ويمكن تقريب الاستدلال بالاية الكريمة: بان الغرض من الامر بالكتابة الوارد فيها سواء قلنا بانه امر مولوي ظاهر في الوجوب‏او الاستحباب او مطلق الطلب، او ارشادي الى ما يتضمن فعل الكتابة من المصلحة واضح، وهو دفع الضرر وحفظ الحقوق‏كما صرح بذلك غير واحد ((210)) ، قال في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (فاكتبوه): ((معناه فاكتبوا الدين في صك لئلا يقع‏فيه نسيان او جحود، وليكون ذلك توثقة للحق، ونظرا للذي له الحق، وللذي عليه الحق، وللشهود. فوجه النظر للذي له الحق ان‏يكون حقه موثقا بالصك والشهود فلا يضيع حقه، ووجه النظر للذي عليه الحق ان يكون ابعد به من الجحود فلا يستوجب‏النقمة والعقوبة، ووجه النظر للشهود انه اذا كتب بخطه كان ذلك اقوم للشهادة، وابعد من السهو، واقرب الى الذكر ((211)) ))،وواضح ان تحقق الغرض المذكور منوط باعتماد الورقة المكتوبة طريقا للاثبات، والا يغد الامر بها لغوا وعبثا، وبالغاءالخصوصية عن مورد الدين تثبت حجية الكتابة في جميع التصرفات والوقائع.

وهذا البيان قد يناقش:

اولا: بعدم الحاجة الى التعدية الى سائر الافعال، لعدم حق في ذمة احد في المعاملات فضلا عن غيرها من الافعال، لان المراد من‏الدين كل ما يثبت بالذمة قرضا كان او نسيئة او اجارة او بيع سلم او غيرها، فلا يخرج عن الاية الا المقبوض وتكفي فيه قاعدة‏اليد عند النزاع.

وثانيا: بان الخصوصية في الدين موجودة، فلو فرضنا ان هناك حاجة الى التعدية الى غير موارد الدين والغاء الخصوصية لم‏يمكن، لان في الدين عدم المال وتاجيل القبض دون سائر العقود او الافعال، ولذا استثنيت التجارة الحاضرة من الحكم الوارد في‏الاية.

وثالثا: بان النص لو كان بصدد جعل الحجية للكتابة وسيلة مستقلة للاثبات في باب القضاء فلا يعدو اما ان يكون بما هي‏ورقة رسمية او عرفية، والشروط المراعى اعمالها في القانون في اية واحدة منهما لاتنطبق مع ما جاء في الاية الكريمة، اماالرسمية فقد روعي فيها ان يقوم بتحريرها موظف عام مختص وفقا لاوضاع مقررة، واما العرفية فالشرط الوحيد لصحتها هوتوقيع المدين اذا كانت معدة للاثبات، والا فلا حاجة للتوقيع ايضا ((212)) . وكلا الامرين لم يذكرا في الاية.

ورابعا: بان اشتراط الشهادة على السند الكتابي بما به نصاب البينة وبدله يخرجها عن كونها وسيلة مستقلة في الاثبات، بل‏يثبت لغوية الكتابة وعدم الحاجة اليها لاغناء البينة عنها في اثبات الموضوع.

وهذه المناقشات يمكن الاجابة عنها:

اما الاولى: فبان الحاجة الى الكتابة كوسيلة للاثبات عند التنازع كالحاجة الى البينة لاتنحصر بما اذا كان الاختلاف في تعلق‏اصل المال في الذمة كي يقال بانتفاء الفائدة في غير الدين، بل قد تكون للمعاملة آثار اخرى سوى ضمان قبض العوضين تترتب‏عليها، فلو ظهر الغبن في البيع الحاصل فيه التقابض او العيب في المبيع او غير ذلك مما يترتب عليه الاثر وانكرهما البائع‏امكن الرجوع الى الورقة لاثبات حصول البيع وعودة المبيع اليه مع اثبات مواصفاته فيها. هذا في المعاملة، واما في غيرهافكذلك، اذ قد يستند المتهم في حادثة قتل الى وثيقة وقعها زمان القتل في مدينة اخرى غير المدينة التي وقع فيها القتل تبعد عنهابمسافة لايمكن معها حضوره مكان القتل زمان وقوعه. فلولا هذه الاثار لم تكن حاجة الى الاشهاد الوارد في الاية في موردالتجارة الحاضرة، اعني قوله تعالى: (واشهدوا اذا تبايعتم).

والثانية: فبان الخصوصية المدعاة في الدين ان ثبتت ففي الامر بالكتابة دون الغرض الناشى‏ء منه او المصلحة المرشد اليها،فانها اعم من ذلك كما تقدم في جواب المناقشة الاولى.

واما الثالثة: فقد يجاب عنها:

اولا: بان نختار كون الورقة الملاحظ ورودها في المتن هي الورقة الرسمية والكاتب المامور بكتابته في الاية بقوله:

(وليكتب‏بينكم كاتب بالعدل) هو موظف الدولة، لان الاية لم تشترط في الكاتب سوى ان يكون عالما بالكتابة وباحكام الشريعة، مغايراللطرفين المتعاقدين، عادلا فيما يكتبه ((213)) ، وجميعها ينطبق مع موظف الدولة.

وما قد يجاب به من ان موظف الدولة ما كان يتقاضى الاجر منها لقاء كتابته، وقد نفته الاية بقوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولاشهيد)، اذ حمل على استحقاقه الاجرة من المتعاقدين ((214)) فموهون جدا، من جهة وجود المحامل الاخرى، وعدم اختصاص‏عدم الاضرار بدفع المتعاقدين الاجرة على فرضه لاطلاق الاية، فتدفعها الدولة كما صرح بذلك بعض ((215)) ، وعدم التلازم‏على فرضه ايضا بين كونه موظفا للدولة واستحقاق الاجرة على المتعاقدين.

والصحيح في الجواب ان يقال: ان المراد بالموظف المختص كونه مسؤولا من قبل الدولة، وكيلا عنها بنحو يمكن لورقته ان‏تتصف بالرسمية واسناد مافيها الى راي الدولة، مع ان الوارد في الاية الكريمة لا اشارة فيه الى ذلك بل الاشارة على خلافه، لمافي جعل الاملال ممن له الحق من التنبيه على ان دور الكاتب فيها دور الوسيلة والاداة الكاتبة لا دور المنشى، وان الفرض فرض‏عدم علم من عليه الحق بالكتابة كما عليه الناس في عصر التشريع والا كان هو الممارس للكتابة، لعدم الفرق بين كتابته‏بنفسه وكتابة غيره له بعد فرض كون الاملال حقه كما صرح به السبزواري في مواهبه ((216)) . ومنه يستفاد ان ما استفيد من‏لزوم كون الكاتب فقيها عالما بالاحكام الشرعية وما يقتضيه العقد من شروط من قوله تعالى: (مما علمه اللّه) ((217)) غيرصحيح، فان شروط العقد لازمة على كل حال، كان العالم بها الكاتب او المتعاقدين او الشهود او غيرهم او لم يكن عالم بها اصلا،والمراد بما علمه اللّه تعالى الكتابة نفسها لا مضمونها. واشتراط العدل في الكتابة لا من جهة كونه منشئا وان ربما توهم ذلك‏ بل من جهة كونه امينا على امر يجهله المتعاقدان والشاهدان.

وثانيا: بان نختار كونها العرفية، فتكون شهادة الشهود تاييدا لاقرار المتعاملين بما فيها وقبولهما به، فتكون بدلا عن توقيعهماالمشترط في ذيل العقد المكتوب بعد فرض عدم شيوع التواقيع والاختام في ذلك الزمان اما لاحتمالها التزوير او لاستلزامها بذل‏المال الذي لايقدر عليه كل احد، فيكون تكليف العموم بها تكليفا بما لايتاتى على كل حال مع لزوم المعاملة لكل احد. هذا فيما هومعد للاثبات منها مما يحتاج فيه الى التوقيع ومورد النص من مثله، واما غيره من الاوراق العرفية فتكفي فيه صحة ما جاء فيه‏بكل طريق معتبر ولو من جهة قيام البينة عليه.

لكنه لو غضضنا النظر عما يرد على بعض مقدماته كعدم شيوع التواقيع والاختام في عصر التشريع الموجب للتعبيربالبديل بدلا عن المبدل عنه باعتباره الميسر لا دليل على اصل البدلية اولا، بل ولا حجية المبدل منه ثانيا، مع اقتضاء الاصل‏حمل الاشهاد على السند المكتوب على الموضوعية ثالثا، ووجود محامل اخرى غير ما ذكر سياتي ذكرها لاحقارابعا.

وثالثا: بان عدم انطباق النص مع الجاري من القوانين الوضعية لايعني بالضرورة تجريد الورقة عن حجيتها الثابتة لهابالنص كوسيلة للاثبات بناء على تمامية ما تقدم من الاستدلال. فلتكن الموافقة بين الشرع والقانون في اصل التمسك بالكتابة‏دليلا من ادلة الاثبات، والمخالفة بينهما في سائر التفصيلات من اشتراط الشهادة في الدليل الكتابي عند الشرع وتحريرالموظف الخاص وتوقيع صاحب الورقة او خطه او اقراره عند القانون.

فمخالفة مفاد النص لما هو جار في القانون لايسلب‏الورقة الحجة في الاثبات عن حجيتها الثابتة من قبل الشرع.

نعم، المناقشة الرابعة تبقى سليمة عما يمكن ان يجاب به عنها.

فما ربما يتصور في ردها من امكان جعل الامر بالكتابة والاشهاد ارشادا محضا الى ماتثبت به الحقوق عند الانكار والترافع‏ليكون تخصيصا لما دل على حجية البينة مطلقا، فلا تثبت حجيتها في المعاملات الواقعة على الدين الا حيث تكون للمصادقة‏على المستند الكتابي، فيكون المجموع من المنضم اليه اعني الدليل الكتابي والضميمة اعني الشهادة هو الحجة في‏اثبات وقوع المعاملة كما يدعيها المدعي. مردود اولا: بانه احتمال محض لادليل عليه.

وثانيا: بورود الفتاوى والروايات الصريحة في مورده على خلافه، ففي خبر عمران بن ابي عاصم قال: قال ابو عبد اللّه(ع):((اربعة لاتستجاب لهم دعوة: احدهم رجل كان له مال فادانه بغير بينة، يقول اللّهغ الم آمرك بالشهادة؟! ((218)) )).

فانه دال‏بمفهوم الموافقة على ان ضياع ماله بسبب تقصيره في حفظه بعدم اقامة البينة عليه. فلو كانت البينة وحدها لاتكفي لحفظ‏المال واثباته في ذمة المنكر ولابد من الصك ايضا لكان التعليق عليها وحدها غير صحيح. ومثلها في الاستدلال رواية عبد اللّهبن سنان عن الصادق(ع) ((219)) ايضا.

وفي صحيحة جميل بن دراج عن جماعة من اصحابنا عنهما(ع) ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: ((الغائب يقضى عليه اذاقامت عليه البينة، ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته اذا قدم، قال: ولا يدفع المال الى الذي اقام‏البينة الا بكفلاء ((220)) )). فانها دلت على توقف دفع المال الذي بذمة الغائب باقامة البينة، فلو كان اثبات الدين موقوفا على‏ابراز الصك لم يجز الدفع بمجردها، والكفالة لاجل ضمان المال عند عودة الغائب لو كان لديه ما يدفع به دعوى المدعي لا انفاذالحكم. وغيرها كثير.

بل لم يظهر لنا في جميع روايات كتب الحديث الكثيرة الواردة في الحقوق المالية ما يدل على اتباع الناس طريقة الصكوك هذه‏الا يسيرا.

والحق ان يقال: ان الغرض من الامر بالكتابة الوارد في الاية لا لتكون وسيلة للاثبات مستقلة، والا كانت الشهادة لوحدها كافية‏للاثبات، بل لما نبه اللّه تعالى عليه بقوله: (ذلك اقسط عند اللّه واقوم للشهادة وادنى الا ترتابوا) ((221)) الدال على ان اتباع‏الاجراء المذكور يجعل العدل عند اللّه تعالى اقرب للوقوع، والشهادة ابعد عن السهو والنسيان العارضين بمرور الزمان، لماتوجبه الكتابة من الذكرى والتقويم، مضافا الى انه يزيل الشك من نفس ذي الحق، ويبعد الزيغ من نفس من عليه الحق، فتسودالثقة، ويستثمر المال، وتروج المعاملة، وينتعش السوق.

وربما امكن الانتصار لهذا الراي بصحيحة ابي خديجة في حديث ان رجلا كتب الى الفقيه(ع) في رجل دفع اليه رجلان‏شراءلهما من رجل فقالا: لاترد الكتاب على واحد منا دون صاحبه، فغاب احدهما او توارى في بيته، وجاء الذي باع منهما فانكرالشراء يعني القبالة فجاء الاخر الى العدل فقال له: اخرج الشراء حتى نعرضه على البينة، فان صاحبي قد انكر البيع مني ومن‏صاحبي، وصاحبي غائب، ولعله قد جلس في بيته يريد الفساد علي. فهل يجب على العدل ان يعرض الشراء على البينة حتى‏يشهدوا لهذا؟ ام لايجوز له ذلك حتى يجتمعا؟ فوقع(ع): ((اذا كان في ذلك صلاح امر القوم فلا باس ان شاء اللّه ((222)). فانه قديستفاد في احد محتملاتها الجري على مراجعة القبالة لتذكير الشهود ليشهدوا بما فيها للادلاء بالشهادة.

بل هو الظاهر من صحيحة عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد اللّه(ع): الرجل يشهدني على شهادة فاعرف خط‏ي وخاتمي، ولا اذكرمن الباقي قليلا ولا كثيرا، قال: فقال لي: ((اذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له ((223)) )).

وصحيحة الحسين بن سعيد المتقدمة التي نهى الامام(ع) فيها جعفر بن عيسى عن الشهادة على ما في الكتاب المكتوب فيه‏اسمه بخطه وخاتمه ((224)) .

بل ورواية السكوني ايضا عن ابي عبد اللّه(ع) قال: قال رسول اللّه(ص): ((لاتشهد بشهادة لاتذكرها، فانه من شاء كتب كتاباونقش خاتما ((225)) )).

اذ يظهر منها جميعا ان عادتهم جرت على اتخاذ الكتاب وسيلة تذكير للشاهد وعاملا لحصول القطع لامستندا للحكم، ولذا جاءفي رواية حسين الاحمسي عن ابي عبد اللّه(ع) قال:

((القلب يتكل على الكتابة ((226)) )).

الثاني - الفحوى:

وقد تمسك بها الاردبيلي لاثبات اولوية الكتابة في ايجابها للظن بصحة انتساب ما جاء فيها اليه من البينة حيث قال: ((انه قديحصل الظن المتاخم للعلم اقوى من الذي حصل من الشاهدين ((227)) )).

ورده في الرياض بان ((ذلك فرع قيام دليل قاطع على جواز العمل بالظن مطلقا، ولم نجده في نحو محل البحث مما يتعلق‏بموضوعات الاحكام التي لم تتوقف عليها مطلقا ولو كان الظن للعلم متاخما. ومجرد كون الظن بالكتابة اقوى من الظن‏الحاصل من شهادة الشاهدين لا يوجب قطعيته ولا حجيته الا على تقدير ان يكون حجيتها من حيث افادتها المظنة وهو ممنوع،بل كلمة القائلين بحجيتها وسماعها هنا مطبقة على انها من جهة الادلة الاربعة التي سياتي ذكرها، وهي ادلة قاطعة او ظنية ظنامخصوصا مجمعا عليه، ومثلها لم يقم على اعتبار ظن الكتابة بعد امكان دفع الضرورة التي هي الاصل في تلك الادلة بالاشهادعلى الحكم واقامة البينة وانفاذ الحاكم الثاني الحكم بها ((228)) )).

وجوابه قابل للمناقشة اولا: بان الظن المتاخم للعلم علم بالنظر العرفي فلا تشمله الادلة الامرة باجتناب الظن او الناهية عن‏العمل به ((229)) ، بل صاحبه يرى بحكم كونه عرفيا نفسه عالما فتشمله حجية القطع، كما يمكن القول بحجيته بقيام السيرة‏العقلائية الممضاة عليها ((230)) .

وثانيا: بان المفهوم من دليل حجية البينة بحسب النظر العرفي ان جعل الشارع الحجية لها بلحاظ اماريتها وكشفها عن الواقع‏وانه تمام الملاك في ذلك، والا للاحظ المحتمل فلا تكون امارة بل اصلا عمليا كما اثبته السيد الشهيد الصدر(رضى) في بحوثه‏الاصولية لدى بحثه الفرق بين الامارة والاصل العملي. فلو كانت البينة تتمتع بدرجة من الكاشفية عن الواقع ادنى من كاشفية‏الكتابة عنه امكن اثبات الحجية للاخيرة بالفحوى والاولوية.

وتعبد الفقهاء بادلة الحجية على فرض عدم التوصل الى الملاك في جعل حجيتها لاينافي كون الملاك فيها ما ذكر لو انكشف اوقام الدليل المعتبر عليه. ومن هنا كان دليل الفحوى غير جار على ما اختاره المشهور من موضوعية البينة واليمين في دليل((البينة على من ادعى واليمين على من انكر))، وبه يورد على المولى الاردبيلي، وانما يجري على ما تم استظهاره في مقالة‏سابقة لدى البحث عمن له الحق في الاثبات ((231)) .

لكن هذا لايثبت الحجية للكتابة وحدها بل ولا للكتابة مطلقا وانما يثبتها لما بلغ في كاشفيته الحد المذكور كتابة كان او غيرها،فالكتابة بما هي كتابة بهذا البيان ليست حجة.

الثالث - السيرة:

فقد ادعى المولى الاردبيلي قيامها على العمل بالكتابة بالرواية واخذ المسالة والعلم والحديث من الكتاب الصحيح عند الشيخ‏المعتمد، بل قد جوزه الفقهاء في الاصول ((232)) .

ورده في الرياض وغيره ((233)) بان قيامها عليه لا من جهة كشفها عن راي المعصوم بل من جهة الضرورة وانسداد باب العلم،فيقتصر عليه في مورده استنادا الى ان الضرورات تقدر بقدرها، ولا يتعدى منه الى ما نحن فيه مما باب العلم فيه مفتوح.والضرورة منتفية وان ادعى ابن الجنيد وجودها. ((234))

لكن الظاهر كما صرح به في الجواهر قيامها على الاعم من ذلك مما ليس للضرورة وانسداد باب العلم فيه مدخل، قال: ((نعم،اذا قامت القرائن الحالية وغيرها على ارادة الكاتب بكتابته مدلول اللفظ المستفاد من رسمها فالظاهر جواز العمل بها، للسيرة‏المستمرة في الاعصار والامصار على ذلك، بل يمكن دعوى الضرورة على ذلك، خصوصا مع ملاحظة عمل العلماء في نسبتهم‏الخلاف والوفاق ونقلهم الاجماع وغيره في كتبهم المعمول عليها بين العلماء.

ودعوى ان ذلك كله من جهة فتح باب الظن في الاحكام الشرعية وموضوعاتها واضحة الفساد، ضرورة كون السيرة المزبورة‏على الاعم من ذلك، كالوكالة والاقرار والوصايا والاوقاف، وتصنيفهم كتب الفتوى للاطراف وعمل الناس بها ونحو ذلك. ولكن‏مقتضى ذلك تكون الكتابة فيما نحن فيه بعد انتفاء احتمال التزوير وعدم القصد وغيرهما من الاحتمالات)). ((235))

غير ان مشكلة التمسك بالسيرة لاتكمن في قيامها على ما انسد فيه باب العلم او الاعم، بل في ان السيرة لو قامت فانما تقوم على‏جعل الحجية للكتابة في باب موضوعات الاحكام الشرعية غير القضائية، واما القضائية فتحتاج الى جعل للحجية خاص بها،كما تقدم منا الاشارة اليه لدى البحث عن عب‏ء الاثبات ((236)) . ولا دليل على قيام السيرة عليها.

نعم، يمكن بالسيرة المذكورة اثبات الحجية الشرعية للكتابة ثم تتميمها بدليل الفحوى المتقدم بناء على ما استظهر سابقا من‏عدم موضوعية البينة واليمين كوسيلتي اثبات، لكنه لا حاجة حينئذ الى دليل السيرة، لكفاية دليل الفحوى نفسه في اثبات‏كون الكتابة حجة شرعا.

الرابع  - الروايات:

اذ استدل المولى الاردبيلي بروايتي السكوني وعمر بن يزيد المتقدمتين، بدعوى دلالتهما على ان المانع من حجية الكتابة‏احتمال التزوير ((237)) .

وتقريب الاستدلال بالاولى واضح، لتعليلها النهي عن الشهادة على ما لايذكر بامكان تزوير الكتاب ونقش الخاتم، واطلاق العلة‏يقتضي انحصار المعلول بها، فاذا انتفت انتفى النهي عن الشهادة مطلقا فيجوز.

وفيه عدا ما في الرواية من ضعف السند بجهالة النوفلي : عدم معلومية كون الامام(ع) بصدد بيان كل ما له دخل في النهي عن‏الشهادة، اذ يكفيه لتبرير النهي عنها وجود السبب المذكور وان كانت هناك اسباب اخرى تقتضي النهي ايضا، فينتفي‏المفهوم.

واما الثانية فانه يستفاد من مفهوم الشرط في قوله(ع): ((اذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له)) ومنطوقه تعليق جوازالشهادة على ما في الكتاب وعدمها على وجود البينة وعدمها الراجع في منشئه بعد معرفته خطه وخاتمه وبملاحظة مناسبات‏الحكم والموضوع الى خوف التزوير في الباقي، فمع قيام البينة على شهادته في الكتاب بما جاء فيه من دون تغيير يثبت طريق‏شرعي للشهادة به والا فلا، لا ماذكر في اسس القضاء والشهادة من انه لاحراز وقوع التحمل ((238)) ، اذ لاحاجة لان يكون‏المدعي ثقة ايضا.

وقد يشكل على الاستدلال بالرواية:

اولا: بانها معارضة باطلاق مكاتبة جعفر بن عيسى المتقدمة التي نهاه الامام فيها عن الشهادة على ما في الكتاب وان عرف‏اسمه بخطه وخاتمه، ورواية علي بن غياث عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ((لاتشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك)). ((239))

وقد تقدم الايراد عليها من جهات تنفع في المقام ايضا، يضاف اليها هنا ان النهي فيها مطلق شامل لما اذا قامت البينة على صحة‏ما جاء في الكتاب وعدمه، فلتقيد بصحيحة عمر بن يزيد بعد تعديتها لمطلق ما احرز عدم وقوع التحريف في الكتاب لتثبت‏حجية الكتابة مع الامن من التزوير فقط لامطلقا.

وعن الرواية الاخرى بضعف سندها في غير واحد من رواتها، وبما اجيب به هنا عن سابقتها.

وثانيا: بانها لاتثبت جواز الشهادة بموجب الكتابة حتى تكون دليلا على اعتبارها، بل بما اخبرت به البينة.

فيجاب بان الحمل المذكور مناف لما دل على اشتراط كون الشهادة عن حس، وللاجماعات والنصوص الدالة ولو بالمفهوم على‏عدم كفاية الشاهد الواحد مطلقا وان كان صاحب الدعوى ثقة ايضا، والا اخبر المعتقد بوثاقته مع الشاهد الثقة فتحصل البينة‏له فيشهد.

ومن هنا يتعين حمل قيام البينة على ان شهادته المثبتة في الكتاب بخطه وخاتمه كانت شهادة صحيحة اما لنفي عروض‏التزوير على متن الكتاب زيادة او نقيصة، او لنفي عدم كونه حين كتب اسمه وختم في مقام الشهادة، او لنفي عدم اطلاعه على‏ان قصد كاتب الكتاب والمتعاقدين جدي، الى غير ذلك من الاحتمالات. فاذا امن سلامة شهادته المكتوبة من هذه النواحي جاز له‏الشهادة بمضمون الكتاب تعويلا عليه.

لكن الصحيح اننا لانحتاج الى دليل خاص في جعل الحجية للكتابة، ذلك ان الكتابة ليست الا اداة للتعبير عن المراد شانها في‏ذلك شان اللفظ، وعليه فان اوجبت العلم للقاضي بصدور الفعل المتنازع في صدوره من صاحبها وعدمه فهي حجة، لا لانهاكتابة بل من باب حجية علم القاضي في القضاء بناء على القول بها.

وان اوجبت الاطمئنان فكذلك، لانه علم بالنظر العرفي، فيشمله ما دل على جواز الاخبار والعمل عن علم. وحجيته وان امكن‏الشارع النهي عنها لعدم ذاتيتها لكن الظاهر عدمه، لعدم شمول ادلة النهي عن الظن له، لعدم تحقق موضوعها بعد فرض عدم‏صدق الظن عليه عرفا.

واما ان اوجبت الظن شملتها ادلة حجية ما تدخل فيه، فان كانت الكتابة متضمنة الاخبار عن حق سابق وصادرة ممن عليه الحق‏كانت اقرارا وكان السند نوعا من السندات العرفية، او الاخبار عن صدور فعل من الغير تترتب عليه آثار حقوقية او جنائية‏كانت شهادة من حيث الافادة وان لم تترتب عليها آثار الشهادة الاخرى، وهذا ايضا نوع من السندات العرفية، او الاخبار عن‏واقعة تعترف الدولة او الجهة الرسمية بعد فرض اناطة المشرع ولو من جهة اقتضاء المصالح الثانوية هذه الواقعة بها،بان يمضيها الموظف الخاص المعين من قبلها للقيام بتمثيلها في هذه السمة، او تمهر بمهرها، فهو نوع احراز لموضوع جعل‏الشارع له الحجية فرضا، ويطلق عليه في الحقوق الورقة الرسمية.

فالعمدة في المسالة اثبات ان الكتابة اداة في افادة المعاني كاللفظ، وهو ظاهر، لقيام السيرة العقلائية على الاخذ بهما بعد الامن‏من التزوير واحراز الارادة الجدية ممن صدرا عنه، كما تقدم ادعاؤه من الاردبيلي وصاحب الجواهر، والراجعة في جوهرها الى‏ارتكاز عقلائي مقتضاه التسوية بينهما في افادة المعاني. ولا ريب في اتصالها بعصر المعصوم(ع) وامضائها من قبله، لشيوع‏المكاتبات والكتب في عصره.

هذا، مع امكان تخريج حجية اداتيتها فنيا كتخريجها في اللفظ، فكما ان للفظ دلالة تصورية ناشئة بالوضع اعتبارا او تعهدا اواقترانا على اختلاف المباني بين الاصوليين، ودلالة تصديقية ناشئة من ظهور حال المتكلم بارادة مايقوله جدا المعبر عنهاباصالة التطابق بين المدلول التصوري والمراد الجدي، فيكون للالفاظ دور الكاشف عن المراد الجدي للمتكلم، كذلك الكتابة لهادلالة تصورية ناشئة بالوضع باحد اقسامه، وتصديقية ناشئة من ظهور حال الكاتب في ارادة مايكتبه جدا.

واعتبار اللفظ في الاقرار والشهادة بعد تفكيك حيثيات الاداة عن المؤدى توهم محض، لارتباط اللفظ والكتابة بالاداة دون‏المؤدى الذي بنيت عليه الحجية باعتبار كاشفيته عن الواقع كشفا ناقصا، كما تقدم منا استظهاره ومن الاردبيلي الفراغ منه‏وبناء الفحوى عليه.

اشتراط الامن من التزوير:

قد ظهر مما سقناه من الادلة الوجه في اشتراط الامن من التزوير، اذ حمل الاشهاد في الاية في بعض محامله والروايات آكالرواية المتقدمة على ضمان الامن من التزوير او على الاعم منه ومما تتطلبه الشهادة الصحيحة.

واما الفحوى فمن الواضح عدم تحققها مع احتمال تزويرها وعدم صدورها من صاحبها، واما السيرة فممنوعة معه كما اشارالى ذلك صاحب الجواهر.

وكذا على جعله ضربا من الاقرار، فان الاقرار لايثبت مع الشك في صدور الكلام من المتوهم اقراره.

بل اشتراطه واضح لا حاجة معه الى دليل، لتوقف كل حكم على احراز موضوعه وجدانا او علما او ظنا معتبرا بدليل او باصل‏عملي، والاولان منفيان بحسب الفرض والاخيران لم يثبت وجودهما، بل الاصل على العدم.

واما احرازه فيتم باحد طرق الاثبات المعتبرة شرعا، كالخبرة الشخصية والالة الفاحصة المورثتين للعلم، وشهادة الشهودعلى كتابته من قبل كاتبه مع كونه في مامن بعد ذلك حتى وصوله يد القاضي، وراي اهل الخبرة.

والاول لا اشكال في حجيته، لان كل ما اورث العلم حجة وحجيته ذاتية. وما تقدم من مكاتبة جعفر بن عيسى الناهية عن‏الشهادة، وصحيحة عمر بن يزيد المستفاد من مفهومها عدم الشهادة ما لم تقم البينة رغم تعرفهما على اسمهما بخطهماوخاتمهما، تقدم بعض ما فيهما وكون ما يستفاد منهما من عدم الشهادة راجعا الى احتمال ادخال شي‏ء في المتن‏الكتابي.

والثاني كذلك، لاطلاق ما دل على حجية البينة في الموضوعات عموما، ودلالة ما تقدم من صحيحة عمر بن يزيد، بل وكذاصحيحة ابي خديجة في بعض محتملاتها في المقام خاصة، اذ يمكن حمل مطالبة احد الرجلين الشريكين العدل المكاتب‏للامام(ع) باخراج الشراء يعني القبالة لعرضه على البينة بعد انكار البائع البيع منه ومن صاحبه الغائب على ان البينة‏كانت قد اشهدت على توقيع البائع والمتبايعين على ما جاء في الكتاب دون الاطلاع على مضمونه، فعرضه عليها للشهادة‏بصحة التواقيع الواردة في ذيله انها تواقيع البائع والمتبايعين، فينتفي احتمال كون الشراء مزورا ابتداء بشهادة الشهود،وبقاء لكونه في يد امينة، وسؤال السائل وجواب الامام(ع) وان كانا عن جواز اخراجه المخالف لشرط الوديعة، لكن امضاءه لماورد في معرض السؤال كاف لاثبات الحجية. وكونها مكاتبة غير مضر حتى على الراي المخالف، لعدم مخالفته عدا ابن ادريس((240)) في حجية الكتابة في الرواية.

واما حجية الثالث فلانعقاد السيرة على الرجوع الى اهل الخبرة فيما هو من اختصاصهم.

اشتراط القصد في حجية الكتابة:

واشتراط القصد والارادة الجدية للكاتب في حجية الكتابة كسابقه في الوضوح، لان الكتابة ليست باقوى من القول في الدلالة‏على المعاني، ومع ذلك فهو مراعى بالقصد، ولذا لم يكن كلام الهازى والساهي والنائم حجة، فمراعاة القصد في دلالة الكتابة‏على معاني الكلمات الواردة فيها اولى. ولذا قد يمنع من حجية الكتابة بدعوى عدم معلومية القصد فيها، لاحتمال كون الكاتب‏ماشقا، او مجربا لخطه، او هازلا، او في غير مقام الاخبار فيما يتوقف عليه.

لكن يمكن دفع الاشكال المذكور بان اصالتي التطابق بين المدلول التصوري والتصديقي الاول وبينه وبين المراد الجدي‏الجاريتين في الالفاظ جاريتان في المقام ايضا، وذلك لرجوعه الى الظهور الحالي، فكذلك في الكتابة قد يظهر من شاهدي‏الكتابة ان وجدا او من الكتابة نفسها ان الكاتب كان قاصدا لمعاني الالفاظ الواردة فيها، فيتمسك بالظهور لاثبات‏ارادته.

والتفريق بين الظهورين في الحجية باثباتها في القول دون الكتابة بحجة عدم معلومية قيام السيرة العقلائية الممضاة على‏الاخذ به كما هو دعوى بعض مردود بمنع دليله، لقيام السيرة على الاخذ به، كما تقدم من صاحب الجواهر وغيره ادعاؤه، فان‏ثبت والا اقتصر على صورة العلم.

نتائج البحث

يتضح مما ذكرناه فيما تقدم امور هي:

اولا: ان مشهور فقهائنا مخالف لما ذهب اليه الحقوقيون من حجية الكتابة وان وافقهم بعضهم، وان القول بالحجية هوالصحيح.

وثانيا: ان القول بحجية الكتابة ليس باعتبارها دليلا من ادلة الاثبات، بل بما هي اداة للتعبير عن المراد الجدي لصاحبهاكاللفظ، وحجية مؤداها يرجع الى حجية ما تدخل تحته من اقرار او شهادة او غيرهما. وبذلك يثبت بطلان ما عليه الحقوقيون‏من عدها وسيلة اثبات في مقابل وسائل الاثبات الاخرى كالاقرار والبينة.

وثالثا: يتفرع على عد الكتابة اداة للتعبير عن المعاني لا وسيلة اثبات مستقلة عدم اختصاص ذلك بالكتابة واللفظ، بل بكل ماله صفة الاداتية، فلو ثبت وجود اداة اخرى غيرهما لافادة المقاصد كالتصوير مثلا امكن استعمالها بعد ادخالها تحت واحدة من‏وسائل الاثبات الثابتة لها الحجية وضمان انتسابها الى من صدرت عنه وكونه على سبيل الجد.

ورابعا: يظهر ايضا من خلال ما قدمناه ان ذهابهم الى اشتراط التوقيع في الورقة العرفية ليس الا من جهة احراز صدورها من‏كاتبها وانه انشاها وهو جاد فيها مقدم عليها، وهذا المناط عام لاينحصر بما ذكروه، بل يعم كل مايشكل دليلا على انتساب‏الكتابة الى صاحبها وقصده الجاد لمعانيها. وبه يشكل على عدم اشتراط الحقوقيين في الورقة الرسمية اكثر من صدورها من‏موظف مختص، فانه لابد من احراز انتساب الورقة الى الجهة الرسمية، وانها نظمت عن قصد وارادة جديين لمعانيها. اللهم الا ان‏يقال: ان احتفاظ الجهة الرسمية بصورة الاسانيد في ملفاتها وانتهاجها نظام حفظ الاوراق الجاري في الادارات الخاضع‏لضوابط ومقررات معينة للحفظ من رقم الوثيقة والسجل وغيرها مع تحمل الموظف العامل عليها المسؤولية في سلسلة‏النظام الاداري للدولة يمنع من حصول تلاعب في الاوراق ويثبت صحة الورقة وان خلت عن التوقيع، لكنه يرجع بالتالي الى‏ماذكرنا من تحصيل الامن من التزوير لا اكثر.

وخامسا: يتفرع على جعل الكتابة اداة للتعبير اطلاق حجيتها كذلك بلا فرق بينها وبين القول، وشمولها لجميع وقائع الحياة،فتكون حجة في اداتيتها حيثما افادت المراد الجدي للكاتب. وهكذا نتفق مع الحقوقيين فيما ذهبوا اليه من اطلاق‏حجيتها.

وسادسا: ان جعل الحقوقيين الكتابة اقوى من وسائل الاثبات الاخرى بلا مبرر، فان قوة حجيتها تتبع حجية دليل وسيلة‏الاثبات التي تندرج تحتها.

وسابعا: ان الكتابة لما كانت اداة ثابتة في افادتها المعاني كان ذلك لها ميزة راجحة على القول، فان القول يخضع للتغير بفعل‏عوامل الزمان والمصالح الشخصية من محاباة وانتقام ورشوة والخطا والنسيان، اضافة الى عدم دقة الملاحظة واشتغال‏الذهن وغيرها.

دليل المحقق لدراسة

مراحل تطور الاجتهاد في الفقه الامامي

القسم الثالث

السيد منذر الحكيم

مرحلة التطرف

1- تحديد المرحلة:

تبدا المرحلة الرابعة من مراحل تطور الفقه الاجتهادي عند الامامية الاثني عشرية بظهور مدرسة المحقق الاردبيلي (المتوفى‏993 ه) اي في العقود الاخيرة من القرن العاشر الهجري وتستمر باستمرار منهجه الفقهي على يدي النابهين من تلامذته، مثل‏صاحبي المعالم والمدارك ومن حذا حذوهما في التشدد في قبول اخبار الاحاد وما خلفه هذا التشدد من ردود فعل قوية في‏الساحة العلمية الامامية، اذ استفحلت المدرسة الاخبارية لتقف بوجه هذا الاتجاه الذي كان ينتهي الى تقليص حجم الاخبارالتي اهتم بجمعها وحفظها السلف الصالح من علمائنا الابرار.

ويمكن تحديد نهاية هذه المرحلة بظهور الوحيد البهبهاني (المتوفى 1205ه) الذي قضى على استفحال المد الاخباري، وارجع‏التيار الاصولي المعتدل الى موقعه الريادي، وتزعم الاتجاه الفقهي المعتمد على الاصول العقلية والنقلية معا دون افراط اوتفريط.

وبهذا تكون العقود الاخيرة من القرن الثاني عشر الهجري هي نهاية هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الفقه الامامي.

اذن تكون هذه المرحلة قد استوعبت قرنين من الزمن من حركة الفقه الامامي، وتضمنت سبعة اجيال على الاقل من فقهاءالاتجاهين المتطرفين في المنهج الفقهي بالرغم من انتسابهما الى مدرسة اهل البيت(ع).

2- ملامح المرحلة واتجاهاتها:

ا - الاتجاه العقلي: الجذور والنتائج

لقد تمخضت المرحلة السابقة بمدارسها الاصولية الثلاثة عن الاهتمام البليغ باصول الفقه وتنقيح مباحثه وتوظيفها في‏الاستنباط بشكل كبير، وانتهى هذا التوظيف الى التشدد في قبول الاخبار المنقولة في كتب الحديث.

ان ظاهرة تربيع الاحاديث في مجال الحجية اي تقسيمها الى الصحيح والحسن والموثق والضعيف بعد ان كان الحديث‏ينقسم لدى الفقهاء الى مقبول ومردود كانت ايذانا بتطوير ملحوظ في مقام العمل باخبار الاحاد التي تتكون منها معظم الادلة‏الفقهية للاحكام الشرعية، فان الفقيه حينئذ لا يعمل بحديث حسن او موثق اذا كان لديه حديث صحيح، بل انه يرجح الصحيح‏على الموثق اذا تعارضا.. هذا فضلا عن التشدد في قبول الشهادة بوثاقة الرواة.. مما ادى في مرحلة لاحقة وبالتدريج الى‏التركيز على مصدرين مهمين في قبال الاحاديث المروية، والاعتماد عليهما بشكل ملفت للنظر وهما: العقل والقرآن‏الكريم.

وانسحب هذا التشدد الى مجال الدلالة، فبدات عملية المناقشة في دلالات النصوص الروائية، والتامل العقلي في كيفية‏الاستدلال بها، فتولدت بالتدريج ظاهرة جديدة تتلخص في (عقلنة الفقه) ان صح هذا التعبير.

وينبغي ان لاننسى تاثير النشاط الفلسفي لمدرسة اصفهان في هذه المرحلة على هذا الاتجاه العقلي في مجال الاستنباط‏فان‏جملة من فقهاء هذه المرحلة كانوا من فطاحل الفلاسفة ايضا.

ان عملية تقعيد القواعد وتنقيحها والاعتماد الكبير على العقل اسفرت عن التوجه الكبير الى القرآن الكريم الذي تضمن اسس‏التشريع الاسلامي بعموماته ومطلقاته، وهو المصدر الذي تميز بقطعية صدوره وعدم امكان التشكيك في سنده خلافا لاخبارالاحاد الظنية الصدور، كما يلاحظ ذلك في اهتمام المحقق الاردبيلي بيات الاحكام في مؤلفاته الفقهية بشكل عام وزبدة البيان‏بشكل خاص.

ان الاعتماد على المطلقات والعمومات التي لم يثبت تقييدها او تخصيصها بمقيدات ومخصصات روائية سوف يولد للفقيه‏وجهة نظر جديدة يمكن تسميتها بالتسامح والتساهل في الزام المكلفين بتكاليف كان سائر الفقهاء يرون ضرورة الالتزام بها،لوجود نصوص روائية تتضمن تلك التكاليف مما يعد تخصيصا للعمومات وتقييدا للمطلقات بشكل عام.

كما اسفرت هذه العملية عن تقلص واضح في كمية الاحاديث المعتمدة في الاحكام الشرعية، وتجلى ذلك في تاليف (منتقى‏الجمان) الذي ميز فيه نجل الشهيد الثاني بين نوعين من الاحاديث الصحيحة، وهذا التمييز تعبير آخر عن التشدد البالغ في‏قبول الحديث، فانه لم يكتف بالصحيح عند القوم، اذ استحدث معيارا جديدا للصحة وهو ان تتايد الوثاقة بشاهدين عدلين،بينما كانت تكفي شهادة العدل الواحد بالوثاقة. وهذا منتهى التشدد في قبول الحديث، وغاية التطرف في تقويم مصادرالتشريع والاستنباط التي تعتمد بشكل كبير على ما روي عن الرسول(ص) واهل بيته الطاهرين.

وهذا التطرف يعني غض الطرف عن مجموعة كبيرة من حسان الاحاديث وموثقاتها وصحاحها والاكتفاء بقدر قليل من‏الاحاديث، وهي الصحاح المؤيدة رواتها بشاهدين عدلين.

ومن الطبيعي ان يؤدي تقليص مصادر الاستنباط الى التوجه الى مصادر اخرى انحصرت عند الامامية في الكتاب الكريم‏والعقل القويم.

وكان من الطبيعي ايضا ان تخضع آراء الاقدمين واجماعاتهم الى المناقشة الجادة والتقويم من جديد، لاعتمادها على مجموعة‏من المباني الاصولية التي اخضعت للمناقشة خلال هذه المرحلة والمرحلة السابقة.

وانتهى هذا الاتجاه العقلي في نهاية المطاف الى اعطاء الظن بشكل عام دورا مهما في مجال الاستنباط، واخذ يقترب بذلك من‏اتجاه الراي والقياس والاستحسان الذي كانت قد شجبته المدرسة الفقهية الشيعية على طول الخط.

من هنا سميت هذه المرحلة من حركة الفقه بمرحلة التطرف نظرا للتطرف في تحديد دائرة حجية الاخبار ومصادر الاستنباط‏النقلية والميل الى الادلة العقلية والنقلية القطعية او القريبة منها.

وهكذا اصبح الفقه يسير بالتدريج في اتجاه عقلاني نظري وتجريدي. وهذا ما كانت تقف منه المدرسة الفقهية الشيعية موقف‏الارتياب دائما، لانها مبنية على التسليم للوحي وتحكيمه في الحياة الانسانية، واجتناب الاجتهاد في قبال النصوص الواردة‏من صاحب الشريعة، وادانة الاتجاه الذي كان يحاول اخضاع كل شي‏ء للفكر البشري، سواء في حياة صاحب الرسالة او بعدها.كما كان يمثله جمع من الصحابة الذين اجتهدوا في مسالة الخلافة والولاية، ورجحوا آراءهم على آراء صاحب الرسالة،وامسكوا بزمام الحكم واقصوا اهل البيت الاطهار الذين عينهم الرسول(ص) لتولي شؤون الرسالة الاسلامية في جميع‏مجالاتها.

ولا يعني هذا التطرف ان جميع فقهاء هذه المرحلة قد اتجهوا هذا الاتجاه، بل نريد ان نشير الى ان هذا التطرف كان ظاهرة‏ملحوظة لدى جمع من الفقهاء الذين لمعت اسماؤهم في هذه المرحلة، مثل المحقق الاردبيلي وخريجي مدرسته، وهما صاحب‏المعالم وصاحب المدارك، حيث واصلا خط المحقق الاردبيلي في نتاجاتهما الفقهية المعروفة.

وقد بذر صاحب المعالم بذرة الاتجاه نحو حجية الظن المطلق بعد ان تشدد في قبول الاخبار بشكل خاص.

وبهذا تتلخص مميزات هذه المرحلة بما يلي:

1- الاهتمام بعلم اصول الفقه وتقسيم مباحثه بدقة عقلية متناهية، كما يلاحظ ذلك في مقدمة معالم الدين للشيخ حسن بن زين‏الدين والوافية للفاضل التوني.

2- تضييق دائرة حجية اخبار الاحاد.

3- التشكيك في قيمة كثير من اجماعات القدماء وآرائهم. 4- الاعتماد الكبير على العقل كمصدر من مصادر التشريع.

5- اعداد الارضية المناسبة للاتجاه نحو حجية مطلق الظن بعد التشدد في حجية الظنون الخاصة الحاصلة من اخبارالاحاد.

6- الاتجاه الى عمومات ومطلقات النص القرآني بشكل جاد.

ب - الاتجاه الاخباري: الجذور والنتائج

ان تمادي جملة من الفقهاء الاصوليين في الاتجاه العقلي كان من الطبيعي ان يولد ردة فعل عند جملة آخرين. وتجلت ردة الفعل‏هذه في التمادي في قبول الاخبار والاعتماد عليها بشكل كبير، وتقليص دائرة التعقل او عدم فسح المجال للعقل في مجال‏الاستنباط مادامت النصوص الموجودة بايدينا متوفرة على كثير مما يحتاجه الانسان في الحياة.

فقوبل ذلك التشدد في قبول خبر الواحد بالاصرار على عدم رفض الاخبار لادنى شبهة، وانتهى الى التسامح في الاسناد وعدم‏رفض الدلالة لمجرد مخالفة مضامينها لما يستبعده العقل عادة.

واسفرت ردة الفعل هذه عن الاهتمام البليغ بجمع الاخبار وتدوين الموسوعات الحديثية العديدة والغاء التصنيف الى قوي‏وضعيف، حتى ذهب بعض الفقهاء الى امكان الاعتماد بل ضرورة الاعتماد على كل ما جاء في الكتب الحديثية الاربعة المعروفة‏عند الشيعة الامامية الاثني عشرية: (الكافي، ومن لايحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار).

بل تعدى البعض الى الاعتقاد بقطعية صدورها ووضوح مضامينها بحيث لاتفسر اية آية قرآنية ولا تقبل دلالتها ما دامت اخبارالاحاد صريحة او ناظرة الى الايات القرآنية، بل ذهب البعض الى عدم حجية النصوص القرآنية من دون ورود تفسير لها من‏الروايات الواردة عن اهل البيت(ع). وهكذا ذهب بعض من تطرف من هؤلاء الى تعطيل النصوص القرآنية بشكل تام، للاعتمادالكامل على النصوص الروائية بشكل خاص، وعدم التعدي عنها وعدم الخروج عن مضامينها باي شكل من الاشكال.

ومن هنا وجد اتجاهان اخباريان بشكل طبيعي: اتجاه يميل الى الاعتدال، وآخر يميل الى الافراط في قبول الاحاديث والتفريط‏في الاعتماد على العقل والكتاب العزيز.

وقام الاتجاه الاخباري ايضا بمناقشة جملة من المباحث الاصولية والغاء مجموعة من النظريات التي اعتمدها جملة من الفقهاءالاصوليين مثل حجية الاجماع وحجية الكتاب.

ومثل المدرسة الاخبارية فقهاء كبار مثل صاحب الحدائق الناظرة، والفيض الكاشاني، والحر العاملي وسواهم(ره).

وهكذا تمخض عن هذا الاتجاه المتطرف ما يلي:

1- تقليص دائرة استخدام العقل في الاستنباط بشكل كبير، وذلك لالغاء حجية الدليل العقلي في مجال الاستنباط. 2- التوسع في مجال حجية الاخبار والتوجه الى تدوين الموسوعات الحديثية الكبيرة مثل: بحار الانوار ووسائل الشيعة‏والوافي وهي على الترتيب للمجلسي والحر العاملي والفيض الكاشاني.

3- انكار حجية الاجماع.

4- انكار حجية القرآن الكريم.

5- التشدد في الشبهات باجراء اصالة الاحتياط في الشبهات البدوية، والغاء اصالة البراءة فيها.

3- مصادر الدراسة والتحقيق لهذه المرحلة:

ا - المصادر العامة:

1- الفضلي، الشيخ عبد الهادي تاريخ التشريع الاسلامي: 419 459.

2- الاصفي، الشيخ محمد مهدي مقدمة رياض المسائل: 1:

94 99 و 103 108.

3 الصدر، السيد محمد باقر المعالم الجديدة: 76 84.

4- المدرسي الطباطبائي، السيد حسين مقدمة على فقه الشيعة (بالفارسية): 56 59.

5- الجناتي، الشيخ محمد ابراهيم ادوار الاجتهاد(بالفارسية):

307 372.

6- گرجي، الدكتور ابو القاسم تاريخ الفقه والفقهاء (بالفارسية): 228 234 و 236 251.

7- البستاني، الدكتور محمود موسوعة النجف الاشرف 7: 21 24.

8 الحكيم، السيد منذر معالم الدين وملاذ المجتهدين 1: 18 40.

ب - المصادر الخاصة:

1- مقدمة مجمع الفائدة والبرهان للمحقق الاردبيلي.

2- مقدمة زبدة البيان للمحقق الاردبيلي.

3- المقدس الاردبيلي فقيها محققا، من مقالات مؤتمر المقدس الاردبيلي للدكتور محمود البستاني.

4- مقدمة مدارك الاحكام للعاملي، السيد محمد بن علي الموسوي.

5- مقدمة معالم الدين: المطلب السادس.

6- منتقى الجمان في الاحاديث الصحاح والحسان للشيخ حسن بن زين الدين.

7- مقدمة مسالك الافهام (للفاضل الجواد).

8- مقدمة وسائل الشيعة للحر العاملي.

9- مقدمة هداية الامة، وبداية الهداية للحر العاملي.

10- مقدمة بحار الانوار للمجلسي الثاني.

11- مقدمة الوافي، ومفاتيح الشرائع، للفيض الكاشاني.

12- مقدمة الحدائق الناضرة.

من فقهائنا:

الفضل بن شاذان(قده)

القسم الثالث

الشيخ صفاء الدين الخزرجي

فقهه وفتاواه:

سبق وان اشرنا الى مولفات الفضل الفقهية، وذكرنا الابواب التي صنف فيها، وقلنا ان باب الارث كان هو الاكثر حظا من مولفاته،ومن هنا فقد اقتصر المتاخرون عنه ممن تعرض لنقل ارائه على النقل من هذا الباب. ولا نحسب احدا قد سبق الشيخ‏الكليني(قده) في النقل عن الفضل، فقد نقل فصولا عديدة من كتابه، ثم تلاه الشيخ الصدوق(قده) في المقنع ومن لا يحضره‏الفقيه، واقتصر السيد المرتضى والشيخ الطوسي على نقل مسالة او مسالتين من فقهه.

نعم، اورد في باب الطلاق من الكافي نصا من كتابه ((النقض على ابي عبيدة في كتاب الطلاق)).

وقد اعتمدنا فيما اثبتناه من فقهه ما نقله الشيخ الكليني، ورجحناه على نقل الشيخ الصدوق لتقدمه ولزيادته عليه من حيث‏التفصيل، وقارنا بين نصوصهما مع الاشارة الى مواضع الاختلاف او الزيادة بين المصدرين. وقد احتفظنا بما ورد من فوائد في‏هامش الكافي تتميما للفائدة، مع اضافات منا. واللّه ولي التوفيق.

مسائل من كتاب الطلاق

الفرق بين المطلقة على غير السنة والمطلقة اذا خرجت وهي في عدتها ((241)) :

قال الفضل بن شاذان في جواب اجاب به ابا عبيد في كتاب الطلاق: ذكر ابوعبيد ان بعض اصحاب الكلام قال: ان اللّه تبارك‏وتعالى حين جعل الطلاق للعدة لم يخبرنا ان من طلق لغير العدة كان طلاقه عنه ساقطا، ولكنه شي‏ء تعبد به الرجال كما تعبدالنساء بان لا يخرجن من بيوتهن ما دمن يعتددن، وانما اخبرنا في ذلك بالمعصية فقال: (وتلك حدود اللّه ومن يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه) ((242)) ، فهل المعصية في الطلاق الا كالمعصية في خروج المعتدة من بيتها؟ الستم ترون ان الامة مجمعة على‏ان‏المراة المطلقة اذا خرجت من بيتها اياما ان تلك الايام محسوبة لها في عدتها وان كانت للّه فيه عاصية؟! فكذلك الطلاق في‏الحيض محسوب على المطلق وان كان للّه «فيه‏» عاصيا.

قال الفضل بن شاذان: اما قوله: ان اللّه عزوجل لما جعل الطلاق للعدة لم يخبرنا ان من طلق لغير العدة كان الطلاق عنه ساقطا،فليعلم ان مثل هذا انما هو تعلق بالسراب، انما يقال لهم:

ان امر اللّه عزوجل بالشي‏ء هو نهي عن خلافه، وذلك انه جل‏ذكره حيث‏اباح نكاح اربع نسوة لم يخبرنا ان اكثر من ذلك لا يجوز، وحيث جعل الكعبة قبلة لم يخبرنا ان قبلة غير الكعبة لا تجوز، وحيث‏جعل الحج في ذي الحجة لم يخبرنا ان الحج في غير ذي الحجة لا يجوز، وحيث جعل الصلاة ركعة وسجدتين لم يخبرناان‏ركعتين وثلاث سجدات لا يجوز. فلو ان انسانا تزوج خمس نسوة لكان نكاحه الخامسة باطلا، ولو اتخذ قبلة غير الكعبة‏لكان ضالا مخطئا غير جائز له وكانت صلاته غير جائزة، ولو حج في غير ذي الحجة لم يكن حاجا وكان فعله باطلا، ولو جعل‏صلاته بدل كل ركعة ركعتين وثلاث سجدات لكانت صلاته فاسدة وكان غير مصل، لان كل من تعدى ما امر به ولم يطلق له ذلك‏كان فعله باطلا فاسدا غير جائز ولا مقبول، فكذلك الامر والحكم في الطلاق كسائر ما بينا، والحمد للّه.

واما قولهم: ان ذلك شي‏ء تعبد به الرجال كما تعبد به النساء ان لا يخرجن ما دمن يعتددن من بيوتهن فاخبرنا ذلك‏لهن‏بالمعصية، وهل المعصية في الطلاق الا كالمعصية في خروج المعتد ة «من بيتها» في عدتها، فلو خرجت من بيتهاايامالكان ذلك محسوبا لها، فكذلك الطلاق في الحيض محسوب وان كان للّه عاصيا.