ثم ان اسقاط الجنين ان كان بمباشرة الاب فلا يوجب الا الدية ولو كان بعد ولوج الروح، للنصوص الدالة على انه: ((لا يقاد والد بولده)) الحديث ((98)) .

المقام التاسع

ان المشهور ذهبوا الى ان من ضرب حاملا فاسقطت حملها فمات حين سقوطه فالضارب قاتل، وعليه القود ان تعمد وقصدذلك.

قال في الجواهر: ((يقتل الضارب ان كان عمدا، لتحقق موضوع القصاص فيه وهو ازهاق الروح المحترمة، سواء كانت مستقرة‏او لا، خلافا لبعض العامة حيث حكم بانه اذا لم يتوقع ان يعيش لا تكمل فيه الدية، (و) عن اخر فاوجب فيه الغرة. وهو كما ترى‏مناف لاطلاق الادلة التي مقتضاها القصاص مع تيقن حياته وازهاقها بالجناية)) ((99)) .

هذا مضافا الى مرسلة ابن فضال، عن بعض اصحابه، عن ابي عبداللّه(ع) قال: ((كل من قتل شيئا صغيرا او كبيرا بعد ان يتعمد فعليه القود)) ((100)) .

وذهب في مباني تكملة المنهاج الى ان الاقرب عدم القصاص وعليه الدية، من جهة عدم ثبوت القصاص والقود على من قتل‏صغيرا بل عليه الدية ((101)) .

واجاب عن العمومات والمطلقات بانها قابلة للتخصيص بصحيحة ابي بصير يعني المرادي قال: سالت ابا جعفر(ع) عن رجل‏قتل رجلا مجنونا، فقال: ((ان كان المجنون اراده فدفعه عن نفسه (فقتله) فلا شي‏ء عليه من قود ولا دية، ويعط‏ي ورثته ديته من‏بيت مال المسلمين. قال: وان كان قتله من غير ان يكون المجنون اراده فلا قود لمن لا يقاد منه، وان على قاتله الدية في ماله‏يدفعها الى ورثة المجنون ويستغفر اللّه ويتوب اليه)) ((102)) .

بتقريب: ان الصحيحة وان كان موردها المجنون الا ان قوله(ع) ((فلا قود لمن لا يقاد منه)) تطبيق للكبرى على الصغرى، فتدل‏على‏عدم القود على الصغير ايضا.

واما المرسل فهو وان كان لا باس بدلالته الا انه ضعيف سندا من جهة الارسال.

نعم، رواه الصدوق بسنده الصحيح عن ابن بكير عن ابي عبداللّه(ع)، الا انه قال: ((كل من قتل بشي‏ء صغر او كبر)) ((103)) .ولكنه ضعيف دلالة، نظرا الى ان الظاهر من قوله(ع):

((صغر او كبر)) هو ان الصغر والكبر صفة للشي‏ء الذي يقع به القتل،وعليه فالرواية اجنبية عن كون المقتول صغيرا او كبيرا . ((104))

 وفيه:

اولا كما في جامع المدارك: ان هذا مبني على اطلاق ((من لا يقاد به))، ومن يقول بان وجود قدر المتيقن في مقام التخاطب مانع من‏الاطلاق يمنع الاطلاق ((105)) .

ولقائل ان يقول: ان هذا اشكال مبنائي، فلا يرد على من يقول ان القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع عن الاطلاق.

وثانيا كما في جامع المدارك ايضا: ان لازم ما ذكر عدم القود لو قتل النائم، لان النائم مع كونه نائما لو قتل احدا في حال النوم‏لا قود عليه، ولا اظن ان يلتزم به، وهذه الصحيحة تدل على ان العاقل لا يقتل بالمجنون ((106)) .

اضف الى ذلك المصروع او المغمى عليه او الوالد فانهم لا يقادون. اللهم الا ان يقال: بان الاطلاق منصرف عن هذه الموارد، ولكنه‏لا وجه له ولا دليل على التخصيص في جميع هذه الموارد، فعدم التزامهم بالاطلاق مع عدم وجه للانصراف وعدم اقامة دليل‏على التخصيص في جميع الموارد شاهد صدق على عدم الاطلاق.

وثالثا كما افاد استاذنا الاراكي(قده): ان العلية في مثل المقام ليست على نحو العلية المستفادة من اللام، ففرق بين قولنا:الخمر حرام لانه مسكر، وقولنا: الخمر حرام اذا كان مسكرا، اذ مفاد الاول ان ميزان الحرمة هو الاسكار في اي موضوع كان، ومفادالثاني ان وصف الاسكار متى تحقق في موضوع الخمر يوجب ترتب الحرمة عليه، ومتى لم يتحقق فيه يوجب انتفاءها عنه من‏دون تعرض لحال غير الخمر، وفي المقام تكون العلية للحكم بالنسبة الى الموضوع المذكور في نفس القضية الشرطية وهوقتل المجنون عمدا من دون تهاجم على القاتل بمعنى ان وجود تالي الاداة علة لترتب الحكم على هذا الموضوع، وعدمه علة‏لانتفاء سنخ الحكم عن هذا الموضوع، من غير تعرض بحال موضوع اخر اصلا ((107)) .

وعليه فعدم القود ممن لا يقاد منه راجع الى الموضوع المذكور في القضية الشرطية وهو المجنون، فلا يتعدى عنه الى غيره،فلا تغفل.

اللهم الا ان يقال: ان لسان قوله (ع): ((فلا قود لمن لا يقاد منه)) لسان كلي.

فالجواب: هو عدم الالتزام بمقتضى الاطلاق.

وكيف كان، فلا وجه لرفع اليد عن العمومات بعد الشك في اطلاق المخصص، فلا تغفل.

المقام العاشر

ان الحاكم الاسلامي له ولاية الامور، فاذا راى لزوم تحديد النسل وامر به يجب على الناس اطاعته، فان قوام الولاية بالاطاعة‏بناء على تمامية ادلة النيابة والولاية، ولا ينافي ذلك ما عرفت من مطلوبية كثرة التوالد والتناسل من حيث هي هي، بل لو راى‏ان اللازم هو اغلاق انابيب الحمل وجبت ايضا اطاعته اذا امر وحكم بذلك، ولا ينافي ذلك حرمة الاغلاق، اذ الحرمة مع القطع‏بالعناوين الطارئة وترجيحها عليها تسقط عن الفعلية.

نعم، يدور حكم الحاكم مدار المصالح والمفاسد الملزمة العارضة، فاذا تبدلت عاد التحديد والتسديد الى حكمهما، فيحكم‏الحاكم بنقض حكمه كما لايخفى.

وبالجملة، مقتضى ادلة النيابة العامة هو ولاية الحاكم على الناس، قياما للملة وحفظا للمسلمين ودفعا للضرر المنفي في‏حوزة الاسلام، فيجب ان يحكم بحسب تشخيصه في الموارد اللازمة، كما يجب على الناس اطاعته والانقياد له، فافهم‏واغتنم.

المواكبة الشرعية لمعطيات

الهندسة الوراثية

(خصائص الجينوم البشري)

الاستاذ الشيخ حسن الجواهري

ان ما تقدم في عدد سابق كان عبارة عن بحث الاستتئام والاستنساخ الذي يعتبر مقدمة تمهيدية لبحث المواكبة الشرعية‏لمعطيات الهندسة الوراثية، حيث ان الاستنساخ والاستتئام هو تلاعب في الخلية بحيث يؤدي الى ايجاد التوائم المتشابهة،بينما بحث معطيات الهندسة الوراثية هو تلاعب في الجينات التي هي جزء من مكونات الخلية.

مقدمة: ان الموضوع الذي بين ايدينا هو موضوع طبي يحتاج الى اعطاء الحكم الشرعي الفقهي من علماء الاسلام، وبما ان مجال‏اختصاصنا هو الفقه (القانون) الا اننا في هذا البحث سوف نجهد في بيان المعلومات العلمية الطبية مستندين في ذلك الى ذوي‏الاختصاص، مع حذف بعض الاصطلاحات الطبية والتركيز على المهم منها، تبسيطا للمطالب العلمية التي يتوقف البحث عليهاللطالب الحوزوي الذي يهمه معرفة ما هو دخيل في الحكم الشرعي بعيدا عن الاصطلاحات الخاصة في ذلك العلم.

فنقول: هناك اصطلاحات لابد من شرحها، وهي:

اولا: الخلية: يتكون الكائن الحي من خلايا، وتحتوي الخلية على نواة في داخلها هي سر النشاط الحياتي فيها، ويحيط بالنواة‏غشاء نووي، وباقي مساحة الخلية فيما بين النواة وجدار الخلية سائل خلوي يسمى ((السيتوپلازم)).

ثانيا: الكروموسوم: هي اجزاء في داخل النواة تبلغ ثلاثة وعشرين زوجا هي حوامل الصفات الوراثية التي تقرر الصفات‏الوراثية للفرد.

ثالثا: الجين: هو جزء من الكروموسوم، يحوي كل المعلومات الوراثية ومعلومات طريقة عمل الجسم، لانه هو المسؤول عن‏صنع البروتين. ويعتقد الباحثون ان عدد الجينات في البدن يتراوح بين ستين الى سبعين الفا موجودة داخل الخلية، ولكن مايعمل منها عدد محدود حسب حاجة وتركيب الخلية.

رابعا: البروتين: هو اساس نشاط الخلية، والمسؤول عن صنعه هو الجين، فالانسولين بروتين هام لخفض السكر في الدم‏واستقلابه في الجسم يتم صنعه بواسطة جين معين موجود على الكروموسوم رقم (11).

وهذا البروتين يشتمل على سلسلة من الاحماض (قواعد نتروجينية)، فان نقص او اختلت سلسلته فانه يؤدي الى مرض قديكون خطيرا.

ثم ان الخلية التي تحتوي على الكروموسوم الذي يحتوي على الجين الذي يحتوي على البروتين تختلف في عملها، فخلية‏الدماغ تختلف عن خلية الجلد التي تختلف عن خلية اللسان التي تختلف عن خلية الامعاء في وظيفتها وعملها وشكلها.

وهذه الخلية وان كانت تحتوي على جميع الجينات الا ان الذي يعمل منها في خلية الدماغ غير الذي يعمل في خلية الامعاءواللسان.

وقد وجد الباحثون ان (20 %) من الجينات تعمل في كل خلية للقيام بالوظيفة الحيوية للخلية، بينما (80 %) يختلف عملها حسب‏الوظيفة والموقع والزمن، فالجينات تعمل في وقت معين ثم تسكت، ويتجلى ذلك بصورة واضحة اثناء تكون الجنين، ففي‏بداية تكوينه يعمل من الجينات عدد محدود، وعند بدء الخلايا بالتمايز لتكوين الخلايا الاكلة والهاضمة والعصبية وغيرهاتتحرك مجموعة من الجينات للعمل حسب اوامر اللّه سبحانه وتعالى، فاذا انتهت مهمتها سكنت حتى ياتي امر اللّه فتتحرك من‏جديد لتؤدي وظيفة منوطة بها.

خامسا: الوراثة: ان الوراثة هي احدى الخصائص الكونية التي اودعها اللّه سبحانه في الاجناس المختلفة من مخلوقاته التي‏فيها الحياة ذات الحس والحركة والارادة (الانسان والحيوان) او ذات النمو (النبات).

والوراثة موضوع قديم جدا، كان يعبر عنها العرب بانها ((نزعة عرق))، فقد جاء في حديث رواه ابو هريرة: ان رجلا اتى‏النبي(ص) فقال: يارسول اللّه، ولدي غلام اسود؟ فقال(ص) هل لك من ابل؟ قال: نعم، قال(ص) ما الوانها؟ قال حمر، قال(ص): هل‏فيها من اورق؟ قال: نعم، قال(ص): فانى ذلك؟! قال: لعله نزعة عرق، قال(ص): فلعل ابنك هذا نزعة)) ((108)) .

ومن المعروف ان الوراثة هي عبارة عن انتقال الصفات الحسنة والسيئة والامراض القابلة للانتقال من الاصول الى‏الفروع.

ومما تقدم اتضح ان موضوعنا (خصائص الجينوم البشري) له اهمية خاصة من حيث اتصاله بالوراثة وحفظ النسل وصيانة‏النسب، فهو موضوع يتصل بمقصد مهم من مقاصد الشريعة.

كما ان تسارع الكشوف حول الجينوم البشري والهندسة الوراثية وما يترتب عليها جعلنا في حاجة الى التنبيه لجوانب‏متعددة صاحبت تلك الكشوف، اهمها:

اولا: اتضاح معالم وراثية خفية لمكونات الخلية الجينية، وامكان التحكم فيها.

ثانيا: ان هذا الاتضاح لايزعزع ايمان المسلم، بل يبصره بما في نفسه من اسرار في شتى الاطوار.

ثالثا: ان هذه المعالم الوراثية مما تعلقت بها ارادة اللّه تعالى الكونية بصرف النظر عن حكمها لانها عبارة عن استخدام‏قوانين وسنن اودعها اللّه تعالى في مخلوقاته.

رابعا: النظر في الحكم التكليفي من المشروعية وعدمها ليتسنى للملتزمين بالشريعة في صورة عدم الجواز الاحجام عن‏هذا العمل مباشرة، والاحجام عن الاذن فيه او المعونة عليه حتى فيما هو نافع، فان النفع المادي لايكون على حساب لحوق‏الضرر المعنوي بالتحلل من الحرام.

خامسا: النظر في الحكم الشرعي الوضعي (الاثار المترتبة على التصرفات) فيما لو وقعت هذه التصرفات ممن لايلتزمون‏بالشريعة، كاحكام النسب والنفقات والارث والزواج، وخاصة الفحص قبل الزواج.

سادسا: هناك احكام شرعية للهندسة الوراثية تتصل بالاعفاء من العقاب فيما اذا كان اثر الخلل وراثيا.

الهندسة الوراثية (قراءة الجينوم):

ان البحث في معرفة الجينوم البشري مستمر، ففي كل يوم اكتشاف لعدد من الجينات فيحدد موقعها من الكروموسوم وماينتجه من بروتين، ووظائف هذا البروتين في الجسم، وما هي الامراض التي تصيب الانسان عند نقصه، او الاختلال في تسلسل‏احماضه (قواعده النتروجينية)، فيستبدل بعض الحوامض المنتجة من الجين نتيجة طفرة وراثية تحول الجين من الوضع‏السليم الى الوضع المعيب.

ولا تعرف اسباب الطفرات الوراثية في الجين، الا ان هناك عوامل عديدة تسبب هذه الطفرات، مثل التعرض للاشعة او بعض‏السموم او العقاقير او تلوثات البيئة، وحتى التعرض للاشعة فوق البنفسجية الموجودة في اشعة الشمس.

وهذه الطفرات التي تحدث فتسبب الاختلال في تسلسل الاحماض قد تصلح نتيجة لما اودعه اللّه تعالى في جسم الانسان من‏آلية اصلاح معظم الطفرات، وقد تكون الطفرة غير مسببة لمرض، كما قد تكون مسببة لمرض قد يكون خطيرا.

امثلة لبعض انواع الجينات:

1- الجين المسؤول عن تكوين بروتين الانسولين يقع على كروموسوم رقم (11) وهو جين صغير الحجم مكون من (1430)زوجا من القواعد النتروجينية، فان نقص فانه يؤدي الى داء البول السكري.

2- ولكن جينا آخر يتحكم في بروتين العضلات يسمى ((دستروفين))، وهو جين كبير مكون من (2400000) زوج من القواعدالنتروجينية، وان حصل نقص في هذا البروتين فانه يؤدي الى مرض قد يكون خطيرا.

3- وهناك جين يتحكم في البروتين الهام الذي يسمى ((بيتاجلوبين))، وهو جين مسؤول عن تكوين سلسلة ((الهيجو جلوبين‏بيتا))، قد يصاب بخلل بسيط في قواعده النتروجينية التي يكون عددها (1600) قاعدة، فيحدث مرض المنجلية، وهذه الخلاياالمنجلية سرعان ما تلتصق وتؤدي الى حدوث جلطات متعددة في الجسم وخاصة العظام والطحال، وقد تحدث في الدماغ وفي‏اثناء الحمل في المشيمة.

ونكتفي بهذا القدر من انواع الجينات، وعلى هذا فسيكون التعرف على الجينات هو الموصل لنا الى اكتشاف الامراض والعاهات‏في الاجنة، والقيام بالمعالجة للامراض الوراثية.

الامراض الوراثية الناجمة من الجينات:

تمكن العلماء من حصر الامراض الوراثية المنتقلة عبر جين واحد من كلا الابوين وهو ((المرض المتنحي)) ((109)) او من احدالابوين وهو ((المرض السائد)) في سنة (1994م) ب (6678) مرضا وراثيا، وقد زاد هذا العدد بحلول عام (1998م) الى اكثر من‏ثمانية آلاف مرض وراثي، وهناك الطفرات الوراثية في تركيب الجين، فيتحول من الوضع السليم الى الوضع المعيب. والذي‏زاد الامر تعقيدا هو تنوع الطفرات الوراثية، فقد احصى العلماء المختصون بهذا النوع الدقيق من العلم مايزيد على ستمئة نوع‏من الطفرات.

هل ينتقل المرض الوراثي ((المتنحي)) من الانسان الذي يحمل جينا مريضا الى ذريته؟

اذا كان الانسان يحمل جينا مريضا فهو يورثه لابنائه، ولكن لايظهر المرض الا اذا كانت الزوجة حاملة لنفس هذا الجين المريض‏ وتكون نسبة ظهور ((المرض المتنحي)) في الذرية على المستوى السكاني واحدا في الاربعة والا فان الابن الوارث للجين‏المريض يكون حاملا للمرض فقط وليس مريضا.

والذي يهمنا هو ما تسببه هذه الامراض من مشاكل عند اكتشافها او عنداكتشاف الحامل للمرض، مثل جواز الفحص قبل الزواج، واسرار المريض، وحقوق الاخرين، وحقوق المجتمع، وما شابه‏ذلك.

ولذا فان اجراء الفحص قبل الزواج لمعرفة الحاملين للجينات المريضة في الزوج والزوجة وتقديم النصح لهم امر قد يكون‏مالوفا في كثير من البلدان للتخلص من المرض المحتمل الذي يصيب الذرية.

الفحص الطبي قبل الزواج:

هناك بعض الدول قد فرضت الفحص الطبي قبل الزواج في امور:

1- الامراض المعدية.

2- الامراض الجنسية.

3- فحص الحيوانات المنوية لمعرفة انها تعاني من العقم ام لا.

ولكن في هذا الزمان هناك من ينادي بفحص الجينات لمعرفة المريض منها، حيث ان الزوج والزوجة اذا كان كل منهما يحمل‏جينا مريضا فلا ينسب اليهما المرض بل هما سالمان، ولكن اذا تزوجا فياتي الاحتمال القوي باصابة بعض الذرية بالمرض‏المتنحي.

ولكن نقول: اذا كانت الامراض الوراثية المنتقلة عبر الجين المريض كثيرة كما تقدم انها اكثر من ثمانية آلاف مرض فمامعنى الفحص الطبي قبل الزواج للامراض الوراثية خصوصا مع صعوبة وعدم توفر الفحوصات المختبرية لمعرفة حاملي‏هذه الامراض الوراثية؟!.

والجواب: هناك امراض تنتشر في بعض المجتمعات كمرض ((الثالاسيميا)) ومرض ((المنجلية)) واشباههما كمرض ((داءالسكري))، فالمراد من الفحص الطبي قبل الزواج الان هو فحص الزوج والزوجة لمعرفة اصابة الجين بهذا المرض ام‏لا.

ولكن مما يحجم دور الفحص الطبي قبل الزواج هو ماذكرته المجلة العلمية الامريكية((Scientific - American)) الصادرة في (يونيو 1994 م) من ان (80%) من الاجنة المصابة بالامراض المتنحية لاتنتج بسبب الوراثة من الابوين وانمابسبب طفرات جينية تحدث في البيضة او الحيوان المنوي او البييضة الملقحة. ونتيجة لذلك، فان السياسة الصحيحة‏للتخلص من الامراض هي فحص جميع النساء الحوامل وجميع اجنتهن لمعرفة الجين المصاب.

امثلة من الامراض المتنحية:

ا - مرض ((الثالاسيميا)): ويسمى ((انيميا حوض البحر الابيض المتوسط))، وهو مرض ينتشر في اليونان وقبرص ومعظم البلادالعربية وايران، وتتراوح نسبة حاملي الجين في هذه البلاد ما بين (2 16 بالمئة) من مجموع السكان.

وبما ان حامل الجين المعطوب لايكون مريضا، فانه ان تزوج بامراة حاملة نفس الجين المريض فان الذرية ستصاب بالمرض‏بنسبة واحد الى الاربعة على المستوى السكاني، خصوصا اذا حدث الزواج بين الاقارب.

ويعاني المصاب بهذا المرض من اصابات متعددة في جسمه وفي عظامه، كما ان الطحال قد يتضخم فيحدث اليرقان في بداية‏الامر، وتتكون حصى في المرارة، او يحدث ترسب الحديد في الكبد والقلب وغيرهما من الاعضاء نتيجة لنقل الدم المتكرر الذي‏يحتاجه المريض كل عام.

وطبعا ان علاج هذا المرض مكلف جدا خصوصا في البالغين.

وهنا يمكن اجراء الفحص الطبي لكشف المرض بواسطة تحليل الدم ولا حاجة الى فحص نفس الجينات.

ب - مرض ((المنجلية)): وهو يصيب جين الانيمياء المنجلية.وهو مرض منتشر في الاصول الافريقية، وتصل النسبة فيه الى(25 %) من جملة السكان في بعض المناطق، وسببه هو خلل وتغير في بعض الاحماض التي ينتجها جين معين: (وهو الحامض‏الاميني الموجود في الموقع رقم (6) من سلسلة بيتا الطويلة المكونة من (146) حمضا امينيا)، فيظهر الخلل في البروتين الذي‏يصنعه الجين المعين، وهذا التغير في البروتين يؤدي الى انحلال خلايا الدم الحمراء، فتتكسر خلايا الدم الحمراء قبل نهاية‏عمرها الطبيعي (العمر الطبيعي حوالي مئة يوم)، كما يؤدي هذا المرض الى جلطات متعددة في الاعضاء المختلفة والاطراف،كما يؤدي الى اصابات متعددة وخاصة في الرئتين والعظام.

وهذا المرض ايضا يمكن معرفته بطريقة تحليل الدم ورؤية الخلايا المنجلية تحت المجهر.

الامراض العامة ((المرض السائد)) تدخل في فحص الجينات:

تقدم المرض الوراثي الذي ينتقل عبر جين واحد مريض اذا كان الطرف الثاني ايضا مريضا بنفس ذاك الجين، وتقدم ان نسبة‏اصابة الذرية كان بنسبة واحد الى الاربعة على المستوى السكاني. اما الان فنتعرض الى دور الجينات في امراض كثيرة‏الشيوع، مثل امراض القلب والذبحة الصدرية وضغط الدم وانواع من السرطان كسرطان القولون والثدي وغيرها من‏الامراض التي تلعب فيها الجينات دورا مهما، وان كان للبيئة اثر في تلك الامراض، كالتدخين والمخدرات والزنا واللواط‏والسمنة، وحتى النوم والاكل والشرب والحركة... الخ.

ويسمى هذا المرض الوراثي ((المرض السائد)) وهو المرض الذي ينتقل من احد الوالدين فقط الى الذرية بينما يكون الاخرسليما، وعلى هذا فاذا تزوج شخص بزوجة وكان فيه هذا المرض السائد دونها فان نصف الذرية سيصاب بهذا المرض، واما اذاكانت الزوجة مصابة ايضا بنفس مرض الزوج السائد فان الذرية كلها ستصاب بهذا المرض.

ولهذا فان الفحص للجينات في الاجنة والاطفال والبالغين بل ومن يريد الزواج امر من الاهمية بمكان، لاخذ الحيطة والحذر من‏الزواج بفرد تؤدي نتيجته الى احتمال مرض الذرية او القطع بمرض قسم منها ((110)) .

ومن كل ما تقدم تحدث لنا بعض التساؤلات التي تحتاج الى اجابات شرعية، وخلاصة الاسئلة هي:

السؤال الاول: يقول علماء الطب: ان امراضا وراثية خطيرة قد تصيب الذرية بنسبة واحد الى الاربعة اذا كان ابواهما سالمين‏ولكنهما يحملان جينا معينا معطوبا، فهل يجوز او يجب فحص الجينات الذي يكشف وجود الجين المعطوب عند الزوج‏والزوجة معا لاعلامهما ذلك، خصوصا مع قول الاطباء:بان المرض قد ينتج من تفاعل بين الوراثة والبيئة، وان العامل الوراثي‏مسؤول عن (30 %) تقريبا عن حدوث المرض، بينما التفاعلات البيئية هي المسؤولة الاكبر؟

والجواب على هذا السؤال واضح اذا كان الفحص عن الجين المعطوب لايتوقف على عمل محرم، فانه عمل جائز لايشوبه‏اشكال.

وانما الاشكال في صورة توقف هذا الفحص على عمل محرم بعنوانه الاولي، فهل الفحص في هذه الصورة يكون‏جائزا؟

والجواب ايضا بالايجاب والجواز في صورة التماثل ما دامت الحاجة موجودة عند الطرفين للتعرف على الجين المعطوب‏لاصدار القرار من قبل الزوجين بالزواج او عدمه، او اصدار القرار بالزواج مقيدا بعدم الانجاب في صورة وجود الجين‏المعطوب، وهذه الحاجة هي التي جوزت هذا الفحص رغم وجود محرم لولا هذه الحاجة، والدليل على هذا الجواز هو ان ادلة‏حرمة النظر الى ما يحرم على الانسان النظر اليه منصرفة عن صورة وجود حاجة الى النظر، لذا نرى ان بعض نصوص السنة‏قد اجازت للنساء النظر الى عورات نساء اخريات لمجرد وجود حاجة الى النظر وكشف الامر، فالحرمة الموجودة منصرفة عن‏هذه الصورة التي يوجد معها حاجة الى معرفة الجين المريض عند الطرفين ليترتب عليه امر معين، ولكن الجواز كما تقدم آمختص بصورة التماثل بين الكاشف والمكشوف عليه.

هذا، بالاضافة الى وجود الدعوة في الشريعة الاسلامية لتخير الزوج زوجته لانه المبادر والبادى بالرغبة في الزواج، فقد جاءفي الحديث ((تخيروا لنطفكم فان العرق دساس)) ((111)) ، وورد ((تزوجوا في الحجز الصالح فان العرق دساس)) ((112)) ، وورد((تخيروا لنطفكم فانكحوا الاكفاء وانكحوا اليهم)) ((113)) وورد ((تخيروا المراة الصالحة السوية))، وهو ما عبر عنه‏بالعرق.

وهذه الدعوة الى التخيير تشمل تخيير الزوجة لزوجها ايضا، لنفس الملاك في تخيير الزوج زوجته، وانما ورد النص في الزوج‏لانه هو المبادر للاختيار غالبا.

وهذا التخيير الذي امرنا الشارع به يشمل الصفات الاخلاقية والخلقية والصحية، والصفات الخلقية والصحية لا تتبين الابالفحص قبل الزواج الذي فيه تشخيص المرض الوراثي وما يمكن ان يعالج به.

وعلى هذا يمكن ان يكون الفحص الجيني قبل الزواج هو من باب مبدا الوقاية من الامراض وتجنب اسباب الاضرار بالبدن‏وسلامة نشاة الانسان، كما يمكن ان يكون تجنبا لاسباب انتقال العدوى، اذ اقتران زوجين مهياين للمرض لكمون المرض في‏جين كل منهما هو عدوى منهي عنها بقوله(ص): ((لايوردن ممرض على مصح)) ((114)) ، وقوله(ص): ((لاعدوى ولا طيرة ولاهامة، وفر من المجذوم فرارك من الاسد)) ((115)) .

ومعنى ((لا عدوى)) هو ان لايعد بعضكم بعضا. لهذا كله فان الفحص قبل الزواج مشروع شرعا لما تقدم.

السؤال الثاني: واذا عرف وجود الجين المريض عند الرجل والمراة، فهل يحق للدولة او لولي الامر منعهما من‏الزواج؟

والجواب: هو ان منع ولي الامر منوط بالمصلحة العامة، فاذا كان الجين المعطوب موجودا في المجتمع بصورة كبيرة بحيث‏تزداد نسبة الاصابة بالمرض اذا تم امر الزواج بهذه الصورة، وراى ولي الامر المصلحة في ان يتم تزاوج الرجال ممن اصيب‏جينه بالمرض بنساء اخريات من مجتمع آخر لم تصب نساؤه بهذا الجين المريض لتقل او تنعدم نسبة الاصابة‏فحينئذيصح‏لولي الامر المنع من تزاوج المصابين بالجين المريض. وكذا الامر في النساء اذا راى ولي الامر المصلحة في‏منعهن من التزاوج بالرجال المصابين بالجين المريض ايضا، وامرهن بالزواج من مجتمع آخر يكون الرجال فيه سالمين من‏الجين المريض. كل ذلك جائز لولي الامر اذا وجد في ذلك المنع مصلحة عائدة الى المجتمع ولم يكن في الزواج الذي يطرحه‏ولي الامر مفسدة تزيد على مصلحة المنع.

السؤال الثالث: واذا لم يمنع الخطيب والخطيبة من الزواج وترك الزواج لارادتهما، وكانت رغبتهما فيه اكيدة وتزوجا، فهل‏يحل‏فحص الجينوم اثناء الحمل حيث يمكن اجراء فحص مايسمى بالزغابات المشيمية في الاسبوع السابع او الثامن من بدءالحمل ليعرف ان الجنين مصاب بهذا المرض ام لا؟

والجواب: ان هذا الفحص لا اثر له في الحالات الاعتيادية، لانه اذا كان المراد منه هو اسقاط الجنين بعد التعرف على مرضه فهوامر غير جائز عند الامامية، فقد وردت السنة عن طريق اهل البيت(ع) المانعة عن اسقاط الجنين بعد انعقاده ولو كان في ايامه‏الاولى، حيث قال السائل للامام(ع): انه نطفة، فقال الامام(ع): ((ان اول نشوء الانسان نطفة)). ففي معتبرة اسحاق بن عمار قال:((قلت لابي الحسن (الامام الكاظم(ع)): المراة تخاف الحبل، فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها؟ قال(ع): لا، فقلت: انما هو نطفة،فقال(ع): ان اول مايخلق نطفة)) ((116)).

بالاضافة الى امكان استفادة الحرمة ايضا من الروايات الكثيرة الواردة في وجوب الدية على من اسقط النطفة الملقحة، فمن‏تلك الروايات صحيحة محمد ابن مسلم قال: ((سالت ابا جعفر (الامام الباقر(ع)) عن الرجل يضرب المراة فتطرح النطفة؟ فقال(ع):عليه عشرون دينارا، قلت: يضربها فتطرح العلقة؟ قال: عليه اربعون دينارا...)) ((117)) .

نعم اذا كان المراد من هذا الفحص للجنين التعرف على مرضه لاجل العلاج فهو امر جائز وان توقف على محرم لولا الحاجة الى‏معرفة المرض وترتيب العلاج له، لانه تقدم ان ادلة حرمة النظر الى الجنس المخالف منصرفة عن صورة وجود حاجة الى‏النظر كمعرفة المرض لاعطاء العلاج للجنس المخالف او للحمل ما دام عنوان الحاجة الى معرفة المرض وعلاجه‏موجودا.

فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الاسلامي في اجهاض الجنين:

هذا ومن الجدير بالذكر ان المجمع الفقهي الاسلامي لرابطة العالم الاسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة في مكة (15 22رجب 1410 / 10 17 فبراير 1990م) قد اصدر فتوى بخصوص الجنين المشوه جاء فيها: ((قبل مرور مئة وعشرين يوما على‏الحمل اذا ثبت وتاكد بتقرير لجنة طبية من الاطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالاجهزة والوسائل‏المختبرية ان الجنين مشوه تشويها خطيرا غير قابل للعلاج، وانه اذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاما عليه‏وعلى اهله، فعندئذ يجوز اسقاطه. والمجلس اذ يقرر ذلك يوصي الاطباء والوالدين بتقوى اللّه والتثبت في هذا الامر، واللّه ولي‏التوفيق)) ((118)) .

اقول: ان هذه الفتوى تخالف ما عليه الامامية من حرمة اسقاط الجنين حتى وان كان مريضا مرضا غير قابل للعلاج، بالاضافة‏الى ما قاله المختصون: ان ((شدة المرض تختلف تماما من شخص الى آخر، بحيث اننا نجد طفلا يعاني من سكرات الموت‏والانتانات المتكررة، بينما ينمو طفل آخر له نفس نتيجة فحص الجينات نموا سليما ولا يعاني سوى من نوبات ربو تحدث من‏حين الى آخر، او ينمو طبيعيا جدا ولا تظهر عليه اية اعراض حتى يتزوج ويبدا يبحث عن مشكلة عدم الانجاب ليتبين انه ليس‏لديه حيوانات منوية بسبب عدم تكون القنوات المنوية...)) ((119)) .

اقول: اذا كان الفحص للجينات واثبات المرض في الجنين لا يؤدي الى حالة واحدة، بل بعض الاجنة يولد ويعاني من سكرات‏الموت، وبعضها لايعاني الا من نوبات ربو في بعض الاحيان، وبعضها لاتظهر عليه اعراض المرض الا بعد الزواج، فكيف‏يتحقق موضوع الفتوى في الخارج وان هذا المرض الذي يعاني منه الجنين غير قابل للعلاج؟!

راي الندوة المخصصة لموضوع (الانجاب في ضوء الاسلام) في الاجهاض:

جاء في التوصية التي انتهت اليها الندوة مايلي:

((استعرضت الندوة آراء الفقهاء السابقين وما دلت عليه من فكر ثاقب ونظر سديد، وانهم اجمعوا على تحريم الاجهاض بعد نفخ‏الروح اي بعد اربعة اشهر وان آراءهم في الاجهاض قبل نفخ الروح اختلفت، فمنهم من حرم باطلاق او كراهة، ومنهم من حرمه‏بعد اربعين يوما واجازه قبل الاربعين على خلاف في وجود العذر. وقد استانست الندوة بمعطيات الحقائق العلمية الطبية‏المعاصرة والتي بينتها الابحاث والتقنية الطبية الحديثة، فخلصت الى ان الجنين حي من بداية الحمل، وان حياته محترمة في‏كافة ادوارها خاصة بعد نفخ الروح، وانه لايجوز العدوان عليها بالاسقاط الا بالضرورة الطبية القصوى، وخالف بعض‏المشاركين فراى جوازه قبل تمام الاربعين يوما وخاصة عند وجود الاعذار)) ((120)) .

اقول: ان هذه التوصية توافق فتوى علماء الامامية اذا كان المراد من الضرورة الطبية القصوى هو موت الام ان لم يجهض‏الجنين.

السؤال الرابع: واذا حلت مسالة الاجهاض في صورة تلقيح بييضات بماء الزوج خارج الرحم وفحصها، فهل يوجد محذور من‏اعادة البيضة الملقحة السليمة الى رحم المراة بعد ان اخذت من مبيضها بعد تحريضه على الانتاج ورمي المعيبة المصابة‏بالمرض؟

والجواب: هو ان المراة ان كانت محتاجة الى هذه العملية من التلقيح خارج الرحم ولو لاجل الفرار من الحمل المريض،فحينئذيجوز اعادة البيضة الملقحة السليمة عن طريق النساء، وذلك لان حرمة النظر منصرفة عن هذه الحالة التي فيها احتياج‏الى النظر.

ولكن الكلام في رمي اللقيحة (قتلها) اذا كانت مصابة بالمرض، فان هذه اللقيحة حالها حال الجنين الاصلي الذي يحرم‏قتله.

وقد يقال: ان دليل حرمة اسقاط الجنين يختص بصورة ما اذا كان الجنين في الرحم ((121)) (بطن الام)، اما هذا الجنين فهو ليس‏كذلك، فلا حرمة في قتله.

ولكن الجواب: هو ان دليل حرمة قتل الجنين كان السؤال عنه من قبل السائل في صورة وجوده في بطن الام، اما جواب‏الامام(ع) فهو مطلق خصوصا عندما قال السائل للامام(ع): ((انما هو نطفة)) اشارة الى اللقيحة التي هي مبدا نشوء الانسان، فقال‏الامام(ع): ((ان اول نشوء الانسان نطفة)) وهذا الكلام من الامام لا يفرق فيه بين كونه في الرحم او في خارج الرحم فانه مبدا نشوءالانسان، ولا يجوز قتل مبدا نشوء الانسان حسب الرؤية المتقدمة.

السؤال الخامس: وهل يجوز افشاء سر المريض في حالة وجود جين مريض عنده، عندما يعلم بارادته الزواج من فتاة تحمل‏نفس الجين المريض؟ وهل يجوز افشاء سر قبيلة تحمل جينا مريضا، او مجتمعا يحمل جينا مريضا، فيوصى بعدم الزواج من‏هذه القبيلة او ذاك المجتمع، لان زواجهم سيؤدي الى ايجاد نسل مريض يضر المجتمع الانساني؟

والجواب: هو ان حرمة الغيبة او كشف السر قد لوحظ فيها حق الفرد او المجتمع، وهذا الحق هنا قد صادمه حق آخر فيما اذاكانت النتائج الضارة نتيجة عدم كشف السر تعتبر تعديا على حق الفرد او المجتمع، وحينئذ قد يقال بان ادلة حرمة الغيبة‏منصرفة عن هذه الصورة التي يكون عدم الغيبة تعديا على حق الفرد او المجتمع، او نقول بوجود التزاحم بين الحقين فيقدم‏الاهم منهما، فان كان حق الفرد في النصيحة اهم عقلائيا من حق الفرد المغتاب فتجوز النصيحة او تجب ولا تحرم الغيبة‏حينئذ.

وهذا كله يقدره الطبيب، فيستطيع ان يعرف اهمية الغيبة من النصيحة او العكس.

بينما الجواب الاول يجعل كشف السر (الغيبة) في هذه الصورة جائزا مطلقا.

السؤال السادس: وماذا يعمل الطبيب تجاه شركات التامين التي تتحمل التكاليف المالية للفحص عن المرض الجيني اذا طلبت‏الشركات معرفة نتائج الفحوص؟ وما هو الموقف بالنسبة لجهة العمل التي تطلب معرفة هذه النتائج؟

والجواب: هو ايضا عدم حرمة الغيبة وكشف السر فيما اذا كانت النتائج الضارة على شركات التامين و جهة العمل بمقداريهتم بها عقلائيا، فتكون ادلة الغيبة منصرفة عن هذه الصورة او يقال بوجود التزاحم بين حق الفرد المغتاب وحق جهة العمل‏وشركة التامين، ويقدم الاهم من الحقين على الاخر.

السؤال السابع: هل تتمكن الدولة (اي ولي الامر) من الزام الزوجين قبل عقد القران بالفحص الطبي المتعلق بالامراض الوراثية‏حتى لايكون هناك تغرير في عملية الزواج؟ وهل يعد هذا خروجا على الحرية الشخصية؟

والجواب: ان ولي الامر يلحظ المصلحة الاجتماعية الناشئة من الفحص الطبي، فان كانت هنا مصلحة اجتماعية تقتضي ذلك‏جاز له الالزام حتى يتبين للزوجين ما اذا كانت هناك امراض وراثية تكون وبالا على الذرية ام لا، ويترك لهما تقرير مصيرهمابعد ذلك، بعد ابداء النصح لهما ان لم يلزم ولي الامر بترك الزواج في حالة خاصة.

السؤال الثامن: ان الشخص الذي لديه الجين المصاب من كلا الابوين وثبت انه مريض بالفعل مرضا وراثيا كمرض‏الثالاسيميا او المنجلية فان وصل الى مرحلة الشباب واراد الزواج فهل يجوز له ان يخفي هذا المرض ويتزوج بامراة غيرمريضة؟ وهنا طبعا ستكون الذرية نصفها مريضا بهذا المرض.

والجواب: ان الاقدام على الزواج من قبل الزوج بامراة صحيحة من دون اخبارها بمرضه الذي يؤدي الى كون الذرية نصفهامريضا يعد تغريرا محرما، ولاجل رفع هذا التغرير المحرم لابد له من مكاشفتها الامر، فان وافقت على الزواج فهو عمل جائزبلااشكال، اذ لاتغرير في الامر.

السؤال التاسع: واذا لم يكن زواج المريض بالفعل من امراة صحيحة جائزا لانه تغرير محرم، فهل يجوز للشخص المريض‏بالفعل ان يبحث عن امراة مصابة بنفس مرضه ليتزوج بها، في حين ان الذرية ستكون كلها مصابة بهذا المرض؟

والجواب: ان عملية الزواج هذه بالنسبة الى الزوجين لم تشتمل على غرر اصلا.

ولكن هذا الزواج ان علمنا انه يجر الى حصول الذرية التي كلها مصابة بالمرض فهل يكون جائزا؟

والجواب: ان ادلة حرمة ادخال الاذى وتسبيبه للغير تشمل هذه الصورة، فان الزوج والزوجة كلاهما عالمان بان الزواج هذا آفي صورة الانجاب سيؤدي حتما الى ايجاد ذرية عليلة (مريضة)، والمرض نوع اذى سببه الزوجان على الذرية، فان فهمنااطلاق حرمة الاذى الذي يسببه الزوجان لذريتهما التي تاتي فيما بعد فيكون انجاب الذرية لهما حراما، ولذا ان قرر الزوجان‏المريضان الزواج بدون انجاب الذرية فهو عمل جائز بلا اشكال، ويبقى الاشكال في صورة الزواج منهما الذي يجر الى‏الانجاب.

الحكم الشرعي التكليفي للتصرفات في مجال الهندسة الوراثية:

اقول: ان المسالة مستجدة لم يكن فيها نص بخصوصها، وحينئذ قد يقال بدخولها تحت النص القائل: ((كل شي‏ء هو لك حلال‏حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه)) ((122)) وامثاله، او تحت البراءة من العقاب عند الشك في الحرمة والحل استنادا الى البراءة‏الشرعية ((رفع ما لايعلمون)) او العقلية ((قبح العقاب بلابيان)).

ولكن قد يقال: ان قاعدة حلية كل شي‏ء (اصالة الاباحة التي هي في مقابل اصالة الحظر) وجريان البراءة وادلتها متوقف على‏عدم وجود نص شرعي يحرم التصرف في هذا المجال. وهنا اذا كان التصرف في الجينات في مجال الهندسة الوراثية بازالة‏الجين المريض او وضع جين صحيح متوقفا على كشف العورة المحرم عند الاخذ من الرجل او المراة او الوضع في الرحم‏فهو عمل محرم لايجوز الا في حالة المرض، وبما ان الامر في هذه الحالة ليس فيه مرض الان فهو امر غير جائز.

ولكن الصحيح ان حاجة الزوجين لمعرفة الجين المريض من كليهما وازالته ووضع جين آخر صحيح اذا كانت هي حاجة‏عقلائية لاجل انجاب جنين يفترض فيه كمال الصحة والوقاية من الامراض المحتملة فيجوز النظر الى العورة من المماثل، كماتقدم ذلك في حالة اخذ الخلية لدى الكشف على الجين المريض فيها، وكان دليلنا فيما تقدم هو النصوص الشرعية التي تؤمرفيها النساء بالنظر الى عورات النساء لمجرد وجود حاجة عقلائية تستوجب النظر.

واما اذا كانت التصرفات في مجال الهندسة الوراثية غير مشتملة على المحرمات المتقدمة كما اذا كان الزوج هو الذي ياخذخلية المراة الجنسية ليفحصها فهو امر جائز بلا اي اشكال، يستفاد منه علميا لاجل سلامة الجنين من المرض او ما يطرا عليه‏من بلايا، ووضع العلاج المبكر له لاجل تخفيف آلامه او زوالها، كما في قراءة الجينوم البشري الذي يهدف الى معرفة اسباب‏الامراض الوراثية وقابلية حدوثها وعلاجها، وهي كثيرة جدا اهمها: سرطان الثدي، وسرطان المبيض. وهذا البحث العلمي اذا لم‏يكن مشتملا على محرم آخر فلا اشكال فيه ولا نزاع في مشروعيته.

العلاج الجيني:

وقد يستفيد الزوج من هذه العملية لاخذ الخلية الجنسية من زوجته ومنه استفادة عملية بازالة الجين المريض ووضع‏جين صحيح، مما يؤدي الى انجاب جنين يفترض فيه كمال الصحة والوقاية من الامراض المحتملة. وهذا قسم من التصرف في‏مجال الهندسة الوراثية، ولكنه ليس تصرفا في معرفة الجين المريض واسبابه وقابلية حدوثه واعداد الدواء له، بل هو ازالة‏جين مريض ووضع جين صحيح. وهذه العملية قد يقال باختلافها عن الصورة المتقدمة في الحكم.

والجواب: ان تبديل بعض الجينات الموجودة عند الزوج او عند الزوجة بحيث يؤدي الى تبدل الصفات الوراثية للجنين‏بمعنى تبديل خلقة هذا الجنين لايكون محرما في نفسه، اذ تغيير الخلقة ليس محرما في نفسه، وانما المحرم في الاية القرآنية آوهي قوله تعالى حاكيا عن ابليس (ولامرنهم فليغيرن خلق اللّه) ((123)) هو الامر بتغيير خلق اللّه الذي يكون المراد منه هوتغيير فطرة الانسان، قال تعالى: (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق اللّه) ((124)) .

وحينئذ سيكون تغيير الجينات جائزا بشرط ان لايكون في هذه العملية خطر وضرر كبير على الام او على جنينها الذي اجري‏تغيير خلقته، خصوصا اذا كان العذر هو تغيير فطرة هذا الانسان الذي فطره اللّه عليها.

ثم انه يخطر بالبال وجود اشكال مهم وهو: في صورة تغيير بعض الجينات المريضة بجينات فرد آخر صحيحة تكون النطفة‏قد تغيرت بعض جيناتها، وحينئذ لايطلق عليها انها نطفة الزوج او بويضة المراة، وحينئذ يكون وضعها في رحم الزوجة‏مشمولا للنهي وللعن من وضع نطفته في رحم يحرم عليه، كما ورد النص عن الرسول(ص) وعن ائمة الهدى(ع) ((125)) . وهذاالاشكال يعكر علينا عملية التصرف في الهندسة الوراثية بتبديل ودمج الجينات.

بالاضافة الى اننا نقطع بان الشارع المقدس يحافظ على الانساب ايما محافظة، وحينئذ تكون الهندسة الوراثية في تبديل ودمج‏الجينات مخالفة لغرض الشارع المهم في المحافظة على الانساب، اذ تكون الهندسة الوراثية للجينات مؤدية الى اختلاط‏الانساب او عدم معرفتها ولو في حالة الشك، وهو امر على خلاف غرض الشارع في اثبات قواعد النسب.

الحكم الشرعي الوضعي للتصرفات في مجال الهندسة الوراثية:

ان التصرفات سواء كانت محللة او محرمة لها آثار وضعية مترتبة عليها تتعدى مرتكبيها، كبطلان النسب، او عدم ثبوت النفقة‏والارث. وقد شرع الاسلام الزواج كوسيلة ضامنة لاثبات النسب على وجه صحيح، وقد اطلق عليها الفقهاء اسم ((الفراش))،فكل‏ولد تلده الزوجة وهي في عصمة الزوج يكون مثبتا للنسب، فلا حاجة الى اثباته او اقرار الزوج به اذا حصلت الولادة من‏الزوجة وكان الزوج مم ن يتصور منه الاحبال عادة (وهو البالغ الذكر) وان يولد الولد بعد ستة اشهر من امكان الوط‏ء العقلي اوالعادي.

كما ان النسب يثبت في حالة وجود الزواج الفاسد ووط‏ء الشبهة.

وايضا فان النسب يثبت في حالة الاقرار او حصول البينة عليه او قيام الشهادة على الشهادة او الشهادة على الشياع‏والشهرة.

وهذه الطرق التي تقدمت من الشارع لاثبات النسب انما هي امارات على ثبوته، فاذا علمنا بطريقة الهندسة الوراثية للجينات‏ان الماء الذي تكون منه هذا الجنين ليس هو كله من الزوجين بل ادخلت فيه مياه جنسية اخرى واخرجت مياه جنسية من‏الزوجين، فحينئذ لاتكون هذه الطرق الشرعية مثبتة للنسب، لانها طرق مثبتة للنسب مع كون الماء هو ماء الزوجين، او طرق‏مع عدم العلم بان الماء هو ماء غير الزوجين، اما اذا علمنا ان الماء لم يكن هو ماء الزوجين باكمله فلا تفيد الطرق المتقدمة‏لاثبات النسب، حيث نعلم ان النسب غير متحقق لانه عبارة عن تلاقي ماءي الزوجين، او عدم العلم بعدم تلاقي ماءي الزوجين‏مع شروط معينة، وهذا قد ثبت عكسه فلا نسب في البين.

واذا لم يثبت النسب فلا تجب النفقة، كما لايثبت الارث بين الجنين والزوجين، كما لاتثبت الاخوة بين هذا الجنين والاجنة‏السابقة التي لم يتلاعب في جينات الزوجين لاجل التولد، وهكذا تتفرع فروع كثيرة على عدم جواز التلاعب في جينات الزوجين‏فيما اذا تصرف بالتلاعب فيها. وواضح ان هذه التصرفات يكون اثرها الوضعي منعكسا على غير المتلاعبين ايضا، كابناءالزوجين او اخوات الزوجة او اخوة الزوج وغيرهم.

السرية في معلومات الهندسة الوراثية:

ان الاصل في الاسرار التي يفضيها الانسان للطبيب لتقديم النصح والعون له ان تكون سرية، ولكن المهم هنا هو ان اسرارالمرض الوراثي لايكشفه المريض للطبيب، بل ان الطبيب بنفسه يطلع على هذا المرض من خلال اختبارات الهندسة الوراثية،ولا نصيب للمريض في معرفتها، فهل يجوز كشف هذا السر الذي اطلع عليه الطبيب دون المريض؟

والجواب: لابد من مراجعة معنى السر، وهل هو مختص بما يفضي به الانسان الى آخر مستكتما اياه من قبل او بعد، ام انه‏يشمل ما اطلع عليه الانسان دون معرفة الاخرين؟

والصحيح ان السر يشمل ما اخبر به وكان مستكتما قبل الاخبار او بعده، ويشمل ما اطلع عليه الانسان وكان صاحب السرلايرضى بافشائه، كاسرار الجيش الاسلامي اذا وقعت بيد انسان مسلم، فلا يجوز افشاؤها وان لم يخبر بها من قبل احد،لان‏افشاء السر خيانة، وافشاء سر الجيش خيانة وان لم يخبر به من قبل شخص آخر.

على ان المرض الوراثي قد يكون عيبا من عيوب الانسان، وكشفه للاخرين يدخل تحت عنوان كشف العيب المستور الذي هومحرم بعنوان الغيبة التي ورد في حرمتها روايات كثيرة.

وكذا يدخل كشف العيب (المرض الوراثي) تحت عنوان ((ذكر الاخ بما يكره))، وهو ايضا محرم في الشريعة، لحرمة ايذاء المؤمن‏المنصوص عليه شرعا.

فالخلاصة: ان معلومات الهندسة الوراثية اذا كانت سرا او عيبا او يكره الفرد ذكرها عنه فيكون كشفها وذكرها محرما كماتقدم.

ولكن، هل يوجد استثناء لحرمة كشف السر او كشف العيب او ذكر الاخ بما يكره؟

الجواب: نعم، ان افشاء السر وان كان بحسب الاصل محرما الا انه قد يكون واجبا اذا حصل تزاحم بين حرمة افشاء السرووجوب شي‏ء آخر كدفع المرض عن المجتمع، او يكون بكشف السر زوال ضرر اهم عن الفرد وكان المزاحم اهم واقوى واكثرمصلحة من حرمة كشف السر.

وقد يكون افشاء السر جائزا، كما اذا كانت حرمة افشاء السر قد زاحمت واجبا آخر وتساويا في الاهمية ولابد من احدهما.

ثم ان الطبيب اذا اكتشف المرض الوراثي بنفسه، فهل يجوز له مصارحة المريض بذلك؟

الجواب: اذا كانت هناك مصلحة في المصارحة او درء مفسدة في ذلك فتجب او تجوز المصارحة تبعا لاهمية المصلحة اواهمية درء المفسدة، واما اذا لم تكن في المصارحة اية مصلحة تذكر او دفع اية مفسدة تذكر فلا تجوز مصارحته بذلك، حيث‏لايكون في المصارحة الا الاذى والالم والعذاب.

الاذن في التصرفات الوراثية:

لابد من الاذن في التصرفات العلاجية سواء كانت امراضا عادية او وراثية لاحراز الجواز الشرعي، وهذا الجواز الشرعي‏يتوقف على رضا اللّه سبحانه وتعالى ورضا الانسان المالك لاعضائه المسلط عليها.

اما اذا كان الانسان له ولي او وصي او قيم فلابد من اذن من له الولاية او الوصاية او القيمومة في التصرفات العلاجية.

نعم، لولي الامر الولاية العامة، فله الحق في الاذن العام في التصرفات العلاجية لافراد الامة اذا كانت هناك مصلحة تجيز ذلك اوتوجبه.

ولا باس بالتنبيه الى ان الاذن في المعالجة ليس معناه عدم الضمان اذا حصل خطا او تلف حتى في صورة كون الطبيب حاذقاولم يقصر في علاجه، وذلك لان الاذن في العلاج ليس هو اذنا في الاتلاف، والاذن بالعلاج جاء بالجواز الشرعي للعلاج، والجوازالشرعي لاينافي الضمان، كما في ضرب الطفل للتاديب فانه امر سائغ، ولكن اذا حصل تلف فالضمان موجود على‏الضارب.

كل ذلك لقاعدة ((من اتلف))، فان الطبيب هنا قد باشر الاتلاف، وهو غير ماذون فيه وان كان ماذونا في العلاج.

هذا، وقد وردت بعض الاخبار في المقام تؤيد الضمان، منها:

مارواه السكوني عن الامام الصادق(ع) قال: قال امير المؤمنين(ع):((من تطبب او تبيطر فلياخذ البراءة من وليه، والا فهو ضامن)) ((126)) .