ان النكتة والملاك النوعي في جعل القانون معاملة تحت سلطة شخصين اوازيد هو ان يكون التصرف منصبا على‏شاءنين لا على شاءن واحد، وبتعبير اوضح: يكون التصرف ماسا شاءن شخصين او اكثر، وحينذاك فبحسب‏الارتكاز العقلائي والاطلاق المقامي تكون المعاملات التي هي من قبيل البيع والصلح والاجارة من العقود، فان‏التصرف فيها ينصب على شاءن شخصين: مالك السلعة ومالك الثمن، فلا يصح فيها الاكتفاء بتقومها بشخص‏واحد، فهذه قاعدة عقلائية جارية في العقود كافة، ولا يجب ان يدل دليل على ان البيع مثلا عقد، بل تكون القاعدة‏العقلائية حاكمة بذلك بعد قيام الدليل‏على صحة المعاملة.

نعم، قد تنخرم هذه القاعدة في بعض الموارد، فنرى ان المعاملة تمس شاءن شخصين ومع ذلك حكم القانون‏بتقومها بشخص واحد وجعل ولايتها له وحده من دون ان تكون الولاية لمجموع الشخصين، وذلك كالطلاق فانه‏معاملة تمس شاءن كل من الزوجين، فان الزوجية ثابتة لكل منهما، وكان مقتضى القاعدة العقلائية المزبورة ان‏تكون ولاية الطلاق لمجموع الزوجين، الا انه دل النص على جعل ولايته للزوج فقط ولا دخل للزوجة في‏ذلك، فحينئذ تخصص القاعدة باءمثال هذا المورد، ونقيد ذاك الاطلاق المقامي الذي كان يقتضي في المقام ثبوت‏الولاية لمجموع الشخصين .

واما النكتة في جعل القانون معاملة تحت سلطة شخص واحد هو ان يكون التصرف فيها ماسا شاءن شخص‏واحد ولا ينصب على شؤون اشخاص آخرين، فبعد قيام الدليل على صحة معاملة تمس شاءن شخص واحد لايفتقر الى قيام دليل آخر على كونها ايقاعا، بل القاعدة العقلائية والاطلاق المقامي يقتضيان ذلك، من قبيل العتق‏فانه يمس شاءن شخص واحد وهو المولى المالك دون غيره، ومن هنا كانت الولاية له فقط، فبعد قيام الدليل على‏صحة العتق لا يفتقر الى قيام دليل آخر على كونه ايقاعا، بل ذلك ما تقتضيه‏القاعدة العقلائية المزبورة.

نعم، قد تنخرم القاعدة ايضا، فنرى في معاملة انها تمس شاءنا واحدا لا ازيد ومع ذلك حكم القانون باءنها تتقوم‏بشخصين وجعل ولايتها لهما دون شخص واحد، فيكون تخصيصا للقاعدة وتقييدا للاطلاق المقامي.

فالميزان النوعي في كون المعاملة تحت سلطة شخص واحد ان لا تمس اكثر من شاءن واحد، والميزان النوعي في‏كونها تحت سلطة شخصين او اكثر انها تمس شاءنين او اكثر من ذلك، وهذه القاعدة جارية عقلائيا في كل‏مورد.

ومن هنا حيث جعلنا الميزان النوعي في جعل المعاملة تحت سلطان شخص واحد انها تمس شاءنا واحدا وقع‏الاشكال في جملة من المعاملات التي تعتبر عندهم من العقود رغم انها تمس شاءنا واحدا، وذلك من قبيل الهبة‏فانها تمس شاءن الواهب فقط، واما المتهب فليست الهبة تصرفا ماسا شاءنا من شؤونه، فينبغي ان تكون ايقاعاوالحال انهم جعلوها من العقود، وكذلك المضاربة والمزارعة والمساقاة فانها تمس شاءن المالك فقط، ولاتقتضي تملك‏المالك عمل العامل كالاجارة كي يقال انها تمس شاءن العامل ايضا، فكان من المفروض ان تعد هذه‏المعاملات من الايقاعات مع انهم عدوها من جملة العقود.

الا ان هذا الاشكال غير صحيح، وذلك: اما بالنسبة للمضاربة والمزارعة والمساقاة فقد بينا حقيقتها سابقا، فان‏حقيقتها عبارة عن تعيين ما يكون العمل مضمونا به.

وتوضيحه: ان عمل الغير للانسان اذا كان باستدعاء منه فهو مضمون‏عليه باجرة المثل، فلو فرض ان زيدا قال‏لعمرو: احمل متاعي هذا، فان العمل يكون مضمونا عليه باجرة المثل، فاذا اراد الخروج عن هذه القاعدة فلابد له‏من ان يستاءجر العامل، فاذا استاءجره فسوف يكون عمله مملوكا له، وحينذاك فلا تلزمه اجرة المثل بل تلزمه‏الاجرة التي بها استاءجر العامل سواء كانت اقل من اجرة المثل او اكثر، اذن فمع عدم اتفاق العامل والمالك يكون‏العمل مضمونا على المالك باجرة المثل، وليس هذا الضمان مجعولا معامليا بل هو ضمان الغرامة، وحيث ان‏الضمان انما شرع هنا من اجل منفعة العامل فيصح اتفاقهما على تحديد ما به الضمان من دون اجارة، وذلك باءن‏ياءمره المالك بالعمل ويبين له انه مستعد لان يضمن عمله بهذا المقدار من المال لا اكثر منه، فهذا صحيح ولايكون معاملة بل استدعاء من العامل وتحديدا لما به الضمان، فبدلا من ان تلزمه اجرة المثل عين له مقدارا من‏المال من دون اجارة ومعاملة، فيكون قد حدد ضمانه، ومن هنا قلنا ان الجعالة ليست معاملة بل هي استدعاء من‏المجعول له العامل وتحديد لما به الضمان، اي تعيين للمقدار الذي يستعد المالك ضمانه ولا يكون ضامنا باءكثرمنه، وانما يعينه لكي لا تلازمه اجرة المثل بعد ذلك، ونفس النكتة موجودة في المضاربة‏والمزارعة والمساقاة،فان العامل لو عمل من دون تعيين ما به الضمان من قبل المالك فله اجرة المثل، واما لو اتفقا على شي‏ء به الضمان‏فمرجعه الى ما قلناه من الضابط الكلي، حيث انها تصرفات تمس شاءنين:

شاءن المالك وشاءن العامل، فيلزم ان‏تكون من جملة العقود لا الايقاعات، وعليه فيندفع الاشكال.

فكون هذه التصرفات عقودا لا اشكال فيه، فان ذلك ما يقتضيه الميزان النوعي الذي ذكرناه، فانها تمس شاءنين،لان مرجعها الى تعيين ما به الضمان كما قلنا، وهذا يمس شاءن العامل كما يمس شاءن المالك.

واما الهبة فهي تصرف في شاءن الواهب، فان كان الارتكاز العقلائي يقتضي ان تكون زيادة المال تصرفا في‏شؤون الشخص فتكون الهبة عقدا من العقود، لانها حينئذ تمس شاءنين: شاءن الواهب لانه مالك للمال، وشاءن‏المتهب لان المفروض ان ازدياد مال الانسان تصرف يمس شاءنه، فزيادة هذا المال الموهوب على اموال المتهب‏يمس شاءنه فتكون عقدا.

وان لم يكن الارتكاز العقلائي مقتضيا لان تكون زيادة مال على اموال‏الانسان تصرفا ماسا شاءنه فتكون الهبة‏ايقاعا لا عقدا، لانها حينذاك تمس شاءن الواهب فقط.

واما الخصوصية الثالثة: فهي التي بها تكون المعاملة منوطة برضا الغير دون ان يكون طرفا للعقد، باءن يكون‏دخل الغير في المعاملة بنحو تتوقف المعاملة على رضاه فقط من دون ان يكون دخله بنحو تتوقف على انشائه،ولابد من معرفة الضابط في هذا النحو من الدخل الذي هو في قبال النحو الاول من الدخل، فان النحو الاول من‏الدخل عبارة عن الدخل الانشائي، كدخل المتعاقدين في المعاملة فانها تتوقف على انشائهما، وهذا النحو من‏الدخل عبارة عن الدخل الاذني، فان المعاملة تتوقف على اذنه لا على انشائه، فلنلاحظ ما هو الضابط لهذا النحومن الدخل ؟ قبل ذلك لابد من التمييز بين ما نقصده بالاذن هنا وبين ما يعتبر من الاذن في باب التوكيل ونحوه، فان الاذن‏المعتبر هناك ليس الا عبارة اخرى عن الدخل الانشائي، فان الموكل للوكيل ياءذن في ايجاد المعاملة، فدخل‏الموكل في المعاملة دخل انشائي غاية الامر انه بتوسط الوكيل الماءذون، فانشاء الوكيل في الواقع هو انشاءموكله ومعاملته معاملته، فاذنه اذن انشائي وضعي، فان اذنه يفيد صحة المعاملة وانشائها، وذلك بخلاف الاذن‏المقصود هنا، فان المعتبر منه هنا مايكون من قبيل الاذن التكليفي، بمعنى انه ياءذن الغير في المعاملة بحيث‏لاتنفذ المعاملة بدونه فهو مبيح للمعاملة، فالاذن يفيد حكما تكليفيا وهو الاباحة ولا يفيد انشاء، كما في اذن‏المرتهن ببيع العين المرهونة من قبل الراهن، فان هذا الاذن معتبر في المعاملة بمعنى انه مبيح لها، ولا يفيدانشاء، لان المرتهن ليس بمالك للعين المرهونة.

اذن فلنعد الى السؤال الاول: ماهو الضابط لاعتبار اذن الغير في المعاملة وتوقفها على رضاه الجواب: ان‏الضابط احد امرين:؟ الاول: الضابط النوعي: وهو ما اذا كانت المعاملة تصرفا في مال شخص وكان الامر بحيث لو نفذت المعاملة‏لتلفت العين على شخص ثالث، ولو كان من باب انتفاء الموضوع فحيث ان المعاملة تكون اتلافا لحق الغير فيحتاج‏الى اذنه، ومثاله حق الرهانة الثابت للمرتهن، فان الراهن اذا اراد بيع العين المرهونة فالبيع تصرف فيها وليست‏ملكا للمرتهن، فليس له دخل انشائي في البيع، لانه ليس مالكا لها، فالدخل الانشائي للمرتهن لا ملاك له، الا ان‏البيع‏حيث انه يكون متلفا لحق الرهانة الثابت للمرتهن بالرهن فيتوقف نفوذه على اذنه، فللمرتهن الدخل الاذني‏في البيع لا الانشائي، وملاك هذا النحو من الدخل هو ان البيع متلف لحقه مع انه ليس تصرفا في ملكه، وهذا بناءعلى المعروف من ان حق الرهانة يتعلق بالعين المرهونة بما هي مملوكة للراهن لا بما هي عين فقط، بمعنى انه‏يعتبر ان يكون مالكها الراهن بحيث اذا انتقلت الى غيره يبطل الرهن، لا ان الحق ثابت على العين بما هي عين بحيث‏اذاانتقلت الى غير الراهن يبقى الحق ايضا على حاله، فانه بناء على ان حق الرهانة ثابت على العين المرهونة‏بوصف كونها مملوكة للراهن يكون بيعها متلفا لحق الرهانة الثابت للمرتهن، فان العين وان كانت باقية بعد البيع‏ايضا لكن وصفها قد تغير، فليست مملوكة للراهن.

نعم، لو فرضنا بعيدا ان حق الرهانة كحق الجناية ثابت على العين بما هي عين فكما ان العبد لو جنى فيتعلق‏حق الجناية برقبته من دون وصفها بكونها مملوكة لشخص فحتى لو انتقلت الى غير مولاها فالحق باق‏عليها فكذلك حق الرهانة ثابت للمرتهن حتى مع تغير مالك العين المرهونة‏ فحينذاك لا يحتاج بيعها الى اذن‏المرتهن، لان البيع لايكون متلفا لحقه فان الحق يبقى بعده ايضا، الا ان المشهور خلاف ذلك وان حق الرهانة‏يتعلق بالعين بما هي مملوكة للراهن، فبيعها متلف لحق المرتهن فيحتاج الى اذنه، لان الحق متقوم بها بوصفهامملوكة للراهن.

الثاني: الضابط الشخصي: وهو فيما اذا قام دليل تعبدي على اشتراطاذن الغير في المعاملة، كما هو الحال في‏تزوج زوجة على عمتها او خالتها، فانه دل الدليل على اشتراط اذن العمة والخالة في تزوج بنت اخيها او بنت اختهاعليها، مع انه ليس اتلافا لحقها كما هو واضح.

فاذن: عرفنا الميزان النوعي لكون المعاملة تحت سلطان شخصين او اكثر وبه تكون المعاملة عقدا، وعرفناالميزان النوعي لكون المعاملة تحت سلطان‏شخص واحد وبه تكون المعاملة ايقاعا، وعرفنا الميزان النوعي‏لاناطة المعاملة برضا الغير واذنه وبه يتوقف نفوذ المعاملة عقدا او ايقاعا على اذنه.

فلناءت الى الحوالة على ضوء الموازين والخصوصيات المزبورة لنرى هل انها ايقاع او عقد ؟ وعلى كلا التقديرين‏فهل هي متوقفة على رضا غير المتعاقدين او رضا غير من انشاء الايقاع، او ليست كذلك ؟ لابد من ان نحقق هذا على ضوء الانحاء الاربعة السابقة الذكر، فلابد من استعراضها والبحث عنها واحدا تلوالاخر.

فاءما النحو الاول: وهو ان تكون الحوالة وفاء واستيفاء فاما ان تكون حوالة على مدين او على بري‏ء، فان كانت‏الحوالة على مدين فلا اشكال في‏ان الحوالة حينذاك من الايقاعات كما رجحه السيد (قدس سره) في العروة((90))آلا عقدا مركبا من ايجاب وقبول، فضلا عن ان يكون مركبا من ايجاب وقبولين، وبتعبير آخر: يكون الاحتمال‏الثالث من الاحتمالات الثلاثة المزبورة في عقد الحوالة هو السائد، وذلك لانه اذا كانت الحوالة على مدين وفرضناان الحوالة وفاء فالمحيل يوفي دينه الثابت عليه للمحتال باحالته على المحال عليه الذي‏هو مدين للمحيل وذلك‏بايقاع من قبله فقط، ولا موجب للدخل الانشائي من‏قبل المحتال والمحال عليه في ذلك، نعم للمحتال دخله الاذني‏في المعاملة بمعنى انه تتوقف الحوالة على اذن المحتال في المقام، وذلك لما المحنا اليه سابقا من ان للدائن‏المحتال حقا على المحيل المدين، وهو عبارة عن وجوب ايصال المحتال الى الواقع وهو المال الخارجي، ومن‏المعلوم ان الحوالة لاتوصله الى المال الخارجي، بل هي تطبيق للمال الذمي الثابت في ذمة المحيل المدين على مال‏ذمي آخر ثابت في ذمة المحال عليه لا على مال خارجي، وهذا التطبيق مفوت لحق المحتال الدائن وهو حق‏الايصال‏ فلابد من اذنه في الحوالة تطبيقا للميزان النوعي السابق في اناطة المعاملة برضا الغير، فللمحتال دخل‏اذني في الحوالة على مدين لا دخل انشائي، واما المحال عليه فلا دخل له لا انشاء ولا اذنا، اما انشاء فلان الحوالة‏ليست تصرفا في ماله، واما اذنا فلان الحوالة ليست مفوتة لحقه.

فتلخص: ان الحوالة على مدين اذا فسرناها بالوفاء وطبقناها عليه تفتقر الى ايقاع من قبل المحيل فقط واذن من قبل‏المحتال، واما المحال عليه فلا يعتبر اءصلا اذنه ولا انشاؤه.

وان كانت الحوالة على بري‏ء وفسرناها بالوفاء فهذا وفاء بالمال الذمي المملوك للغير، فهو ايقاع يمارسه الغير،اي المحال عليه لا المحيل، فان المحال عليه هو الذي يملك المحتال ماله الذي هو تحت سلطانه، ولا يعتبر دخل‏المحيل فيه لا انشاء ولا اذنا، اما انشاء فلان الحوالة حينئذ تصرف في مال المحال عليه لا في مال المحيل، وامااذنا فلان الحوالة لا تفوت على المحيل حقا كي يعتبر اذنه.

نعم، لو كان المحيل قد استدعى من المحال عليه البري‏ء ان يوفي دينه الثابت في ذمته للمحتال فيصبح ضامنا،فيكون دخل المحيل معتبرا في الحوالة، وهذا موضوع آخر لا يرتبط بما نحن بصدده.

اذن فلا يعتبر في الحوالة على بري‏ء ان فسرناها بالوفاء دخل المحيل لا انشائه ولا اذنه، بل هي ايقاع من قبل‏المحال عليه فقط، واما المحتال فيعتبر اذنه، وذلك لما اشرنا اليه آنفا من ان للمحتال الدائن حقا في ان يوصله‏المحيل المدين الى المال الخارجي، فالحوالة حيث انها ايصال الى مال ذمي آخر فهي مفوتة لحقه فلابد من اذنه.

فتلخص: ان الحوالة بناء على انها وفاء فهي ايقاع انشائي من قبل المحيل فقط ان كانت الحوالة على مدين، وايقاع‏انشائي من المحال عليه فقط ان كانت الحوالة على بري‏ء، وفي كلتا الصورتين تتوقف على اذن المحتال.

واما النحو الثاني: وهو ان تكون الحوالة تنازلا لا مجانيا اي التنازل الى‏بدل‏ فان خرجنا التنازل على احدالتقريبين السابقين وهما: الجعالة والاستدعاء الموجب للضمان فيظهر حينذاك ان الحوالة ليست ايقاعا كاملا ولاعقدا كاملا، بل هي مجموع معاملتين: الابراء والجعالة او الابراء والاستدعاء، فان كانت مركبة من الابراء والجعالة‏فهي معاملة مجتمعة من ايقاع وعقد بناء على ان الجعالة عقد، او من ايقاعين بناء على انها ايقاع، وان كانت مركبة‏من الابراء والاستدعاء فهي مجتمعة من ايقاعين.

واما اذا لم نخرج التنازل على احد التقريبين السابقين وفرضنا ان هناك احتمالا آخر للتنازل وهو ان يكون تنازلاعن الدين عن طريق المعاوضة بحيث يكون احد العوضين فيها نفس سقوط الدين والعوض الاخر المال الذي هوفي ذمة المحال عليه‏ فحينذاك تكون الحوالة عقدا، لانها تمس شاءنين: شاءن المحيل وشاءن المحتال.

وتختلف هذه المعاوضة عن المعاوضة في النحو الثالث، فانه هناك ينتقل الدين الى من هو عليه، وهنا يسقط‏الدين عنه.

واما النحو الثالث: وهو ان تكون الحوالة عبارة عن تغيير الدائن‏ فيظهرحاله مما ذكرناه في النحو الثاني، فان‏الحوالة اما ان تكون على مدين او على بري‏ء. فان كانت على مدين فهي مبادلة مال بمال، فان المال الثابت للمحيل‏في ذمة المحال عليه تبودل بالمال الثابت للمحتال في ذمة المحيل، فهي معاوضة انشائية، والاداة الانشائية لهاهي العقد، ولكل من المحيل والمحتال دخل انشائي فيها سواء كان الاول هو البائع والثاني هو المشتري اوبالعكس.

واما المحال عليه فلا دخل له اصلا في المعاوضة لا بنحو الانشاء ولا بنحو الاذن ، فاءما الاول فلانه لم يقع تصرف‏في ماله وفي شاءن من شؤونه كي يكون له دخل انشائي فيه، واما الثاني فلان المعاوضة لاتوجب تلف حق على‏المحال عليه كي يكون له دخل اذني فيها.

وان كانت الحوالة على بري‏ء فقد خرجناها سابقا على احد تقريبين:

الاول: البناء على ان المعاوضة لايشترط فيها دخول كل من العوضين في ملك من خرج منه العوض الاخر،فحينذاك يقال:

ان احد العوضين هنا هو المال الثابت في ذمة المحيل للمحتال والعوض الاخر هو مال المحال عليه،وقد خرج العوض الاول من ملك المحتال ودخل في ملك المحيل، والعوض الثاني خرج من ملك المحال عليه ودخل‏في ملك المحتال، فتكون الحوالة عقدا، لانها متقومة بدخل انشائي من كل من المحتال والمحال عليه، اما المحتال‏فلانه الذي خرج من ملكه العوض الاول ودخل في ملكه العوض الثاني، واما المحال عليه فلانه الذي قد خرج من‏ملكه العوض الثاني وان كان لم يدخل في ملكه العوض الاول بل دخل في ملك المحيل.

ويبقى الكلام في انه هل لابد من دخل انشائي من قبل المحيل في هذه المعاوضة باعتبار انه الذي يدخل في ملكه‏العوض الاول، ودخوله في ملكه مساوق لسقوط الدين عنه‏ او لايعتبر دخله الانشائي في المعاوضة باعتبار انه‏لم يخرج من ملكه اي من العوضين ؟ الصحيح ان ذلك ملحق بباب تمليك الدين على من هو عليه، فان قلنا ان تمليك الدين على من هو عليه هبة وعقد ففي‏المقام ايضا لابد من دخل انشائي من قبل المحيل، وان قلنا هناك انه ابراء وايقاع ولا يحتاج الى قبول من عليه الدين‏ففي المقام ايضا ينتفي دخله الانشائي، وحيث ان التوسع في هذا المجال يسوقنا الى البحث عن النكات الاساسية‏لالحاق الهبة بالابراء فلنتركه الى محله.

الثاني: البناء على اعارة المحال عليه ذمته للمحيل بحيث يملك المحيل الانتفاع بها ويشغلها بما شاء، فحينذاك‏تكون الحوالة مسبوقة بالعارية دائما، وتكون العارية بين المحيل المستعير والمحال عليه المعير، وتكون الحوالة‏بين المحيل والمحتال، فكما لايكون للمحتال دخل انشائي في العارية فكذلك لايكون للمحال عليه دخل انشائي في‏الحوالة، لانها تقع بين المحيل والمحتال. فعلى هذا التقريب تكون الحوالة ايضا عقدا، لانها تمس شاءنين: شاءن‏المحيل وشاءن المحتال، واما المحال عليه فله دخل انشائي في العارية التي تمهد الطريق للحوالة وتكون مقدمة‏لها.

واما النحو الرابع: وهو ان تكون الحوالة عبارة عن تغيير المدين‏ فاما ان تكون حوالة على بري‏ء او على مدين،فاءما اذا كانت الحوالة على بري‏ء فهي‏عقد، لانها تمس شاءنين: شاءن المحتال وشاءن المحال عليه، اما الاول فلانه‏الذي يحدث الانتقال في ماله من وعاء الى وعاء آخر اءي من ذمة زيد الى ذمة خالد فهو تصرف في ماله، فلابدمن دخله الانشائي في المعاوضة، واما الثاني فلانه الذي تشتغل ذمته عند الحوالة للمحتال، وحيث ان ذمته ملك‏له فاشغالها لعمرو المحتال تصرف في ملك المحال عليه، فلابد من دخله الانشائي ايضا، واما المحيل فهواجنبي، لان المعاوضة لاتوجب التصرف في ماله بل توجب التصرف فيما عليه من الدين، وهذا لايسبب دخله‏الانشائي في الحوالة.

واما اذا كانت الحوالة على مدين فقد يقال: انها تصرف قائم بين المحتال والمحال عليه من دون دخل للمحيل في‏ذلك، وقد يقال: انها تصرف قائم بين المحيل والمحتال من دون دخل للمحال عليه في ذلك، وقد يقال: انها تصرف‏قائم بين المحيل والمحتال والمحال عليه، حسب التصورات الفنية للموقف.

وتوضيحه: انه لو احال زيد دائنه عمرا على خالد الذي هو مدين للمحيل فالذي يحدث ان الدين الثابت لعمرو على‏زيد قد انتقل من ذمته الى ذمة خالد واصبح عمرو يملك الدين في ذمة المدين الجديد، ففي هذا المورد تكون‏الحوالة تصرفا في شاءن المحتال والمحال عليه، اما الاول فلان الدين الذي كان ثابتا لعمرو على زيد قد انتقل من‏ذمة الى اخرى، وهذا تصرف فيه، فلابد من دخل انشائي من قبل المحتال في ذلك لانه ملكه، واما الثاني فلان ذمة‏المحال عليه قد اشتغلت بدين جديد للمحتال فهو تصرف في ذمة خالد التي‏هي تحت سلطان نفسه، ومجرد كونه‏مدينا للمحيل لايبرر للمحيل ان يجعله مدينا لشخص آخر كيفما شاء وفي اي جزء من ذمة المدين، اذن فهوتصرف في شاءن المحال عليه ايضا، فلابد من دخله الانشائي، واما المحيل فلا دخل له اصلا، لانه ليس تصرفافي ملكه.

وبتعبير اوضح: ان في المقام مالين: المال الذي يملكه زيد في ذمة خالد، والمال الذي يملكه عمرو في ذمة زيد،فاءما الاول فلا تمسه الحوالة بناء على النحو الرابع، لان تغيير المدين لايوجب تغير الدين الثابت للمحيل على‏المحال عليه بل هو محفوظ، واما الثاني فهو الذي تمسه الحوالة، باعتبار انها تمس شاءنين: شاءن المحتال لانه‏ماله، وشاءن المحال عليه لانه الذي اشتغلت ذمته به، فلابد من دخلهما معا، دون المحيل لانه ليس تصرفا في‏ملكه.

نعم، لو فرضنا ان المحيل استدعى من المحال عليه هذا التصرف فيضمن للمحال عليه، وحينذاك لابد من دخله‏الانشائي، وقد يؤدي هذا الاستدعاء الى سقوط الدين الثابت على المحال عليه للمحيل بالتهاتر بين الدينين كماسبق، الا ان الاستدعاء مساءلة اخرى لا تمت الى موضع البحث بصلة.

اذن فعلى التقريب المزبور يتحقق صدق القول الاول، وان الحوالة على مدين بناء على انها تغيير للمدين‏ تصرف‏قائم بين المحتال والمحال عليه فقط.

واما القول الثاني وهو ان الحوالة هنا تصرف بين المحيل والمحتال دون المحال عليه‏ فهو مبني على ان نفترض‏ان الدائن كما يملك المال في ذمة مدينه فكذلك يملك من ذمة المدين ذاك المقدار الذي يستوعبه المال، فهو مالك‏للمال والذمة لا بكاملها، بل هو مالك لجزء منها وهو الجزء الذي انحفظ فيه المال، فتكون الحوالة حينئذ بناء على‏النحو الرابع‏ تصرفا في شاءن المحيل‏والمحتال دون المحال عليه، اما المحيل فلانه دائن ويملك جزء من ذمة‏مدينه المحال عليه كما مر، فله التصرف فيه باشغاله بما يريد بشرط ان لايتعدى الجزء المملوك له الى سائراجزاء ذمة المدين المحال عليه، واما المحتال فلانه الذي يملك المال في ذمة المحيل، فاذا اراد المحيل نقله من ذمة‏نفسه الى ذمة اخرى فهو يتضمن تصرفا في ملك المحتال، فلابد من دخله الانشائي، واما المحال عليه فلا دخل‏له، وذلك لانه ليس تصرفا في ملكه وفي شاءن من شؤونه.

والفرق بين هذا التقريب الذي يحقق صدق القول الثاني وان الحوالة هنا تصرف بين المحيل والمحتال دون‏المحال عليه‏ وبين التقريب الاول الذي حقق صدق القول الاول وانها تصرف بين المحتال والمحال عليه دون‏المحيل‏ ان التقريب الاول مبني على ان الدين الذي ينقل من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه لا ينقل الى نفس‏الجزء من الذمة الذي كان يملكه المحيل بل نقل الى جزء آخر من ذمة المحال عليه، وحيث ان الجزء الاخر كان‏تحت سلطان المحال عليه نفسه فكان لابد من دخله الانشائي، واما هنا فحيث فرضنا ان الدين ينتقل الى نفس‏الجزء من الذمة الذي كان يملكه المحيل دون الاجزاءالاخرى فكان لابد من دخل المحيل فيه، لانه تصرف في ملكه‏وهو الجزء من ذمة المحال عليه، ولا دخل للمحال عليه فيه، لانه ليس تصرفا في ملكه وفي شاءن من شؤونه.

واما القول الثالث: وهو ان الحوالة بناء على انها تغيير للمدين تصرف قائم بين المحيل والمحتال والمحال عليه‏ولكل من هؤلاء الدخل الانشائي فيه‏ فهو مبني على نسف المبنى الذي تدخل في التقريب السابق وعدم تبني الراي‏القائل باءن الدائن يملك جزء من ذمة مدينه، فاذا لم نتبن هذا القول فمعناه ان ذمة المحال عليه بكاملها مملوكة‏لنفسه ولا يملكها ولا جزء منها الدائن، فهي بجميعها تحت سلطان نفسه، وحيث ان الحوالة تتضمن التصرف‏في ذمة المحال عليه فهي تصرف يمس شاءنه، فلابد من دخله الانشائي، كما ان للمحتال الدخل الانشائي، لانهاتصرف في ماله الذي يملكه في ذمة المحيل، وللمحيل ايضا الدخل الانشائي، لانها تصرف في ماله الذي يملكه‏في ذمة خالد المحال عليه.

هذا هو غاية ما يمكن من توضيح التقاريب الثلاثة.

وحينئذ: فلا اشكال في بطلان التقريب الاول، لانه مبني على ان للدائن الحق في ان يشغل سائر الاجزاء من ذمة‏المدين غير الجزء الذي يملكه. وهذا غير صحيح، فان الحوالة لاتوجب اشغال ذمة المحال عليه بكاملها، بل ان‏الدين الثابت للمحتال على المحيل ينتقل الى نفس الجزء من الذمة الذي يملكه المحيل على المحال عليه .

والبرهان عليه: انهم اتفقوا على براءة ذمة المحال عليه بمجرد الحوالة قبل الاداء، وهذا دليل على ان المال المنقول‏من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه انما انتقل الى نفس الجزء من الذمة الذي كان ظرفا ووعاء مملوكا للمحيل،ويعني هذا ان دين المحيل على المحال عليه قد سقط وحل محله دين في ذمة المحال عليه للمحتال، بينما لو كان‏الامر كما يقوله التقريب الاول وان الدين الثابت للمحتال على المحيل ينتقل الى جزء آخر من ذمة المحال عليه غيرالجزء المملوك للمحيل لما كان يبرا المحال عليه بمجرد الحوالة، بل غايته ضمان المحيل لو كان هو المستدعي،والضمان فرع الاداء وفي طوله، والحال انهم اتفقوا على براءة ذمة المحال عليه قبل الاداء.

اذن فالتقريب الاول واضح البطلان.

فيدور الامر بين التقريب الثاني والثالث، وحيث انا بينا ارتكازية كون الدائن مالكا للوعاء والذمة ايضا كما هومالك للمال المظروف فالصحيح هو التقريب الثاني، لانه الذي يحقق هذه الارتكازية دون الثالث لانه ينسفها.

وبذلك انتهى الحديث عن عقد الحوالة وتبين ما هي حدودها.

التلقيح

آية اللّه السيد محسن الخرازي

ان التلقيح له صور مختلفة، وقد تختلف احكام هذه الصور تكليفا ووضعا، لذا فسنبحث حكم كل صورة على‏حدة:

الصورة الاولى ما اذا القي مني الزوج بوسيلة ما في رحم زوجته او مني المالك في رحم مملوكته.

ولا يخفى ان ذلك جائز في نفسه، اذ لا منع من هذه الكيفية وان لم تكن عادية، ولو شك في حليتها او حرمتهافمقتضى البراءة الشرعية والعقلية هو الجواز.

نعم، لو توقفت هذه الكيفية على مقدمات محرمة ككون الملقح اجنبيا، او استلزام التلقيح للنظر الى ما لا يجوزالنظر اليه ولو لم يكن الملقح اجنبيا، او استلزام اخراج المني بالاستمناء يجب الاحتراز عن ذلك، لوجوب الاجتناب‏عن المقدمات المحرمة.

وهذا بخلاف ما اذا لم تتوقف على هذه الامور كما اذا فرض ان النطفة خرجت بوجه محلل ولقحها شخص الزوج‏بزوجته، فلا وجه للحرمة كما لايخفى.

ثم ان الولد المتكون من هذا الطريق الجديد ولد لهما حقيقة وان كانت المقدمات محرمة، لان المفروض ان الولدخلق من مائهما ولا مدخلية للجماع، ولذا لو افرغ الزوج ماءه خارج الفرج ثم جذبه اليه بنفسه او باعانة‏ فلا ريب‏في ان الحمل منه والولد لهما، ولا اصطلاح خاص في الولادة، ولا نهي شرعي في مثل المقام، فصدق الولد عليه‏كاف في ترتب جميع احكامه.

الصورة الثانية فيما اذا كان التلقيح بماء غير الزوج فهل يجوز ذلك ام لا يجوز؟ ذهب سيدنا الامام المجاهد (قدس سره) الى عدم الجواز((91)). واستدل له بايات كريمة وروايات شريفة وغيرهما:

اما الايات، فمنها:

1 قوله تعالى في وصف المؤمنين والمصلين : (والذين هم لفروجهم حافظون - الا على اءزواجهم اءو ما ملكت اءيمانهم‏فانهم غير ملومين - فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون)((92)). بدعوى: ان حفظ الفرج عن غير الزوجة وملك اليمين مطلق يشمل كل حفظ، فيعم حفظه عن الجماع والتفخيذوارسال منيه الى فرج امراة غيرها، فمن لم يحفظ فرجه وصب ماءه في رحم امراة محرمة ولو بمثل الوسائل‏الحديثة فهو عاد وعاص.

واورد عليه: بان المنصرف القطعي من حفظ الفرج على النساء ان لا يستمتع بفرجه بهن وان لا يباشرهن بفرجه‏بالجماع وسائر الاستمتاعات، فحفظ الفرج عليهن كناية عن خصوص الاستمتاع بهن بالفرج، ولا يعم مثل صب‏قطرة من ماء خرج من الفرج بواسطة شي‏ء غير الفرج كيد زوج‏المراة مثلا في فرجهن من دون مقدمات‏محرمة.

اللهم الا ان يقال: ان حذف المتعلق في الاية يدل على لزوم حفظ الفرج حتى عن الاستيلاد بالنحو المذكور، فلا وجه‏لدعوى الانصراف لو كان اطلاق.

نعم، يمكن ان يقال: ان الاية الكريمة بقرينة ما قبلها وبعدها في مقام وصف المؤمنين باوصاف مذكورة اجمالاوليست في مقام بيان تفصيلها، ولذلك لا اطلاق لها بحيث يشمل الاستيلاد بالطرق الحديثة.

2 اللهم الا ان يقال: انه يكفي للاستدلال قوله تعالى في سورة النور: (قل للمؤمنين يغضوا من اءبصارهم ويحفظوافروجهم الى قوله: وقل للمؤمنات يغضضن من اءبصارهن ويحفظن فروجهن)((93)) الاية، اذ المقام مقام بيان غض البصروحفظ الفرج، ومقتضى الاطلاق هو عدم جواز مثل الاستيلاد، لان حذف المتعلق يدل على الاطلاق والتعميم.

3 قوله تعالى: (حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم... والمحصنات من النساء)((94)).

بدعوى: ان الطوائف المذكورة قد حكم بكونها محرمة على الرجال، والحرمة هي الممنوعية، وحيث انها مطلقة‏اسندت الى الذوات دلت على‏حرمة كل فعل يتعلق بهن، فيحرم تلقيح الماء في رحمهن حتى لو كان بوسيلة غيرالفرج ايضا.

واورد عليه: بان الاستدلال بالاية الكريمة ضعيف، من جهة انصراف الحرمة في امثال المقام بمناسبة الحكم‏والموضوع الى خصوص النكاح والاستمتاع بهن. ولذلك قال في زبدة البيان: ((الظاهر ان المراد تحريم نكاحهن،لما تقدم وتاخر، وللتبادر من مثله كتبادر الاكل في (حرمت عليكم الميتة)((95))، ولعدم تحريم الذات، والنكاح‏اولى ما يمكن تقديره))((96)). ولعل مراده بقوله: ((ما تقدم وتاخر)) هو الذي اشار اليه في كتاب ((كلمات سديدة)) من قوله تعالى في الاية الثانية‏بعد ذكر المحصنات: (واحل لكم ما وراء ذلكم اءن تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين)((97))، فان ظاهره ان ما احل‏اللّه للرجال من سائر النساء التي ما وراء ذلكم فهو محرم منهن وهو العقد بهن والازدواج معهن بالصداق، وقوله‏تعالى في الاية السابقة على الايتين: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف...)((98)) الاية، فانه ظاهروقرينة على ان مورد الكلام في هذه الايات هو النكاح بالنساء، والايات في مقام بيان الحلال والحرام منهن في هذه‏الجهة((99)).

ولقائل ان يقول: ان موارد الاستشهاد لا تدل على انحصار مدلول آية تحريم الامهات في النكاح لو لم نقل‏بانصرافها عن غير النكاح. هذا مضافا الى منع دعوى الانصراف والتبادر الى خصوص النكاح، بل حذف المتعلق‏يدل على ارادة عموم ما يتعلق بهن من النكاح والاستمتاعات والاستيلاد.

نعم، يمكن ان يقال: ان الاية الكريمة حيث كانت في مقام ذكر موارد المحرمات من النساء نسبية كانت اورضاعية او سببية لا اطلاق لها بالنسبة الى خصوصيات المحرم وكيفياته، وعليه فلا تشمل الاستيلادبالطرق‏الحديثة.

واما الروايات، فمنها:

1- ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن ابراهيم،عن ابيه، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن سالم، عن‏ابي عبداللّه (ع) قال: ((ان اشد الناس عذابا يوم القيامة رجل اقر نطفته في رحم يحرم عليه))((100)).

بدعوى: ان ظاهر الحديث ان العذاب الشديد مترتب على اقرار النطفة في الرحم الذي يحرم عليه بحيث لو زنى‏الزاني وعزل ماءه لما تحقق موضوع لهذا العذاب الاشد، فيدل الحديث دلالة واضحة على ان نفس جعل نطفته في‏رحم يحرم عليه معصية كبيرة.

وحينئذ، فكونه بالزنى والجماع طريق عادي للوصول الى هذا الامر المحرم، والا فاذا اوجده بطريق آخر غيرعادي ايضا لما كان شك في حصول موضوعه وشمول الاطلاق له وترتب حكم الحرمة عليه.

وفي التعبير بالنطفة التي هي امشاج من مني الرجل وبييضة المراة دلالة على ان تمام موضوع الحرمة هو عقدالنطفة بماء امراة محرمة عليه، فلو كان مجرد افراغ المني من دون ان ينعقد به نطفة لما تحقق موضوع هذاالحرام.

وبالجملة، فالمتحصل من مثل هذا الحديث اذا لوحظ مع ادلة حرمة الزنى ان نفس الزنى والايلاج حرام، ووضع‏نطفته المنعقدة من منيه وبييضة المزني بها في رحمها حرام آخر، وهو لا سيما بتناسب الحكم والموضوع آمطلق يعم ما اذا كان بطريق الافراغ العادي او بطريق آخر، فان الحرام انما هو اقرار النطفة في رحم يحرم عليه‏فارغا عن خصوصية اسبابه((101)).

وفيه:

اولا: ان الخبر ضعيف بعلي بن سالم لجهالته، اللهم الا ان يكتفى بنقل ابن ابي عمير عنه.

وثانيا: ان اقرار النطفة في الرحم منصرف الى الزنى والايلاج والادخال حتى يتحقق الاقرار في الرحم، ويؤيده‏كون فاعل ذلك اشد عذابا يوم القيامة من جميع الناس، اذ مجرد صب المني في الفرج المحرم ليس اشد عذابا من‏الزنى من دون افراغ المني، كما انه ليس له حد الزاني، ويؤيده ورود اشد العذاب في المعاصي الكبيرة العظيمة،كقوله (ع): ((ان اشد الناس عذابا يوم‏القيامة من وصف عدلا ثم خالفه الى غيره))((102))، وكقول الصادق (ع): ((ان‏اشد الناس عذابا يوم القيامة سبعة نفر: اولهم ابن آدم الذي قتل اخاه، ونمرود الذي حاج ابراهيم في ربه، واثنان‏من بني اسرائيل هودا قومهم ونصراهم، وفرعون الذي قال: انا ربكم الاعلى، واثنان من هذه الامة))((103)). وغيرذلك، ولا اقل من الشك، فلا يشمل مثل المقام.

ثم لا شاهد في التعبير بالنطفة على ان تمام موضوع الحرمة هو عقد النطفة بماء امراة محرمة عليه، فان اسنادالنطفة الى من اقر دون صاحب الرحم المحرم عليه ظاهر في خصوص نطفة المقر لا نطفة مركبة من الرجل‏وبيضة المراة، واستعمال النطفة في بعض الموارد بذلك المعنى لا يدل على انه المراد في جميع الموارد، ويؤيده‏ما سياتي من الاخبار من التعبير بافراغ الماء.

وثالثا: ان غاية مفاده هو حرمة اقرار صاحب النطفة، فلا يشمل ما اذا افرغ شخص منيه في وعاء ثم اقره زوج‏امراة في رحم زوجته، فهو اخص من المدعى.

والقول: بان الافراغ للاقرار يوجب اسناد اقرار الزوج او المراة اليه، كما ترى، لقوة المباشر في الاقرار، كما لايخفى.

ومما ذكر يظهر ما في الاستدلال بما رواه الصدوق في الفقيه((104)) جازما ومرسلا عن النبي (ص) وفي الخصال‏باسناده عن ابن الوليد، عن سعد بن عبداللّه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، قال: سمعت غير واحدمن اصحابنا يروي عن ابي عبداللّه (ع) انه قال: قال النبي (ص): ((لن يعمل ابن آدم عملا اعظم عند اللّه تبارك وتعالى‏من رجل قتل نبيا او اماما، او هدم الكعبة التي جعلها اللّه عزوجل قبلة لعباده، او افرغ ماءه في امراة‏حراما))((105)).

لما عرفت من الانصراف الى الزنى مع افراغ الماء في رحم محرم عليه، كما يناسبه تشديد العذاب عليه وجعله في‏عداد قتل النبي او الامام او هدم الكعبة.

ودعوى ظهور الحديث في الافراغ ولو بدون الزنا، بعيدة جدا.

هذا، مضافا الى احتمال ان الحرام وصف للافراغ، ومع هذا الاحتمال لا يدل الا على المنع عن الافراغ الحرام، فلايصلح للتمسك به في المقام، لانه تمسك بالعام في الشبهات الموضوعية، اذ حرمة الافراغ بالطريق المفروض‏اول الكلام.

اللهم الا ان يقال: ان الحرام وصف للمراة لقربه منها، فافهم.

على ان سند الرواية لا يخلو من الضعف من جهة الارسال وجهالة القاسم بن محمد، الا ان يقال: ان الاسنادالجزمي من الصدوق مع تصريح جامع الرواة بوحدة القاسم بن محمد الاصبهاني والقاسم بن محمد الجوهري‏والقاسم بن محمد القمي، لاشتراكهم في الراوي والمروي عنه، ونقل الاجلاء كابن ابي عمير وصفوان عن‏الجوهري، يكفي في الاعتبار.

ثم ان التعبير بالافراغ في هذه الرواية شاهد على ان المراد اقرار النطفة ايضا هو ذلك، لا عقد مني الرجل مع مني‏المراة، فالحديث كالحديث السابق يدل على تغليظ حرمة المركب من الامرين، وهما: الزنى، مع افراغ الماءوانزاله، ومن المعلوم انه اشد عذابا من نفس الايلاج والادخال الذي هو الزنى من دون افراغ، لانه مضافا الى كونه‏زنى سبب لانعقاد النطفة بوجه غير مشروع.

2- ما رواه في الكافي عن محمد بن احمد، عن ابي عبداللّه الرازي، عن الحسن بن علي بن ابي حمزة، عن ابي عبداللّهالمؤمن، عن اسحاق بن‏عمار قال: قلت لابي عبداللّه (ع): الزنى اشد او شرب الخمر؟ وكيف صار في الخمر ثمانين‏وفي الزنى مئة؟ فقال: ((يا اسحاق، الحد واحد، ولكن زيد هذا لتضييعه النطفة، ولوضعه اياها في غير موضعهاالذي امره اللّه عزوجل به))((106)).

بدعوى: انه (ع) علل ضرب العشرين جلدة المزيدة في حد الزنى باستلزامه تضييع النطفة، فقد دل على ان تضييع‏النطفة حرام حتى انه اوجب زيادة العشرين جلدة على ما هو الحد الواحد.

وقد فسر تضييع النطفة المذكور فيه بقوله (ع): ((ولوضعه اياها في غير موضعها الذي امره اللّه عزوجل به)).

والظاهر ان المراد بالنطفة هي المركبة من مني الرجل وبييضة المراة، وهي اول ما يخلق من مبدا نشوء الانسان،كما في موثقة اسحاق بن عمار الواردة في النهي عن شرب الدواء المسقط للحمل من قول ابي الحسن (ع): ((ان اول‏ما يخلق النطفة))((107)). وحينئذ، فوجه اسناد وضع النطفة في ظاهر الحديث الى الرجل مع انه لا يضع الا ماءه ومنيه هو ان افراغه لمائه‏هو السبب القوي في تكون نطفة الانسان وقرارها في رحم المراة.

فقد دل الحديث على ان اقراره لنطفته المتكونة من مائه وبييضة المراة في غير موضعها الذي امره اللّه عزوجل به‏حرام، وهذا عنوان عام يشمل ما كان بالطريق المتعارف وما كان بالطريق المفروض فيما نحن فيه، وذلك لما مرمن ان المستفاد من مثله ان تمام الموضوع والموجب للحرمة هو وضع النطفة واقرارها في غير موضعها الذي‏امره اللّه به، وهو صادق على مفروض ما نحن فيه.

ولو سلم ان المراد بالنطفة مجرد منيه فلا ينبغي الشك في ان المقصود من ((وضعها في غير موضعها الماموربه)) ليس مطلق قرارها في غير رحم زوجته حتى يعم مثل العزل الذي قد وردت اخبار مستفيضة بجوازه وان امرمائه بيده يصرفه حيث يشاء لا سيما اذا رضيت به زوجته، بل المراد به خصوص وضعها في رحم غير زوجته،فيساوق ما مر في خبر الخصال بقوله (ع): ((افرغ ماءه في امراة حراما))((108)).

وفيه:

اولا: ان الرواية لاشتمالها على المجاهيل ضعيفة.

وثانيا: ان الحكمة المذكورة ليست عامة بل مختصة بالزاني.

وحاصله: ان الزاني حيث ضيع نطفته بحسب الغالب‏ اذ ربما لا يوجب الانزال استحق المزيد من الحد على حد الشارب، ولا يستفاد منه حرمة مطلق الوضع مع عدم‏صدق التضييع، ووضع النطفة في غير الموضع المامور به‏ اي الحرام مشكوك الصدق على المقام.

هذا، مضافا الى انه لا اظن احدا يلتزم بحرمة تضييع النطفة مطلقا ولو لم يرتكب محرما آخر.

3- ما ورد في لزوم الاحتياط في باب الفروج والاستيلاد، كصحيحة شعيب الحداد قال: قلت لابي عبداللّه (ع): رجل‏من مواليك يقرئك السلام، وقد اراد ان يتزوج امراة، وقد وافقته واعجبه بعض شانها، وقد كان لها زوج فطلقهاعلى غير السنة، وقد كره ان يقدم على تزويجها حتى يستامرك فتكون انت تامره. فقال ابو عبد اللّه (ع): ((هو الفرج‏وامر الفرج شديد، ومنه يكون الولد، ونحن نحتاط، فلا يتزوجها))((109)).

والشبهة موضوعية لا حكمية، اذ الامام (ع) لم يحتط فيها بل بين حكمها، ثم ان وجه الاحتياط لعله لان الطلاق‏البدعي على اقسام: منها باطل ان صدر منا، كطلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج معها او مع‏غيبته من‏دون مضي المدة المشترطة، وهكذا النفساء، او كطلاقها في طهر المواقعة، ومنها صحيح، كطلاق الثلاث مترتبة،بمعنى انشاء الطلاق ثلاث مرات في مجلس واحد، فانه كما صرح في الجواهر لا خلاف في وقوع الواحدة‏به((110)). وحيث ان الراوي لم يعين الموضوع علم انه لم يتمكن من احراز كيفية وقوع الطلاق البدعي فصارمشتبها، فاوصى الامام (ع) في مفروض المسالة بالاحتياط وترك التزويج. ولا ينافي هذه الرواية ما دل على‏صحة طلاق الثلاث وحسابها واحدة اذا اجتمعت الشرائط، لان الرواية في مورد الشبهة لا العلم بالكيفية. هذا،مضافا الى ان النسبة بينهما هي الاطلاق والتقييد.

واما حمل الرواية على الاولوية والاحتياط دون الحكم والوجوب، ففيه: انه غير واضح بعد كون بعض اقسام موردالرواية باطلا، فلا يجوز تزويج زوجة الغير. هذا، مضافا الى عدم مناسبة تشديد امر الفرج مع الاولوية‏والاستحباب، فالظاهر من الرواية هو الامر بالاحتياط في باب النكاح والاستيلاد فيما اذا لم يجر اصل منقح آكالاستصحاب للجواز، ولكن الرواية في الشبهات الموضوعية، وكلامنا في حكم التلقيح الصناعي، وهو شبهة‏حكمية.

اللهم الا ان يقال: ان الاحتياط اذا كان لازما في الشبهات الموضوعية المذكورة يكون الامر كذلك في الشبهات‏الحكمية بطريق اولى.

4- ما رواه الشيخ (قدس سره) باسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن‏الحسن بن موسى الخشاب، عن علي‏بن حسان، عن علي بن عقبة، عن موسى بن اكيل النميري، عن العلاء بن سيابة، قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عن‏امراة وكلت رجلا بان يزوجها من رجل الى ان قال: فقال (ع): ((ان النكاح احرى واحرى ان يحتاط فيه، وهو فرج‏ومنه يكون الولد...)) الحديث((111)). وطريق الشيخ الى العلاء صحيح، ولكن لا توثيق للعلاء نفسه الا ان يكتفى بما يظهر من جامع الرواة من ان ابن ابي‏عمير روى عنه((112)). وكيف كان، فالامام (ع) في هذه الرواية بعد تصريحه بصحة تزويج الموكل قبل اعلام العزل اليه امر بالاحتياط في‏امر النكاح، والشبهة فيه شبهة حكمية. والامام (ع) اعترض على من افتى ببطلان التزويج لو كان بعد العزل ولو لم‏يعلمه بالعزل، ومع هذا الاعتراض لا يكون الامر بالاحتياطامرا استحبابيا، كما لا يخفى.

وعليه، فمقتضى تعليل الاحتياط في الفرج والنكاح بكونه منشا للولد هو لزوم الاحتياط في التلقيح الصناعي، ولامجال للرجوع الى البراءة في مثله. فالمستفاد من هذه الروايات هو لزوم الاحتياط في الشبهات الموضوعية‏والحكمية في النكاح والاستيلاد، ويعتضد ذلك بما تقرر في محله من عدم جواز الرجوع الى البراءة العقلية‏والشرعية في الشبهة الموضوعية والمصداقية في باب الدماء والفروج والاعراض والنفوس مستدلا باهتمام‏الشارع بحفظ هذه الموارد، وهو يمنع عن الترخيص في الاقتحام في شبهاتها وكاشف عن ايجاب الاحتياط، فلهذالو رئي شبح من بعيد لم يعلم انه مهدور الدم او محقونه لايجوز رميه.

قال شيخنا الاستاذ الاراكي (قدس سره): ((ففي صورة الشك في تحقق الموضوع وعدمه وان كان الشك من جهة‏نفس الموضوع شكا في الموضوع لكن ما هو المضاف الى هذا الموضوع من الاحترام والحفظ منقح الموضوع،فان حفظ الشي‏ء من التلف يصدق حقيقة في مورد احتماله كما ان عدم المبالاة فيه صادق حقيقة على ترك الحفظ‏ولو لم يكن لنفس الشي‏ء تحقق وواقعية.

وبالجملة، حال الحفظ حال الاحتياط، فكما انه صادق في مورد احتمال الضرر ولو لم يكن ضرر واقعا وتركه‏تهور كذلك ايضا ولا يدور شي‏ء منهما مدار وجود الواقع بل الاحتمال هو الدخيل التام في صدقهما، فكذلك الحفظ‏ورعاية الجانب، فاذا رايت شخصا واحتملت كونه مسلما ورميته فقد صدق عليك انك ما حافظت عن نفس المسلم‏وصرت بمقام تعريضه في الخطر، فانت فاعل للحرام وان كان المرمي كافرا واقعا، وهكذا لو سلكت طريقالايؤمن اللص او السبع فيه، فانت بنفس السلوك مندرج في عنوان من لا يتقيد بحفظ نفسه من الوقوع في معارض‏الخطر ومظانه ولو فرض انه لم يعترضك شي‏ء منهما في الطريق.

ومن هذا يعلم ان حكمهم بعصيان سالك الطريق المظنون الضرر فيجب عليه اتمام الصلاة ولو انكشف عدم‏الضرر على طبق القاعدة، وليس من باب التجري في شي‏ء))((113)).

وعلى هذا، لا شبهة موضوعية او مصداقية في البين، لان الدليل متكفل لاثبات الحرمة والاحترام والرعاية والحفظ‏في هذه الموضوعات الواقعية.