كلمة التحرير

آفاق التجديد

رئيس التحرير

المواقع الاجتماعية المتقدمة

من الواضح ان المميز الاساسي للكيان الاجتماعي بالنظر الدقيق ليس هو صرف التراكم العددي لمجموعة من البشر في منطقة جغرافية معينة.. بل ان صدق عنوان الشخصية الاجتماعية يدور مدار محور العلاقات التبادلية الناشئة بين بني البشرعن وعي وقصد.. فما لم تكن هناك علاقات مشتركة على اصعدة شتى تتعدد بتعدد زوايا الحياة وتتسع باتساع آفاقها لايمكن‏ان يوجد المركب الاجتماعي.. فان التبادل في العلاقات من حيث انه يتضمن انشطة ومساهمات متنوعة يولد اقتدارا كليا وطاقة‏مجموعية تنعكس آثارها داخل الكيان وخارجه..

وعلى ذلك فكل فرد في المجتمع له دخل في اصل التشكيلة الاجتماعية وهوسهيم في صنعها.. وان كانت مساهمة الافراد تختلف كما وكيفا واهمية باختلاف المواقع.. فرب موقع بحسب الخارطة‏الاجتماعية يكون في الاطراف ورب موقع يكون في المقدمة ورب موقع يكون في القمة.. ولا يقع التشاح عادة في النوع الاول..وانما يقع التنافس والتزاحم في النوعين الثاني والثالث اي المواقع الحساسة والمتقدمة.. ولابد حينئذ من وجود ملاك واساس‏لحل هذا التزاحم..

ثم انه لا ملازمة بين دور الفرد كعنصر اصيل في المجتمع وبين استحقاقه لاحتلال موقع متقدم فيه.. لان قضية دور الفرد في‏صنع الكيان الاجتماعي وقضية تثبيت حق له في اشغال المواقع المتقدمة مقولتان متباينتان.. اما الاولى فهي تمثل فعلا فردياصادرا عن ارادة الشخص من حيث هو ومن منطلقاته الخاصة ولو كانت في منتهى النبل والموضوعية.. واما الثانية فهي تمثل‏ارادة المجتمع باسره وما الفرد هنا الا ناطق باسم المجتمع ومعبر عن ارادته..

فالفرق بين المقولتين اذا نظير الفرق بين الجزء والكل في الروح والمحتوى.. فبلحاظ القضية الاولى يمنح الفرد حق الحياة‏وما يلحق بذلك من حرية الراي ونحوه من الحقوق المدنية والقانونية.. ومنطق العدالة يقتضي منح هذه الحقوق للجميع‏دون تمييز الا ان يسقط الشخص نفسه بعض حقوقه بسوء اختياره.. واما بلحاظ القضية الثانية فيختلف الحال اذ ان التصدي‏لموقع اجتماعي متقدم لكونه وظيفة من درجة راقية وفيها من الاثار ما يتعدى الفرد نفسه.. لذا يلزم ان تكون محكومة حقيقة‏لا صورة‏ بضوابط تتناسب معها.. ومن الطبيعي ان هذه الضوابط قد تتوفر في بعض الافراد دون بعضهم الاخر.. وهذا مايتطابق مع المنطق العقلائي ولا يتصادم مع مبدا العدالة والانصاف البتة..

والظاهر ان المواقع في اطار المجتمع الاسلامي تنقسم الى قسمين:

1- المواقع الثابتة والمسماة والمشخصة كبرويا من قبل الشارع وفق صفات وشروط معينة كالتصدي لمنصب الزعامة‏العامة او التصدي للامامة في صلاة الجماعة.. وربما يكون للمجتمع دور في تعيين المصداق الواقع في طول تعيين الشارع..سواء كان تعيين المصداق خارجا يتم بالاستفتاء العام او غيره من الطرق الممكنة..

2- المواقع المرنة التي تعين من قبل الناس كالتصدي للمهام التنفيذية والادارية لبلد ما.. سواء كان ذلك الحق ثابتا للمجتمع‏ابتداء ام ان ممارسة ذلك من قبلهم تكون بسبب تخويل ولي الامر..

وقد دارت كثير من الابحاث والدراسات حول القسم الاول.. لذا فقد طوينا عنه كشحا وآثرنا الخوض في القسم الثاني بنحويتناسب مع المقام.. ونبدا البحث بطرح السؤال التالي: ان مل‏ء المواقع التي تكون من النوع الثاني هل يوكل امره الى المجتمع‏من دون اي شرط باعتبار انه ناشئ من ملابسات الحياة واقتضاءاتها؟ او ان عملية التعيين هذه لابد وان تعرض على الشريعة‏لتحدد موقفا منها.. فربما تتحدد بجملة من الشرائط وربما تترك مرسلة؟..

وفي البدء ينبغي بيان حقيقة هذا التعيين وماهية هذا التصدي لتمثيل الجماعة.. والذي يخطر في الذهن بدءا هو احدتكييفين:

الاول دعوى ان حقيقة هذا التعيين عبارة عن عقد وكالة..

الموكل هو الجماعة.. والوكيل هو الشخص المعين‏والمنتخب..

الثاني دعوى ان ماهية الانتخاب خارجة عن العقدية.. بل هو مجرد امارة كاشفة عن رضا الناس وميلهم نفسيا الى وجودالارضية المناسبة للتصدي في شخص ما.. ثم يقوم ولي الامر بترتيب آثار طبقا لهذا الانكشاف.. من قبيل قول ذوي الخبرة فان‏دوره دور تشخيص الموضوعات والكشف عنها..

وليس هناك اي الزام او التزام من كلا الطرفين من الناحية القانونية فلاانشاء في البين انما هو مجرد اخبار.. نعم هناك تعهد اخلاقي بينهما..

فلو بنينا على التكييف الاول فان المتعارف ان شرائط الوكيل هي:

1- الاهلية من بلوغ وكمال العقل.. فلا يصح توكيل عادمها..

2- جواز وقوع الفعل منه.. فلو كان حراما لا مورد للوكالة ..

3- كون المورد مما تصح فيه النيابة من الناحية الشرعية..

وليس ثمة شرط آخر .. فلا تشترط العدالة ولا الاسلام.. فتصح حينئذ وكالة الفاسق والكافر ويستثنى فيما لو كانت على‏المسلم..

الا انه في قبال ذلك يمكن دعوى اضافة شروط اخرى غير ما ذكر نحو اشتراط الكفاءة والعدالة في المتصدي.. وتقريب هذه‏الدعوى:

اولا ان الغرض من جعل الوكيل هو تحقيق اغراض محددة لدى الموكل وهذا يستبطن شرطية كفاءة وقدرة الوكيل على انجازتلك الاغراض.. وعدم احراز ذلك يعني المجازفة والمخاطرة بمتعلق الوكالة.. اي المخاطرة بمصالح المجتمع الاسلامي‏باسره.. ومنه ينقدح الشك في مشروعية تعيين غير الواجد لهذا الشرط او المشكوك وان كان قد يتسامح في ذلك بالنسبة‏للتوكيل الشخصي..

ثانيا ان كثيرا ما يتفق تداخل المصالح الدنيوية مع الملاكات الشرعية الزامية كانت او ترخيصية.. ومقتضى حال غيرالعادل وان كان ثقة ولم يكن متهتكا ان لا يحرص على حفظ اغراض الشارع ولا يبالي بمراعاتها.. وعليه فلا ضمان لنوعية‏القرارات والمواقف التي يتخذها عندئذ.. بخلاف الفرد العادل الملتزم عمليا بحدود الشريعة.. فان مقتضى حاله ترجيح مايرجحه الشارع..

لذا يجب على الامة الحيطة التامة وينبغي لها اتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون تسلق غير العدول وغير الحافظين لحدوداللّه الى المواقع المتقدمة.. فيكون ديدن الامة الرسالية تقديم من قدم اللّه وتاخير من اخر اللّه.. ولا يثنيها عن مواقفها لومة‏لائم..

ثالثا ان المتصدر عادة يحسب له حساب آخر وينظر اليه بمنظار خاص يختلف عن سائر الافراد فتنسب مواقفه الى المجتمع‏باعتباره نائبا وممثلا عنه.. مما يستلزم التشدد في تعيين صفات المنتخب وشرائطه.. فان التسامح في ذلك يعني المجازفة‏بهوية المجتمع..

واما لو بنينا على التكييف الثاني فقد يقال بان ولي الامر هو الذي يتحمل المسؤولية كاملة في تعيين من له الاهلية..

وانمايكون للامة حق الاقتراح والمشورة.. وليست هي صاحبة القرار النهائي.. الا ان مبدا النصيحة يملي على الامة الا تقترح من‏ليس باهل بناء على ما اوضحناه لما يترتب على ذلك من الاثار السلبية والتي قد يتعذر الحيلولة دونها او تدارك اضرارها..هذا كله في فرض وجود العدل الكف‏ء.. والا فان حالات انحصار الكفاءة في غير العدل خارجة عن مفروض الكلام والضرورة‏تقدر بقدرها..

هذا كله بالنسبة الى مسؤولية المجتمع تجاه تعيين من هو اهل لمل‏ء المواقع المتقدمة.. واما مسؤولية المتصدي ذاته حين‏يتقدم لترشيح نفسه وجعلها في معرض الانتخاب واعلانه عن استعداده لذلك فهذا ايضا لابد من تحديده بذينك الحدين آالكفاءة والعدالة فهي مسؤولية المجتمع والمتصدي.. ويترتب على ذلك عدة امور:

منها انه لا يسوغ التصدي لمن لا يرى في نفسه الشرائط اللازمة لانه يعتبر تغريرا وخداعا للراي العام وتقمصا لموقع ليس‏من حقه اشغاله.. بل حتى لو اعتقد فيه الاخرون الاهلية فلا يحق له التصدي.. فاننا لو قبلنا ذلك في امامة الجماعة فلا يسعنا ان‏نغض عن ذلك في المقام وذلك لخطورة المورد.. فلا يقاس هذا بذاك..

ومنها انه يرجح له بل قد يجب عليه التصدي لو راى في نفسه الاهلية سيما لو خيف من تقدم غير المؤهل.. من هنا نعرف انه‏ليس من الصحيح القول بمرجوحية التصدي لانه يعني طلب الرئاسة وحب الدنيا.. لكون التصدي منطلقا من الاحساس‏بالوظيفة الشرعية.. نعم هو من المزالق التي قل من ينجو منها..

ونستخلص من مجموع ما تقدم: ان مل‏ء المواقع المتقدمة في المحيط الاسلامي سواء تم بطريقة الاستفتاء الجماهيري العام‏او التعيين يختلف روحا ومضمونا عن اجواء الديمقراطية الغربية.. وسر هذا التفاوت هو ان مل‏ء المواقع المتقدمة‏والتصدي لها منطلقا من الشعور بالمسؤولية الشرعية والنظر الى المسالة بمنظار التكليف والوظيفة من قبل الجماهير ومن‏قبل الطلائع والمتصدين.. وليس من منظار التنافس والتسابق على الامتيازات والفرص.. والنتيجة الحتمية لهذا الاتجاه هوتقدم الاكفاء العدول الذين اعتقدوا بالحق ثم استقاموا عليه وهم اهل الحل والعقد وهم ائمة الناس..

ربنا وفقنا لمراضيك.. واعنا على اجتناب معاصيك ولا حول ولا قوة الا باللّه

حكم القاضي بعلمه

اية اللّه السيد محمود الهاشمي

والبحث يقع في انه هل يجوز للقاضي ان يقضي بعلمه الشخصي؟

المعروف بين فقهائنا بلا خلاف فيه الا من مثل ابن الجنيد جوازه بالنسبة للامام المعصوم (ع)، واما القاضي غير المعصوم فقد اختلفت كلماتهم فيه بين قائل بالجواز مطلقا ولعله المشهور، وقائل بعدم الجوازمطلقا كما عن ابن الجنيد في نقل الانتصار، وقائل بالتفصيل بين حقوق اللّه وحقوق الناس بالجواز في الاول دون‏الثاني كما عن ابن الجنيد في نقل المسالك، او بالعكس كما عن ابن حمزة((1)).

وعند فقهاء العامة خلاف ايضا في هذه المسالة، وان كان المشهور عند متاخريهم عدم الجواز مطلقا. وقد جاء في‏كلمات بعض المحدثين منهم ما يلي:

((فان الادلة التي يحصل بها الاثبات تحقق للقاضي علما مكتسبا بالحادثة المكلف بالحكم فيها، فيكون الحاكم بعدقيام الدليل كانه شاهد الواقعة ووقف على ظاهرها وباطنها، فلا يسعه الا الحكم بما علم من هذا الطريق، اذ ان‏خلاف ذلك مجهول لديه، فكيف يحكم بمجهول؟! ويستلزم هذا التعامل ان للحاكم ان يحكم بعلمه الشخصي غيرالمكتسب من طريق الدليل الذي قام لديه بل حصل له من طريق مشاهدته ووقوفه عليه شخصيا، لان هذا اقوى‏من‏العلم الذي حصل له من طريق الشهادة مثلا. والى هذا الراي ذهب كثير من فقهاء الشريعة المتقدمين.

ولكن لما خربت الذمم، وضعف الوازع الديني، وفسد الضمير في كثير من الناس، وطغى حب المادة على النفوس،واشربت القلوب حب المال من اي طريق جاء، اصبح علم القاضي الشخصي مكتنفا بالظنون والريب، حتى قال‏الفقيه الشافعي: لولا قضاة السوء لقلت ان للحاكم ان يحكم بعلمه. ولهذا قرر المتاخرون من الفقهاء بالاجماع عدم‏جواز حكم الحاكم بعلمه))((2)).

ونفس الموقف نجده عند الفقه الوضعي ببيان آخر، فقد جاء في الوسيط للسنهوري:

((...ان الحقيقة القضائية قد تبتعد عن الحقيقة الواقعية، بل قد تتعارض معها، لانها لا تثبت الا عن طريق قضائي‏رسمه القانون، وقد يكون القاضي من اشد الموقنين بالحقيقة الواقعية ومخالفتها للحقيقة القضائية...

والقانون في تمسكه بالحقيقة القضائية دون الواقعية انما يوازن بين اعتبارين: اعتبار العدالة في ذاتها ويدفعه الى‏تلمس الحقيقة بكل السبل ومن جميع الوجوه حتى تتفق معها الحقيقة القضائية، واعتبار استقرار التعامل ويدفعه‏الى تقييد القاضي في الادلة التي ياخذ بها، فيحدد له طرق الاثبات وقيمة كل طريق منها حتى تامن من جوره ويحدمن تحكمه. ولا يختلف القضاة في ما يقبلونه من دليل وفي تقدير قيم الادلة في الاقضية المتماثلة))((3)).

وهذا يقتضي تقييدا في طرق الاثبات لدى القاضي، لا الغاء علمه الشخصي مطلقا.

الا ان هناك بيانا آخر لهم اصطلحوا عليه مبدا حق الخصم في الاثبات‏ومناقشة الادلة التي يقدمها الطرف الاخرونقضها، ولهذا فكل دليل يقدم في الدعوى يجب ان يعرض على الخصوم جميعا لمناقشته، والدليل الذي لايعرض على الخصوم لا يجوز الاخذ به.

وعلى هذا الاساس ذكروا: ((ويترتب على حق الخصوم في مناقشة الادلة التي تقدم في الدعوى انه لا يجوزللقاضي ان يقضي بعلمه، ذلك ان علم القاضي هنا يكون دليلا في القضية، ولما كان للخصوم حق مناقشة هذاالدليل اقتضى الامر ان ينزل القاضي منزلة الخصوم، فيكون خصما وحكما، وهذا لا يجوز))((4)).

ثم انهم جعلوا طرق الاثبات ستة:  1- الكتابة. 2- الشهادة او البينة.

3- القرائن. 4- الاقرار. 5- اليمين. 6- المعاينة.

كما انهم جعلوا علم القاضي الذي لا يختص به بل يعتبر من العلوم المعروفة بين الناس ولا يكون مقصورا عليه‏كالمعلومات التاريخية والعلمية الثابتة‏ كذلك، فعلم القاضي الذي يحصل على اساس المعلومات الحاصلة في‏مجلس القضاء حجة، ولعله لاعتبارها من مصاديق القرائن الذي هو الطريق الثالث عندهم((5)).

ونحن انما نقلنا هذه الكلمات لتشخيص موقفهم، لا الاستناد الى استدلالهم الذي لا ينسجم مع منهج فقهنا عموما،لكونه استحسانات واستصلاحات بشرية، ونحن اتباع ما تقتضيه الادلة الشرعية، على ان ما ذكر من احتمال‏الجور وتحكم القاضي في حكمه واتهامه لا يختص بفرض كون علمه الشخصي نافذا وحجة في القضاء، بل يتاتى‏ايضا في سائر الطرق التي لا شك في جواز الاستناد اليها وان كان بنسبة اقل، على ان الشارع قد اشترط عدالة‏القاضي بدرجة فائقة، وهي في النظام الاسلامي تمنع عن وقوع مثل هذا الجور بدرجة كبيرة اذا فرض تطبيق‏الانظمة الاسلامية بتمامها وكمالها.

كما ان مبدا حق الخصم في المناقشة لا يمنع عن جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي بعد تقديم المحكوم عليه‏كل ما لديه من المناقشات وعدم وفائها في هدم الادلة ونقضها بلا فرق بين البينة وعلم القاضي. وما ذكر من ان‏القاضي لا يجوز ان يكون خصما وحكما صحيح بمعنى ان يكون هو طرف الدعوى المستفيد منها، فان احدالمتخاصمين لا يمكن ان يكون هو الحكم في تلك المخاصمة، فالخصم بمعنى المدعي او المدعى عليه لا يكون‏حكما،لا الخصم بمعنى كل من يمكن ان يناقش ما يقدمه من الدليل في المحكمة من قبل المحكوم عليه، كيف؟!وقد يناقش المحكوم عليه جملة مما يستند اليه القضاة في الحكم، كما اذ جرح في الشهود من حيث العدالة او العددوالقاضي يعلم عدالتهم وتمامية عددهم، فان هذا لا يجعل القاضي الحكم خصما.

وعليه، فاللازم ملاحظة الادلة الشرعية اثباتا ونفيا. وقبل الشروع فيها نشير الى امور:

الامر الاول: لا اشكال في ان مقتضى القاعدة عدم نفوذ حكم احد على احد الا بدليل، وهذا لا يفرق فيه بين ان يكون‏الشك في نفوذ الحكم من ناحية الشك في الاهلية، كما اذا شك في اشتراط العدالة او الاجتهاد او الذكورة في‏القاضي، او من ناحية الشك في سعة دائرة نفوذ الحكم وضيقها، كما اذا شك في نفوذ حكم القاضي على الغائب‏مثلا، او من ناحية الشك في مستند الحكم، كما في مسالتنا هذه، فانها جميعا من باب واحد، اي شك في نفوذ حكم‏القاضي بنحو الشبهة الحكمية، والاصل فيه عند الشك وعدم الدليل ولو باطلاق وعموم‏ هو عدم الحجية وعدم‏النفوذ، وهذا واضح.

الامر الثاني: قد يتصور ان عدم جواز حكم القاضي بعلمه مخالف لما هو مقرر في محله من الحجية الذاتية للعلم‏وعدم امكان الردع عنه عقلا، لانه حينما علم القاضي بوقوع الجريمة فهو يرى لا محالة تحقق موضوع العقوبة من‏حد او تعزير، ويرى وجوب اجرائها عليه واستحقاقه ذلك واقعا، فكيف لا يجوز له الحكم بذلك واسناد الجرم اليه‏على حد اسناد كل حكم واقعي حينما يحصل لديه القطع بتحقق موضوعه؟! ولا يراد بالحكم الا ذلك.

الا ان هذا البيان غير تام، لان جواز حكم القاضي بعلمه ينحل بحسب الدقة الى حكمين:

1- الحكم التكليفي بجواز اسناد الجرم الى المتهم في نفسه، نظير شهادة البينة واسنادها للجرم الى المتهم.

2- حجية هذا الحكم في المحكمة ونفوذه، بمعنى امكان حسم النزاع‏وانهائه على اساس منه، نظير حجية البينة اواليمين في المحكمة وحسم النزاع بهما.

والحكم الاول قد يكون صدور الجرم واقعا تمام الموضوع فيه والقطع‏طريق محض اليه وان كان هذا ايضا خلاف‏التحقيق، فان العلم موضوع لجواز الاسناد والقضاء، ومن هنا لو قضى بالواقع مع الجهل يكون عاصيا لا متجريا الا انه حكم يخص القاضي نفسه، بينما الحكم الثاني هو المهم والمنظور اليه في هذا البحث، لان المقصود من‏جواز حكم القاضي بعلمه نفوذه على المدعي والمدعى عليه في مقام حسم النزاع، ومن الواضح ان هذا الاثر وهوحسم النزاع والنفوذ على الاخرين يكون علم القاضي ومستنده موضوعا له، لا طريقا.

وان شئت قلت: ان هناك حجيتين متصورتين لعلم القاضي: - احداهما: حجيته بالنسبة لنفسه من حيث ترتيب الاثار المتعلقة والمترتبة على الواقع لديه وفي حق شخصه فيكون‏العلم طريقا اليها، وقد يجعل جواز الاسناد تكليفا منها، وان كان التحقيق خلافه على ما سياتي.

والثانية: حجيته القضائية، بمعنى نفوذه على المدعي والمدعى عليه ولزوم التزامهما به، وانتهاء الخصومة‏وسقوط حق الدعوى بذلك. وهذا الاثر يكون علم القاضي موضوعا فيه، لان الاثر المترتب والمنظور اليه متعلق‏بغير من له العلم، فيكون موضوعا له لا محالة. ومن هنا تكون سعته وضيقه بيد المشرع، فله ان يجعل مطلق علم‏القاضي موضوعا للحجية القضائية، وله ان يقيده بخصوص ما يحصل له من منشا معين او بخصوص ما اذاكان المستند البينة واليمين لا غير، ولا يلزم من ذلك الردع عن حجية القطع الطريقي اصلا. ولهذا لم يستشكلوا في‏عدم نفوذ حكم القاضي المستند الى العلوم الغريبة غير المتعارفة.

لا يقال: ان تجويز الحكم بما هو حق وعدل وواقع المستفاد من بعض الايات والروايات يدل على جواز حكم‏القاضي بما يراه حقا وواقعا بلحاظ كلتا الحجيتين، فيكون موضوع الحجية القضائية الواقع ايضا.

فانه يقال: لو سلم صحة هذا الاستدلال وهذا ما سياتي الحديث عنه‏ فهذا يعني استفادة التوسعة في موضوع‏الحجية القضائية من الادلة وان علم القاضي بوقوع الجرم يكفي لنفوذ حكمه على الغير. وهذا لا بحث فيه لو تم‏الدليل عليه، ولكنه ليس معناه طريقية علم القاضي للحجية القضائية، بل معناه طريقيته لجواز الحكم والاسنادمن قبل القاضي. فهنا بحسب الحقيقة دليلان:

دليل يدل على جواز الحكم بالواقع والحق، وهذا لو تم‏ يقتضي ان يكون جواز الحكم من آثار الواقع ومترتباعليه، فيكون علم القاضي طريقا اليه. ودليل آخر يدل على نفوذ كل ما جاز للقاضي اسناده والحكم به على‏الاخرين في مقام الترافع وحسم الخصومة، وهذا هو الحجية القضائية، ويكون علم القاضي وحكمه موضوعا له‏لا محالة.

وان شئت قلت: لو قام دليل على عدم جواز حكم القاضي على طبق علمه الشخصي اي من دون بينة ويمين‏ فهذالا يكون مصادما مع حكم العقل بالحجية الذاتية للعلم، بل يمكن ان يكون دليلا على عدم حجية علم القاضي في‏مقام القضاء والنفوذ على الاخرين، فيقيد اطلاق الدليل الثاني فقط والذي جعل مطلق علم القاضي وحكمه‏موضوعا للحجية والنفوذ على الاخرين، وهذا تصرف في اثر العلم الموضوعي لا الطريقي.

ويمكن ان يدل على عدم جواز الحكم والاسناد بالعلم الشخصي، فيكون مقيدا للدليل الاول ايضا، اي دالا على ان‏الاسناد والحكم لا يجوز الا بما قامت عليه البينة والحجة الشرعية، وان هذا الحكم وهو جواز الاسنادوالحكم‏ليس من آثار الواقع فقط، وهذا ايضا لا محذور فيه، وليس مصادما مع الحجية الذاتية للعلم، بل معناه ان‏جواز الاسناد والحكم ايضا اخذ في موضوعه العلم والطريق الخاص، وهذا واضح.

الامر الثالث: ان ما ثبت بالايات والروايات من الامر بجلد الزاني او قطع يد السارق ونحوها مما رتب فيه الحكم‏على واقع الزنى او السرقة‏ ليس حكما تكليفيا راجعا الى كل مكلف او الى القاضي بالخصوص باقامة الحد على‏موضوعه الواقعي كلما تحقق، كما في ((لا تشرب الخمر)) مثلا، وانما هو تشريع وضعي للعقوبات في انواع‏الجرائم بلسان الامر بها، ولعل ذلك‏للاشارة الى لزوم اقامتها وعدم جواز تعطيلها في المجتمع، واماشروط الاقامة ومن له حق الاقامة وكيفية اثبات الجرم على المتهم بها فهذه كلها حيثيات اخرى اجنبية عن مفادهذه الادلة وجهة البيان فيها، فلا يمكن التمسك باطلاقها من تلك النواحي لنفي اشتراط شي‏ء فيها كاشتراط البينة‏او اليمين مثلا في الاثبات، خصوصا اذا لاحظنا ارتكازية ان الحقوق والمسؤوليات سواء المدنية منها او الجنائية‏بحاجة الى اثبات في مقام المرافعة والمخاصمة لاجراء الحكم على شخص، ولا يكفي ثبوتها الواقعي من دون‏اثبات لادانته بها. فلا اطلاق لادلة تشريع العقوبات على العناوين الواقعية للجرائم ليتمسك به لاثبات جواز حكم‏القاضي بعلمه بدعوى ان ظاهرها ترتب العقوبة والحد على صدور الجرم واقعا، فان هذا ترتب وتشريع جنائي،وليس قضائيا.

وبعبارة اخرى: ان الادلة المذكورة في مقام بيان كبرى الحكم الجنائي في نفسه، واما كيفية ادانة الاخرين به في‏مقام القضاء واثباته عليهم فهو مقام آخر اجنبي عن منظور هذه الادلة، ولابد فيه من ملاحظة ادلة القضاء، وكيفية‏اقامة الدعوى واثباتها او نفيها، ومن يكون له القضاء، وكيف يقضي ليكون قضاؤه نافذا. فاستفادة ذلك من اطلاق‏هذه الادلة خلط بين المقامين والحكمين الجنائي والقضائي.

ومنه يظهر: وجه الاشكال فيما افاده سيدنا المرتضى (قدس سره) في الانتصار من الاستدلال بايات الحدود آوتابعه عليه آخرون حيث قال: ((والذي يدل على صحة ما ذهبنا اليه زائدا على الاجماع المتردد قوله تعالى:(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة)((6)) وقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما)((7)) فمن‏علمه الامام سارقا او زانيا قبل القضاء او بعده فواجب عليه ان يقضي فيه بما اوجبته الاية من اقامة الحد. واذا ثبت‏ذلك في الحدود فهو ثابت في الاموال، لان من اجاز ذلك في الحدود اجازه في الاموال، ولم يجزه احد من الامة في‏الحدود دون الاموال.

فان قيل: لم زعمتم انه اراد بقوله: (الزانية والزاني) و (السارق والسارقة) من علمتموه كذلك دون ان يكون اراد من‏اقر عندكم بالسرقة او الزنى او شهد عليه الشهود؟

قلنا: من اقر بالزنى او شهد عليه الشهود لا يجوز ان يطلق القول بانه زان وكذلك السارق، وانما حكمنا فيهمابالاحكام المخصوصة اتباعا للشرع وان جوزنا ان يكون ما فعلا شيئا من ذلك، والزاني في الحقيقة من فعل الزنى‏وعلم منه ذلك وكذلك السارق، فحمل الايتين على العلم اولى من حملهما على الشهادة والاقرار))((8)).

وجه الاشكال: ان العناوين الواردة فى موضوعات الاحكام ظاهرة في وجوداتها الواقعية لا المعلومة، فكما لايكون الموضوع للحد من اقر بالزنى او شهد عليه الشهود، وكذلك لا يكون الموضوع من علم منه ذلك، بل‏الموضوع الزاني والسارق الواقعيان، فيكون دليل ترتيب الحد على تلك العناوين كدليل ترتيب الحقوق والاحكام‏الواقعية الاخرى على موضوعاتها الواقعية، فهل يمكن ان نستفيد من دليل الضمان واشتغال ذمة من اتلف مال‏الغير مثلا، او تعلق الدية بالقتل الخطاي جواز حكم القاضي بعلمه في حقوق الناس؟! فاذا لم تصح هذه الاستفادة‏هناك، فكذلك الحال في حقوق اللّه وادلتها، فانها ليست دالة الا على ثبوت الحق على موضوعه الواقعي في نفسه،والذي عبرنا عنه بالحكم الجنائي، واما كيفية اثباته قضائيا على المتهم وادانته به المعبر عنه بالحكم القضائي‏فهو اجنبي عن مفاد هذه الادلة بالمرة.

وهذا لا يفرق فيه ان يكون الخطاب في آيات الحدود متوجها الى العموم او الى خصوص الحكام، فانه على كلاالتقديرين يكون ارشادا الى تشريع العقوبة، وان من زنى او سرق مثلا فحده وعقوبته الجلد او القطع في الشريعة،واما كيفية اثباته فمربوط بادلة القضاء وكيفية اثبات الدعوى المعبر عنه باصول الاثبات.

لا يقال: فاي فائدة لثبوت الحكم الجنائي على موضوعه الواقعي اذا فرض عدم كفاية ذلك للحكم القضائي‏الاثباتي.

فانه يقال: مضافا الى ان مقتضى طبع المطلب وملاكاته ان يكون الحكم الجنائي على موضوعه الواقعي، والحكم‏القضائي كالاحكام الظاهرية اثباتية انه يترتب على ذلك ثمرات كثيرة تظهر بالتامل، منها: امكان نقض حكم‏القاضي في صورة العلم بخطاه، لانتفاء موضوع الحكم الجنائي في حق المتهم عندئذ.

ومنها: امكان ترتيب آثارالحكم الجنائي الواقعي اذا كان حقا خاصا كالدية والقصاص، فيصح استيفاؤه ولو لم يثبت قضائيا، الى غير ذلك‏من الثمرات والاثار.

نستخلص من مجموع ما تقدم ان سندية وحجية علم القاضي الشخصي بحاجة الى دليل، كحجية البينة تماما،وليس امرا مبنيا على القاعدة بحيث يحتاج نفيه الى دليل عليه، او ردع عنه. ومسالة الطريقية الذاتية للعلم بلحاظ‏متعلقه وآثار متعلقه لا ربط له بمحل كلامنا.

فيقع البحث بعد هذا فيما استدل به تارة: لاثبات جواز قضاء القاضي‏بعلمه الشخصي، واخرى: لاثبات عدم جوازه‏مطلقا او على تفصيل.

ادلة حجية علم القاضي الشخصي ومناقشتها:

اما ادلة الحجية فيمكن ان يكون احد وجوه:

الوجه الاول: التمسك بالاجماع: فقد ذكر في الرياض: ((وهل لغيره اي لغير الامام‏ ايضا ان يقضي بعلمه في حقوق‏الناس وحقوق اللّه تعالى من حدوده؟ فيه قولان: اظهرهما انه كسابقه، وهو اشهرهما، بل عليه عامة متاخري‏اصحابنا، وفي صريح الانتصار والخلاف والغنية ونهج الحق وظاهر السرائر ان عليه اجماع الامامية، وهوالحجة، مضافا الى ادلة كثيرة ذكرها الجماعة))((9)). وظاهره ان القولين ثابتان في حقوق اللّه وحقوق الناس معا.

ولكن في الجواهر: ((وغيره اي غير الامام من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس قطعا، وفي حقوق اللّه تعالى‏على قولين، اصحهما القضاء، وفي الانتصار والغنية ومحكي الخلاف ونهج الحق وظاهر السرائر الاجماع عليه،وهو الحجة))((10)). وظاهره ان القولين في خصوص حقوق اللّه.

الا ان المنسوب الى ابن الجنيد في الانتصار القول بان الحاكم لا يحكم بعلمه في شي‏ء من الحقوق والحدود((11)).كما انه نسب الشهيد الثاني في المسالك الى كتابه الاحمدي انه قال فيه: ((يحكم الحاكم فيما كان من حدود اللّهبعلمه، ولا يحكم فيما كان من حقوق الناس الا بالاقرار او البينة))((12))، وهذا يعني ثبوت القولين في حقوق الناس‏ايضا. اللهم الا ان يكون نظره الى غير ابن الجنيد من فقهائنا، حيث لم ينقل عن احد منهم في حدود تتبعي‏ القول‏بعدم جواز حكم الحاكم بعلمه في حقوق الناس.

واما التفصيل بين حقوق اللّه وحقوق الناس بعدم الجواز في الاول والجواز في الثاني فهو مختار جملة من اعلام‏الطائفة.

احدهم الشيخ الطوسي (قدس سره) في النهاية حيث قال:((واذا شاهد الامام من‏يزني او يشرب الخمر كان عليه ان‏يقيم الحد عليه، ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة ولا الاقرار. وليس ذلك لغيره، بل هو مخصوص به، وغيره وان‏شاهد يحتاج ان يقوم له بينة او اقرار من الفاعل على ما بيناه. واما القتل والسرقة والقذف وما يجب من حقوق‏المسلمين من الحد والتعزير فليس له ان يقيم الحد الا بعد مطالبة صاحب الحق، وليس يكفي فيه مشاهدته اياه،فان طلب صاحب الحق اقامة الحد فيه كان عليه اقامته، ولا ينتظر مع علمه البينة والاقرار على ما بيناه))((13)).

فان الظاهر من هذه العبارة صدرا وذيلا ثبوت تفصيلين عنده:

احدهما: التفصيل في حقوق اللّه كالزنى والسرقة بين الامام المعصوم وغيره، فاذا علم بهما الامام كان عليه ان‏يقيم الحد عليه ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة ولا الاقرار، بخلاف غيره من الحكام.

والثاني: التفصيل بين حقوق اللّه وحقوق الناس في مطلق الحاكم حتى الامام من حيث انه ليس له ان يقيم الحد في‏حقوق الناس الا بعد مطالبة صاحب الحق، فان طلب صاحب الحق الاقامة كان عليه اقامته ولا ينتظر مع علمه البينة‏والاقرار، قد يستفاد من عدم تقييد هذا الذيل باختصاصه بالامام الاطلاق وان غير الامام ايضا لا ينتظر البينة‏والاقرار مع علمه بموجب الحق‏في حقوق الناس.

وقد تشعر به عبارته في المبسوط ايضا حيث قال: ((واما اقامته بعلمه فقد ثبت عندنا ان للحاكم ان يحكم بعلمه‏فيما عدا الحدود، وفي اصحابنا من قال وكذلك في الحدود، وفي الناس من قال مثل ذلك على قولين))((14)).

وممن قال بهذا التفصيل ايضا الفقيه الاقدم ابو الصلاح الحلبي في كتاب الكافي حيث ذكر تحت عنوان (فصل في‏العلم بما يقتضي الحكم): ((علم الحاكم بما يقتضي تنفيذ الحكم كاف في صحته ومغن عن اقرار وبينة ويمين،سواء علم ذلك في حال تقلد الحكم او قبلها، لسكون نفس الحاكم العالم الى علمه في حال حكمه بمقتضاه))، ثم ذكرفي ذيل هذا الفصل: ((فاما ما يوجب الحد فان كان العالم بما يوجب الحد الامام فعليه الحكم بعلمه، لكونه معصومامامونا، فان كان غيره من الحكام الذين يجوز عليهم الكذب لم يجز له الحكم بمقتضاه، لان اقامة الحد اولا ليست‏من فرضه، ولانه بذلك شاهد على غيره بالزنى واللواط وغيرهما، وهو واحد وشهادة الواحد بذلك قذف يوجب‏الحد وان كان عالما))((15)).

وقال بذلك ايضا صريحا ابن حمزة في الوسيلة: ((يجوز للحاكم المامون الحكم بعلمه في حقوق الناس، وللامام‏في جميع الحقوق))((16)).

ويظهر من مجموع ذلك:

اولا: انه لا اجماع في حقوق اللّه مع مخالفة مثل الشيخ (قدس سره) والحلبي وابن حمزة وابن الجنيد، وتصريح جمع‏كثير من فقهائنا بوجود قولين في المسالة.

وثانيا: فيما يرجع الى حقوق الناس وان لم ينقل صريحا عن احد القول بعدم الجواز غير ابن الجنيد، الاان ما وردفي كلام ابن حمزة من تقييدالحكم بالجواز بما اذا كان الحاكم مامونا، وكذلك ورد ذلك في مبسوط الشيخ: ((وعندناان الحاكم اذا كان مامونا قضى بعلمه، وان لم يكن كذلك لم يحكم به))((17)) مشعر بان المسالة لم تكن اجماعية‏بينة، وانما مستندة الى التعليلات والاستدلالات الفقهية نفيا واثباتا، حيث استدل على عدم الجواز بالتهمة، فاخذت‏المامونية عن ذلك قيدا في الحاكم الذي قضى بعلمه، بل مراجعة كلمات الفقهاء القدامى واستدلالاتهم تدل على‏استنادهم في القول بالجواز مطلقا او بالتفصيل الى بعض تلك الوجوه والاستدلالات مما يجعل الاجماع المذكورمحتمل المدركية، فلا حجية فيه.

الوجه الثاني: التمسك بخطابات الحدود والامر باقامتها على السارق والزاني ونحوهما. والظاهر ان اول من‏تمسك بهذا الوجه هو السيد في الانتصار كما تقدم، وقد قرره في الجواهر بنحو احسن، فقال: ((مضافا... الى‏تحقق الحكم المعلق على عنوان قد فرض العلم بحصوله، كقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما)(الزانية والزاني...) الى آخرها. والخطاب للحكام، فاذا علموا تحقق الوصف وجب عليهم العمل، فان السارق‏والزاني «من‏» تلبس بهذا الوصف، لا من اقر به او قامت عليه به البينة، واذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيره بطريق‏اولى))((18)).

ولكنك عرفت ان نفس تعليق الحكم في هذه الخطابات على عنوان الجريمة بوجوده الواقعي دليل على نظرها الى‏مقام الثبوت لا الاثبات، اي الى تشريع العقوبة على موضوعها الواقعي، واما كيفية اثبات موضوعها وادانة المتهم‏بها فهو مقام القضاء واثبات الدعوى، الذي هو مقام آخر اجنبي عن مفاد هذه الخطابات، كما هو الحال في تمام‏ادلة الاحكام والحقوق المدنية او الجنائية‏الواقعية الاخرى. وكون الخطاب للحكام لو سلم‏ لا يقتضي كونه ناظراالى مقام الاثبات، بل هو ارشاد على كل حال الى التشريع الجنائي وما هو المقرر ثبوتا في كل جريمة من‏العقوبات. واما مسالة الحجية الذاتية للعلم بالنسبة لمن حصل له العلم بموضوع الحكم فقد عرفت فيما سبق انه‏اجنبي ايضا عن باب القضاء وجواز حكم الحاكم به فضلا عن نفوذه على الاخرين.

وقد يقال: ان الخطاب في الايات الكريمة لو كان متوجها الى الحكام فنفس هذه النكتة تصبح قرينة على ان نظرالايات الى الحكم القضائي ايضا، وان شئت قلت: الى الحكم النهائي والنتيجة العملية، فتدل لا محالة على‏كفاية الواقع للحكمين الجنائي والقضائي معا، فيجوز حكم الحاكم استنادا الى علمه الشخصي، لكونه حينئذطريقا الى جواز الحكم، وجوازه موضوع للنفوذ وحجيته في حق الاخرين بمقتضى ادلة نفوذ حكم الحاكم اذا كان‏حكمه جائزا له مشرعا، على ما سياتي الحديث عنها.

ولكن الصحيح: انه لا وجه لهذا الاستظهار، فان نكتته ان كانت لغوية جعل الحكم الجنائي على موضوعه الواقعي‏والحكم القضائي على كيفية احرازه واثباته فقد تقدم عدم صحة ذلك في المقدمات، وان كانت النكتة في نفس‏توجيه الخطاب الى الحكام فمضافا الى امكان المنع عن اصل ذلك حيث لا موجب لتقييد الايات بذلك انه لا موجب‏له، اذ الحاكم ايضا لابد وان يعرف ما هو الحكم الجنائي، فتكون الايات بصدد الارشاد اليها بلا نظر الى الحكم‏القضائي اصلا، فانه حكم آخر وجهة اخرى كما لا يخفى.

وقد يقال: اننا نستفيد ذلك من ضم ادلة اقامة الحدود والحقوق الى دليل النصب والامر بالقضاء للمجتهدين نحورواية: وان الراد عليه كالراد على اللّه((19)) حيث ان الامر يدل على ثبوت الحكم او الحق على موضوعه الواقعي،فيجوز للقاضي اسناده والحكم على واقعه، ويدل على نفوذ حكمه وحجيته في حق الاخرين.

وفيه: ما تقدم من ان جواز الحكم والقضاء بل والاسناد يكون العلم موضوعا فيه، فلا يمكن استفادته بشي‏ء من‏هذين الدليلين ولو ضم احدهماالى الاخر، لان مفاد كل واحد منهما حكم آخر اجنبي عن الحجية القضائية، ولاملازمة بينهما وبين ذلك لا عقلا ولا عرفا، خصوصا مع ملاحظة كونهما دليلين منفصلين، لا في خطاب واحد،فتدبر جيدا.

الوجه الثالث: ما ذكره في الجواهر وغيره من كون العلم اقوى من البينة المعلوم ارادة الكشف منها((20)). والظاهرمن ذيل هذا التعبير ان مقصوده ان البينة اذا كانت حجة في مقام القضاء والحكم ومن المعلوم ان حجيتها انماتكون من باب الكاشفية والطريقية لا الموضوعية والصفتية فالعلم الذي هو طريق وكاشف اقوى اولى بالحجية‏والقيام مقام البينة الماخوذة بما هي كاشف في موضوع جواز الحكم والقضاء.

وفيه: ان العلم انما يكون اقوى كشفا واولى بالحجية بالنسبة الى نفس العالم وما يرجع اليه من الاحكام الواقعية‏التي يلتمس طريقا اليها، وليس‏كذلك بالنسبة للاخرين، كما هو الحال في باب القضاء، حيث يراد تنفيذ حكم‏القاضي على الغير، فانه عندئذ لا يكون علمه وهو شاهد واحد اقوى من البينة عند الشارع ولا عند المدعي‏والمنكر، بل البينة العادلة اقوى من ناحية تعدد الشهادة فيها، فقد لا يكتفي الشارع بعلم الواحد ولو كان هوالقاضي. هذا مضافا الى ان احتمال ملاحظة الجنبة الموضوعية في حجية البينة واليمين في باب القضاء زائدا على‏الكاشفية متجه، ومعه لا مجال للاستدلال بالاولوية المذكورة، كما لا يخفى.

الوجه الرابع: ما ذكره في الجواهر ((من استلزام عدم القضاء به «بالعلم‏» فسق الحاكم او ايقاف الحكم، وهما معاباطلان، وذلك لانه اذا طلق الرجل زوجته ثلاثا مثلا بحضرته ثم جحد كان القول قوله مع يمينه، فان حكم بغيرعلمه وهو استحلافه وتسليمها اليه لزم فسقه، والا لزم ايقاف الحكم لا لموجب))((21)).

ويلاحظ على هذا الاستدلال بانه مصادرة على المطلوب، فانه انما يكون الحكم على خلاف علمه فسقا اذا ثبت في‏المرتبة السابقة حجية علمه في مقام القضاء، وكذلك انما يكون ايقاف الحكم لا لموجب وباطلا اذا ثبت جواز الحكم‏بالعلم في المرتبة السابقة. نعم لا ينبغي الاشكال في ان المستفاد من ادلة حجية البينة واليمين طريقيتهما بنحوبحيث مع العلم بالخلاف لا حجية لهما، فلا يصح الحكم على طبقهما مع العلم بالخلاف، الا انه ما لم يثبت حجية‏علمه لايمكن الحكم على طبقه ايضا، فيكون ايقاف الحكم لموجب، وهو عدم الحجة القضائية، فيمكنه عندئذ ان‏يحول المرافعة الى قاض آخر ويشهد عنده بما يعلمه او ينتزع منه الاقرار على الطلاق مثلا ولو بالاكراه، فيكون‏حجة، لانه اقرار مطابق للواقع عنده وان حصل عن اكراه، فتدبر جيدا.

الوجه الخامس: ما جاء في الجواهر ايضا ((واستلزامه ايضا عدم وجوب انكار المنكر، وعدم وجوب اظهار الحق‏مع امكانه او الحكم بعلمه، والاول معلوم البطلان، فتعين الثاني، وذلك لانه اذا علم بطلان قول احد الخصمين‏فان‏لم يجب عليه منعه عن الباطل لزم الاول، والا ثبت المطلوب))((22)). وكان مقصوده (قدس سره) ان ادلة وجوب‏انكار المنكر واظهار الحق مع امكانه تدل بالملازمة على جواز حكم القاضي بعلمه وتعينه عليه.

وفيه:

اولا: ان انكار المنكر واظهار الحق اجنبي عن جواز حكم القاضي بعلمه ونفوذ هذا الحكم عن الاخرين، فانه قد يجب‏على القاضي الانكار على احد المتخاصمين ونصحه وامره بالمعروف وحمله على الاقرار بالواقع، ولكنه مع ذلك‏لا يكون له القضاء بعلمه، بل قد يجب عليه القضاء بما قامت عليه البينة اذا فرض حجيتها بنحو الموضوعية لاالطريقية، كما هو الحال في حق من يعلم بخطا حكم القاضي لاحد الخصمين بناء على القول بحجية حكم الحاكم‏حتى مع العلم بخطاه، فانه قد يجب على العالم بالخلاف ان ينكر على من‏حكم له اذا كان متعديا فيما اخذه بحكم‏القاضي ويردعه عن المعصية‏والعدوان رغم نفوذ حكم الحاكم عليه ايضا.

نعم يمكن ان يدعى الملازمة العرفية بعد فرض طريقية البينة واليمين في مقام الاثبات القضائي ولو في الجملة آبين وجوب اظهار الحق وانكار المنكر على القاضي ايضا وبين حرمة الحكم بالخلاف وما يراه القاضي منكرا،واما جواز الحكم بما علمه من دون بينة ويمين فلا يستلزمه ذلك بوجه من الوجوه الا اذا قام دليل على وجوب‏الحكم عليه وعدم جواز ايقافه، وهو اول الكلام.

وثانيا: لا دليل على وجوب اظهار الحق بالمعنى المذكور، فانه لو اريد التمسك بادلة النهي عن المنكر فهي فرع‏تحقق المنكر، وهو لا يكون مع فرض احتمال وجود عذر للخصم، كما اذا كان يعتقد ان الحق له واقعا او ظاهرا،فالدليل اخص من المدعى، اللهم الا بضميمة عدم القول بالفصل. وان اريد التمسك بادلة حرمة الكتمان فهي‏مخصوصة بموارد خاصة، من قبيل كتمان الشهادة، او كتمان البينات ودلائل النبوة، او كتمان الدين وتبيلغ‏احكامه ونحو ذلك، وكله اجنبي عن محل الكلام، كما هو واضح.

الوجه السادس: ما جاء في كلمات المحقق الكني (قدس سره) من التمسك بما دل من الايات على لزوم الحكم بماانزل اللّه منطوقا او مفهوما((23))، وهي آيات‏كثيرة:

منها قوله تعالى: (انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك اللّه ولا تكن للخائنين خصيما)((24)).

ومنها قوله تعالى: (فاحكم بينهم بما انزل اللّه ولا تتبع اهواءهم)  ((25))،  وقوله: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم‏الكافرون)((26))، وقوله: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الظالمون)((27))، وقوله: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الفاسقون)((28))، وقوله: (وان احكم بينهم بما انزل اللّه ولا تتبع اهواءهم)((29)).

وتقريب الاستدلال: انها امرت بالحكم بما انزل اللّه، اي ان يكون حكم‏القاضي على طبق الحكم الذي انزله اللّه سبحانه‏وجعله حكما للواقعة، وحيث ان ذلك الحكم مجعول على موضوعه الواقعي، فاذا ثبت لدى القاضي وعلم بما هوموضوع ذلك الحكم الكلي الذي جعله اللّه، ولم يحكم به في المرافعة كان ممن لم يحكم بما انزل اللّه لا محالة، وكان‏فاسقا ظالما كافرا على حد تعبير الايات المباركة.

وان شئت قلت: ان المستفاد من هذه الايات ان موضوع جواز القضاء والحكم هو واقع ما انزله اللّه وجعله من الحكم‏للواقعة، فيكون العلم به علما بموضوع جواز القضاء، وهذا علم طريقي بالنسبة لموضوع جواز القضاء، ويؤدي‏الى العلم بجواز القضاء لا محالة، ولا يمكن الردع عن حجيته.

ونلاحظ على هذا الاستدلال:

اولا: ان القاضي له حكمان: احدهما: حكمه بتحقق الموضوع المترافع فيه، حيث ان الترافع والقضاء يكون في‏الموضوعات كالحكم بانه سرق او زنى او قتل او غصب مال الغير وغير ذلك، وهذا هو الحكم القضائي بالدقة، اي‏هو الذي ينشئه ويحكم به القاضي، ومن هنا كان نفوذ حكم القاضي من اقسام نفوذ حكم الحاكم في‏الموضوعات. والاخر: ترتيب حكم الواقعة على المورد والالزام به، كالحكم بالدية او القصاص او الحد اوالضمان، وهذا الحكم بحسب الحقيقة من انشاء الشارع وجعله لا القاضي، وانما يطبقه القاضي على المورداجتهادا او تقليدا، فيقال انه حكمه مسامحة وبهذا الاعتبار.

فاذا اتضحت هذه المقدمة نقول: ان الايات المذكورة بقرينة امرها بالحكم بما انزل اللّه وشرعه‏ تكون ناظرة الى‏المرحلة الثانية لا الاولى، فيكون مفادها ان الحاكم لا بد وان يطبق الاحكام الالهية المشرعة من قبل اللّه والنازلة‏على انبيائه العظام، لا الاحكام البشرية التابعة لاهوائهم، وهذا يعني ان نظر الايات المذكورة الى الشبهة الحكمية‏وما ينبغي ان يطبقه الحكام من احكام وشرائع، فلا يجوز لهم ان ينحرفوا عما انزله اللّه لعباده، واما ان الموضوع‏المترافع فيه بماذا يثبت قضائيا، بحيث يكون حكم القاضي نافذا فيه على المتخاصمين‏فهذه جهة اخرى اجنبية‏عن منظور هذه الايات، بل هذه الجهة ماخوذة في الايات كالموضوع مفروغا عنه، فكانها تقول كلما ثبت‏الموضوع بما يكون‏مثبتا له فلابد من الحكم فيه بما انزله اللّه لا بما جعله البشر، فهي ليست بصدد اثبات‏الموضوع، بل بصدد الامر باتباع ما انزله اللّه سبحانه في ذلك الموضوع على تقدير ثبوته في كل مورد بحسبه.

لا يقال: الامر بالحكم بما انزل اللّه وعدم مخالفته كما يشمل انكار اصل الحكم المجعول من قبل اللّه سبحانه كذلك‏يشمل باطلاقه من لا يطبق الحكم الالهي على موضوعه عند العلم بتحققه، فانه ايضا يكون مصداقا لمن لم‏يحكم‏بما انزله اللّه في ذلك المورد، فيكون القاضي مامورا بذلك في مورد علمه الشخصي بمقتضى اطلاق الايات، ولازم‏ذلك جواز القضاء بالعلم، وهو المطلوب.

فانه يقال: لو كانت الايات واردة في باب المرافعة وناظرة الى مرحلة‏الاثبات القضائي للموضوع المترافع فيه كمااذا كان بلسان ان القاضي يحكم بما يراه الواقع او بما يراه حكم اللّه الواقعي‏ امكن استفادة نفوذ حكم القاضي من‏ذلك. الا انها ليست واردة في هذا المجال، وانما وردت ناظرة الى الاحكام والشرائع النازلة من السماء، وبلسان‏الامر بالحكم بما انزل اللّه وعدم مخالفته، وهذا اللسان ليس مفاده اكثر من القضية الشرطية التي ذكرناها، وهي انه‏كلما فرض تمامية الموضوع ثبوتا واثباتا فلا بد من الحكم فيه بما انزل اللّه، واطلاق مثل هذه الشرطية حتى لمواردالقضاء والمرافعات لا يستلزم تعرض الايات لكيفية احراز موضوع الشرطية حتى يستكشف منه بالملازمة نفوذعلم القاضي، وهذا واضح.

ومما يشهد على ان تمام النظر في هذه الايات الى الشبهة الحكمية‏والشرائع الالهية عموما لا الواقع المتنازع فيه في‏المرافعة وكيفية اثباته قضائيا، ما نجده في ثنايا الايات وسياقها من ذكر التوراة والانجيل والقرآن، والمقابلة‏بينها وبين اهواء بني اسرائيل، او المقابلة بين حكم اللّه وحكم الجاهلية، او التصريح بان ما انزله اللّه من الكتب‏يحكم به النبيون والربانيون والاحبار، الى غير ذلك من التعبيرات المبثوثة في هذا المقطع من الايات المباركة‏والصريحة في ان تمام النظر فيها الى الشرائع الالهية ولزوم اقامتها واحيائها، ومن هنا لا يبعد ان يكون المراد من‏الحكم في هذه الايات المعنى الاعم من القضاء، بحيث يشمل الوان الحكم والالزام وتنفيذ الاحكام الشرعية، فان‏الحكم في اللغة اصله المنع والالزام ومنه الاحكام الشرعية، وياتي بمعنى العلم والحكمة، وبمعنى التنفيذ ومنه‏الحاكم والحكومة، وبمعنى مطلق القضاء الشامل للافتاء وبيان الحكم الكلي ومنه قضاء النبي (ص) بلا ضرر ولاضرار وغيره، والسياق والقرائن المذكورة في هذه الايات يناسب ارادة المعنى الاعم.