كما انه في بعض الروايات فسرت آية (يحكم بها النبيون...)((30)) بالامامة والحكومة، كما وطبق آيات (ومن لم‏يحكم بما انزل اللّه...)((31)) على ما فعله الحكام من منع الخمس ونصيب آل محمد (ص).

وفي معتبرة ابي بصير بنقل الكليني (قدس سره) عن ابي جعفر (ع) قال: ((الحكم حكمان: حكم اللّه عزوجل،وحكم اهل الجاهلية، وقد قال اللّه عزوجل:(ومن احسن من اللّه حكما لقوم يوقنون) واشهد على زيد بن ثابت لقدحكم في الفرائض بحكم الجاهلية))((32)) وكان قد حكم زيد بالعول والتعصيب وغيرها اجتهادا وعملا برايه واتباعالعمر وخلافا على امير المؤمنين (ع).

وثانيا: لو تنزلنا عما سبق مع ذلك هناك اشكال آخر على الاستدلال بهذه الايات وحاصله: ان الماخوذ في‏موضوع الامر في هذه الايات هو الحكم بما انزل اللّه، وهذا العنوان عام يشمل ما يشرعه اللّه في كيفية القضاءايضا، فلو فرض احتمال ان يكون الميزان في جواز القضاء خصوص البينة واليمين مثلا وان العلم الشخصي‏للقاضي ليس حجة قضائية لم يصح التمسك بهذه الايات، لانه من الشك فيما فرضه اللّه وانزله في القضاء، فيكون‏تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية له، ففرق بين ان يقال: احكم بالواقع والحق، او ان يقال: احكم بما انزل اللّه،فان الثاني يشمل جميع ما انزل اللّه حتى في نفس القضاء وكيفيته، ولا يختص بخصوص الحكم الواقعي المجعول‏على الموضوع‏المترافع فيه، لكي يدل بالملازمة على جواز القضاء بالعلم، كما توهم في الاستدلال.

ومما يشهد على ذلك ما ورد في صحيح سليمان بن خالد الذي يرويه الكليني (قدس سره) عن محمد بن يحيى، عن‏احمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن ابي‏عبداللّه (ع) قال: ((لا يحلف اليهودي ولا النصراني ولا المجوسي بغير اللّه، ان اللّه عزوجل يقول: (فاحكم بينهم بماانزل اللّه)))((33)) وقد نقله العياشي ايضا عن سليمان بن خالد((34)).

ولعله لهذه النكتة لم يستند المشهور القائلون بالجواز بهذه الايات، وانما اقتصروا على ما دل من الايات على‏الحكم بالحق والعدل والقسط، كما سياتي في الوجه القادم.

الوجه السابع: التمسك بما دل من الايات على الامر بالحكم بالعدل والحق والقسط،  كقوله تعالى: (يا داود اناجعلناك خليفة في الا رض فاحكم بين الناس بالحق)((35))، وقوله تعالى: (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)((36))،وقوله تعالى: (وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط)((37)).

وامتياز هذه الايات على سابقتها ان الوارد في موضوعها هو الحكم بالحق والعدل، فيقال: ان ظاهرها ارادة الحكم‏بالحق والواقع المترافع فيه، فيكون دليلا على ان موضوع جواز القضاء والحكم هو الواقع، ويكون علم القاضي‏طريقا محضا اليه.

وقد ناقش في هذا الاستدلال المحقق العراقي (قدس سره) بانه قد يكون المراد بمثل الحق والعدل هو الحق والعدل‏وفق مقاييس القضاء لا الحق والعدل وفق‏الواقع، وكون علم القاضي من مقاييس القضاء اول الكلام((38)).

وهذا الاشكال قابل للدفع بان حمل الحق والعدل وخصوصا الحق على الحق والعدل بلحاظ مقاييس القضاءخلاف الظاهر جدا، فان العدل يقابله الظلم، والحق يقابله سلب الحق، ومن لم يحكم بمقاييس القضاء كما اذافرض‏انه اخذ باليمين في غير مورده او اكتفى بشاهد واحد لا يصدق عليه انه حكم بالظلم وبغير حق، وانما خالف‏شرع القضاء وكيفيته، ومن هناقلنا بالفرق بين عنوان الحكم بما انزل اللّه وشرعه وبين عنوان الحكم بالحق‏والعدل، فان الاخير ظاهر في كون ما يقضي به حقا وعدلا، لا ان‏كيفية قضائه لابد ان يكون مطابقا لحكم اللّهوشرعه في كيفية القضاء ومقاييسه.

وان شئت قلت: ان هذا المعنى اعني العدل والحق بمقاييس القضاء حق وعدل نسبيان اضافيان، لا بد من اضافتهماالى ما هو المشروع والمجعول في كيفية القضاء، وهذه عناية زائدة بحاجة الى قرينة، والافظاهر اللفظ ارادة الحق‏والعدل المطلقين، وهو الحق والعدل بحسب الواقع المترافع فيه.

نعم، يبقى هنا اشكالان آخران:

احدهما: ما تقدم في الاشكال على الوجه السابق، من ان النظر في هذه الايات الثلاثة ايضا الى نفس ما كان النظراليه في تلك الايات، اعني كبرى الحكم والتشريع الذي يريد الحاكم تطبيقه على موضوعه بعد الفراغ عن ثبوته‏قضائيا، فلابد وان يكون ذلك الحكم عدلا وحقا، لا من الاحكام الباطلة‏والظالمة التي وضعها الطواغيت والحكام‏الجائرون باهوائهم الفاسدة، واما كيف يثبت موضوع الحكم العادل والحق فهو اجنبي عن منظور الايات.

والحاصل: فرق بين ان يقال: ((احكم بالواقع)) وان يقال: ((احكم بالعدل والقسط والحق)) فان هذه العناوين من‏اوصاف نوع الحكم والتشريع الذي يحكم به القاضي، وليس النظر فيه الى الظلم من ناحية انكاره للموضوع مع‏علمه به.

ومما يشهد على هذا الاستظهار ان سياق الاية الثالثة نفس سياق الايات المتقدمة بل هي منها. والاية الاولى حيث‏فرع فيها الحكم بالحق على جعل داود خليفة في الارض من قبل اللّه سبحانه، فيناسب ان يكون المراد بالحكم بين‏الناس بالحق فيها مطلق اقامة الحق والشريعة الالهية العادلة على الناس. واما الاية الثانية فقد ورد فيها الحكم‏بالعدل عقيب الامر باداء الامانة الى اهلها حيث قال تعالى: (ان اللّه يامركم ان تؤدوا الا مانات الى اهلها واذا حكمتم بين‏الناس ان تحكموا بالعدل ان اللّه نعما يعظكم به ان اللّه كان سميعا بصيرا)((39)) وهذا التعقيب يدل على ان المقصود بالامانة‏التي امر اللّه بادائها سنخ امانة خاصة عظيمة لها ارتباط بالحكم بالعدل واقامته بين الناس، فيناسب ان يكون‏المراد بها الامامة والحكومة، ويراد بالحكم بالعدل اقامة الشريعة العادلة واقامة حكم اهل البيت (ع)، كما دلت على‏ذلك روايات صحيحة مستفيضة اكدت على ان هذه الاية المباركة فينا نزلت، وايانا تعني، وان الحكم بالعدل هوالحكم بما في ايدينا((40)).

الثاني: اننا نعلم بان الواقع ليس تمام الموضوع لجواز القضاء والحكم، بمعنى ان من قضى بالواقع اتفاقا من‏دون علم ولا حجة شرعية لم يكن قضاؤه جائزا، فهو نظير الافتاء بلا علم وان صادف الواقع، فالحكم والافتاءمن‏هذه الناحية على حد واحد، وليس ذلك من باب التجري واحتمال الحكم بخلاف الواقع بلا حجة، بل بنفسه معصية‏اذا لم يكن له حجة سواء صادف الواقع ام لا، ولعل هذا من المسلمات الفقهية، ويستفاد من جملة من الروايات.وهذا يعني ان الاحراز دخيل في موضوع جواز القضاء، وليس الواقع تمام الموضوع فيه، بل لعل هذا مرتكز ايضافي الذهن المتشرعي، ومعه من المحتمل ان يكون الشارع قد اشترط في الاحراز الماخوذ موضوعا لجواز القضاءالاحراز الخاص، اي البينة واليمين لا علم القاضي، فيكون العلم موضوعيا لا طريقا الى موضوع جواز القضاء.نعم لا مانع من ان يكون الواقع ايضا جزء الموضوع لجواز القضاء وتكون الحجة عليه طريقا لاحراز ذلك‏الجزءومحققا في نفس الوقت للجزء الاخر، الا انه ليس الواقع تمام الموضوع، ومعه لا تتم دلالة الايات على جواز القضاءبالعلم، لانه فرع دلالتها على كون الواقع تمام الموضوع له، وقد ثبت خلافه، او قيام دليل على كفاية مطلق الاحرازحتى العلم الشخصي للقاضي في موضوع جواز القضاء، وهو بحاجة الى دليل آخر.

وهذا الاشكال قابل للدفع، فانه اذا فرض تمامية دلالة الايات على الحكم بالواقع فما ثبت في الارتكاز المتشرعي اوبالادلة الخاصة لا يمنع عن الاستدلال المذكور، لان مقتضى الايات المذكورة جواز الحكم بالواقع مطلقا حتى مع‏عدم احرازه، نخرج عن هذا الاطلاق بمقدار ما ثبت من القيد وهوعدم جواز الحكم بالواقع مع عدم وجود احرازللواقع لا علمي ولا تعبدي، واما ماعدا هذه الحالة فيبقى تحت اطلاق الامر بالحكم بالواقع، ولازمه كفاية مطلق‏الاحراز العلمي او التعبدي مع الواقع في جواز القضاء، ولا نحتاج الى دليل آخر، كما لا يخفى.

فالصحيح: في وجه الاشكال على الاستدلال بهذه الايات هو الاشكال الاول.

ثم ان للمحقق العراقي (قدس سره) كلاما آخر على الاستدلال بالايات والعمومات المذكورة مرجعه الى انه لا يثبت‏بها ميزانية العلم للقضاء كالبينة واليمين، وانما تثبت الميزانية في الجملة، ولا يظن التزام المشهور به، حيث‏قال:

((وعليه اي بناء على ان المراد بالحق في العمومات الواقع المدعى به‏ينفذ حكمه اي القاضي في حقه وحق كل‏من علم بكون علمه مطابقا للواقع كي يحرز به كون قضائه بالحق عن علم، واما الشاك في مطابقة علمه للواقع فلم‏يحرز كونه قضاء بالحق وان علم كونه حاكما به باعتقاده وعلمه، وعليه فلا مجال لاثبات كون العلم كالبينة‏ميزانا للفصل على وجه لا تسمع الدعوى على خلافه حتى ينظر الشاك في مطابقة علمه للواقع، اذ كم فرق بين‏العلم والبينة، حيث ان مفاد البينة من جهة حجيتها في حق الشاك بنظر كل احد يصدق على الحكم على طبقها انه‏حكم بالحق بالنسبة الى كل احد، وهذا بخلاف علم القاضي الذي لا يكون الا حجة في حق العالم دون غيره.

ولا يخفى ان هذا المقدار وان كان لا يضر بميزانية العلم بالحق في الجملة، لكن ليس مثله كالبينة تمام الميزان، بل‏الميزان التام هو العلم المطابق للواقع لا مطلقا، وحينئذ تختص حرمة نقضه بخصوص من احرز ذلك لا مطلقا،وهذا المقدار خلاف ظاهر كلمات من جعل العلم من الموازين في قبال البينة‏واليمين، وحينئذ يصح لنا دعوى عدم‏وفاء امثال هذه العمومات لميزانية نفس العلم ولو لم يطابق الواقع كالبينة واليمين)) ثم تعرض الى دعوى الاجماع‏او تنقيح المناط في ميزانية العلم كالبينة واليمين وان عهدتها على مدعيها ثم قال: ((وبالجملة نقول: انه بعد القطع‏بان الكلام في كونه بنفسه ميزانا في عرض البينة بحيث يكون الحكم الصادر عن علمه حكما فاصلا صحيحابنحو لا تسمع الدعوى ولا البينة على خلاف مضمونه ما لم يقطع بمخالفة الحكم للواقع، ان هذا المعنى لا يكاديحرز من العمومات السابقة، بل غاية ما تقتضي العمومات كون الفاصل هو الحكم المطابق للواقع، ومثل ذلك لايمنع عن سماع الدعوى والبينة على خلافه عند الشك في مخالفته للواقع المساوق للشك في كونه فاصلا وان‏فرض محكوميته بالصحة والفاصلية ببركة اصالة الصحة لولا دليل او امارة اخرى على خلافه. ولكن ذلك‏المقدار لا اظن التزامه من القائل بالميزانية لعلم القاضي، وعليه فلا يكاد تتم الميزانية بالنحو المزبور على وجه لاتسمع بعده الدعوى والبينة على خلافه مع الشك في مخالفة حكمه للواقع الا بتمامية الاجماع المدعى على ميزانية‏علمه او دعوى الاجماع على الملازمة بين الجواز التكليفي لهذا القضاء وبين نفوذه وضعا في حق غيره، واتمام‏الوجهين عهدته على مدعيه، والا فلا مجال لاثبات ميزانية العلم للقضاء بنحو ميزانية البينة وسائر الموازين‏له))((41)).

ومحصل ما افاده هذا المحقق (قدس سره) على طول كلامه والتكرار الملحوظ فيه:ان نفوذ حكم القاضي بعلمه ان‏كان على اساس كون الحق والواقع موضوعا وميزانا لجواز القضاء والعلم او البينة طريق اليه كما هو مبنى‏الاستدلال بالعمومات فلازمه ان لا يكون حكم الحاكم نافذا الا مع احراز كونه مطابقا للواقع ليكون حكما بالحق،فاذا كان حكمه مستندا الى البينة احرزنا ذلك بالبينة التي هي حجة لكل احد، فلا تسمع الدعوى على الخلاف. وامااذا كان حكمه مستندا الى علمه فلا يحرز لغيره ان حكمه بالحق الا اذا كان هو ايضا عالما بمطابقة الحكم للواقع،فتسمع الدعوى على الخلاف مع الشك لامحالة.

ونلاحظ على ما افاده:

اولا: قد تقدم فيما سبق ان في المقام حكمين:

احدهما: جواز الحكم والقضاء بالعلم.

والثاني: نفوذ هذا الحكم على الغير وعدم جواز نقضه لا من المتخاصمين ولا من قاض آخر، وهو معنى عدم‏سماع الدعوى والبينة على خلافه.

والحكم الاول يمكن ان يكون الواقع موضوعا فيه. واما الحكم الثاني، فلا يمكن ان يكون موضوعه الواقع، اذ لامعنى لان يقال بان نفوذ حكم الحاكم منوط بكونه على طبق الواقع والحق، فان هذا معناه عدم حجية حكمه في حق‏المتخاصمين ولا غيرهما ممن هو شاك في واقع الامر، وقد تقرر في محله من الاصول انه لا يعقل تقييد حجية‏الحجة سواء كانت البينة او اليمين او حكم الحاكم او غير ذلك بفرض مطابقته للواقع، لانه لغو عندئذ.

وهذا يعني ان موضوع نفوذ حكم الحاكم وحجيته على الاخرين انما هو نفس حكمه وقضاؤه بلا تقييد ذلك بفرض‏مطابقته للواقع، وهو معنى ما ذكرناه سابقا من ان علم القاضي بالواقع ومستنده عليه بلحاظ هذا الحكم اعني‏النفوذ والحجية القضائية في حق الاخرين‏ يكون موضوعيا لاطريقيا.

وعلى هذا الاساس يتضح ان من يستدل بالعمومات على جواز القضاء بالعلم يدعي دلالتها على كون الحق الواقع‏موضوعا لجواز القضاء اي الحكم الاول، فيكون علم القاضي طريقا اليه، فيجوز له ان يحكم بما يراه الواقع، واماالحكم الثاني وهو الحجية القضائية والنفوذ على الاخرين وعدم جواز نقضه ولا سماع الدعوى والبينة على خلافه‏فهو حكم آخر يترتب على ذلك ويثبت على نفس حكم الحاكم بعلمه لا الواقع‏ بدليل آخر: اما هو الدلالة الالتزامية‏لنفس العمومات المذكورة الامرة بالحكم بالحق، حيث ان الامر بذلك لامحالة يكون لغرض نفوذه على‏المتخاصمين والا كان لغوا، او بالادلة الاخرى الدالة على حرمة رد حكم القاضي الشرعي المنصوب من قبلهم(ع)، من قبيل صحيح ابي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة وغيرهما.

وهكذا يتضح: وقوع خلط في كلام هذا المحقق بين ما هو موضوع جواز القضاء بالعلم وبين موضوع حجية حكمه‏ونفوذه على الاخرين، وان الثاني حكم آخر يستحيل ان يكون موضوعه الواقع، بل نفس حكم الحاكم ودليله يرتبه‏على حكم الحاكم بعلمه اذا كان جائزا له بمقتضى اطلاقه، لا على‏الواقع.

وثانيا: لو فرضنا ان موضوع نفوذ الحكم هو الواقع كما يفترضه (قدس سره)فكما لا تتم ميزانية العلم للقضاءبالنحو المطلوب لا تتم ميزانية البينة واليمين ايضا، فلا وجه للتفصيل الذي ذكره ايضا.

والوجه في ذلك ان حجية البينة وكذلك سائر الموازين والحجج مقيدة بصورة عدم العلم بكذب البينة ولو لم يعلم‏بمخالفتها للواقع، فمن علم بان البينة كاذبة في شهادتها وانها لا علم لها او ان اليمين كذلك فلا حجية لهمافي حقه،بل لو قامت بينة اخرى على الخلاف ايضا سقطت حجية البينة التي استند اليها القاضي بالمعارضة في اثبات‏الواقع المترافع فيه، لان الحجية مقيدة بعدم المعارض، فلا يحرز كون حكم القاضي المستند اليه حكما بالحق‏والواقع لكي يكون نافذا، حتى لا تسمع الدعوى على الخلاف، وكذلك لو كان مستند القاضي اليمين ثم قامت بينة‏على الخلاف عند القاضي الاخر فانهالحكومتها وتقدمها على اليمين ايضا يوجب سقوط حجية اليمين وميزانيته‏في حق القاضي الثاني، فيخرج حكم القاضي الاول عن كونه حكما بالحق، فيجوز للثاني نقضه وكذلك اذا ثبت‏عدم عدالة الشهود او غير ذلك مما يوجب عدم حجية مستند القاضي الاول عند الثاني.

وهكذا يتضح: ان التفصيل الذي ذكره لا اساس له حتى على المبنى الباطل الذي افترضه، واللّه الهادي للصواب.

الوجه الثامن: التمسك بمرفوعة البرقي عن ابي عبداللّه (ع) قال: ((القضاة اربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة:رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهولا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة))((42)).

وتقريب الاستدلال بها: ان ظاهر الحق في القضاء بالحق هو الواقع المترافع فيه والحق في ذاته، لا الحق بحسب‏مقاييس القضاء، خصوصا مع قوله: ((قضى بالحق وهو لا يعلم)) غاية الامر من اجل ان لا تكون الحرمة في هذه‏الصورة من باب التجري بل من باب المعصية كما هو ظاهر الحديث‏ يظهر من ذلك ان موضوع جواز القضاء هوالحق والواقع بشرط العلم والاحراز وان كلا منهما جزء الموضوع فيه، فلا وجه لتاويله وحمل الحق فيه على ارادة‏الحق بحسب مقاييس القضاء او دعوى اجمال الحديث كما عن المحقق العراقي (قدس سره).  فيدل الحديث على‏كفاية العلم واحراز الواقع في جواز القضاء، بل لعل المتيقن من قوله: ((قضى بالحق وهو يعلم))، صورة العلم‏بالواقع، فالرواية كالصريحة في جواز القضاء بالعلم.

ونلاحظ على هذا الاستدلال:

اولا: الاشكال في سندها، فانها مرفوعة حيث نقلها الكليني (قدس سره) في الكافي((43)) عن عدة من اصحابنا عن‏احمد بن محمد بن خالد، عن ابيه، رفعه عن ابي عبداللّه (ع). ونقلها المفيد في المقنعة((44)) مرسلا عن الصادق (ع)،وكذلك نقلها الصدوق في الفقيه((45)) ونقلها في الخصال((46)) عن محمد بن موسى المتوكل عن السعدآبادي عن‏احمد بن ابي عبداللّه، عن ابيه، عن ابن ابي عمير، رفعه الى ابي عبداللّه (ع).

فاذا قبلنا مراسيل الصدوق او مراسيل ابن ابي عمير، او قلنا بامكان نقل ابن ابي عمير عن الصادق (ع) كما وردفي بعض الروايات وان لم تكن كثيرة‏ او قلنا بان نقله عنه بواسطة محكوم باصالة الحسية بحيث يكون من النقل‏الحسي لقرب الزمان بينهما لاحتمال التواتر والاستفاضة في حقه، فيكون مشمولا لدليل الحجية، كان السندمعتبرا، والا فلا.

وثانيا: الاشكال في الدلالة، فان المراد بالحق في هذا الحديث ايضا هو الحق بحسب الشبهة الحكمية لا الموضوع‏المترافع فيه، فيكون المراد من العلم فيه العلم بالاحكام الشرعية، ويكون وزانها وزان ما دل على حرمة الافتاءوالقضاء بلا علم بالاحكام الشرعية عن طرقها المعتبرة، ولعل هذا هو مقصود المحقق العراقي (قدس سره) من‏مقاييس القضاء.

والشاهد على هذا الاستظهار مضافا الى ما تقدم من ظهور عنوان الحكم‏او القضاء بالحق في كون الحكم بنفسه‏حقا لا من ناحية تحقق موضوعه خارجا وعدمه، ومضافا الى ان سياق الحديث يناسب الحث على التعلم ولزومه،ومن الواضح انه واجب بلحاظ الاحكام الشرعية لا الموضوعات، فان الجهل بها وخطاها لا يكون موجبا للنار ان‏صريح الرواية الحصر وان غير من قضى بالحق وهو يعلم يكون في النار، ومن الواضح ان هذا لا يصح لو كان‏النظر الى الحق من ناحية الموضوع، اذ قد يخطئ القاضي الحق من ناحية موضوعه، كما اذا اخطا في علمه اواخطات البينة او كان اليمين على خلاف الواقع، مع ان عدم كونه في النار في امثال ذلك التي تكثر في مواردالقضاء حيث ان موارد علم القاضي بالموضوع الواقعي قليل وليس غالبيا امر واضح لا يمكن ان يكون هومقصود الحديث، فلابد وان يكون النظر فيها الى الحق من حيث الشبهة الحكمية، اي الحكم الكلي الذي لا بد وان‏يتعلمه القاضي عن طرقه الشرعية قبل التصدي للقضاء.

وهذا هو المناسب مع التعبير بالعلم، حيث ان القاضي في الشبهات الحكمية لابد وان يتعلم الاحكام، بخلاف‏الشبهة الموضوعية، فانه لا يجب عليه فيه ذلك، بل يكتفي بالموازين الظاهرية من البينة والايمان، وحمل العلم في‏الحديث على الاعم من العلم الوجداني والحجة الشرعية كالبينة واليمين خلاف الظاهر جدا.

ومما يؤكد هذا الفهم ايضا ان الرواية لها ذيل حيث ورد فيه: وقال (ع): ((الحكم حكمان حكم اللّه وحكم الجاهلية،فمن اخطا حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية)) وقد نقل مع الصدر في كل من نقل الكافي والفقيه والتهذيب والخصال،وهو وان كان يحتمل فيه ان يكون من الجمع في الرواية لا الرواية الواحدة الا ان نفس جمع الراوي لهما معا يؤكد ان‏المنظور فيهما واحد، ومن الواضح ان المراد ممن اخطا حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية لا يمكن ان يكون ناظرا الا الى‏الشبهة الحكمية والاحكام الكلية التي كان يخطا فيها الحكام والقضاة المنحرفون عن اهل بيت العصمة والطهارة(ع). فهذا الحديث وامثاله ناظر الى ذلك واجنبي عن مسالتنا.

الوجه التاسع: دعوى الملازمة العرفية بين جواز القضاء بالعلم بالحكم الكلي وجوازه بالعلم بالموضوع، بمعنى‏انه لا اشكال في جواز حكم القاضي مستندا الى علمه بالحكم في الشبهة الحكمية، فاذا كان علمه حجة في ذلك‏كان‏حجة في الموضوع، فيجوز حكمه مستندا الى علمه به ايضا.

وكذلك قد يدعى الملازمة بين حجية علم القاضي بالبينة واليمين، حيث انه لابد وان يحرزه بعلمه فيحكم على‏اساسهما، فاذا كان علمه الشخصي بقيام البينة او بيمين المنكر حجة كان علمه بالواقع المترافع فيه ايضا حجة‏يجوز له القضاء على اساسه.

وفيه: منع هذه الملازمة، اما التعدي من علم القاضي بالحكم الكلي في الشبهة الحكمية الى الموضوع المترافع فيه‏فواضح الضعف، لان الترافع‏والنزاع انما هو بلحاظ الموضوع الخارجي المترافع فيه، فلعل الشارع اراد ان يكون‏مستند حسم النزاع بينهما مستندا واضحا مشهودا محسوسا لهما ولكل احد، فجعل البينة واليمين حجة لا مثل‏علم القاضي الشخصي، وهذا بخلاف باب الاحكام والشبهة الحكمية التي لا نزاع فيها بين المترافعين الا من حيث‏الموضوع، كيف وباب الاحكام يكفي فيه خبر الثقة الواحد ايضا، فهل يقال بكفايته في حسم المرافعة ايضا؟!فالقياس مع الفارق.

واما التعدي من علم القاضي بالبينة واليمين الى علمه بالواقع المترافع فيه فايضا في غير محله، لما ذكرناه من‏احتمال خصوصيته في حسم النزاع على اساس البينات والايمان، والتي تكون من المستندات الحسية والقابلة‏للاثبات والمشاهدة للمترافعين بخلاف مثل العلم الشخصي للقاضي، على ان كفاية علم القاضي بالبينة واليمين‏لابد من الانتهاء اليه على كل حال، فلعل الشارع‏اكتفى بهذا المقدار حيث لم يكن بد منه، وهو لا يقتضي اكثر من‏ذلك، فلعله لابد بلحاظ الواقع المترافع فيه من البينة والايمان.

الوجه العاشر: التمسك بالروايات الخاصة، وهي عديدة:

منها: ما رواه الكليني (قدس سره) عن علي بن محمد، عن محمد بن احمد المحمودي، عن ابيه، عن يونس، عن‏الحسين بن خالد، عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سمعته يقول: ((الواجب على الامام اذا نظر الى رجل يزني او يشرب‏الخمر ان يقيم عليه الحد، ولا يحتاج الى بينة مع نظره، لانه امين اللّه في‏خلقه، واذا نظر الى رجل يسرق ان يزبره‏وينهاه ويمضي ويدعه))، قلت: وكيف ذلك؟ قال: ((لان الحق اذا كان للّه فالواجب على الامام اقامته، واذا كان للناس‏فهو للناس))((47)).

ويقع البحث عن سندها تارة ودلالتها اخرى.

والرواية قابلة للقبول من حيث السند، انظر الملحق رقم «1».

واما الدلالة: فقد يستدل بها على جواز القضاء بالعلم اما مطلقا او في خصوص حقوق اللّه على الاقل، لما ورد في‏صدر الحديث من ان الامام يقيم الحد مع علمه ولا يحتاج الى بينة مع نظره، فان لم نحتمل الفرق بين حقوق‏اللّهوحقوق الناس بان يكون القضاء بالعلم في الاول جائزا دون الثاني ثبت جوازه في القسمين لا محالة، اي في الاول‏بالمطابقة وفي الثاني بالملازمة او عدم القول بالفصل كما تقدم عن السيد المرتضى (قدس سره) ولا ينافي ذلك‏ذيل الحديث من ان الحق اذا كان للناس فهو للناس، اذ المقصود منه لزوم المطالبة في حقوق الناس لا البينة، كماهو واضح. وان احتملنا الفرق كانت الرواية‏دليلا على جواز القضاء بالعلم في خصوص حقوق اللّه.

ونلاحظ على هذا الاستدلال: بان الوارد في الرواية ان ((الواجب على الامام اذا نظر الى رجل يزني او يشرب الخمر ان‏يقيم عليه الحد)). وهذا التعبير ظاهر في الامام المعصوم بقرينة ما جاء بعده من التعليل بقوله: ((لانه امين اللّه في‏خلقه)) فان هذا الوصف من مختصات المعصومين (ع) في السنة رواياتنا، ولهذا فهم مشهور اصحابنا منه ذلك،فجعلوا الرواية دليلاعلى نفوذ علم الامام المعصوم.

ولو تنزلنا عن ذلك وافترضنا ارادة مطلق الامام والحاكم الشرعي فلا ينبغي الشك في ان المراد منه ولي الامر لاكل قاضي. كما ان الظاهر من قوله: ((اذا نظر الى رجل يزني)) ان يشاهد الامام وقوع المنكر والمخالفة في الخارج، لامجرد العلم بصدوره من المتهم في الخفاء مثلا، وعندئذ يكون هذا الحكم من الاحكام المرتبطة بصلاحيات ولي‏الامر بالخصوص ومسؤوليته تجاه المجتمع والحيلولة دون وقوع المنكرات الظاهرة فيه، وليس مربوطا بمسالة‏القضاء وجواز الاستناد فيه الى العلم.

وان شئت قلت: انها صلاحية اجرائية لولي الامر وليست قضائية، ولو تنزلنا عن ذلك فغايته جواز القضاء بالعلم‏الحاصل من الشهود والنظر اي العلم الحسي لا الحدسي، فتدبر جيدا.

ومنها: ما ورد بشان قصة النبي (ص) في شرائه للناقة من الاعرابي،وقد نقلها الصدوق في الفقيه بسندين الى‏قضيتين متشابهتين وان كان بينهما فروق، وقد علق عليهما بان اختلافهما من جهة انهما في قضيتين كانت‏احداهما قبل الاخرى، وما ذكر سنده منهما ينتهي الى ابن عباس واكثر رجال السند فيه مجهولون ومن العامة،والنقل الاخر ابتداه مرسلا وقال: ((جاء اعرابي الى النبي (ص) فادعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه،فقال: قد اوفيتك، فقال: اجعل بيني وبينك رجلا يحكم بيننا، فاقبل رجل من قريش، فقال رسول اللّه (ص): احكم‏بيننا، فقال للاعرابي: ما تدعي على رسول اللّه؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول‏اللّه؟ قال: قد اوفيته، فقال للاعرابي: ما تقول؟ قال: لم يوفني، فقال لرسول اللّه: الك بينة على انك قد اوفيته؟ قال: لا،قال للاعرابي: اتحلف انك لم تستوف حقك وتاخذه؟ فقال: نعم. فقال رسول اللّه (ص): لاتحاكمن مع هذا الى رجل‏يحكم بيننا بحكم اللّه عزوجل، فاتى رسول اللّه (ص) علي بن ابي طالب (ع) ومعه الاعرابي، فقال علي (ع): ما لك يارسول اللّه؟ قال: يا ابا الحسن، احكم بيني وبين هذا الاعرابي. فقال علي (ع): يا اعرابي، ما تدعي على رسول اللّه(ص)؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللّه؟ قال: قد اوفيته ثمنها. فقال: يا اعرابي‏اصدق رسول اللّه (ص) فيما قال؟ قال: لا، ما اوفاني شيئا. فاخرج علي (ع) سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللّه(ص): لم فعلت يا علي ذلك؟ فقال: يا رسول اللّه نحن نصدقك على امر اللّه ونهيه وعلى امر الجنة والنار والثواب‏والعقاب ووحي اللّه عزوجل ولا نصدقك في‏ثمن ناقة هذا الاعرابي! واني قتلته لانه كذبك لما قلت له اصدق رسول‏اللّه فيما قال، فقال: لا ما اوفاني شيئا، فقال رسول اللّه (ص): اصبت يا علي، فلا تعد الى مثلها، ثم التفت الى القرشي‏وكان قد تبعه، فقال: ((هذا حكم اللّه،لا ما حكمت به))((48)).

وطريق الصدوق هذا فيه كلام، انظر الملحق رقم «2».

واما الدلالة: فقد يقال: بدلالتها على جواز القضاء بالعلم، لان الامام (ع) قد قضى ببراءة ذمة النبي (ص) من الدراهم‏استنادا الى علمه الناشى‏ء من عصمة النبي (ص) وعدم امكان تكذيبه، وهو علم يحصل لكل من يلتفت الى ذلك،واما قتله للاعرابي فلارتداده وتكذيبه للنبي (ص)، وحيث ان النبي صرح في ذيل الحديث مخاطبا للقرشي بان هذاحكم اللّه لا ما حكمت به، فيفهم منه ان الحكم ليس من مختصات المعصوم وعلمه، بل هو حكم اللّه في حق كل من‏كان له علم بالواقع يقينا.

وفيه: ان الرواية كالصريحة صدرا وذيلا في ان مراد النبي (ص) من قوله للرجل القرشي ((هذا حكم اللّه لا ماحكمت به)) ما فعله امير المؤمنين (ع) من الحكم بارتداد الاعرابي وقتله نتيجة تكذيبه للنبي (ص)، لا الاستناد وعدم‏الاستناد الى العلم، فان القرشي لم يكن له علم بالواقع وامتنع عن الحكم به او طلب البينة، وانما جهل ولم يتفطن‏الى ما يستلزمه كلام الاعرابي من تكذيب النبي (ص)، فالاشكال عليه انه لم يتفطن لما ينبغي ان يكون واضحالكل‏مسلم معتقد بالنبي (ص) حقا من ان من يكذب النبي في اي امر من الامور يصبح كافرا، فالمراد بحكم اللّه هذه‏الكبرى، لا كبرى جواز القضاء بالعلم، والذي لعل القرشي لو كان عالما بالواقع لجرى على طبق علمه فطرة‏وبحسب طبعه.

فالحاصل: الرواية بصدد تعبير القرشي انه لا يتفطن الى الملازمة التي ذكرها امير المؤمنين (ع)، خصوصا اذافرضنا ان ذاك الرجل القرشي هوابو بكر كما ذكره المحقق المجلسي الاول (قدس سره) وانه المسموع‏مشهورا((49))، والغرض اظهار جهالته بامر النبوة او لغير ذلك من الامور، وليست ناظرة‏الى مسالة فقهية فرعية‏البتة، اي جواز استناد القاضي الى علمه الشخصي.

نعم، الحديث على تقدير صحته يدل بالملازمة على ان ما اجراه امير المؤمنين (ع) من الحد على الاعرابي المرتد آوالمتجاهر بتكذيب النبي (ص) وجها لوجه استنادا الى علمه بذلك كان صحيحا وجائزا، فيدل بالملازمة‏على‏جواز القضاء بالعلم.

الا ان هذا ايضا غير تام، وذلك:

اولا: لان هذا مع اختصاص مورده بالمعصوم لا دليل على انه كان من باب القضاء ليدل على جواز قضاءالمعصوم بعلمه فضلا عن غيره، بل لعله من باب الولاية والصلاحية التنفيذية للامام على ردع كل من يجاهربموجب الحد، خصوصا مثل تكذيب النبي (ص) علنا ومعاندته كما هو المظنون في مورد الرواية فلا يمكن ان‏يستفاد منه حكم في باب القضاء بالعلم، خصوصا مع ما في‏ذيله من قوله (ص): ((فلا تعد الى مثلها)).

وثانيا: ان العلم الحاصل للقاضي في مورد الرواية ليس شخصيا، بل مستند الى اصل ديني بين ولازم لاصل‏العقيدة، فيكون عدم سماع تلك‏الدعوى لكونها ساقطة في نفسها من زاوية تلك الديانة عند كل معتقد بها، لا بملاك‏نفوذ علم القاضي الشخصي.

وان شئت قلت: ان هذه الدعوى لا تقبل في المحكمة اصلا، لكونها غير ممكنة وغير محتملة في شريعتناوعقيدتنا، وهو شرط آخر لا ربط له بمسالة نفوذ علم القاضي الشخصي. واما قتله فلانه ارتكب جريمة الارتدادامام‏الحاكم وفي المحاكمة مقرا بذلك ومتجاهرا به، واين هذا مما نحن فيه؟!

ومنها: ما رواه الكليني (قدس سره) بسند معتبر عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن‏كهيل على ابي جعفر (ع) فسالاه عن شاهد ويمين، فقال: ((قضى به رسول اللّه (ص) وقضى به علي (ع) عندكم‏بالكوفة))، فقالا: هذا خلاف القرآن، فقال: ((واين وجدتموه خلاف القرآن؟)) فقالا: ان اللّه تبارك وتعالى يقول:(واشهدوا ذوي عدل منكم)((50))، فقال لهما ابو جعفر (ع): ((فقوله: (واشهدوا ذوي عدل منكم) هو ان لا تقبلوا شهادة‏واحد ويمينا. ثم قال: ان عليا (ع) كان قاعدا في مسجد الكوفة، فمر به عبد اللّه بن قفل التميمي ومعه درع طلحة،فقال علي (ع): هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال له عبداللّه بن قفل: فاجعل بيني وبينك قاضيك الذي‏رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحا، فقال علي (ع): هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال له‏شريح: هات على ما تقول بينة، فاتاه‏بالحسن (ع) فشهد انها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذاشاهد واحد، ولا اقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، فدعا قنبر فشهد انها درع طلحة اخذت غلولا يوم‏البصرة، فقال شريح: هذا مملوك، ولا اقضي بشهادة مملوك، قال: فغضب علي (ع) وقال: خذوها، فان هذا قضى‏بجور ثلاث مرات. قال: فتحول شريح وقال: لا اقضي بين اثنين حتى تخبرني من اين قضيت بجور ثلاث مرات؟فقال له: ويلك او ويحك اني لما اخبرتك انها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بينة،وقد قال رسول اللّه (ص): حيث ما وجد غلول اخذ بغير بينة. فقلت: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة، ثم اتيتك‏بالحسن فشهد فقلت: هذا واحد لا اقضي‏بشهادة واحد حتى يكون معه آخر، وقد قضى رسول اللّه (ص) بشهادة‏واحد ويمين، فهذه ثنتان. ثم اتيتك بقنبر فشهد انها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك، ولااقضي بشهادة المملوك وما باس بشهادة المملوك اذا كان عدلا. ثم قال: ويلك او ويحك (ان) امام المسلمين‏يؤمن من امورهم على ما هو اعظم من هذا))((51)).

وقد نقله الصدوق ايضا باسناده الى محمد بن قيس، عن ابي جعفر (ع)، واقتصر على قصة علي (ع) مع شريح‏وزاد في آخرها: ثم قال ابو جعفر (ع): ((ان اول من رد شهادة المملوك رمع))((52)). وهذا السند ايضا معتبر،فالرواية لها طريقان معتبران.

والاستدلال بما ورد في ذيلها من قوله (ع): ((ويلك او ويحك‏ ان امام المسلمين يؤمن من امورهم على ما هو اعظم‏من هذا))، فانه بمثابة اشكال‏رابع على شريح القاضي بان امام المسلمين امين على امورهم، بل هو يؤمن من‏امورهم على ما هو اعظم من هذا، فلابد من قبول قوله وحصول العلم بصحته والحكم على طبقه بلا حاجة الى‏المطالبة بالبينة والشهود، فتدل بالملازمة على جواز القضاء بالعلم.

وفيه: اولا: من المظنون ان مقصود الامام (ع) بهذا الذيل نفس ما ورد في الرواية السابقة عن النبي (ص)، فيكون‏المراد التعريض بشريح واظهار جهله وجهالته بمقام الامام (ع) وعصمته وضرورة تصديق كلامه، لان من يؤمن‏ويصدق كلامه في اصل الدين والشرائع النازلة من السماء كيف لا يؤمن على ما هو اهون من ذلك، فيجري فيه ماذكرناه في التعليق على الرواية السابقة من ان مثل هذه الدعوى ساقطة في نفسها، ولا ربط لذلك بمسالة نفوذ علم‏القاضي الشخصي.

وثانيا: لو سلمنا وافترضنا ان المنظور اليه في هذا الذيل مطلق الامام والحاكم على المسلمين لا خصوص‏المعصوم (ع) مع ذلك نقول: ان المستفاد منه ليس هو الايراد على شريح القاضي من جهة عدم العمل بعلمه وانه‏لماذا لم يحصل له العلم فيقضي به، بل المستفاد منه حينئذ وجود اصل وحجة حاكمة ومقدمة في باب القضاءعلى كل حجة اخرى، وهو قول امام المسلمين فيما يرجع الى امورهم، لانه امين عليهم سواء حصل للقاضي علم‏بذلك ام لا، وهذا ايضا مطلب اجنبي عن مسالتنا.

ومنها: ما ورد في صحيح سليمان بن خالد عن ابي عبداللّه (ع) قال: ((في كتاب علي (ع): ان نبيا من الانبياء شكا الى‏ربه، فقال: يا رب كيف اقضي‏فيما لم ار ولم اشهد؟ قال: فاوحى اللّه اليه: احكم بينهم بكتابي واضفهم الى اسمي‏فحلفهم تحلفهم‏ به، وقال: هذا لمن لم تقم له بينة))((53)).

وقد نقله الكليني بتفصيل آخر ايضا بسند معتبر الى ابان بن عثمان عمن اخبره عن ابي عبداللّه (ع) قال: ((في كتاب‏علي (ع): ان نبيا من الانبياء شكا الى ربه القضاء، فقال: كيف اقضي بما لم تر عيني ولم تسمع اذني؟ فقال: اقض‏بينهم بالبينات، واضفهم الى اسمي يحلفون به، وقال: ان داود (ع) قال: يارب ارني الحق كما هو عندك حتى اقضي‏به، فقال: انك لا تطيق ذلك، فالح على ربه حتى فعل، فجاءه رجل يستعدي على رجل، فقال: ان هذا اخذ مالي،فاوحى اللّه الى داود ان هذا المستعدي قتل ابا هذا واخذ ماله، فامر داود (ع) بالمستعدي فقتل، واخذ ماله فدفع الى‏المستعدى عليه، قال: فعجب الناس وتحدثوا حتى بلغ داود (ع)، ودخل عليه من ذلك ما كره، فدعا ربه ان يرفع ذلك‏ففعل، ثم اوحى اللّه اليه ان احكم بينهم بالبينات واضفهم الى اسمي يحلفون به))((54)) والسند تام لولا الارسال وان‏كان المرسل ابان الذي هو من اصحاب الاجماع.

وتقريب الاستدلال: ان الرواية وان كانت تنقل قصة وقعت في شريعة سابقة وموردها قضاء ذلك النبي المعصوم‏لا محالة، ولهذا خصصها بعض الفقهاء بعلم المعصوم فقط، الا ان ظاهرها بيان حكم ثابت في شرعنا ايضا ومن‏قبل كل قاض ، لا خصوص القاضي المعصوم.

والوجه فيه: مضافا الى ان ظاهر كلام المعصومين (ع) عموما بيان حكم شرعي حتى عندما ينقلون واقعة لا مجردنقل القصة ان التعبير الوارد في صدرها بقوله (ع): ((في كتاب علي (ع))) والذي كان كتابا للاحكام الشرعية يستنداليه الائمة كثيرا في مقام بيان الحكم لاغراض ونكات لا مجال لشرحها هنا، وكذلك ما ورد في ذيلها من التعبيربقوله: ((هذا لمن لم تقم له بينة))بناء على انه من كلام الامام (ع) لا مما اوحى اللّه الى ذلك النبي، خير شاهد على ان‏الامام (ع) كان غرضه من نقل هذه القضية تعليم حكم القضاء في شريعة اللّه عموما، فلا يختص بالشريعة‏السابقة، كما انه لا يختص بقضاء المعصوم، بل يعم كل من له صلاحية القضاء شرعا، وعلى هذا الاساس يقال‏بدلالة الحديث على جواز القضاء بالعلم باحد تقريبين:

1- ان المفهوم من قوله: ((كيف اقضي فيما لم ار ولم اشهد))، انه فيما راى وشهد لم يكن عنده اشكال، وليس ذلك الامن جهة انه كان يحكم عندئذ بما راى وشهد لا محالة، لان هذا هو المرتكز في الاذهان، فهذه الجملة تدل على‏المفروغية عن جواز الحكم بما كان قد رآه وشهده، وانما اشكاله فيما لم ير ولم يشهد، فيدل امضاء ذلك من قبل‏اللّه والسكوت عنه على صحته ونفوذ القضاء بالعلم، وهذا سنخ دلالة مفهومية سكوتية.

2- ان يقال بظهور هذا الحديث ابتداء في تفصيل موارد القضاء الى ثلاثة اقسام: مورد علم القاضي ورؤيته للواقع،ومورد قيام البينة على الواقع، ومورد الشك وعدم العلم والبينة، وان هذه الموارد مراتب طولية لانكشاف الواقع‏والوصول اليه، وان موضوع حجية البينة والايمان ما اذا لم يكن علم للقاضي، وهذا الترتيب والتسلسل يدل على‏ان حجية البينة واليمين للقاضي انما هو باعتبار طريقيتهما الى الواقع واثباته بهما، فاذا كان منكشفا بالعلم جازالحكم به لا محالة.

ويلاحظ على هذا الاستدلال:

اولا: ان قول النبي (ص): ((كيف اقضي فيما لم ار ولم اشهد)) وان كان يدل على ان الاشكال كان عنده فيما لم ير ولم‏يشهد، الا ان هذا لا يدل على جواز القضاء بالعلم، لان الظاهر ان المحذور الذي كان في نظره انما هو محذور الحكم‏بما يكون على خلاف الواقع، والذي يكون القاضي في معرضه في موارد عدم العلم والاطلاع، فيكون الاتيان بقيد(فيما لم ير ولم يشهد او لم يسمع) انما هو بهذا الاعتبار، ولهذا جاء الجواب عاما وبيانا لكبرى كيفية القضاء،ومفهومه عندئذ انه في مورد العلم بالواقع لا محذور من هذه‏الناحية، وهذا لا يلازم حجيته القضائية، فلا يعلم ان‏النظر اليها، وقد تقدم ان الحجية القضائية يكون العلم ماخوذا فيه على نحو الموضوعية لا الطريقية المحضة الى‏الواقع.

فالحاصل: ان ظاهر هذا الحديث او المحتمل من ظهوره ان ذلك النبي كان بصدد تحصيل العلم بالواقعيات كماهي، ولهذا شكا الى ربه انه كيف يقضي فيما لم ير ولم يشهد، فهو ناظر الى الواقعيات ويطلب اليها طريقا، لا الى‏باب الحجية القضائية في موارد الشك. وما ورد في جوابه من الوحي بيان كيفية القضاء عموما، فاذا لم يذكر فيه‏الا البينة والايمان كان ادل على عدم نفوذعلم القاضي الشخصي، على ما سياتي تقريبه. فلا يمكن ان يستفاد من‏السكوت حجية علم القاضي الشخصي في القضاء وفصل الخصومة.

ومنه يظهر الاشكال على التقريب الثاني، فانه مضافا الى ما عرفت من ان ذكر عدم الرؤية والشهادة في سؤال‏النبي لذلك لا لجعل صورة علم القاضي قسيما للبينة والايمان في الحجية القضائية ما ورد في الجواب من‏التعميم، حيث ورد في صدره ((احكم بينهم بكتابي واضفهم الى اسمي فحلفهم به)) وهذا الصدر ليس مخصوصابموارد عدم العلم ولا موارد اليمين، بل يعم تمام الصور والاقسام، فهذا قرينة على عدم ارادة التصنيف والتقسيم‏للحجية القضائية، بل يكون ظاهر الحديث انه بصدد بيان كيفية القضاء عموما، وانه من حيث الحكم لابد وان‏يكون بحكم اللّه وما انزله في كتابه، ومن حيث الموضوع وطرق اثباته يكون بالبينات والايمان، فيكون على وزان‏قوله (ص): ((انما اقضي بينكم بالبينات والايمان))((55)).

وثانيا: لو سلمنا الدلالة، فغايته حجية علم القاضي الشخصي في حقوق الناس لا مطلقا، وذلك بقرينة ما ورد فيه‏من ذكر اليمين والتحليف مما هو مخصوص بحقوق الناس، ودعوى عدم احتمال الفرق او الغاء الخصوصية‏ممنوع بعد ما عرفت من القول بالفصل واحتماله عرفا. كما انه مخصوص بما اذا كان علم القاضي حسيا حاصلامن مثل السماع والمشاهدة والنظر، لانه الوارد في السؤال.

ودعوى حمل ذلك عرفا على مطلق العلم بالواقع، وان ذكر النظر والمشاهدة من باب كونهما من طرق حصول‏العلم عادة، فيتعدى الى كل ما يوجب العلم.

ممنوعة في مثل باب القضاء الذي يتحرج فيه من اعطاء الحكم ويطلب فيه التثبت والتاكد، ومن هنا لم يكن اشكال‏في عدم امكان التعدي الى العلم الحاصل من العلوم الغريبة.

ومنها: الروايات التي تنقل بعض اقضية امير المؤمنين (ع)، والتي قد يستظهر منها اعتماده فيها على علمه في‏مقام القضاء، من قبيل رواية ابي الصباح الكناني عن ابي عبداللّه (ع) قال: ((اتي عمر بامراة قد تزوجها شيخ، فلما ان‏واقعها مات على بطنها، فجاءت بولد فادعى بنوه انها فجرت، وتشاهدوا عليها، فامر بها عمر ان ترجم، فمر بهاعلي (ع) فقالت: ياابن عم رسول اللّه (ص) ان لي حجة، قال: هاتي حجتك، فدفعت اليه كتابا فقراه، فقال: هذه المراة‏تعلمكم بيوم تزوجها ويوم واقعها وكيف كان جماعه لها، ردوا المراة، فلما كان من الغد دعا بصبيان اتراب ودعابالصبي معهم، فقال لهم: العبوا حتى اذا الهاهم اللعب قال لهم: اجلسوا، حتى اذا تمكنوا صاح‏بهم، فقام الصبيان‏وقام الغلام فاتكى على راحتيه، فدعا به علي (ع) وورثه من ابيه، وجلد اخوته المفترين حدا حدا، فقال عمر: كيف‏صنعت؟ فقال: عرفت ضعف الشيخ في تكاة الغلام على راحتيه))((56)).

ومن اجل تقييم السند يراجع الملحق رقم «3».

ومن هذا القبيل ايضا ما جاء في معتبرة محمد بن قيس عن ابي جعفر (ع)، قال: ((كان لرجل على عهد علي (ع)جاريتان فولدت احداهما ابنا والاخرى‏بنتا، فعمدت صاحبة البنت فوضعت بنتها في المهد الذي فيه الابن واخذت‏ابنها، فقالت صاحبة البنت: الابن ابني، وقالت صاحبة الابن: الابن ابني، فتحاكما الى امير المؤمنين (ع) فامر ان‏يوزن لبنهما، وقال: ايتهما كانت اثقل لبنا فالابن لها))((57)).

فقد يستدل بمثل هذه الروايات على كفاية علم القاضي بالواقع في القضاء بلا حاجة الى بينة، بل يكون مقدما عليهاوموجبا لسقوطها عن الحجية وترتيب آثار الكذب والفرية على المشهور، كما صنع الامام (ع) في الرواية الاولى،ولا يصح ذلك الا بناء على حجية علم القاضي في القضاء.

الا ان الصحيح: ان هذه الروايات ايضا اجنبية عن محل البحث، لانها تدل على ان الامام (ع) قد استطاع بحذاقته‏وعلمه وحكمته ان يقوم بما يكشف واقع الحال الذي كان ملتبسا على الاخرين حتى مثل الخليفة وفي المحكمة،فيصبح الواقع بينا وزيف المدعي وكذبه ظاهرا عند الجميع، واين هذا مما نحن بصدده وهو حجية علم القاضي‏الشخصي بمجرد دعواه على المتهم انه عالم بصدور الجرم منه؟!

وان شئت قلت: ان هذه الروايات على تقدير صدورها تدل على حجية ما يظهر في المحكمة بالقرائن القطعية البينة‏والواضحة للجميع على كذب اوصدق احد الطرفين المتنازعين، وهذا لا اشكال فيه عندنا، فانه من قبيل العلم بقيام‏الشهود او عدالتهم او صدور اليمين او النكول الى غير ذلك مما يرجع الى العلم الحسي الحاصل في المحكمة، ولاشك في حجيته ولزوم الانتهاء اليه لا محالة، فتدبر جيدا.

هذه عمدة الادلة التي يمكن ان يستدل بها على نفوذ علم القاضي الشخصي، وقد عرفت عدم تمامية شي‏ء منهالاثبات ذلك، وان الحق مع صاحب الجواهر (قدس سره) حيث ادعى انه لا تتحصل لولا الاجماع دلالة على نفوذعلم القاضي، وان اقصى ما يمكن تحصيله من غير الاجماع عدم جواز الحكم بخلاف العلم((58)).

ونضيف على ذلك بانه حيث تقدم عدم ثبوت اجماع تعبدي في المسالة، خصوصا في حقوق اللّه كما تقدم‏ ان‏مقتضى الاصل العملي عدم الحجية وعدم نفوذ حكم القاضي عند الشك في حجيته، فيثبت لا محالة انه لا يجوزللقاضي ان يستند في فصل النزاع الى علمه الشخصي الا اذا استطاع ان يحول علمه الشخصي في المحكمة الى مايكون قرينة قطعية حسية واضحة لاثبات الجرم على المتهم او انتزاع اعتراف واقرار منه بذلك، فيكون الاستناداليهمالا الى مجرد دعوى العلم على المتهم، ولا فرق في ذلك بين ان يكون علمه المدعى حاصلا له بالحس‏والمشاهدة او بغيره من موجبات العلم، فان العلم الحسي او القريب منه وان كان اثبت وآكد في الحجية القضائية‏من العلم الحدسي الا ان من المحتمل ان تكون نكتته الحجية القضائية الحسية، بمعنى قابلية الاثبات للاخرين في‏المحكمة ودفع التهمة عن القاضي لا حسية العلم في نفسه للعالم، وهذا لا يكون في مجرد دعوى العلم الحسي‏والمشاهدة من قبل القاضي، كما لا يخفى.