ان النكتة والملاك النوعي في جعل القانون معاملة تحت سلطة شخصين اوازيد هو ان يكون التصرف منصبا علىشاءنين لا على شاءن واحد، وبتعبير اوضح: يكون التصرف ماسا شاءن شخصين او اكثر، وحينذاك فبحسبالارتكاز العقلائي والاطلاق المقامي تكون المعاملات التي هي من قبيل البيع والصلح والاجارة من العقود، فانالتصرف فيها ينصب على شاءن شخصين: مالك السلعة ومالك الثمن، فلا يصح فيها الاكتفاء بتقومها بشخصواحد، فهذه قاعدة عقلائية جارية في العقود كافة، ولا يجب ان يدل دليل على ان البيع مثلا عقد، بل تكون القاعدةالعقلائية حاكمة بذلك بعد قيام الدليلعلى صحة المعاملة. نعم، قد تنخرم هذه القاعدة في بعض الموارد، فنرى ان المعاملة تمس شاءن شخصين ومع ذلك حكم القانونبتقومها بشخص واحد وجعل ولايتها له وحده من دون ان تكون الولاية لمجموع الشخصين، وذلك كالطلاق فانهمعاملة تمس شاءن كل من الزوجين، فان الزوجية ثابتة لكل منهما، وكان مقتضى القاعدة العقلائية المزبورة انتكون ولاية الطلاق لمجموع الزوجين، الا انه دل النص على جعل ولايته للزوج فقط ولا دخل للزوجة فيذلك، فحينئذ تخصص القاعدة باءمثال هذا المورد، ونقيد ذاك الاطلاق المقامي الذي كان يقتضي في المقام ثبوتالولاية لمجموع الشخصين . واما النكتة في جعل القانون معاملة تحت سلطة شخص واحد هو ان يكون التصرف فيها ماسا شاءن شخصواحد ولا ينصب على شؤون اشخاص آخرين، فبعد قيام الدليل على صحة معاملة تمس شاءن شخص واحد لايفتقر الى قيام دليل آخر على كونها ايقاعا، بل القاعدة العقلائية والاطلاق المقامي يقتضيان ذلك، من قبيل العتقفانه يمس شاءن شخص واحد وهو المولى المالك دون غيره، ومن هنا كانت الولاية له فقط، فبعد قيام الدليل علىصحة العتق لا يفتقر الى قيام دليل آخر على كونه ايقاعا، بل ذلك ما تقتضيهالقاعدة العقلائية المزبورة. نعم، قد تنخرم القاعدة ايضا، فنرى في معاملة انها تمس شاءنا واحدا لا ازيد ومع ذلك حكم القانون باءنها تتقومبشخصين وجعل ولايتها لهما دون شخص واحد، فيكون تخصيصا للقاعدة وتقييدا للاطلاق المقامي. فالميزان النوعي في كون المعاملة تحت سلطة شخص واحد ان لا تمس اكثر من شاءن واحد، والميزان النوعي فيكونها تحت سلطة شخصين او اكثر انها تمس شاءنين او اكثر من ذلك، وهذه القاعدة جارية عقلائيا في كلمورد. ومن هنا حيث جعلنا الميزان النوعي في جعل المعاملة تحت سلطان شخص واحد انها تمس شاءنا واحدا وقعالاشكال في جملة من المعاملات التي تعتبر عندهم من العقود رغم انها تمس شاءنا واحدا، وذلك من قبيل الهبةفانها تمس شاءن الواهب فقط، واما المتهب فليست الهبة تصرفا ماسا شاءنا من شؤونه، فينبغي ان تكون ايقاعاوالحال انهم جعلوها من العقود، وكذلك المضاربة والمزارعة والمساقاة فانها تمس شاءن المالك فقط، ولاتقتضي تملكالمالك عمل العامل كالاجارة كي يقال انها تمس شاءن العامل ايضا، فكان من المفروض ان تعد هذهالمعاملات من الايقاعات مع انهم عدوها من جملة العقود. الا ان هذا الاشكال غير صحيح، وذلك: اما بالنسبة للمضاربة والمزارعة والمساقاة فقد بينا حقيقتها سابقا، فانحقيقتها عبارة عن تعيين ما يكون العمل مضمونا به. وتوضيحه: ان عمل الغير للانسان اذا كان باستدعاء منه فهو مضمونعليه باجرة المثل، فلو فرض ان زيدا قاللعمرو: احمل متاعي هذا، فان العمل يكون مضمونا عليه باجرة المثل، فاذا اراد الخروج عن هذه القاعدة فلابد لهمن ان يستاءجر العامل، فاذا استاءجره فسوف يكون عمله مملوكا له، وحينذاك فلا تلزمه اجرة المثل بل تلزمهالاجرة التي بها استاءجر العامل سواء كانت اقل من اجرة المثل او اكثر، اذن فمع عدم اتفاق العامل والمالك يكونالعمل مضمونا على المالك باجرة المثل، وليس هذا الضمان مجعولا معامليا بل هو ضمان الغرامة، وحيث انالضمان انما شرع هنا من اجل منفعة العامل فيصح اتفاقهما على تحديد ما به الضمان من دون اجارة، وذلك باءنياءمره المالك بالعمل ويبين له انه مستعد لان يضمن عمله بهذا المقدار من المال لا اكثر منه، فهذا صحيح ولايكون معاملة بل استدعاء من العامل وتحديدا لما به الضمان، فبدلا من ان تلزمه اجرة المثل عين له مقدارا منالمال من دون اجارة ومعاملة، فيكون قد حدد ضمانه، ومن هنا قلنا ان الجعالة ليست معاملة بل هي استدعاء منالمجعول له العامل وتحديد لما به الضمان، اي تعيين للمقدار الذي يستعد المالك ضمانه ولا يكون ضامنا باءكثرمنه، وانما يعينه لكي لا تلازمه اجرة المثل بعد ذلك، ونفس النكتة موجودة في المضاربةوالمزارعة والمساقاة،فان العامل لو عمل من دون تعيين ما به الضمان من قبل المالك فله اجرة المثل، واما لو اتفقا على شيء به الضمانفمرجعه الى ما قلناه من الضابط الكلي، حيث انها تصرفات تمس شاءنين: شاءن المالك وشاءن العامل، فيلزم انتكون من جملة العقود لا الايقاعات، وعليه فيندفع الاشكال. فكون هذه التصرفات عقودا لا اشكال فيه، فان ذلك ما يقتضيه الميزان النوعي الذي ذكرناه، فانها تمس شاءنين،لان مرجعها الى تعيين ما به الضمان كما قلنا، وهذا يمس شاءن العامل كما يمس شاءن المالك. واما الهبة فهي تصرف في شاءن الواهب، فان كان الارتكاز العقلائي يقتضي ان تكون زيادة المال تصرفا فيشؤون الشخص فتكون الهبة عقدا من العقود، لانها حينئذ تمس شاءنين: شاءن الواهب لانه مالك للمال، وشاءنالمتهب لان المفروض ان ازدياد مال الانسان تصرف يمس شاءنه، فزيادة هذا المال الموهوب على اموال المتهبيمس شاءنه فتكون عقدا. وان لم يكن الارتكاز العقلائي مقتضيا لان تكون زيادة مال على اموالالانسان تصرفا ماسا شاءنه فتكون الهبةايقاعا لا عقدا، لانها حينذاك تمس شاءن الواهب فقط. واما الخصوصية الثالثة: فهي التي بها تكون المعاملة منوطة برضا الغير دون ان يكون طرفا للعقد، باءن يكوندخل الغير في المعاملة بنحو تتوقف المعاملة على رضاه فقط من دون ان يكون دخله بنحو تتوقف على انشائه،ولابد من معرفة الضابط في هذا النحو من الدخل الذي هو في قبال النحو الاول من الدخل، فان النحو الاول منالدخل عبارة عن الدخل الانشائي، كدخل المتعاقدين في المعاملة فانها تتوقف على انشائهما، وهذا النحو منالدخل عبارة عن الدخل الاذني، فان المعاملة تتوقف على اذنه لا على انشائه، فلنلاحظ ما هو الضابط لهذا النحومن الدخل ؟ قبل ذلك لابد من التمييز بين ما نقصده بالاذن هنا وبين ما يعتبر من الاذن في باب التوكيل ونحوه، فان الاذنالمعتبر هناك ليس الا عبارة اخرى عن الدخل الانشائي، فان الموكل للوكيل ياءذن في ايجاد المعاملة، فدخلالموكل في المعاملة دخل انشائي غاية الامر انه بتوسط الوكيل الماءذون، فانشاء الوكيل في الواقع هو انشاءموكله ومعاملته معاملته، فاذنه اذن انشائي وضعي، فان اذنه يفيد صحة المعاملة وانشائها، وذلك بخلاف الاذنالمقصود هنا، فان المعتبر منه هنا مايكون من قبيل الاذن التكليفي، بمعنى انه ياءذن الغير في المعاملة بحيثلاتنفذ المعاملة بدونه فهو مبيح للمعاملة، فالاذن يفيد حكما تكليفيا وهو الاباحة ولا يفيد انشاء، كما في اذنالمرتهن ببيع العين المرهونة من قبل الراهن، فان هذا الاذن معتبر في المعاملة بمعنى انه مبيح لها، ولا يفيدانشاء، لان المرتهن ليس بمالك للعين المرهونة. اذن فلنعد الى السؤال الاول: ماهو الضابط لاعتبار اذن الغير في المعاملة وتوقفها على رضاه الجواب: انالضابط احد امرين:؟ الاول: الضابط النوعي: وهو ما اذا كانت المعاملة تصرفا في مال شخص وكان الامر بحيث لو نفذت المعاملةلتلفت العين على شخص ثالث، ولو كان من باب انتفاء الموضوع فحيث ان المعاملة تكون اتلافا لحق الغير فيحتاجالى اذنه، ومثاله حق الرهانة الثابت للمرتهن، فان الراهن اذا اراد بيع العين المرهونة فالبيع تصرف فيها وليستملكا للمرتهن، فليس له دخل انشائي في البيع، لانه ليس مالكا لها، فالدخل الانشائي للمرتهن لا ملاك له، الا انالبيعحيث انه يكون متلفا لحق الرهانة الثابت للمرتهن بالرهن فيتوقف نفوذه على اذنه، فللمرتهن الدخل الاذنيفي البيع لا الانشائي، وملاك هذا النحو من الدخل هو ان البيع متلف لحقه مع انه ليس تصرفا في ملكه، وهذا بناءعلى المعروف من ان حق الرهانة يتعلق بالعين المرهونة بما هي مملوكة للراهن لا بما هي عين فقط، بمعنى انهيعتبر ان يكون مالكها الراهن بحيث اذا انتقلت الى غيره يبطل الرهن، لا ان الحق ثابت على العين بما هي عين بحيثاذاانتقلت الى غير الراهن يبقى الحق ايضا على حاله، فانه بناء على ان حق الرهانة ثابت على العين المرهونةبوصف كونها مملوكة للراهن يكون بيعها متلفا لحق الرهانة الثابت للمرتهن، فان العين وان كانت باقية بعد البيعايضا لكن وصفها قد تغير، فليست مملوكة للراهن. نعم، لو فرضنا بعيدا ان حق الرهانة كحق الجناية ثابت على العين بما هي عين فكما ان العبد لو جنى فيتعلقحق الجناية برقبته من دون وصفها بكونها مملوكة لشخص فحتى لو انتقلت الى غير مولاها فالحق باقعليها فكذلك حق الرهانة ثابت للمرتهن حتى مع تغير مالك العين المرهونة فحينذاك لا يحتاج بيعها الى اذنالمرتهن، لان البيع لايكون متلفا لحقه فان الحق يبقى بعده ايضا، الا ان المشهور خلاف ذلك وان حق الرهانةيتعلق بالعين بما هي مملوكة للراهن، فبيعها متلف لحق المرتهن فيحتاج الى اذنه، لان الحق متقوم بها بوصفهامملوكة للراهن. الثاني: الضابط الشخصي: وهو فيما اذا قام دليل تعبدي على اشتراطاذن الغير في المعاملة، كما هو الحال فيتزوج زوجة على عمتها او خالتها، فانه دل الدليل على اشتراط اذن العمة والخالة في تزوج بنت اخيها او بنت اختهاعليها، مع انه ليس اتلافا لحقها كما هو واضح. فاذن: عرفنا الميزان النوعي لكون المعاملة تحت سلطان شخصين او اكثر وبه تكون المعاملة عقدا، وعرفناالميزان النوعي لكون المعاملة تحت سلطانشخص واحد وبه تكون المعاملة ايقاعا، وعرفنا الميزان النوعيلاناطة المعاملة برضا الغير واذنه وبه يتوقف نفوذ المعاملة عقدا او ايقاعا على اذنه. فلناءت الى الحوالة على ضوء الموازين والخصوصيات المزبورة لنرى هل انها ايقاع او عقد ؟ وعلى كلا التقديرينفهل هي متوقفة على رضا غير المتعاقدين او رضا غير من انشاء الايقاع، او ليست كذلك ؟ لابد من ان نحقق هذا على ضوء الانحاء الاربعة السابقة الذكر، فلابد من استعراضها والبحث عنها واحدا تلوالاخر. فاءما النحو الاول: وهو ان تكون الحوالة وفاء واستيفاء فاما ان تكون حوالة على مدين او على بريء، فان كانتالحوالة على مدين فلا اشكال فيان الحوالة حينذاك من الايقاعات كما رجحه السيد (قدس سره) في العروة((90))آلا عقدا مركبا من ايجاب وقبول، فضلا عن ان يكون مركبا من ايجاب وقبولين، وبتعبير آخر: يكون الاحتمالالثالث من الاحتمالات الثلاثة المزبورة في عقد الحوالة هو السائد، وذلك لانه اذا كانت الحوالة على مدين وفرضناان الحوالة وفاء فالمحيل يوفي دينه الثابت عليه للمحتال باحالته على المحال عليه الذيهو مدين للمحيل وذلكبايقاع من قبله فقط، ولا موجب للدخل الانشائي منقبل المحتال والمحال عليه في ذلك، نعم للمحتال دخله الاذنيفي المعاملة بمعنى انه تتوقف الحوالة على اذن المحتال في المقام، وذلك لما المحنا اليه سابقا من ان للدائنالمحتال حقا على المحيل المدين، وهو عبارة عن وجوب ايصال المحتال الى الواقع وهو المال الخارجي، ومنالمعلوم ان الحوالة لاتوصله الى المال الخارجي، بل هي تطبيق للمال الذمي الثابت في ذمة المحيل المدين على مالذمي آخر ثابت في ذمة المحال عليه لا على مال خارجي، وهذا التطبيق مفوت لحق المحتال الدائن وهو حقالايصال فلابد من اذنه في الحوالة تطبيقا للميزان النوعي السابق في اناطة المعاملة برضا الغير، فللمحتال دخلاذني في الحوالة على مدين لا دخل انشائي، واما المحال عليه فلا دخل له لا انشاء ولا اذنا، اما انشاء فلان الحوالةليست تصرفا في ماله، واما اذنا فلان الحوالة ليست مفوتة لحقه. فتلخص: ان الحوالة على مدين اذا فسرناها بالوفاء وطبقناها عليه تفتقر الى ايقاع من قبل المحيل فقط واذن من قبلالمحتال، واما المحال عليه فلا يعتبر اءصلا اذنه ولا انشاؤه. وان كانت الحوالة على بريء وفسرناها بالوفاء فهذا وفاء بالمال الذمي المملوك للغير، فهو ايقاع يمارسه الغير،اي المحال عليه لا المحيل، فان المحال عليه هو الذي يملك المحتال ماله الذي هو تحت سلطانه، ولا يعتبر دخلالمحيل فيه لا انشاء ولا اذنا، اما انشاء فلان الحوالة حينئذ تصرف في مال المحال عليه لا في مال المحيل، وامااذنا فلان الحوالة لا تفوت على المحيل حقا كي يعتبر اذنه. نعم، لو كان المحيل قد استدعى من المحال عليه البريء ان يوفي دينه الثابت في ذمته للمحتال فيصبح ضامنا،فيكون دخل المحيل معتبرا في الحوالة، وهذا موضوع آخر لا يرتبط بما نحن بصدده. اذن فلا يعتبر في الحوالة على بريء ان فسرناها بالوفاء دخل المحيل لا انشائه ولا اذنه، بل هي ايقاع من قبلالمحال عليه فقط، واما المحتال فيعتبر اذنه، وذلك لما اشرنا اليه آنفا من ان للمحتال الدائن حقا في ان يوصلهالمحيل المدين الى المال الخارجي، فالحوالة حيث انها ايصال الى مال ذمي آخر فهي مفوتة لحقه فلابد من اذنه. فتلخص: ان الحوالة بناء على انها وفاء فهي ايقاع انشائي من قبل المحيل فقط ان كانت الحوالة على مدين، وايقاعانشائي من المحال عليه فقط ان كانت الحوالة على بريء، وفي كلتا الصورتين تتوقف على اذن المحتال. واما النحو الثاني: وهو ان تكون الحوالة تنازلا لا مجانيا اي التنازل الىبدل فان خرجنا التنازل على احدالتقريبين السابقين وهما: الجعالة والاستدعاء الموجب للضمان فيظهر حينذاك ان الحوالة ليست ايقاعا كاملا ولاعقدا كاملا، بل هي مجموع معاملتين: الابراء والجعالة او الابراء والاستدعاء، فان كانت مركبة من الابراء والجعالةفهي معاملة مجتمعة من ايقاع وعقد بناء على ان الجعالة عقد، او من ايقاعين بناء على انها ايقاع، وان كانت مركبةمن الابراء والاستدعاء فهي مجتمعة من ايقاعين. واما اذا لم نخرج التنازل على احد التقريبين السابقين وفرضنا ان هناك احتمالا آخر للتنازل وهو ان يكون تنازلاعن الدين عن طريق المعاوضة بحيث يكون احد العوضين فيها نفس سقوط الدين والعوض الاخر المال الذي هوفي ذمة المحال عليه فحينذاك تكون الحوالة عقدا، لانها تمس شاءنين: شاءن المحيل وشاءن المحتال. وتختلف هذه المعاوضة عن المعاوضة في النحو الثالث، فانه هناك ينتقل الدين الى من هو عليه، وهنا يسقطالدين عنه. واما النحو الثالث: وهو ان تكون الحوالة عبارة عن تغيير الدائن فيظهرحاله مما ذكرناه في النحو الثاني، فانالحوالة اما ان تكون على مدين او على بريء. فان كانت على مدين فهي مبادلة مال بمال، فان المال الثابت للمحيلفي ذمة المحال عليه تبودل بالمال الثابت للمحتال في ذمة المحيل، فهي معاوضة انشائية، والاداة الانشائية لهاهي العقد، ولكل من المحيل والمحتال دخل انشائي فيها سواء كان الاول هو البائع والثاني هو المشتري اوبالعكس. واما المحال عليه فلا دخل له اصلا في المعاوضة لا بنحو الانشاء ولا بنحو الاذن ، فاءما الاول فلانه لم يقع تصرففي ماله وفي شاءن من شؤونه كي يكون له دخل انشائي فيه، واما الثاني فلان المعاوضة لاتوجب تلف حق علىالمحال عليه كي يكون له دخل اذني فيها. وان كانت الحوالة على بريء فقد خرجناها سابقا على احد تقريبين: الاول: البناء على ان المعاوضة لايشترط فيها دخول كل من العوضين في ملك من خرج منه العوض الاخر،فحينذاك يقال: ان احد العوضين هنا هو المال الثابت في ذمة المحيل للمحتال والعوض الاخر هو مال المحال عليه،وقد خرج العوض الاول من ملك المحتال ودخل في ملك المحيل، والعوض الثاني خرج من ملك المحال عليه ودخلفي ملك المحتال، فتكون الحوالة عقدا، لانها متقومة بدخل انشائي من كل من المحتال والمحال عليه، اما المحتالفلانه الذي خرج من ملكه العوض الاول ودخل في ملكه العوض الثاني، واما المحال عليه فلانه الذي قد خرج منملكه العوض الثاني وان كان لم يدخل في ملكه العوض الاول بل دخل في ملك المحيل. ويبقى الكلام في انه هل لابد من دخل انشائي من قبل المحيل في هذه المعاوضة باعتبار انه الذي يدخل في ملكهالعوض الاول، ودخوله في ملكه مساوق لسقوط الدين عنه او لايعتبر دخله الانشائي في المعاوضة باعتبار انهلم يخرج من ملكه اي من العوضين ؟ الصحيح ان ذلك ملحق بباب تمليك الدين على من هو عليه، فان قلنا ان تمليك الدين على من هو عليه هبة وعقد ففيالمقام ايضا لابد من دخل انشائي من قبل المحيل، وان قلنا هناك انه ابراء وايقاع ولا يحتاج الى قبول من عليه الدينففي المقام ايضا ينتفي دخله الانشائي، وحيث ان التوسع في هذا المجال يسوقنا الى البحث عن النكات الاساسيةلالحاق الهبة بالابراء فلنتركه الى محله. الثاني: البناء على اعارة المحال عليه ذمته للمحيل بحيث يملك المحيل الانتفاع بها ويشغلها بما شاء، فحينذاكتكون الحوالة مسبوقة بالعارية دائما، وتكون العارية بين المحيل المستعير والمحال عليه المعير، وتكون الحوالةبين المحيل والمحتال، فكما لايكون للمحتال دخل انشائي في العارية فكذلك لايكون للمحال عليه دخل انشائي فيالحوالة، لانها تقع بين المحيل والمحتال. فعلى هذا التقريب تكون الحوالة ايضا عقدا، لانها تمس شاءنين: شاءنالمحيل وشاءن المحتال، واما المحال عليه فله دخل انشائي في العارية التي تمهد الطريق للحوالة وتكون مقدمةلها. واما النحو الرابع: وهو ان تكون الحوالة عبارة عن تغيير المدين فاما ان تكون حوالة على بريء او على مدين،فاءما اذا كانت الحوالة على بريء فهيعقد، لانها تمس شاءنين: شاءن المحتال وشاءن المحال عليه، اما الاول فلانهالذي يحدث الانتقال في ماله من وعاء الى وعاء آخر اءي من ذمة زيد الى ذمة خالد فهو تصرف في ماله، فلابدمن دخله الانشائي في المعاوضة، واما الثاني فلانه الذي تشتغل ذمته عند الحوالة للمحتال، وحيث ان ذمته ملكله فاشغالها لعمرو المحتال تصرف في ملك المحال عليه، فلابد من دخله الانشائي ايضا، واما المحيل فهواجنبي، لان المعاوضة لاتوجب التصرف في ماله بل توجب التصرف فيما عليه من الدين، وهذا لايسبب دخلهالانشائي في الحوالة. واما اذا كانت الحوالة على مدين فقد يقال: انها تصرف قائم بين المحتال والمحال عليه من دون دخل للمحيل فيذلك، وقد يقال: انها تصرف قائم بين المحيل والمحتال من دون دخل للمحال عليه في ذلك، وقد يقال: انها تصرفقائم بين المحيل والمحتال والمحال عليه، حسب التصورات الفنية للموقف. وتوضيحه: انه لو احال زيد دائنه عمرا على خالد الذي هو مدين للمحيل فالذي يحدث ان الدين الثابت لعمرو علىزيد قد انتقل من ذمته الى ذمة خالد واصبح عمرو يملك الدين في ذمة المدين الجديد، ففي هذا المورد تكونالحوالة تصرفا في شاءن المحتال والمحال عليه، اما الاول فلان الدين الذي كان ثابتا لعمرو على زيد قد انتقل منذمة الى اخرى، وهذا تصرف فيه، فلابد من دخل انشائي من قبل المحتال في ذلك لانه ملكه، واما الثاني فلان ذمةالمحال عليه قد اشتغلت بدين جديد للمحتال فهو تصرف في ذمة خالد التيهي تحت سلطان نفسه، ومجرد كونهمدينا للمحيل لايبرر للمحيل ان يجعله مدينا لشخص آخر كيفما شاء وفي اي جزء من ذمة المدين، اذن فهوتصرف في شاءن المحال عليه ايضا، فلابد من دخله الانشائي، واما المحيل فلا دخل له اصلا، لانه ليس تصرفافي ملكه. وبتعبير اوضح: ان في المقام مالين: المال الذي يملكه زيد في ذمة خالد، والمال الذي يملكه عمرو في ذمة زيد،فاءما الاول فلا تمسه الحوالة بناء على النحو الرابع، لان تغيير المدين لايوجب تغير الدين الثابت للمحيل علىالمحال عليه بل هو محفوظ، واما الثاني فهو الذي تمسه الحوالة، باعتبار انها تمس شاءنين: شاءن المحتال لانهماله، وشاءن المحال عليه لانه الذي اشتغلت ذمته به، فلابد من دخلهما معا، دون المحيل لانه ليس تصرفا فيملكه. نعم، لو فرضنا ان المحيل استدعى من المحال عليه هذا التصرف فيضمن للمحال عليه، وحينذاك لابد من دخلهالانشائي، وقد يؤدي هذا الاستدعاء الى سقوط الدين الثابت على المحال عليه للمحيل بالتهاتر بين الدينين كماسبق، الا ان الاستدعاء مساءلة اخرى لا تمت الى موضع البحث بصلة. اذن فعلى التقريب المزبور يتحقق صدق القول الاول، وان الحوالة على مدين بناء على انها تغيير للمدين تصرفقائم بين المحتال والمحال عليه فقط. واما القول الثاني وهو ان الحوالة هنا تصرف بين المحيل والمحتال دون المحال عليه فهو مبني على ان نفترضان الدائن كما يملك المال في ذمة مدينه فكذلك يملك من ذمة المدين ذاك المقدار الذي يستوعبه المال، فهو مالكللمال والذمة لا بكاملها، بل هو مالك لجزء منها وهو الجزء الذي انحفظ فيه المال، فتكون الحوالة حينئذ بناء علىالنحو الرابع تصرفا في شاءن المحيلوالمحتال دون المحال عليه، اما المحيل فلانه دائن ويملك جزء من ذمةمدينه المحال عليه كما مر، فله التصرف فيه باشغاله بما يريد بشرط ان لايتعدى الجزء المملوك له الى سائراجزاء ذمة المدين المحال عليه، واما المحتال فلانه الذي يملك المال في ذمة المحيل، فاذا اراد المحيل نقله من ذمةنفسه الى ذمة اخرى فهو يتضمن تصرفا في ملك المحتال، فلابد من دخله الانشائي، واما المحال عليه فلا دخلله، وذلك لانه ليس تصرفا في ملكه وفي شاءن من شؤونه. والفرق بين هذا التقريب الذي يحقق صدق القول الثاني وان الحوالة هنا تصرف بين المحيل والمحتال دونالمحال عليه وبين التقريب الاول الذي حقق صدق القول الاول وانها تصرف بين المحتال والمحال عليه دونالمحيل ان التقريب الاول مبني على ان الدين الذي ينقل من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه لا ينقل الى نفسالجزء من الذمة الذي كان يملكه المحيل بل نقل الى جزء آخر من ذمة المحال عليه، وحيث ان الجزء الاخر كانتحت سلطان المحال عليه نفسه فكان لابد من دخله الانشائي، واما هنا فحيث فرضنا ان الدين ينتقل الى نفسالجزء من الذمة الذي كان يملكه المحيل دون الاجزاءالاخرى فكان لابد من دخل المحيل فيه، لانه تصرف في ملكهوهو الجزء من ذمة المحال عليه، ولا دخل للمحال عليه فيه، لانه ليس تصرفا في ملكه وفي شاءن من شؤونه. واما القول الثالث: وهو ان الحوالة بناء على انها تغيير للمدين تصرف قائم بين المحيل والمحتال والمحال عليهولكل من هؤلاء الدخل الانشائي فيه فهو مبني على نسف المبنى الذي تدخل في التقريب السابق وعدم تبني الرايالقائل باءن الدائن يملك جزء من ذمة مدينه، فاذا لم نتبن هذا القول فمعناه ان ذمة المحال عليه بكاملها مملوكةلنفسه ولا يملكها ولا جزء منها الدائن، فهي بجميعها تحت سلطان نفسه، وحيث ان الحوالة تتضمن التصرففي ذمة المحال عليه فهي تصرف يمس شاءنه، فلابد من دخله الانشائي، كما ان للمحتال الدخل الانشائي، لانهاتصرف في ماله الذي يملكه في ذمة المحيل، وللمحيل ايضا الدخل الانشائي، لانها تصرف في ماله الذي يملكهفي ذمة خالد المحال عليه. هذا هو غاية ما يمكن من توضيح التقاريب الثلاثة. وحينئذ: فلا اشكال في بطلان التقريب الاول، لانه مبني على ان للدائن الحق في ان يشغل سائر الاجزاء من ذمةالمدين غير الجزء الذي يملكه. وهذا غير صحيح، فان الحوالة لاتوجب اشغال ذمة المحال عليه بكاملها، بل انالدين الثابت للمحتال على المحيل ينتقل الى نفس الجزء من الذمة الذي يملكه المحيل على المحال عليه . والبرهان عليه: انهم اتفقوا على براءة ذمة المحال عليه بمجرد الحوالة قبل الاداء، وهذا دليل على ان المال المنقولمن ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه انما انتقل الى نفس الجزء من الذمة الذي كان ظرفا ووعاء مملوكا للمحيل،ويعني هذا ان دين المحيل على المحال عليه قد سقط وحل محله دين في ذمة المحال عليه للمحتال، بينما لو كانالامر كما يقوله التقريب الاول وان الدين الثابت للمحتال على المحيل ينتقل الى جزء آخر من ذمة المحال عليه غيرالجزء المملوك للمحيل لما كان يبرا المحال عليه بمجرد الحوالة، بل غايته ضمان المحيل لو كان هو المستدعي،والضمان فرع الاداء وفي طوله، والحال انهم اتفقوا على براءة ذمة المحال عليه قبل الاداء. اذن فالتقريب الاول واضح البطلان. فيدور الامر بين التقريب الثاني والثالث، وحيث انا بينا ارتكازية كون الدائن مالكا للوعاء والذمة ايضا كما هومالك للمال المظروف فالصحيح هو التقريب الثاني، لانه الذي يحقق هذه الارتكازية دون الثالث لانه ينسفها. وبذلك انتهى الحديث عن عقد الحوالة وتبين ما هي حدودها. ان التلقيح له صور مختلفة، وقد تختلف احكام هذه الصور تكليفا ووضعا، لذا فسنبحث حكم كل صورة علىحدة: الصورة الاولى ما اذا القي مني الزوج بوسيلة ما في رحم زوجته او مني المالك في رحم مملوكته. ولا يخفى ان ذلك جائز في نفسه، اذ لا منع من هذه الكيفية وان لم تكن عادية، ولو شك في حليتها او حرمتهافمقتضى البراءة الشرعية والعقلية هو الجواز. نعم، لو توقفت هذه الكيفية على مقدمات محرمة ككون الملقح اجنبيا، او استلزام التلقيح للنظر الى ما لا يجوزالنظر اليه ولو لم يكن الملقح اجنبيا، او استلزام اخراج المني بالاستمناء يجب الاحتراز عن ذلك، لوجوب الاجتنابعن المقدمات المحرمة. وهذا بخلاف ما اذا لم تتوقف على هذه الامور كما اذا فرض ان النطفة خرجت بوجه محلل ولقحها شخص الزوجبزوجته، فلا وجه للحرمة كما لايخفى. ثم ان الولد المتكون من هذا الطريق الجديد ولد لهما حقيقة وان كانت المقدمات محرمة، لان المفروض ان الولدخلق من مائهما ولا مدخلية للجماع، ولذا لو افرغ الزوج ماءه خارج الفرج ثم جذبه اليه بنفسه او باعانة فلا ريبفي ان الحمل منه والولد لهما، ولا اصطلاح خاص في الولادة، ولا نهي شرعي في مثل المقام، فصدق الولد عليهكاف في ترتب جميع احكامه. الصورة الثانية فيما اذا كان التلقيح بماء غير الزوج فهل يجوز ذلك ام لا يجوز؟ ذهب سيدنا الامام المجاهد (قدس سره) الى عدم الجواز((91)). واستدل له بايات كريمة وروايات شريفة وغيرهما: اما الايات، فمنها: 1 قوله تعالى في وصف المؤمنين والمصلين : (والذين هم لفروجهم حافظون - الا على اءزواجهم اءو ما ملكت اءيمانهمفانهم غير ملومين - فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون)((92)). بدعوى: ان حفظ الفرج عن غير الزوجة وملك اليمين مطلق يشمل كل حفظ، فيعم حفظه عن الجماع والتفخيذوارسال منيه الى فرج امراة غيرها، فمن لم يحفظ فرجه وصب ماءه في رحم امراة محرمة ولو بمثل الوسائلالحديثة فهو عاد وعاص. واورد عليه: بان المنصرف القطعي من حفظ الفرج على النساء ان لا يستمتع بفرجه بهن وان لا يباشرهن بفرجهبالجماع وسائر الاستمتاعات، فحفظ الفرج عليهن كناية عن خصوص الاستمتاع بهن بالفرج، ولا يعم مثل صبقطرة من ماء خرج من الفرج بواسطة شيء غير الفرج كيد زوجالمراة مثلا في فرجهن من دون مقدماتمحرمة. اللهم الا ان يقال: ان حذف المتعلق في الاية يدل على لزوم حفظ الفرج حتى عن الاستيلاد بالنحو المذكور، فلا وجهلدعوى الانصراف لو كان اطلاق. نعم، يمكن ان يقال: ان الاية الكريمة بقرينة ما قبلها وبعدها في مقام وصف المؤمنين باوصاف مذكورة اجمالاوليست في مقام بيان تفصيلها، ولذلك لا اطلاق لها بحيث يشمل الاستيلاد بالطرق الحديثة. 2 اللهم الا ان يقال: انه يكفي للاستدلال قوله تعالى في سورة النور: (قل للمؤمنين يغضوا من اءبصارهم ويحفظوافروجهم الى قوله: وقل للمؤمنات يغضضن من اءبصارهن ويحفظن فروجهن)((93)) الاية، اذ المقام مقام بيان غض البصروحفظ الفرج، ومقتضى الاطلاق هو عدم جواز مثل الاستيلاد، لان حذف المتعلق يدل على الاطلاق والتعميم. 3 قوله تعالى: (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم... والمحصنات من النساء)((94)). بدعوى: ان الطوائف المذكورة قد حكم بكونها محرمة على الرجال، والحرمة هي الممنوعية، وحيث انها مطلقةاسندت الى الذوات دلت علىحرمة كل فعل يتعلق بهن، فيحرم تلقيح الماء في رحمهن حتى لو كان بوسيلة غيرالفرج ايضا. واورد عليه: بان الاستدلال بالاية الكريمة ضعيف، من جهة انصراف الحرمة في امثال المقام بمناسبة الحكموالموضوع الى خصوص النكاح والاستمتاع بهن. ولذلك قال في زبدة البيان: ((الظاهر ان المراد تحريم نكاحهن،لما تقدم وتاخر، وللتبادر من مثله كتبادر الاكل في (حرمت عليكم الميتة)((95))، ولعدم تحريم الذات، والنكاحاولى ما يمكن تقديره))((96)). ولعل مراده بقوله: ((ما تقدم وتاخر)) هو الذي اشار اليه في كتاب ((كلمات سديدة)) من قوله تعالى في الاية الثانيةبعد ذكر المحصنات: (واحل لكم ما وراء ذلكم اءن تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين)((97))، فان ظاهره ان ما احلاللّه للرجال من سائر النساء التي ما وراء ذلكم فهو محرم منهن وهو العقد بهن والازدواج معهن بالصداق، وقولهتعالى في الاية السابقة على الايتين: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف...)((98)) الاية، فانه ظاهروقرينة على ان مورد الكلام في هذه الايات هو النكاح بالنساء، والايات في مقام بيان الحلال والحرام منهن في هذهالجهة((99)). ولقائل ان يقول: ان موارد الاستشهاد لا تدل على انحصار مدلول آية تحريم الامهات في النكاح لو لم نقلبانصرافها عن غير النكاح. هذا مضافا الى منع دعوى الانصراف والتبادر الى خصوص النكاح، بل حذف المتعلقيدل على ارادة عموم ما يتعلق بهن من النكاح والاستمتاعات والاستيلاد. نعم، يمكن ان يقال: ان الاية الكريمة حيث كانت في مقام ذكر موارد المحرمات من النساء نسبية كانت اورضاعية او سببية لا اطلاق لها بالنسبة الى خصوصيات المحرم وكيفياته، وعليه فلا تشمل الاستيلادبالطرقالحديثة. واما الروايات، فمنها: 1- ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن ابراهيم،عن ابيه، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن سالم، عنابي عبداللّه (ع) قال: ((ان اشد الناس عذابا يوم القيامة رجل اقر نطفته في رحم يحرم عليه))((100)). بدعوى: ان ظاهر الحديث ان العذاب الشديد مترتب على اقرار النطفة في الرحم الذي يحرم عليه بحيث لو زنىالزاني وعزل ماءه لما تحقق موضوع لهذا العذاب الاشد، فيدل الحديث دلالة واضحة على ان نفس جعل نطفته فيرحم يحرم عليه معصية كبيرة. وحينئذ، فكونه بالزنى والجماع طريق عادي للوصول الى هذا الامر المحرم، والا فاذا اوجده بطريق آخر غيرعادي ايضا لما كان شك في حصول موضوعه وشمول الاطلاق له وترتب حكم الحرمة عليه. وفي التعبير بالنطفة التي هي امشاج من مني الرجل وبييضة المراة دلالة على ان تمام موضوع الحرمة هو عقدالنطفة بماء امراة محرمة عليه، فلو كان مجرد افراغ المني من دون ان ينعقد به نطفة لما تحقق موضوع هذاالحرام. وبالجملة، فالمتحصل من مثل هذا الحديث اذا لوحظ مع ادلة حرمة الزنى ان نفس الزنى والايلاج حرام، ووضعنطفته المنعقدة من منيه وبييضة المزني بها في رحمها حرام آخر، وهو لا سيما بتناسب الحكم والموضوع آمطلق يعم ما اذا كان بطريق الافراغ العادي او بطريق آخر، فان الحرام انما هو اقرار النطفة في رحم يحرم عليهفارغا عن خصوصية اسبابه((101)). وفيه: اولا: ان الخبر ضعيف بعلي بن سالم لجهالته، اللهم الا ان يكتفى بنقل ابن ابي عمير عنه. وثانيا: ان اقرار النطفة في الرحم منصرف الى الزنى والايلاج والادخال حتى يتحقق الاقرار في الرحم، ويؤيدهكون فاعل ذلك اشد عذابا يوم القيامة من جميع الناس، اذ مجرد صب المني في الفرج المحرم ليس اشد عذابا منالزنى من دون افراغ المني، كما انه ليس له حد الزاني، ويؤيده ورود اشد العذاب في المعاصي الكبيرة العظيمة،كقوله (ع): ((ان اشد الناس عذابا يومالقيامة من وصف عدلا ثم خالفه الى غيره))((102))، وكقول الصادق (ع): ((اناشد الناس عذابا يوم القيامة سبعة نفر: اولهم ابن آدم الذي قتل اخاه، ونمرود الذي حاج ابراهيم في ربه، واثنانمن بني اسرائيل هودا قومهم ونصراهم، وفرعون الذي قال: انا ربكم الاعلى، واثنان من هذه الامة))((103)). وغيرذلك، ولا اقل من الشك، فلا يشمل مثل المقام. ثم لا شاهد في التعبير بالنطفة على ان تمام موضوع الحرمة هو عقد النطفة بماء امراة محرمة عليه، فان اسنادالنطفة الى من اقر دون صاحب الرحم المحرم عليه ظاهر في خصوص نطفة المقر لا نطفة مركبة من الرجلوبيضة المراة، واستعمال النطفة في بعض الموارد بذلك المعنى لا يدل على انه المراد في جميع الموارد، ويؤيدهما سياتي من الاخبار من التعبير بافراغ الماء. وثالثا: ان غاية مفاده هو حرمة اقرار صاحب النطفة، فلا يشمل ما اذا افرغ شخص منيه في وعاء ثم اقره زوجامراة في رحم زوجته، فهو اخص من المدعى. والقول: بان الافراغ للاقرار يوجب اسناد اقرار الزوج او المراة اليه، كما ترى، لقوة المباشر في الاقرار، كما لايخفى. ومما ذكر يظهر ما في الاستدلال بما رواه الصدوق في الفقيه((104)) جازما ومرسلا عن النبي (ص) وفي الخصالباسناده عن ابن الوليد، عن سعد بن عبداللّه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، قال: سمعت غير واحدمن اصحابنا يروي عن ابي عبداللّه (ع) انه قال: قال النبي (ص): ((لن يعمل ابن آدم عملا اعظم عند اللّه تبارك وتعالىمن رجل قتل نبيا او اماما، او هدم الكعبة التي جعلها اللّه عزوجل قبلة لعباده، او افرغ ماءه في امراةحراما))((105)). لما عرفت من الانصراف الى الزنى مع افراغ الماء في رحم محرم عليه، كما يناسبه تشديد العذاب عليه وجعله فيعداد قتل النبي او الامام او هدم الكعبة. ودعوى ظهور الحديث في الافراغ ولو بدون الزنا، بعيدة جدا. هذا، مضافا الى احتمال ان الحرام وصف للافراغ، ومع هذا الاحتمال لا يدل الا على المنع عن الافراغ الحرام، فلايصلح للتمسك به في المقام، لانه تمسك بالعام في الشبهات الموضوعية، اذ حرمة الافراغ بالطريق المفروضاول الكلام. اللهم الا ان يقال: ان الحرام وصف للمراة لقربه منها، فافهم. على ان سند الرواية لا يخلو من الضعف من جهة الارسال وجهالة القاسم بن محمد، الا ان يقال: ان الاسنادالجزمي من الصدوق مع تصريح جامع الرواة بوحدة القاسم بن محمد الاصبهاني والقاسم بن محمد الجوهريوالقاسم بن محمد القمي، لاشتراكهم في الراوي والمروي عنه، ونقل الاجلاء كابن ابي عمير وصفوان عنالجوهري، يكفي في الاعتبار. ثم ان التعبير بالافراغ في هذه الرواية شاهد على ان المراد اقرار النطفة ايضا هو ذلك، لا عقد مني الرجل مع منيالمراة، فالحديث كالحديث السابق يدل على تغليظ حرمة المركب من الامرين، وهما: الزنى، مع افراغ الماءوانزاله، ومن المعلوم انه اشد عذابا من نفس الايلاج والادخال الذي هو الزنى من دون افراغ، لانه مضافا الى كونهزنى سبب لانعقاد النطفة بوجه غير مشروع. 2- ما رواه في الكافي عن محمد بن احمد، عن ابي عبداللّه الرازي، عن الحسن بن علي بن ابي حمزة، عن ابي عبداللّهالمؤمن، عن اسحاق بنعمار قال: قلت لابي عبداللّه (ع): الزنى اشد او شرب الخمر؟ وكيف صار في الخمر ثمانينوفي الزنى مئة؟ فقال: ((يا اسحاق، الحد واحد، ولكن زيد هذا لتضييعه النطفة، ولوضعه اياها في غير موضعهاالذي امره اللّه عزوجل به))((106)). بدعوى: انه (ع) علل ضرب العشرين جلدة المزيدة في حد الزنى باستلزامه تضييع النطفة، فقد دل على ان تضييعالنطفة حرام حتى انه اوجب زيادة العشرين جلدة على ما هو الحد الواحد. وقد فسر تضييع النطفة المذكور فيه بقوله (ع): ((ولوضعه اياها في غير موضعها الذي امره اللّه عزوجل به)). والظاهر ان المراد بالنطفة هي المركبة من مني الرجل وبييضة المراة، وهي اول ما يخلق من مبدا نشوء الانسان،كما في موثقة اسحاق بن عمار الواردة في النهي عن شرب الدواء المسقط للحمل من قول ابي الحسن (ع): ((ان اولما يخلق النطفة))((107)). وحينئذ، فوجه اسناد وضع النطفة في ظاهر الحديث الى الرجل مع انه لا يضع الا ماءه ومنيه هو ان افراغه لمائههو السبب القوي في تكون نطفة الانسان وقرارها في رحم المراة. فقد دل الحديث على ان اقراره لنطفته المتكونة من مائه وبييضة المراة في غير موضعها الذي امره اللّه عزوجل بهحرام، وهذا عنوان عام يشمل ما كان بالطريق المتعارف وما كان بالطريق المفروض فيما نحن فيه، وذلك لما مرمن ان المستفاد من مثله ان تمام الموضوع والموجب للحرمة هو وضع النطفة واقرارها في غير موضعها الذيامره اللّه به، وهو صادق على مفروض ما نحن فيه. ولو سلم ان المراد بالنطفة مجرد منيه فلا ينبغي الشك في ان المقصود من ((وضعها في غير موضعها الماموربه)) ليس مطلق قرارها في غير رحم زوجته حتى يعم مثل العزل الذي قد وردت اخبار مستفيضة بجوازه وان امرمائه بيده يصرفه حيث يشاء لا سيما اذا رضيت به زوجته، بل المراد به خصوص وضعها في رحم غير زوجته،فيساوق ما مر في خبر الخصال بقوله (ع): ((افرغ ماءه في امراة حراما))((108)). وفيه: اولا: ان الرواية لاشتمالها على المجاهيل ضعيفة. وثانيا: ان الحكمة المذكورة ليست عامة بل مختصة بالزاني. وحاصله: ان الزاني حيث ضيع نطفته بحسب الغالب اذ ربما لا يوجب الانزال استحق المزيد من الحد على حد الشارب، ولا يستفاد منه حرمة مطلق الوضع مع عدمصدق التضييع، ووضع النطفة في غير الموضع المامور به اي الحرام مشكوك الصدق على المقام. هذا، مضافا الى انه لا اظن احدا يلتزم بحرمة تضييع النطفة مطلقا ولو لم يرتكب محرما آخر. 3- ما ورد في لزوم الاحتياط في باب الفروج والاستيلاد، كصحيحة شعيب الحداد قال: قلت لابي عبداللّه (ع): رجلمن مواليك يقرئك السلام، وقد اراد ان يتزوج امراة، وقد وافقته واعجبه بعض شانها، وقد كان لها زوج فطلقهاعلى غير السنة، وقد كره ان يقدم على تزويجها حتى يستامرك فتكون انت تامره. فقال ابو عبد اللّه (ع): ((هو الفرجوامر الفرج شديد، ومنه يكون الولد، ونحن نحتاط، فلا يتزوجها))((109)). والشبهة موضوعية لا حكمية، اذ الامام (ع) لم يحتط فيها بل بين حكمها، ثم ان وجه الاحتياط لعله لان الطلاقالبدعي على اقسام: منها باطل ان صدر منا، كطلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج معها او معغيبته مندون مضي المدة المشترطة، وهكذا النفساء، او كطلاقها في طهر المواقعة، ومنها صحيح، كطلاق الثلاث مترتبة،بمعنى انشاء الطلاق ثلاث مرات في مجلس واحد، فانه كما صرح في الجواهر لا خلاف في وقوع الواحدةبه((110)). وحيث ان الراوي لم يعين الموضوع علم انه لم يتمكن من احراز كيفية وقوع الطلاق البدعي فصارمشتبها، فاوصى الامام (ع) في مفروض المسالة بالاحتياط وترك التزويج. ولا ينافي هذه الرواية ما دل علىصحة طلاق الثلاث وحسابها واحدة اذا اجتمعت الشرائط، لان الرواية في مورد الشبهة لا العلم بالكيفية. هذا،مضافا الى ان النسبة بينهما هي الاطلاق والتقييد. واما حمل الرواية على الاولوية والاحتياط دون الحكم والوجوب، ففيه: انه غير واضح بعد كون بعض اقسام موردالرواية باطلا، فلا يجوز تزويج زوجة الغير. هذا، مضافا الى عدم مناسبة تشديد امر الفرج مع الاولويةوالاستحباب، فالظاهر من الرواية هو الامر بالاحتياط في باب النكاح والاستيلاد فيما اذا لم يجر اصل منقح آكالاستصحاب للجواز، ولكن الرواية في الشبهات الموضوعية، وكلامنا في حكم التلقيح الصناعي، وهو شبهةحكمية. اللهم الا ان يقال: ان الاحتياط اذا كان لازما في الشبهات الموضوعية المذكورة يكون الامر كذلك في الشبهاتالحكمية بطريق اولى. 4- ما رواه الشيخ (قدس سره) باسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عنالحسن بن موسى الخشاب، عن عليبن حسان، عن علي بن عقبة، عن موسى بن اكيل النميري، عن العلاء بن سيابة، قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عنامراة وكلت رجلا بان يزوجها من رجل الى ان قال: فقال (ع): ((ان النكاح احرى واحرى ان يحتاط فيه، وهو فرجومنه يكون الولد...)) الحديث((111)). وطريق الشيخ الى العلاء صحيح، ولكن لا توثيق للعلاء نفسه الا ان يكتفى بما يظهر من جامع الرواة من ان ابن ابيعمير روى عنه((112)). وكيف كان، فالامام (ع) في هذه الرواية بعد تصريحه بصحة تزويج الموكل قبل اعلام العزل اليه امر بالاحتياط فيامر النكاح، والشبهة فيه شبهة حكمية. والامام (ع) اعترض على من افتى ببطلان التزويج لو كان بعد العزل ولو لميعلمه بالعزل، ومع هذا الاعتراض لا يكون الامر بالاحتياطامرا استحبابيا، كما لا يخفى. وعليه، فمقتضى تعليل الاحتياط في الفرج والنكاح بكونه منشا للولد هو لزوم الاحتياط في التلقيح الصناعي، ولامجال للرجوع الى البراءة في مثله. فالمستفاد من هذه الروايات هو لزوم الاحتياط في الشبهات الموضوعيةوالحكمية في النكاح والاستيلاد، ويعتضد ذلك بما تقرر في محله من عدم جواز الرجوع الى البراءة العقليةوالشرعية في الشبهة الموضوعية والمصداقية في باب الدماء والفروج والاعراض والنفوس مستدلا باهتمامالشارع بحفظ هذه الموارد، وهو يمنع عن الترخيص في الاقتحام في شبهاتها وكاشف عن ايجاب الاحتياط، فلهذالو رئي شبح من بعيد لم يعلم انه مهدور الدم او محقونه لايجوز رميه. قال شيخنا الاستاذ الاراكي (قدس سره): ((ففي صورة الشك في تحقق الموضوع وعدمه وان كان الشك من جهةنفس الموضوع شكا في الموضوع لكن ما هو المضاف الى هذا الموضوع من الاحترام والحفظ منقح الموضوع،فان حفظ الشيء من التلف يصدق حقيقة في مورد احتماله كما ان عدم المبالاة فيه صادق حقيقة على ترك الحفظولو لم يكن لنفس الشيء تحقق وواقعية. وبالجملة، حال الحفظ حال الاحتياط، فكما انه صادق في مورد احتمال الضرر ولو لم يكن ضرر واقعا وتركهتهور كذلك ايضا ولا يدور شيء منهما مدار وجود الواقع بل الاحتمال هو الدخيل التام في صدقهما، فكذلك الحفظورعاية الجانب، فاذا رايت شخصا واحتملت كونه مسلما ورميته فقد صدق عليك انك ما حافظت عن نفس المسلموصرت بمقام تعريضه في الخطر، فانت فاعل للحرام وان كان المرمي كافرا واقعا، وهكذا لو سلكت طريقالايؤمن اللص او السبع فيه، فانت بنفس السلوك مندرج في عنوان من لا يتقيد بحفظ نفسه من الوقوع في معارضالخطر ومظانه ولو فرض انه لم يعترضك شيء منهما في الطريق. ومن هذا يعلم ان حكمهم بعصيان سالك الطريق المظنون الضرر فيجب عليه اتمام الصلاة ولو انكشف عدمالضرر على طبق القاعدة، وليس من باب التجري في شيء))((113)). وعلى هذا، لا شبهة موضوعية او مصداقية في البين، لان الدليل متكفل لاثبات الحرمة والاحترام والرعاية والحفظفي هذه الموضوعات الواقعية. |