الخلل الوراثي هل ينقص اهلية الانسان؟ 

ان جميع الامراض لاتنقص شيئا من اهلية الانسان في تصرفاته. نعم، مرض الموت الذي هو يزداد بصاحبه الى ان يتصل‏بالموت يضع تحفظا على اهلية الانسان في تصرفاته لاجل حفظ حقوق الدائنين او الورثة، فالتصرفات التي تصدر ممن هومريض بمرض الموت تراقب، فان كان فيها تبرع صريح او ضمني تحسب من الثلث.

هذا كله في المرض الفعلي، اما المرض الكامن الذي يتوقع ان يظهر من مكمنه فلا عبرة به. ومن نافلة القول التاكيد على ان‏المعرض للمرض لايجوز حرمانه من اي حق من حقوقه، سواء كانت في التصرفات او الاعمال والوظائف التي له حق في‏ارتيادها.

هل يكون اكتشاف المرض الوراثي مانعا من المؤاخذة؟

اي هل ان الانسان الواجد للخلل الوراثي يكون مغلوبا على امره فاقدا للارادة، فلا يكون عمله المحرم بالاصل محرما عليه ولاتكون عليه عقوبة؟

اقول: ان وجود جينات وراثية مسؤولة عن المرض مرة تكون هي المسؤولة كليا عن تصرفات الانسان التي تترتب عليهاالحرمة والعقاب، ومرة تكون هي المسؤولة جزئيا عن ذلك ويكون السلوك غير السوي الذي انتهجه الفرد هو المكمل لذلك‏التصرف الذي يترتب عليه العقاب والحرمة.

فان كانت الجينات الوراثية من قبيل القسم الاول بحيث يعد تصرفه بلا ارادة منه فلا يبعد ان يكون الانسان مغلوبا على امره،فلا حرمة عليه ولا عقاب، ولكن يترتب عليه الحكم الوضعي اذا وجد، فيكون الولي هو المسؤول عنه.

وان كان عمل الجينات في التصرف من قبيل القسم الثاني فحينئذ لايكون العامل الوراثي هو المسؤول الوحيد، بل يكون لسلوك‏الانسان اثر في ذلك، وبالتالي يكون الانسان هو صاحب الارادة في تصرفه الذي تترتب عليه عقوبة وتحريم، لان السلوك الذي‏انتهجه كان باختياره وارادته، وكل ما ينتهي من التصرفات بعد ذلك تكون اختيارية له، لاختيارية سلوكه الذي ادى به الى هذه‏النتيجة مع ضميمة العامل الوراثي، وعلى هذا فلا يكون عمل الجينات قابلا للاعفاء من الحرمة والعقوبة.

نعم، اذا شخص الاطباء ان هذا الفرد مريض فيمكن ارجاء العقوبة لحين صحته لئلا تكون العقوبة موجبة لضرر زائد على‏مقصود الشارع منها الذي هو الزجر والردع.

كما ان المرتكب لما يوجب العقوبة اذا كان ضعيفا بحيث تكون العقوبة موجبة لتلفه اذا وقعت عليه امكن استخدام وسائل‏العقاب الرمزية، وذلك: للجمع بين دليل عدم تاخير الحد او التعزير ودليل حرمة اتلاف النفس.

فيتنزل الى الحد او التعزير الرمزي الذي لايكون فيه اتلاف للنفس ولا تاخير للحد او التعزير، وبهذا يكون اعمال للحد والتعزيروعدم اتلاف النفس الضعيفة.

محمد بن اسماعيل

دراسة رجالية في تعيينه وتوثيقه

الاستاذ الشيخ محمد هادي ال راضي

من جملة الابحاث المهمة جدا تحقيق حال محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه الكليني كثيرا، فان تصحيح كثير من الروايات‏التي يرويها الكليني عنه يتوقف على ذلك، فقد ذكر في معجم الرجال ((217)) : ان مجموع هذه الروايات بلغت 761 رواية، وهذايدلل على اهمية هذا البحث.

واما الكشي فقد ذكروا انه يروي عن محمد بن اسماعيل ايضا الا انه بعد المراجعة تبين انه يروي عنه اربع روايات في مجموع‏كتابه الواصل الينا: ثلاثة يرويها عن الفضل بن شاذان، والرابعة عن اسماعيل بن مرار ((218)) .

ولتحقيق الحال في هذه المسالة يقع الكلام في مقامين:

الاول: في تشخيص المراد من محمد بن اسماعيل الواقع في السند حيث انه مشترك بين عدة اشخاص فيهم الثقة‏وغيره.

الثاني: في امكان توثيق هذا الرجل فيما اذا كانت نتيجة البحث في المقام الاول تشخيص غير الثقة، اي الذي لم ينص على‏توثيقه.

المقام الاول:

اما الاول فالظاهر ان محمد بن اسماعيل مشترك بين عدة اشخاص، مثل محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني ومحمد بن‏اسماعيل بن هيثم الكناني ومحمد بن اسماعيل الجعفري والصيمري والسلمي (البلخي) والزبيدي والجعفي والمخزومي‏والهمداني والبجلي ومعظم هولاء غير معروف، فينصرف عنه الاطلاق. هذا، مضافا الى ما قيل من ان الزبيدي والجعفي‏والمخزومي والهمداني والبجلي والجعفري من اصحاب الصادق(ع) كما نص على ذلك الشيخ الطوسي في رجاله ((129))فيبعد ان يكون احدهم هو المراد بمحمد بن اسماعيل محل البحث المعاصر، اي للشيخ الكليني، وذلك لان وفاة الامام الصادق(ع)في سنة 148ه في حين ان وفاة الشيخ الكليني ((130)) سنة 328 329ه اي ان الفاصل بين الزمانين يقارب 180 سنة، وهذايبعد هذا الاحتمال.

واما الباقون فهم غير معروفين، بل بعضهم ليس له ولا رواية واحدة، مثل الصيمري والبلخي، فلا يحتمل ان يكون محمد بن‏اسماعيل الذي هو من اهم مشايخ الكليني واحدا منهم، وعليه فالامر يدور بين عدة اشخاص يحتمل او قيل بانطباقه على محمدبن اسماعيل في المقام، وهم:

1- محمد بن اسماعيل بن بزيع: ذهب الى انه ابن بزيع جملة من العلماء:

ا - منهم ابن داود، فقد ذكر في التنبيهات التي عقدها في نهاية كتابه انه: ((اذا وردت رواية عن محمد بن يعقوب عن محمد بن‏اسماعيل بلا واسطة ففي صحتها قول، لان في لقائه له اشكالا، فتقف الرواية لجهالة الواسطة بينهما، وان كانا مرضيين‏معظمين)) ((131)) . وظاهر هذا الكلام انه يرى ان محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه الشيخ الكليني هو ابن بزيع، وحيث انه‏متقدم على الكليني بحسب الطبقة، استشكل في لقائه له وروايته عنه.

ب - ومنهم السيد حسن الصدر الذي قيل انه الف رسالة خاصة سماها ((البيان البديع في ان محمد بن اسماعيل المبدوء به في‏اسانيد الكافي انما هو ابن بزيع)) ((132)) .

وهذا القول بعيد جدا لامور:

منها: ان شيخ الكليني محمد بن يحيى العطار نقل عن محمد بن احمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة‏انه زار قبر محمد بن‏اسماعيل بن بزيع مع محمد بن علي بن بلال ((133)) .

وهذا يدل بوضوح على ان محمد بن اسماعيل هو ليس ابن بزيع‏قطعا.

ومنها: ان محمد بن اسماعيل بن بزيع يعد من اصحاب الامام الكاظم والرضا والجواد(ع) ((134)) وروى روايات كثيرة عنهم‏مباشرة، فلو صح هذا الفرض وكان محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه الكليني هو ابن بزيع لروى عنه الكليني شيئا من تلك‏الروايات التي نقلها عنهم مباشرة حتى تكون الواسطة بينه وبين الامام(ع) واحدة، ويكون حديثه متصفا بعلو الاسناد الذي هوصفة مطلوبة ومرغوبة عند الاصحاب، في حين اننا نجد ان كل الروايات التي يرويها الكليني عن محمد بن اسماعيل مباشرة‏وهي كثيرة توجد وسائط عديدة بينه وبين الامام(ع)، ولا توجد ولا رواية واحدة يتحقق فيها ذلك، وهذا يعني ان محمد بن‏اسماعيل بن بزيع الذي يروي عن الامام(ع) مباشرة غير محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه بوسائط.

ومنها: ان ابن بزيع كما ذكر في ترجمته من اصحاب الامام الكاظم(ع) ((135)) وادرك الامام الجواد(ع)، ولم يدرك بقية الائمة(ع)،في حين ان الكليني عاش في فترة الغيبة وادرك زمان سفراء الامام المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وهذا يعني ان‏محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه عاش في زمان الامام العسكري(ع) وغايته الامام الهادي(ع)، ولا يمكن ان يدرك الامام‏الكاظم(ع).

ومنها: ان ابن بزيع في طبقة متقدمة على احمد بن محمد بن عيسى وعلي ابن مهزيار وابراهيم بن هاشم، لان هولاء كلهم يروون‏عنه وهو يعد شيخا لهم، والكليني في طبقة متاخرة عن علي بن ابراهيم صاحب التفسير فهو يروي عنه دائما. اذن محمد بن‏اسماعيل الذي يروي عنه الكليني هو في طبقة علي بن ابراهيم، وابن بزيع متقدم عليه بطبقتين، فلا يمكن ان يكون هو المرادفي المقام.

ومنها: انه بعد التتبع وجدنا ان الكليني يروي روايات كثيرة وقع محمد بن اسماعيل في سندها الا انه يصرح بانه ابن بزيع،وتشترك هذه الروايات في وجود عدة وسائط بين الكليني وبين محمد بن اسماعيل راجع الكافي 5: 394، ح‏9 ((محمد بن يحيى‏عن احمد بن محمد عن محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: ((سالت ابا الحسن(ع)...)) وكذا الكافي 3: 321، ح‏5 ((الحسين ابن محمد عن‏عبداللّه بن عامر عن علي بن مهزيار عن محمد بن اسماعيل بن بزيع قال رايت ابا الحسن(ع)...)) وكذا الكافي 3: 4، ح‏1 ((عدة من‏اصحابنا عن احمد بن محمد، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، قال: كتبت الى رجل)) وكذا الكافي 3: 46، ح‏6: ((محمد بن يحيى، عن‏احمد بن محمد، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، قال: سالت الرضا(ع)...)) وهكذا.((136))

وهذا يعزز ان محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه مباشرة ليس هو ابن بزيع من جهتين:

الاولى: ان نفس روايته عنه بواسطة تعني انه غير الشخص الذي يروي عنه مباشرة.

الثانية: انه لو كان ابن بزيع لصرح ولو مرة واحدة في مجموع الروايات التي تزيد على 700 رواية‏بذلك . والحاصل:

ان‏اصراره‏على ذكر محم د بن اسماعيل مجردا دليل واضح على انه غير ابن بزيع، والا لذكر ذلك في بعض الموارد على الاقل كما ذكره في‏الروايات المتقدمة.

ومنها: ان محمد بن اسماعيل في معظم روايات الكافي يروي عن الفضل ابن شاذان، وهذا يعني انه من تلامذته ((137)) بل من‏ابرز تلامذته، فان معظم احاديث الفضل وصلت الينا عن طريقه مع انه لم يذكر ابن بزيع في عداد تلامذته، بل صرح بعضهم((138)) بان‏ابن بزيع من مشايخ الفضل بن شاذان، فاذا كان من مشايخه فكيف يروي عنه هذه الروايات الكثيرة؟!

2- محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني: ولم ار من ذهب الى هذا الاحتمال، نعم نسبه المحقق البحراني في بلغة المحدثين‏الى بعضهم ولم يسمه ((139)) ، وهو ثقة كما نص عليه النجاشي ((140)) وقد ناقش الشيخ البهائي في هذا الاحتمال بان‏الزعفراني ممن لقي اصحاب الصادق(ع) كما ذكره النجاشي في ترجمته، فيبعد بقاوه الى عصر الكليني . ((141))

والظاهر انه ليس بذلك البعيد، لامكان فرض ان اصحاب الصادق(ع) الذين لقيهم الزعفراني وروى عنهم من المعمرين، اي بقواالى سنة 208ه، كما هو الحال في حماد بن عيسى الذي يروي عنه الزعفراني كما في التهذيب ((142)) ، فانه عاش بعد الامام‏الصادق(ع) اكثر من ستين سنة، لان سنة وفاته 208 او 209ه، كما نص عليه النجاشي في ترجمته، وسنة وفاة الامام‏الصادق(ع) هي سنة 148ه.

فاذا فرض ان الزعفراني كان عمره ستين او سبعين سنة امكن فرض ادراك الكليني له وروايته عنه، لان الشيخ الكليني وان لم‏يعلم تاريخ ولادته الا ان الظاهر انه كان حيا في حدود سنة 278ه، ويويد ذلك ان علي بن الحسن بن فضال روى عن الزعفراني‏كما في التهذيب ((143)) ، وهو وان كان في طبقة علي ابن ابراهيم بن هاشم لان كلا منهما يروي عن ابراهيم بن هاشم، والكليني‏متاخر عنهما في الطبقة، لانه يروي عن علي بن ابراهيم كثيرا الا ان هذا لا يمنع من فرض رواية الشيخ الكليني عن الزعفراني‏ايضا.

والحاصل: انه لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال بالمرة على اساس اختلاف الطبقة، كما ان محمد بن اسماعيل الزعفراني ليس‏شخصا غير معروف حتى يقال انه ليس محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه الكليني، بل الظاهر من ترجمة النجاشي له انه‏معروف ومشهور، قال النجاشي عنه: ((ثقة عين، روى عن الثقات، ورووا عنه ولقى اصحاب ابي عبداللّه(ع) له كتاب النوادر))((144)) .

3- محمد بن اسماعيل البرمكي: المعروف بصاحب الصومعة الثقة كما صرح به النجاشي ((145)) ، ومن ابرز من ذهب الى ان‏محمد بن اسماعيل محل الكلام هو البرمكي، صاحب جامع الرواة الاردبيلي، قال: ((الظاهر ان محمد بن اسماعيل المذكور هومحمد بن اسماعيل البرمكي، لان قرب زمانه دون زمان غيره من زمان محمد بن يعقوب معلوم بحيث يمكن ان يروي عنه بلاواسطة...)) ((146)) ، وكذلك الشيخ البهائي في مشرق الشمسين ((147)) .

واعترض عليه بان البرمكي في طبقة متقدمة على الكليني، لان الكليني يروي عن البرمكي بواسطة محمد بن جعفر او محمد بن‏ابي عبداللّه في موارد كثيرة، ومن البعيد ان يروي عنه مباشرة، بل ذكر التفريشي في حاشية كتابه نقد الرجال ان البرمكي ممن‏لقي اصحاب ابي عبداللّه الصادق(ع)، كما يظهر من النجاشي عند ترجمة عبداللّه بن داهر ((148)) .

ومراده ان النجاشي ذكر ان عبداللّه هذا له كتاب يرويه عن ابي عبداللّه(ع)، ثم ذكر ان محمد بن اسماعيل البرمكي يروي عنه((149)) ، وعليه فلا يمكن ان يروي عنه الكليني مباشرة.

والظاهر انه لا يصح عد عبداللّه هذا من اصحاب الصادق(ع)، وذلك لان معنى هذا ان البرمكي يروي عن الصادق(ع) بواسطة‏واحدة، وهذا في غاية البعد، فان البرمكي كما يظهر بالمراجعة يروي عن الصادق(ع) بست او خمس او ثلاث وسائط، فيبعد ان‏يروي عنه بواسطة واحدة، ولعله لذلك لم يذكره الشيخ الطوسي في رجاله من اصحاب الصادق(ع)، ولا العلامة ولا ابن داودفي كتابيهما، والظاهر ان منشا الاشتباه هو قول النجاشي في ترجمته: ((له كتاب يرويه عن ابي عبداللّه(ع))) ((150)) حيث انه‏يوهم انه يرويه عنه مباشرة، والحال انه لا ظهور له في ذلك حيث يصح ان يقال ان الشيخ الطوسي يروي في التهذيب عن‏الصادق(ع).

وعليه، يمكن دفع الاعتراض بانه لا يبعد اصلا في ان يروي الكليني عن البرمكي تارة بواسطة واخرى بلا واسطة، وهذا شي‏ءيكاد يكون متعارفا في كتب الاخبار.

ويويد ذلك ان الشيخ البهائي صرح بان الكشي المعاصر للكليني يروي عن محمد بن اسماعيل البرمكي ((151)) ، وكذلك‏المقدس الاردبيلي نفى البعد في روايته عن البرمكي.

((152)) الا ان يقال: ان تعارف ذلك قد يصح في موارد قليلة، بمعنى ان من يروي عنه بلا واسطة كثيرا قد يروي عنه بواسطة في مواردقليلة، مثلا الكليني يروي عن محمد بن اسماعيل بلا واسطة كثيرا، ومع ذلك روى عنه بواسطة محمد بن يحيى في موردين((53)) ((161) ، وهكذا العكس، اما اذا كانت الموارد كثيرة كما في المقام فان رواية الكليني عن محمد بن اسماعيل البرمكي بواسطة‏ليست قليلة وان لم تكن بالكثيرة، وهذا لا يخلو من اشعار بالتعدد.

واعترض السيد الخوئي(قده) على ذلك: ((بان محمد بن اسماعيل البرمكي الوارد في اسناد الروايات لم يرو عن الفضل بن شاذان‏ولا في مورد واحد، فهو غير من يروي عن الفضل بن شاذان جزما، والثاني هو الذي يروي عنه الكليني كثيرا...)).

((154)) وفيه: ان هذا وحده لا يكفي لاثبات التغاير، اذ يمكن افتراض ان من يروي عنه الكليني هو البرمكي الذي يروي عن الفضل لكنه‏في روايات اخرى يروي عن غير الفضل.

نعم، ذكر لقب ((البرمكي)) في اسناد الروايات التي لا يروي فيها عن الفضل وتجريده عنه في الروايات التي يرويها عن الفضل لاتخلو من اشعار بالتعدد، وعليه فهذا الوجه غير ثابت وان كان محتملا.

4- محمد بن اسماعيل النيسابوري البندقي: يدعى بندفر، وممن ذهب الى ان محمد بن اسماعيل محل الكلام هو هذا صاحب‏الوافي ((155)) ، ومال اليه صاحب المعالم في المنتقى ، والسيد التفريشي في حاشية نقد الرجال ((157)) ، ((156)) وكذلك‏الفاضل البحراني في معراجه ((158)) وبلغته ((159)) ، وكذلك السيد الداماد في رواشحه ((160)) ، والسيد البروجردي في‏رجاله ((161)) ، وكذلك المجلسي الاول في روضته ((162)) يصرح بانه النيسابوري البندقي، وكذلك الكاظمي في مشتركاته((163)) ، وكذلك ابو علي الحائري في مقاله ((164)) ، والسيد الخوئي في معجمه وغيرهم.

ويستدل على ذلك بانه المناسب من حيث الطبقة، وبرواية الكشي عنه في اربعة موارد كما تقدم، والمذكور في هذه الموارد وان‏كان هو محمد بن اسماعيل مطلقا، الا ان الكشي صرح في موردين بان محمد بن اسماعيل الذي يروي عنه هوالنيسابوري:

الاول: في ترجمة ابي يحيى الجرجاني ((165)) .

الثاني: في ترجمة الفضل بن شاذان ((166)) .

فاذا ثبت ان محمد بن اسماعيل الذي يروي عن الفضل ويروي عنه الكشي هو محمد بن اسماعيل النيسابوري يثبت انه ذلك في‏محل الكلام، وذلك لان الكشي في طبقة الكليني، لرواية ابن قولويه عنه وعن الكليني، كما هو المعروف.

اقول: ان ما ذكره الكشي في ترجمة ابي يحيى الجرجاني هو هذا ((وذكر محمد بن اسماعيل النيسابوري ((167)) انه هجم عليه‏محمد بن طاهر فامر بقطع لسانه ويديه ورجليه...)) ((168)) ، ومن الواضح ان هذا ليس تصريحا بانه يروي عنه مباشرة في هذاالمورد فضلا عن الموارد الاخرى، فان ذكر النيسابوري هذه القضية المتعلقة بالجرجاني اعم من نقلها للكشي مباشرة، اذ يمكن‏فرض نقلها في كتاب له او نحو ذلك.

نعم، لو قال: حدثني او اخبرني، امكن تمامية ما ذكر.

واما ما ذكره الكشي في ترجمة الفضل فهو ((ذكر ابوالحسن محمد بن اسماعيل البندقي النيسابوري ان الفضل بن شاذان بن‏الخليل نفاه عبداللّه بن طاهر عن نيسابور...)) ((169)) ، وهذا ايضا لا دلالة فيه على ما ذكر من ان من يروي عنه الكشي مباشرة‏هو هذا النيسابوري كما تقدم، ولا على ان الذي يروي عن الفضل هو النيسابوري، اذ لا قرينة في الرواية على انه يروي عن‏الفضل اصلا، وانما تتضمن ذكر حادثة وقعت للفضل مع الوالي في نيسابور، فلعله نقلها باعتبارها حادثة شائعة ومعروفة،خصوصامع كون الناقل من نفس بلد الفضل، بل الرواية صريحة في هذا لا في الرواية عنه، فلاحظ.

نعم، ما ذكر لا يخلو من اشعار بذلك.

لكن يمكن ان يقال في مقابل ذلك: ان ذكر الكليني لمحمد بن اسماعيل مجردا عن اللقب في هذه الموارد الكثيرة جدا بحيث انه لم‏يشر ولا في مورد واحد منها الى انه النيسابوري يبعد هذا الاحتمال، فان النيسابوري لو كان شخصا معروفا في الاوساط‏العلمية امكن ذكره مجردا عن لقبه اعتمادا على هذه المعروفية، كما في قولهم ((محمد بن يعقوب)) اي الكليني و((محمد بن‏الحسن)) اي الطوسي ونحوه، لكن الظاهر ان النيسابوري لم يكن معروفا بهذا الشكل كما يظهر في ترجمته، بل لم يقع في سندرواية بهذا العنوان.

ومنه يظهر ان الامر يدور بين البرمكي والنيسابوري والزعفراني وكونه احد المجهولين.

وقد يقال: ان الاقرب من هذه الاحتمالات هو البرمكي، وذلك لعدة قرائن:

الاولى: مناسبته لذلك من حيث الطبقة، فانه متقدم على الكليني بطبقة واحدة، فيمكن ان يروي عنه مباشرة، وتقدم ان روايته‏عنه بالواسطة في موارد اخرى لا ينافي ذلك، بل ذكر جملة من المحققين ان هذا امر شائع متعارف، ويويد ذلك ان النجاشي‏يروي عن الكليني بواسطتين، قال: ((وروينا كتبه كلها عن جماعة شيوخنا محمد بن محمد والحسين بن عبيداللّه واحمد بن‏علي‏بن نوح عن ابي القاسم جعفر بن محم د بن قولويه عنه)) ((170)) ، ويروي النجاشي عن البرمكي بثلاث وسائط قال في‏ترجمته بعد ان ذكر كتبه: ((اخبرنا احمد بن علي بن نوح، قال: حدثنا الحسن بن حمزة، قال: حدثنا محمد بن جعفر الاسدي، عن‏محمد بن اسماعيل بكتابه...)) ((171)) .

ويويد ذلك ايضا ان محمد بن جعفر الاسدي الذي يروي عن البرمكي بلا اشكال كما ذكره النجاشي في ترجمة البرمكي توفي‏سنة 312ه، كما ذكر ذلك النجاشي في ترجمته ((172)) ، والكليني توفي سنة 328ه، وهذا معناه ان الفاصل بين وفاتيهما عبارة‏عن ستة عشر سنة، وهذا يعني قرب زمان الكليني من زمان البرمكي، فروايته عنه مباشرة معقولة جدا، بل ذكر السيد بحرالعلوم انه ادرك تمام الغيبة الصغرى، بل بعض ايام العسكري(ع) ((173)) ، فاذا علمنا ان العسكري(ع) توفي سنة 260ه، فهذامعناه ان‏الكليني في سنة 312ه كان في الخمسين من عمره، وهذا يوه له للرواية عن البرمكي مباشرة.

وفيه: ان ذلك لا يختص بالبرمكي، بل يشترك معه في قرب الطبقة النيسابوري كما سياتي بل وكذا الزعفراني على ماعرفت.

الثانية: صعوبة الالتزام بالاحتمالات الاخرى الممكنة في المقام ككونه النيسابوري او كونه من المجهولين، وذلك‏لان‏مجهولية الشخص او عدم معروفى ته لا يناسب الرواية عنه بهذا المقدار من الروايات ومن قبل شخص الكليني، فلابد من‏افتراضه شخصا معروفا على الاقل اذا لم نقل بلابدية كونه ثقة مثلا وليس هو الا البرمكي.

وفيه: انه تقدم ان الزعفراني ليس شخصا مجهولا وكذا النيسابوري على ما سياتي.

الثالثة: ان عدم ذكر اللقب لمحمد بن اسماعيل في روايات الكليني عنه في الموارد الكثيرة يقتضي بنفسه ان يكون محمد بن‏اسماعيل شخصا معروفا في الاوساط العلمية بحيث يشعر الكليني عدم الحاجة الى ذكر لقبه وكفاية ذكره مجردا في هذه‏الموارد الكثيرة، وليس هو الا البرمكي، واما ذكره مع لقبه في الروايات التي يرويها عنه الكليني مع الواسطة كما تقدم فلعله‏لاجل ان الواسطة هي التي ذكرت اللقب لا نفس الكليني، ومقتضى الامانة في النقل هو ذكر نفس ما ذكرته الواسطة، فلا يمكن‏نسبته الى الكليني بخلاف الروايات التي يروي فيها عنه مباشرة، فلاحظ.

وفيه ما عرفت في سابقه.

هذا، ولكن الظاهر ان محمد بن اسماعيل هو النيسابوري لا البرمكي، وذلك لامرين:

الاول: ان عمدة ما استند اليه في مقام استبعاد انه النيسابوري هو عدم معروفيته بخلاف البرمكي وهو غير صحيح،لان‏النيسابوري معروف ايضا، وذلك بقرينتين:

احداهما: ذكر الكشي له في ترجمة الفضل بن شاذان وابي يحيى الجرجاني كما تقد م حيث نقل عنه بعض القضايا المرتبطة‏بصاحب الترجمة، كما انه روى عنه بلا واسطة في ترجمة سلمان الفارسي وفي ترجمة ابي حمزة الثمالي ((174)) ، وهو وان لم‏ينص فيهما على انه النيسابوري، الا انه يعلم ذلك مما ذكره في ترجمة الفضل بن شاذان وابي يحيى الجرجاني، حيث صرح‏بانه النيسابوري ((175)) .

والاخرى: ان الشيخ في رجاله ذكره فيمن لم يرو عن الائمة(ع)، فراجع ((176)) .

وعدم ذكره في الفهرست وكذا في رجال النجاشي لا يعني عدم معروفيته، لان هذين الكتابين موضوعان لذكر اسماء المصنفين‏من الامامية، والنيسابوري لا تصنيف له.

الثاني: وهو العمدة ان ظاهر عبارة الشيخ في رجاله هو ذلك، قال في باب من لم يرو عن الائمة(ع): ((محمد بن اسماعيل يكنى‏ابا الحسن نيسابوري يدعى بندفر)) ((177)) فان المستظهر منها ان محمد بن اسماعيل الواقع في اسانيد الروايات هوالنيسابوري الذي يكنى ... نعم، لو قال محمد بن اسماعيل النيسابوري يكنى... لما كان له ظهور في ذلك، فلاحظ. وهذه شهادة‏مهمة من الشيخ تعين انه النيسابوري، ومن العجيب عدم التفات الاصحاب لذلك.

المقام الثاني:

واما المقام الثاني فمن الواضح انه لا داعي للبحث فيه بناء على ان النتيجة في المقام الاول هي ان محمد بن اسماعيل هوالبرمكي الثقة مثلا، الا اننا اذا فرضنا التردد في البحث السابق او الانتهاء الى انه النيسابوري الذي لم ينص على توثيقه فهل‏يمكن تصحيح هذه الروايات التي يرويها الكليني عنه ام لا؟

قد يقال بذلك، ويستدل عليه بوجوه اهمها:

الاول: ان نفس رواية الكليني عنه في الموارد الكثيرة دليل على حسن الرجل واعتباره، قال الشيخ حسن في منتقى الجمان:((ولعل في اكثار الكليني من الرواية عنه شهادة بحسن حاله، كما نبهنا عليه في الفائدة الثامنة ... الى ان قال: ويقوى في خاطري‏ادخال الحديث المشتمل عليه في قسم الحسن)). ((178))

واما ما ذكره ابن داود ((179)) من الاشكال في صحة هذه الروايات في عبارته المنقولة سابقا فهو لا ينافي ذلك، لان الظاهر من‏كلامه هو الاشكال في الصحة من جهة وجود الواسطه المجهولة بين الكليني ومحمد بن اسماعيل، لانه شخص ان محمد بن‏اسماعيل هو ابن بزيع، وحيث انه متقدم بحسب الطبقة على الكليني فلا يمكن ان يروي عنه مباشرة، ولعل ابن داود يحكم‏بصحة هذه الروايات اذا ثبت عنده ان محمد بن اسماعيل هو النيسابوري او شخص اخر مجهول، فتامل.

الثاني: وقوعه في اسناد كامل الزيارات لابن قولويه ((180)) .

الثالث: تصحيح بعض الفقهاء لروايات كثيرة وقع في طريقها، واولهم العلامة ((181)) .

بل في المعراج: اطباق الاصحاب على الحكم بصحة حديثه الا ابن داود ((182)) ، وهذه الادلة ليست ناهضة لاثبات ذلك.

اما الثالث فواضح، لان الحكم بصحة بعض الروايات من قبل بعض الفقهاء وخصوصا المتاخرين ليس فيه دلالة على التوثيق،اي توثيق رجال السند في الرواية، لان الحكم بالصحة اعم من ذلك كما ذكر في محله، بل حتى لو كان ذلك ظاهرا في صحة‏واعتبار الرواية عند ذلك الفقيه فلا يكون حجة علينا، لوضوح استناده الى الاجتهاد واعمال النظر، لا الى الحس ونحوه.

واما الثاني، فلاننا لا نسلم كبرى هذا التوثيق.

واما الاول فهو لا يخلو من وجه اذا لاحظنا النقاط التالية:

الاولى: ان عدم التعرض لذكر بعض الرجال في كتب الرجال المعروفة ليس فيه دلالة على عدم الاعتماد عليهم، وذلك لان عدم‏الاعتماد اما ان يكون من جهة ثبوت ضعفهم عندهم، واما من جهة كونهم مجهولين.

والاول غير صحيح، لان ذلك لا يمنع من ذكرهم والتنصيص على ضعفهم ونقل اسباب ذلك، بل هذا هو شان الاصحاب في كتبهم‏الرجالية، فان هذه الكتب موضوعة لذكر الرواة، سواء كانوا ثقات ام ضعفاء.

والثاني اما ان يراد به كونه منصوصا على مجهوليته فهذا ايضا لا يمنع من ذكره مع النص على انه مجهول كما هو متعارف في‏كتبهم ايضا.

واما ان يراد به انه مجهول عند صاحب الكتاب الرجالي، بمعنى انه لا يعرف عنه شيئا، ولذا لم يتعرض له، وهذا الاحتمال‏يبعده:

اولا: ان هذا ايضا لا يمنع من ذكره، فان المتعارف عندهم ذكر كل الرواة الواقعين في اسانيد الروايات مع النص على انه لا يعرف‏عنه شيئا او ذكره من دون ذلك.

وثانيا: ان هذا لا ينطبق على كثير من الرواة الذين لم تتعرض لهم الكتب الرجالية مثل ابراهيم بن هاشم وابن ابي جيد الذي‏يروي عنه الشيخ كثيرا ومحمد بن علي ماجلويه الذي يروي عنه الصدوق، فان هولاء اشخاص لا يمكن افتراض المجهولية‏فيهم بهذا المعنى بحيث يصلح ان يكون مبررا لعدم ذكرهم في كتب الرجال، لا من جهة كثرة الرواية عنهم من قبل مشايخ‏الطائفة فقط، بل من جهة قرب عصرهم من عصر اصحاب الكتب الرجالية كالكشي والنجاشي والشيخ وغيرهم، بل يظهر من‏الكشي انه على معرفة تامة بمحمد بن اسماعيل النيسابوري كما تقدم.

وعليه، فالتفسير المناسب لعدم التعرض لمثل هولاء في الكتب الرجالية هو ان معظم الكتب الرجالية موضوعة لذكرالمصنفين واصحاب الكتب من الامامية، وحيث ان هولاء ليس لهم مصنفات تركوا التعرض لهم.

ويدل على ذلك ان الشيخ الطوسي ذكر النيسابوري في رجاله المعد اساسا لذكر رواة الحديث، اي من وقع في اسانيد الروايات،سواء روى عن الائمة(ع) ام لا؟ ((183))

ثم ان عدم توثيق الشيخ للنيسابوري في رجاله مع ذكره ليس فيه دلالة ايضا على عدم الاعتماد عليه والقدح فيه كما لا يخفى‏على من له ادنى مراجعة لرجال الشيخ، فانه ليس مبنيا على ذلك، بل هو مجرد احصاء لرواة الاحاديث، ولذا لم يذكر وثاقة جملة‏من اجلاء الرواة، فراجع.

الثانية: ان الرواية المباشرة عن الضعفاء بالمعنى الاعم صارت في ذلك الزمان من الامور المنكرة التي يتحاشاها كثير من‏الاصحاب، ومما يويد هذا المعنى ان الكشي في ترجمة محمد بن سنان بعد ان ذكر الروايات القادحة فيه قال: ((قد روى عنه‏الفضل وابوه ويونس ومحمد بن عيسى العبيدي ومحمد بن الحسين بن ابي الخطاب والحسن والحسين ابنا سعيد الاهوازيان‏وابنا دندان وايوب بن نوح وغيرهم من العدول والثقات من اهل العلم)) ((184)) ، وكانه يريد ان يقول: ان رواية هولاء العدول‏والثقات عنه لا تجتمع مع ضعفه.

وقد صرح بذلك النجاشي في ترجمة ابي المفضل محمد بن عبداللّه حيث قال: ((كان سافر في طلب الحديث عمره، اصله كوفي‏وكان في اول امره ثبتا ثم خلط، ورايت جل اصحابنا يغمزونه ويضعفونه ... رايت هذا الشيخ وسمعت منه كثيرا ثم توقفت عن‏الرواية عنه الا بواسطة بيني وبينه)) ((185)) ، ولذا تكررت عبارة ((يروي عن الضعفاء)) في الكتب الرجالية في مقام الانكار على‏من قبلت في حقه هذه العبارة، بل تعدى القميون الانكار الى طرد وابعاد من عرف بالرواية عن الضعفاء كما هو مذكور في‏محله.

وهذا في نفسه يبعد ان تكثر الرواية المباشرة من قبل شيوخ الطائفة عن شخص ضعيف غير موثق.

ثم ان النكتة فيما تقدم هي اكثار الرواية عن محمد بن اسماعيل مثلا، لا كونه من مشايخ اجازة الكليني كما نقل عن بعضهم،فان‏ذلك حتى لو ثبت في المقام لا يوجب الاعتبار لوحده، لان نا لا نومن بكون شيخوخة الاجازة امارة على التوثيق اذا لم يقترن‏بالاكثار من الرواية عنه.

الثالثة: ان الظاهر من كلام الشيخ الطوسي في مشيخة التهذيب حيث ذكر طريقه الى روايات الفضل بن شاذان وكتبه‏ان‏الشيخ الكليني يملك اكثر من طريق الى روايات الفضل: احدها ما يرويه عنه بواسطة محم د بن اسماعيل، والثاني ما يرويه‏عنه بواسطة علي بن ابراهيم وابراهيم بن هاشم، قال الشيخ الطوسي في المشيخة: ((ومن جملة ما ذكرته عن الفضل بن شاذان‏ما رويته بهذه الاسانيد عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن ابيه ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان)) ((186)) ،فاذا ضممنا الى ذلك ان بعض الروايات المذكورة في التهذيب عن الفضل هي نفس الروايات التي ذكرها الكليني في الكافي امكن‏استنتاج ان الشيخ الكليني رجح الطريق الاول الى روايات الفضل على الطريق الثاني، حيث انه اكتفى في الكافي بنقل روايات‏الفضل بواسطة محمدبن اسماعيل، وهذا فيه دلالة على وثاقة محمد بن اسماعيل عنده واعتماده عليه بحيث يفضله على‏الطريق الاخر الصحيح.

نعم، قد يقال: ان السر في الترجيح هو علو الاسناد، وحيث ان الطريق الاول لا توجد فيه الا واسطة واحدة، بخلاف الثاني حيث‏يوجد فيها علي بن ابراهيم وابوه.

قلنا: ان هذا صحيح الا انه لا ينافي ما تقدم، لان علو الاسناد انما يرجح به احد الطريقين حين يكون كل منهما صحيحا وتاما، والافلا مجال للترجيح بعلو الاسناد كما لا يخفى.

والحاصل: ان الظاهر من اصرار الشيخ الكليني على ذكر الطريق الاول في كل او جل رواياته عن الفضل مع كونه يملك‏طريقا صحيحا غيره انه يعتمد على هذا الطريق.

الرابعة: ان ما تقدم ان لم تثبت به الوثاقة فلا اقل من اثبات حسن الحال، بمعنى كونه مرضيا بين الاصحاب، وهذا يكفي في‏اعتبار الرواية الواقع فيها.

وعليه، فالظاهر صحة الروايات التي يرويها الكليني عن محمد بن اسماعيل اذا لم توجد فيها خدشة من جهة اخرى.

الاثبات القضائي الكتابة

الشيخ قاسم الابراهيمي

مراجعة الاستاذ الشيخ ال راضي

يجري البحث عن الكتابة في الحقوق تارة عن انواع الاوراق، والفروق بينها، والاصطلاحات الحقوقية المتداولة فيها، وقوة‏اثبات كل نوع منها، واخرى عن شروط كل قسم من اقسامها، وثالثة عن حجية كل نوع منها.

في حين لم يجر البحث في الفقه الا عن حجية الكتابة مطلقا، لكن لاتحت عنوان مختص بها، بل تحت عناوين مثل كتاب قاض الى‏قاض، وقضاء التنفيذ، وانهاء الحكم. وهو ما ادخل على البحث حيثيات اضافية ربما لايهمنا التعرض لها مثل انشاء القاضي‏الحكم بالكتابة باعتباره احد المحتملات المقصودة ((187)) ، وعدم كفاية اخبار الحاكم قولا او كتابة وان بالعنوان سلمت‏عدالته في ثبوت ماحكم به لدى الحاكم الثاني، لعدم جواز التعويل على خبر العدل في الموضوعات فضلا عن الثقة، لتوقف‏ثبوتها على البينة او العلم اقتصارا على ما تقتضيه موضوعية البحث باعتباره دائرا مدار الاثبات القضائي وادلته، من‏الوقوف عند حجية الدليل الكتابي باعتباره وسيلة من وسائل الاثبات القضائي، سواء كان تقديمه الى القاضي من قبل احدالخصمين لاثبات حقه على الخصم الاخر وان كان جهة حقوقية، او من قبل قاض آخر لاثبات حكمه في القضية نفسها اوموضوعها في زمان سابق، فانهما وان ربما توهم اختلافهما في ان المثبت بالاول موضوع الحكم وفي الثاني الحكم نفسه، لكنهمايشتركان معا في ان كليهما موضوع لحكم القاضي. اما الاول فواضح، واما الثاني فلان حكم القاضي الاول في فرضه الاول‏موضوع لحكم القاضي الثاني بعدم جواز تعقيب الدعوى من قبله بعد بت الاول بها، وفي فرضه الثاني موضوع له ايضا فيما هومحل التنازع في القضية الثانية بحسب الفرض. فلو قضى الاول بانتساب زيد الى عمرو لم يجز للقاضي الاخر النظر في نفس‏الدعوى، وجاز له الحكم بتوريثه اعتمادا على تحقق الموضوع اعني حكم الحاكم الاول في كلتا القضيتين. وعلى اثباته‏الموضوع يدور اعتبار الشي‏ء وسيلة للاثبات.

واخراج انشاء القاضي الحكم بالكتابة عن البحث لرجوعه الى علم اصول المحاكمات، وعدم كفاية اخبار الحاكم بالحكم من‏جهة عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات، لرجوعه الى دليل اثبات آخر هو الشهادة مثلا.

ومن هنا انصبت محاولتنا في هذه المقالة على التعرض لحجية الكتابة في القانون وآراء الحقوقيين فيها، ثم لحجيتهاوشروطها في الشريعة وآراء الفقهاء فيها، والادلة التي قد يستدل بها عليها نفيا واثباتا، وما يمكن ان يواجه ذلك من اعتراضات‏ومناقشات.

حجية الكتابة في القانون

تعتبر الكتابة في القانون الوضعي من اهم وسائل الاثبات على الاطلاق، حيث تمتاز بميزات:

منها اطلاق قوتها في الاثبات عندهم دون غيرها حتى البينة، فيمكن التمسك بها لاثبات اية دعوى واقعة كانت ام تصرفا قانونيا،بل هي الاصل الاولي عندهم، اذ يتقدم على غيره من البينة وغيرها مع وجوده، بل قد الغى القانون الوضعي اعتبار البينة‏وسيلة للاثبات في التصرفات القانونية الواقعة على مبلغ معين في الاحوال الطبيعية، وذلك استنادا منهم الى ميزة اخرى في‏الورقة هي قابليتها للاعداد، بل قالوا بعدم تطرق عوامل الضعف الى الورقة مع تطرقها الى غيرها حتى البينة، ولذا اجازواالطعن في البينة ولم يجيزوها فيها، وهذه هي الميزة الثالثة.

قال السنهوري في الوسيط: ((والكتابة من اقوى طرق الاثبات، ولها قوة مطلقة، اذ يجوز ان تكون طريقا لاثبات الوقائع القانونية‏والتصرفات القانونية دون تمييز كما سنرى... ومن مزايا الكتابة انه يمكن اعدادها مقدما للاثبات منذ نشوء الحق دون التربص‏الى وقت المخاصمة فيه، ولذلك سميت بالدليل المعد preuve  preconstituee. وقد اوجبها القانون بوجه عام طريقاللاثبات في الاحوال التي يمكن فيها اعدادها مقدما وهي الاحوال التي يكون فيها مصدر الحق تصرفا قانونيا، فان التصرف‏القانوني يسهل اعداد كتابة لاثباته من وقت صدوره. اما الواقعة القانونية، وهي عمل مادي، فقد لا يتيسر اعداد كتابة لاثباتها،لذلك يجوز بوجه عام اثباتها بجميع طرق الاثبات لا بالكتابة وحدها.

ومن مزايا الكتابة ايضا انها لايتطرق اليها من عوامل الضعف ما يتطرق الى الشهادة، فالشهود يجوز عليهم الكذب، وتعوزهم‏الدقة على كل حال، وتتعرض ذاكرتهم للنسيان)).

((188)) وقال الدكتور عبد السلام المزوغي: ((تعتبر الكتابة من اهم وسائل وطرق الاثبات، وهي الاصل او الطريق الرئيسي والحاسم من‏اجل اقامة الدليل والحجة امام القضاء. ويستثنى من هذا الاصل في الاثبات، اثبات المعاملات التجارية واثبات المسائل المدنية‏فيما لاتزيد قيمته عن عشرة دنانير..)) ((189)) .

وقال الدكتور سعيد عبد الرحمان المبارك: ((والواقعة القانونية قد تكون واقعة مادية وقد تكون تصرفا قانونيا، فاذا كانت‏الواقعة القانونية واقعة مادية جاز اثباتها بجميع طرق الاثبات... اما التصرفات القانونية فيجب اثباتها بالطرق المقررة قانونا،والاصل هو اثباتها بالكتابة، ولكن يجوز الاثبات بالشهادة استثناء اذا كانت قيمة التصرف لاتتجاوز مبلغا معينا)) ((190)).

ونصت الفقرة الاولى من المادة 60 من قانون الاثبات المصري على ان: ((في غير المواد التجارية اذا كان التصرف القانوني تزيدقيمته على عشرين جنيها او كان غير مقدر القيمة فلا تجوز شهادة الشهود في اثبات وجوده او انقضائه ما لم يوجد اتفاق اونص يقضي بغير ذلك)) ((191)) .

والمادة 61 منه نصت ايضا على انه: ((لايجوز الاثبات بشهادة الشهود ولو لم تزد القيمة عن عشرين جنيها: (ا) فيما يخالف اويجاوز مااشتمل على دليل كتابي (ب) اذا كان المطلوب هو الباقي او هو جزء من حق لايجوز اثباته الا بالكتابة (ج) اذا طالب احدالخصوم في الدعوى بما تزيد قيمته على عشرين جنيها ثم عدل عن طلبه الى ما لايزيد على هذه القيمة)) ((192))

فالحقوقيون متفقون على حجية الاثبات بالكتابة، وانها على سبيل الاطلاق.

حجية الكتابة عند علماء الشريعة

واما فقهاء الشريعة فاهل السنة مختلفون بين مثبت الحجية للدليل الكتابي مطلقا، وبين ناف لها مطلقا، وبين مفصل بشهادة‏البينة عليه فالحجية، وعدمها فعدمها ((193)) .

ومشهور فقهاء اهل البيت(ع) على ان لا اعتبار بالخط والخاتم، خلافا للمحكي عن ابي علي الاسكافي فاثبتها في حقوق الناس‏دون حقوق اللّه ((194)) ، والاردبيلي مطلقا فيهما ومقيدا بالعلم بكتابته والقصد لمعناها ((195)) ، وصاحب الجواهر ((196))وآخرين كذلك ((197)) .

قال في مفتاح الكرامة عند قول العلامة: ((لاعبرة عندنا بالكتاب اجماعا)) : ((معلوما ومنقولا في مواضع عديدة كالخلاف‏والسرائر والشرائع، والتحرير والمسالك وغيرها حتى في المفاتيح، ولم ينقل الخلاف الا عن الكاتب ابي علي حيث جوزه في‏حقوق الناس للضرورة وحصول الضرر، ووجود المخالف معلوما كان او مجهولا لايضر في دعوى الاجماع كما بيناه غير مرة((198)) )).

ادلة النافين:

وهي على قسمين: اصول عملية وادلة اجتهادية

الاول الاصل العملي:

لاريب في ان مقتضى الاصل عند الشك في حجية دليل او عدمه العدم، بمعنى عدم جواز الاتكال عليه تنجيزا وتعذيرا في مقام‏العمل حتى يقوم دليل على ثبوتها، ونحن اذ نشك في حجية الكتابة في باب القضاء فالاصل عدمها. وهذا يشكل بنفسه دليلا اوليايمكن للنافين التمسك به لو لم يقم الدليل الاجتهادي على خلافه.

الثاني الدليل الاجتهادي:

فقد استدل لنفي حجية الكتابة بعدة ادلة منها:

اولا: صحيحة السكوني، عن جعفر، عن ابيه، عن علي(ع): ((انه كان لايجيز كتاب قاض الى قاض حتى وليت بنو امية فاجازوابالبينات ((199)) )). ورواها طلحة بن زيد ايضا.

تقريب الاستدلال: ان ظاهر نسبة اجازة كتاب القاضي الى القاضي الاخر الى بني امية ومقابلته بعدم اجازته المطلقة من قبل‏الامام علي(ع) الموصوف من قبل النبي(ص) بانه اقضى المسلمين ذم ذلك، وخروجه عن قواعد القضاء الشرعي حتى فيماقامت البينة على انه كتاب القاضي فضلا عن الكتاب وحده، وكونه كتاب قاض لايقتضي خصوصية له فيثبت عدم العبرة‏بالكتاب مطلقا.

ونوقش: تارة بضعف السند بعامية السكوني وطلحة او بترية الاخير ((200)) ، مع ان الشيعة عملت بروايات الاول ((201)) ،وكتاب الثاني معتمد ((202)) ، هذا عدا رواية الاجلة واصحاب الاجماع عنهما او عن بعضهما، وانجبار روايتهما بالشهرة‏العظيمة. واخرى: بانها واردة في مورد احتمال التزوير ((203)) . وكون الكتاب مشهودا عليه بالبينة يدفعه. اللهم الا ان يرادبالبينة غير معناها الاصطلاحي، او هو لكن على ان الخط خطه والخاتم خاتمه بمعرفتهما به لابشهادتهما له يختمه او يخطه، اوهو مع غيابه عنهما فترة من الزمان، او هو مع عدم امانة الحامل وامكان التبديل بمثله، وعند الاحتمال تبتلى الرواية بالاجمال‏ويبطل الاستدلال ما لم يدع الظهور في المعنى المؤدي الى عدم التزوير.

ثانيا: مكاتبة جعفر بن عيسى: ((جعلت فداك، جاءني جيران لنا بكتاب زعموا انهم اشهدوني على ما فيه، وفي الكتاب اسمي‏بخط‏ي قد عرفته، ولست اذكر الشهادة وقد دعوني اليها، فاشهد لهم على معرفتي ان اسمي في الكتاب ولست اذكر الشهادة، اولاتجب الشهادة علي حتى اذكرها، كان اسمي في الكتاب او لم يكن؟ فكتب: لاتشهد ((204)) )). فان الامام(ع) نهى عن الشهادة على‏ماجاء في الورقة رغم معرفته بخطه وخاتمه، والظاهر ان ذلك لعدم العبرة بالكتابة.

وفيه:

انها مكاتبة اولا، وما كانت كذلك يستلزم من قبولها انكارها.وتوجيه الاخذ بالمكاتبات بانسداد باب العلم والعلمي بدونه غيروجيه، اذ وجودها لايفتح ما انسد وعدمها لايسد ما انفتح، لقلتها ووجود البديل عنها في الغالب.

ومضمرة ثانيا، وليس الراوي ممن لايليق بشانه الرواية عن غير الامام(ع).

واحتمال كون النهي من جهة عدم الامن من تزوير المتن بزيادة او نقصان وان علم الخط والخاتم ثالثا، لقول السائل:

((زعمواانهم اشهدوني على ما فيه)) و ((ولست اذكر الشهادة)) لا ما امن فيه ذلك.

على انها واردة في واقعة خاصة ومعارضة بما هو اقوى منها، كما سياتي لدى البحث في ادلة المثبتين.

ثالثا: الاجماع: فقد ادعاه بعد تجاوز خصوصية المورد التي قلنا بعدمها كثير من فقهائنا، وقد تقدم التصريح باسماء جملة‏من الكتب الناقلة له في عبارة المفتاح المتقدمة.

وجوابه: اما المنقول فليس بحجة، واما المحصل فغير ثابت لمخالفته بمن تقدم ذكرهم، وعلى فرض ثبوته فهو ان لم نقطع‏بمدركيته محتملها.

رابعا: ما دل من الروايات على حصر ميزان القضاء بالبينة واليمين، او بثلاثة غير الكتابة، او باربعة كذلك، فيتمسك بمفهومه‏لنفي ما عدا المحصور ومنه الكتابة.

لكن تقدم ان الحصر الحقيقي لم يثبت، والاضافي لاينفي ما عداه، على انه لو ثبت واستفيد منه المفهوم امكن تخصيصه بما عداالمحصور لو قام الدليل عليه ((205)) .

ادلة المثبتين:

وهي انواع:

الاول - الكتاب:

اذ تمسك بعض الفقهاء بالاية الكريمة: (يا ايها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم‏كاتب‏بالعدل‏ولا ياب كاتب ان يكتب كما علمه اللّه فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق اللّه ربه ولا يبخس منه شيئا فان كان‏الذي عليه الحق سفيها او ضعيفا او لايستطيع ان يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونارجلين‏فرجل وامراتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى ولا ياب الشهداء اذا ما دعوا ولا تسامواان تكتبوه صغيرا او كبيرا الى اجله ذلكم اقسط عند اللّه واقوم للشهادة وادنى الا ترتابوا الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونهابينكم فليس عليكم جناح الا تكتبوها واشهدوا اذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وان تفعلوا فانه فسوق بكم واتقوا اللّهويعلمكم اللّه واللّه بكل شي‏ء عليم وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان امن بعضكم بعضا فليؤد الذي‏اؤتمن امانته وليتق اللّه ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه واللّه بما تعملون عليم) ((206)) .

قال الاردبيلي بعد ذكر الاية والبحث عما يرتبط بالكتابة منها ما نصه:

((ثم اعلم ان هذه التاكيدات في امر الكتابة تدل ظاهرا على انها معتبرة وحجة شرعية، مع انهم يقولون بعدم اعتبارها، فكانه‏للاجماع والاخبار، فتكون للتذكرة. وهو بعيد. ويمكن ان تكون حجة مع ثبوت انه املاء من عليه الدين وانه مكتوب بالعدل ومادخل عليه التغيير والتزوير باقراره او بالشهود، ولهذا شرط الاملاء منه، فدلت على اعتبار الكتابة في الجملة، ومثلها معتبرة‏عندهم، فيخصص عدم اعتبار الكتابة ودليله ان كان بغير ذلك)) ((207)) .

وعلى كل، فان النص تضمن جملة قواعد ونظريات: منها نظرية الاثبات بالكتابة، ونظرية اثبات الدين التجاري، ونظرية حق‏الملتزم في املاء العقد، ونظرية تحريم الامتناع عن اداء الشهادة، والنهي عن امتناع الكاتب عن الكتابة، وحرمة بخس صاحب‏الحق حقه، وقيام الولي مقام المتعامل حال عذره، وشروط تصرف الولي فيما ولي فيه، وشهادة رجلين على السند، وابدال‏امراتين بدل احدهما ان فقد، والمنع من الاضرار بالكاتب والشهيد باعطائهما اجرة الكتابة ونفقة الحضور وغيرها ((208)) ، بل‏احصى البعض الاحكام الواردة بما ينوف على العشرين حكما ((209)) .