موت الجنين حصل بسبب مباشرة الام او تسبيبها. ومنها: ان بناء العقلاء في امثال المقام على التخيير، الا ترى ان الام اذا القيت في البحر وتعلق بها ولدها ودار امرها: بين نجاةنفسها بغرق ولدها، وبين نجاة ولدها بغرق نفسها، وبين غرقهما، فهي ملومة ان اختارت الاخير، كما لا اشكال في عدم كونهاملومة اذا اختارت احد الاولين من نجاة نفسها بغرق ولدها او بالعكس؟! وهذا يكشف عن التخيير العقلائي في مثل تلكالموارد. وفيه: اولا: ان فرض تعلق الغير بها يوجب دخول المسالة في باب الدفاع، فان من تعلق به الغير له ان يدافع عن نفسه، والمقام كماعرفت لا يكون من باب الدفاع، لعدم تعلق اختياري فيه، فالانسب هو التمثيل بما اذا القيت ام مع وجود ولدها الرضيع فيصدرها في البحر. وثانيا: انه لو سلم اتصال البناء المذكور الى زمان المعصوم فلا اعتبار به بعد ردع الشارع عنه، والمفروض ان حفظ النفسبقتل نفس اخرى ممنوع شرعا بمثل ادلة التقية، لتحديد وجوب حفظ النفس فيها بما اذا لم تبلغ الدم، فجواز اهلاك الام ولدهاللتخلص من الهلاك في غاية الاشكال. اللهم الا ان يقال: ان تلك الادلة منصرفة عما اذا دار الامر بين حفظ احدهما وهلاك كليهما. ولكن يدفعه: ان هذه الصورة ايضا حفظ نفس بقتل نفس اخرى، فيشملها الردع الشرعي، ولا يمنع عن الشمول انطباق عنواناخر وهو الحفاظ على النفسين من الهلاك. هذا تمام الكلام بالنسبة الى حكم الحامل. واما حكم الطبيب فهو اشكل، لان الاضطرار والدوران للحامل لا للطبيب، وجواز المعالجة لا يوجب جواز قتل النفس لحفظالنفس، لانصراف ادلة جواز المعالجة عن مثله. نعم، لو قلنا بجواز الاسقاط للام حفظا لنفسها وكان الطبيب ايضا مقلدا لمن يقول بجواز ذلك جاز له الاسقاط، كموارد القصاص،فان القصاص كثيرا ما لا يجري بيد اولياء الدم بل ياتي به الجلاد باذن الحاكم، فالقتل واهدار النفس اذا كان حقا جاز للغير الذييراه جائزا ايضا بشرائطه. ومما ذكر يظهر انه لا وجه للتفصيل بين الام والمعالج كما يظهر من بعض اجوبة الاستفتاءات للسيد الخوئي(قده) ((81))وهكذا لا حاجة الى الحيلة بان تهلك الام ولدها ثم يخرجه المعالج، مع ان ذلك لا يمكن في جميع الموارد. ثم ان للدوران بين حفظ نفس الام وبين حفظ نفس ولدها صورا: احدها: ما اذا علمت الام بموت نفسها او موت ولدها. وثانيها: ما اذا خافت الموت على نفسها وعلى ولدها. وثالثها: ما اذا علمت موت نفسها وخافته على ولدها. ورابعها: ما اذا خافت الموت على نفسها وعلمت موت ولدها. وحينئذ نقول: انه ان قلنا بان المقام من موارد التزاحم فلا اشكال في الاولى والثانية، لان الامر فيهما يدور بين المحذورين ولاترجيح. واما بالنسبة الى الثالثة فجواز الاسقاط اوضح، لان الامر يدور بين الموت القطعي والموت الاحتمالي، ولا اشكال في تقديمالقطعي على الاحتمالي. واما بالنسبة الى الرابعة فالامر بالعكس، فلا يجوز الاقدام على الاسقاط. واما ان قلنا بحكومة ادلة التقية لمثل المقام بناء على اطلاقها او القاء الخصوصيةفالصورتان الاولى والرابعة واضحتان،لانهما تحفظان النفس بقتل النفس فلا يجوز. واما الثانية والثالثة فتكونان من موارد الشبهة الموضوعية، لعموم المنع عن اراقة دم الغير. نعم، حيث كانت الشبهة في الدماءوالنفوس محكومة بوجوب الاحتياط فيها كانتا ملحقتين بالموارد المعلومة، وعليه فلا فرق بين الصور الاربعة. ثم لا يخفى عليك انه اذا قلنا بالتزاحم وافادة التخيير للام فلو زاحم الام ولي الجنين فاللازم هو الترافع الى الحاكم، وهو ينظرفان رجح عنده طرف بالنسبة الى الاخر فهو، والا فمقتضى القاعدة عند التشاح وعدم الترجيح هو القرعة، لانها لكل امرمشكل. ثم لا يذهب عليك انه اذا دار الامر بين حفظ نفس الام وهلاك التوامين او ازيد وقلنا بالتزاحم فلا يبعد القول بعدم جوازالاسقاط للام، لانه حفظ نفس واحدة باهلاك النفسين، وهو مرجوح. ثم انه اذا دار الامر بين نجاة شخص من الموت وتاخير موت اخر كما اذا كانت معيتهما موجبة لموتهما، فاذا انفصل احدهماعن الاخر نجا احدهما واخر موت الاخرفان لم يكن موته مسببا عن الانفصال فلا اشكال في الجواز، واما مع كونه مسببا عنالانفصال فحكمه حكم ما مر، ومجرد التاخير لا يوجب تفاوتا في الحكم. الثالث: اذا اقتضت ضرورة المعالجة اسقاط الجنين، فان امكن تاخير المعالجة فاللازم هو التاخير، والا فمع عدم ولوج الروحفي الجنين يجوز الاسقاط عند الاضطرار الى المعالجة، لمثل قوله(ص): ((رفع... وما اضطروا اليه)) ((82)) ، واما مع ولوج الروحفلا يجوز، لما عرفت مفصلا. الرابع: ان علمت الحامل ان الجنين لو بقي لمات بمجرد الولادة، فهل يجوز اسقاطه قبل ولوج الروح او لا يجوز؟ يمكن ان يقال: مقتضى اطلاق ادلة حرمة اسقاط الجنين هو عدم الجواز في هذه الصورة، فضلا عما اذا ولجت الروح فيه. هذا مضافا الى ان اسقاط الجنين خوفا عليه من الموت اسراع في اعدامه. الخامس: ان علمت ان الجنين صار معلولا وناقص الخلقة فلا يجوز لها اسقاطه، لاطلاق ادلة حرمة اسقاط الجنين. هذامضافاالى انه قتل نفس محترمة ان كان الاسقاط بعد ولوج الروح. والاستدلال بنفي الحرج اللازم من ابقاء الجنين وتولده مع ما فيه من المعلولية المقتضية للمعالجة الصعبة والاتفاقاتالكثيرة ممنوع: اولا مضافا الى منع الحرج في اكثر الموارد: بان ادلة نفي الحرج لاتشمل الحرج المتوجه اليه بالطبع كما ان ادلة نفي الضرر لاتشمل الضرر المتوجه اليه بالطبع، فلا يجوز لمن توجه اليه الحرج او الضرر بالطبع الاولي ان يسوق الضرر او الحرج الىالغير، لان القاعدتين للامتنان على الامة، وايراد الضرر او الحرج المتوجهين اليه على الغير خلاف الامتنان علىالامة. وثانيا: ان الحرج التقديري والاستقبالي لا يمنع الحرمة الفعلية، اللهم الا ان يقال: ان الحرج يحرز بوجود العلم او العلمي فيالمستقبل، وهو كاف، بل الضرر غالبا يكون متوجها اليه في الاستقبال، نعم يلزم ان لا يطول الزمان. ويمكن ان يقال: ان الحرج الاستقبالي وان صار في حكم الفعلي بعد العلم بوجوده في الاتي الا انه لا فاعلية له بالنسبة الى رفعالحكم الفعلي. وثالثا: ان الحرج لا يجوز القتل، الا ترى ان الاباء والامهات وغيرهم ربما بلغوا من الكبر الى حد يلزم منه الحرج والضرر، فهليلتزم احد بجواز قتلهم؟! ولعل تقديم حرمة اسقاط الجنين على حرمة تاخير اجراء الحدود مع اهميته شاهد على اهمية حفظنفس الجنين، فلا ترفع اليد عن وجوب حفظ نفس الجنين بمثل الحرج والضرر والاضطرار. السادس: لو كان الجنين معتلا بعلة بحيث لا يمكن له ان يتطور ويبلغ مرحلة ولوج الروح فيه، فلقائل ان يقول: بان تعليلحرمة اسقاط النطفة في صحيحة رفاعة بان النطفة اذا وقعت في الرحم تصير الى علقة ثم الى مضغة ثم الى ما شاء اللّه... الخيدل على ان حرمة الاسقاط انما هي في النطفة التي تقع في مسير التكامل الى حد الانسانية لا النطفة التي تكون كالغدد ولا تصلالى ذلك الحد. وعليه فاسقاط ما لا يمكن ان يقع في مسير التكامل الى حد الانسانية وولوج الروح فيه لا باس به، كما اذا كانالجنين بصورة حيوان، او كما اذا لم يكن للجنين راس، ونحو ذلك. نعم، اذا احرز ولوج الروح في المعلول فلا يجوز اسقاطه ولو بلغ في المعلولية ما بلغ وكان حرجا على امه وابيه. المقام الثامن في احكام الدية وهنا فروع: الاول: انه اذا افزع شخص غيره في حال الجماع بحيث يعزل وجب عليه عشرة دنانير، بلا خلاف ظاهر. كما يشهد له معتبرة ظريف عن امير المومنين(ع) انه افتى: ((في مني الرجل يفزع (يفرغ) عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يردذلك نصف خمس المئة، عشرة دنانير)) الحديث ((83)) . وظاهر الكلمات ان دية تضييع النطفة على من افزع مجامعا تختص بصورة العمد والالتفات، واما اذا حصل الفزع بفعل الغير مندون عمد والتفات فلا. ولكنه محل تامل، لان قوله: ((يفزع)) بصيغة المجهول اعم من صورة العمد والالتفات، فالحكم الوضعي ثابت بالاطلاق وان لميفعل حراما. ثم انه يقع الكلام في ان الرواية هل تشمل الزوجة اذا افزعت الرجل بحيث صار موجبا للعزل ام لا؟ ربما يقال: بانها منصرفة عن هذه الصورة، لان قوله: ((عن عرسه)) ظاهر في ان المفزع هو شخص ثالث. اللهم الا ان يتعدى عنموردها بتنقيح المناط القطعي. ولو افزع رجل من يريد العزل فلا تكون الرواية شاملة له، لتقييدها بقوله: ((ولم يرد ذلك))، اذ ظاهره ان المشار اليه بقوله: ((ذلك))هو العزل، وعليه فمن اراد العزل لا يكون داخلا في الرواية. الثاني: انه اذا عزل الزوج عن زوجته اختيارا بلا اذن منها، قيل: يلزمه عشرة دنانير مستدلا بانه مفوت كغيره. ولكنه كما ترى،اذ لا دليل لذلك، والرواية الواردة في الافزاع لا تشمل المورد المذكور، وكراهة الزوجة لذلك لا توجب الدية، كما لعله يدل عليهموثق محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: ((لا باس بالعزل عن المراة الحرة ان احب صاحبها، وان كرهت ليس لها من الامرشيء)) ((84)) .والاستيلاد حق الزوج، كما يدل عليه قوله تعالى: (نساوكم حرث لكم فاتوا حرثكم انى شئتم) ((85)) ، فان المستفاد منه هو انزوجة كل رجل حرث ومزرعة له، وامر الزرع والحرث فيها بيده، فان شاء الاستيلاد فليس للزوجة الممانعة، وان شاء العزلفليس للزوجة ايضا الممانعة، ولا دليل على ثبوت هذا الحق للزوجة، كما لا يخفى. الثالث: ان اسقاط النطفة المستقرة في الرحم يوجب عشرين دينارا، واسقاط العلقة يوجب اربعين دينارا، واسقاط المضغةيوجب ستين دينارا، واسقاط العظم يوجب ثمانين دينارا، واسقاط الجنين الكامل قبل ولوج الروح يوجب مئة دينار، واسقاطالجنين بعد ولوج الروح يوجب الف دينار. وقد دلت الروايات ((86)) على ذلك، والتي منها: ما رواه في الكافي عن امير المومنين(ع) انه جعل دية الجنين مئة دينار، وجعلمنيالرجل الى ان يكون جنينا خمسة اجزاء، فاذا كان جنينا قبل ان تلجه الروح مئة دينار، وذلك ان اللّه عزوجل خلق الانسان منسلالة وهي النطفة فهذا جزء، ثم علقة فهو جزءان، ثم مضغة فهو ثلاثة اجزاء، ثم عظما فهو اربعة اجزاء، ثم يكسى لحمافحينئذتم جنينا فكملت له خمسة اجزاء، مئة دينار. والمئة دينار خمسة اجزاء، فجعل للنطفة خمس المئة عشرين دينارا،وللعلقة خمسي المئة اربعين دينارا، وللمضغة ثلاثة اخماس المئة ستين دينارا، وللعظم اربعة اخماس المئة ثمانين دينارا.فاذا كسي اللحم كانت له مئة دينار كاملة، فاذا نشا فيه خلق اخر وهو الروح فهو حينئذ نفس، فيه الف دينار دية كاملة ان كانذكرا، وان كان انثى فخمسمئة دينار... الحديث ((87)) . ولا كلام فيه بالنسبة الى ولد الحلال، وانما الكلام في دية ولد الزنا، فان قلنا بنفي النسب شرعا في الزنا فلا يوجب اسقاط جنينالزنا دية جنين ولد الحلال وان كان الاسقاط حراما، لعدم تبعيته للمسلم، نعم لوبلغ واظهر الاسلام فلا خلاف في كون ديته ديةمسلم. وان قلنا بعدم نفي النسب شرعا في الزنا فمقتضى القاعدة ان ولد الزنا ولد لهما شرعا ولغة وعرفا، فان الولد كما في التنقيحليس له اصطلاح حادث في الشرع وانما هو على معناه اللغوي، ولم يرد في شيء من رواياتنا نفي ولدية ولد الزنا ،فيترتب عليه ما يترتب على ولد الحلال. ((88)) والتحقيق: هو عدم ثبوت دليل على نفي النسب شرعا وان كان ظاهر المحكي من كلمات القدماء هو نفي النسب شرعا، وذلكلانما استدل له غير تام، اذ قوله(ص): ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) بقرينة الروايات المتعددة حكم ظاهري لاحكم واقعي،فلا يصح الاستدلال به على نفي ولدية ولد الزنا. واليك جملة من هذه الروايات: منها: ما رواه في الوسائل عن التهذيب باسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن السندي، عن صفوان، عن اسحاق بنعمار، عن سعيد الاعرج، عن ابيعبداللّه(ع)، قال: قلت له: الرجل يتزوج المراة ليست بمامونة تدعي الحمل، قال: ((ليصبر، لقولرسول اللّه(ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر)) . ((89)) ومنها: ما رواه فيه ايضا عن الكافي عن احمد، عن علي بن الحكم، عن ابان بن عثمان، عن الحسن الصيقل، عن ابي عبداللّه(ع)،قال: سمعته يقول: وسئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل ان يستبرى رحمها، قال: ((بئس ما صنع! يستغفر اللّه ولايعود. قلت: فانه باعها من اخر ولم يستبرى رحمها، ثم باعها الثاني من رجل اخر ولم يستبرى رحمها فاستبان حملها عند الثالث،فقال ابو عبداللّه(ع): الولد للفراش وللعاهر الحجر ((90)) )). ومنها: ما رواه فيه ايضا عن الكافي باسناده، عن ابي علي الاشعري عن محمد بن عبدالجبار، وعن حميد بن زياد عن ابنسماعة جميعا، عن صفوان، عن سعيد الاعرج، عن ابي عبداللّه(ع)، قال: سالته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، لمنيكون الولد؟ قال: ((للذي عنده، لقول رسول اللّه(ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر)) ((91)) . وغير ذلك من الاخبار. فالمستفاد من هذه الروايات ان عند الشك في نسب الولد يكتفى بالفراش في لحوق الولد بصاحب الفراش لا بالعاهر، وهذا لايدل على ان مع العلم بكون الولد من الزاني ليس الولد ولدا له شرعا، فهو حكم ظاهري لاواقعي. وقد يستدل على نفي النسب شرعا بصحيح الحلبي عن ابي عبداللّه(ع) قال: ((ايما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراهافادعى ولدها فانه لا يورث منه، فان رسول اللّه(ص) قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يورث ولد الزنا الا رجل يدعي ابنوليدته)) ((92)) . بدعوى: ان قوله(ع): ((ولا يورث ولد الزنا)) يشير الى الحكم الواقعي من نفي النسب عن العاهر، فانه كالصريح في ولد الزناالواقعي ((93)) . وعليه، فتطبيق قوله(ص): ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) على ولد الزنا الواقعي دليل على ان المراد من هذا القول هو الحكمالواقعي، فاذا كان حكما واقعيا فهو يدل على سلب ولدية ولد الزنا عن العاهر شرعا. وفيه: اولا: ان نفي الارث عن ولد الزنا اعم من ان يكون الولد ولد زنا واقعا او ولد زنا باعتراف العاهر، وعليه فقوله(ع): ((ولا يورث ولدالزنا)) ليس بصريح في ولد الزنا الواقعي. وثانيا: ان الظاهر من الصدر والذيل من الرواية هو ان ولد الوليدة مورد النزاع بين المشتري وصاحب الوليدة، فادعىالمشتري بانه الذي تكون من وقوعه عليها قبل الشراء، وادعى صاحبها انه ابن وليدته، فالولد محكوم بقاعدة ((الولد للفراش))لصاحب الوليدة، والوارث منه هو هو لا العاهر، لانه لا فراش للعاهر قبل الشراء، فهو حكم ظاهري لا واقعي. وثالثا: ان حمل الصدر على الحكم الواقعي والذيل على الحكم الظاهري يوجب الجمع بين ارادة الحكم الواقعي والظاهري فيقوله(ص): ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))، وهو محال، لان الشك موضوعا او موردا ماخوذ في الحكم الظاهري بخلاف الحكمالواقعي، والجمع بين اخذ الشك وعدمه مستحيل. اللهم الا ان يقال: ان القضية واقعية حتى في الموارد المشكوكة، فانه بعد وجود الفراش كان الحكم الواقعي هو ثبوت الولدللفراش، وهذا الحكم جار في الموارد المشكوكة لا من باب اخذ الشك في موضوعه او مورده حتى يكون اصلا او امارة، بل منباب جريان الحكم الواقعي وسريانه حتى في حال الشك، فتامل. فانقدح ان دعوى نفي ولدية ولد الزنا واقعا غير ثابتة، ونفي الارث لايلازم نفي الولدية شرعا،ولذا يقوى حرمة النكاح بين ولدالزنا والمحارم، ولا يجوز الجمع بين الاختين اللتين كلتاهما او احداهما من الزنا، وغير ذلك من الاحكام المترتبة على الولادة،وليس الوجه في ذلك الا الولادة العرفية والشرعية. واما ما ذهب اليه في المستمسك من الجمع بين نفي الولادة شرعا وبقاء حرمة النكاح مدعيا بان المستفاد من بعض الرواياتومن مذاق الشرع الاقدس ان حرمة النكاح تابعة للنسب العرفي، بدليل استنكار ان يكون اولاد ادم(ع) قد تزوجوا اخواتهم،وانتحريم النكاح من الاحكام الانسانية لا من الاحكام الشرعية تعب دا ((94)) فكما ترى. وعليه، فمقتضى القاعدة هو ان دية ولد الزنا دية ولد الحلال من دون فرق بين حال كونه جنينا وغيرها، فانه ملحق بابيه، فاذاكان ابوه مسلما فهو محكوم بحكمه في الدية وان كان من الزنا. نعم، يمكن رفع اليد عن القاعدة المذكورة بدليل خاص، وهو ما رواه في التهذيب باسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عنابراهيم بن هاشم، عن عبدالرحمان بن حماد، عن ابراهيم بن عبدالحميد، عن جعفر(ع)، قال: قال ((دية ولد الزنا دية الذمي ثمانمئةدرهم)) ((95)) . ودعوى ضعف السند كما صرح به المحقق الحلي في الشرائع ((96)) لعدم توثيق عبدالرحمان بن حماد في كتبالرجال. مندفعة بانه ممن روى عنه ابن ابي عمير، وهو كاف في الوثاقة، لانه لايروي الا عن الثقة، هذا مضافا الى ما قيل من وروده فياسناد كامل الزيارات، فتامل. ولكن ثبوت الاسلام باظهار الاسلام بعد البلوغ كما في الجواهر من ضرورة المذهب بل الدين، ومعه يندرج بذلك في المسلمينوالمومنين في الديات وغيرها، وعليه فرفع اليد بمثل المعتبرة عن ذلك مشكل، كما ان اثبات دية الذمي له قبل البلوغ مع كونهملحقا بابيه بمقتضى ما عرفت من ولدية ولد الزنا لوالده وعدم ثبوت نفيه عنه شرعا مع عدم عمل الاصحاب به ايضا لا قبلالبلوغ ولا بعده في غاية الاشكال، فالاحوط التصالح، وبقية الكلام في محله ((97)) . ثم ان دية ولد الزنا تدفع الى الحاكم الشرعي فيما اذا كان الزنا من الطرفين، لان ولد الزنا لا يورث مطلقا لا من طرف الزاني ولامن طرف المزني بها ، ولا من طرف من يتقرب بالزاني ولا من طرف من يتقرب بالمزني بها، كما يقتضيه نفي التوارث عنهمطلقابقوله(ع): ((لا يورث ولد الزنا))، فيختص ارثه بالامام(ع)، فانه وارث من لا وارث له. نعم، لو كان الزنا من طرف واحد تدفع الدية الى من لم يزن ان كان حيا ، والا فالى من يتقرب به. |