ثم قال (قدس سره): ((وعلى هذا فلا مساغ للرجوع الى اصل البراءة، لكن لا ينافي هذا مع جريان الاصل المنقح‏للموضوع نفيا واثباتا، فاذا كان عدم الضرر له الحالة السابقة يجري الاستصحاب ويحكم بجواز السلوك، وكذلك‏بجواز الصوم لو شك في كونه ضرريا ام لا مع سبق عدم ضرريته، وهكذا لوكان مسبوقا بالكفر او عدم الايمان‏او التجاهر او عدم الكراهة جاز استصحاب ذلك الى ان قال : ان الحكم وان رتب على الاحتمال والاحترام بنحوتمام الدخل لكن من المعلوم ان الواقع علة لهذا الحكم، فهو وان لم يكن حيثية تقييدية لكنه حيثية تعليلية، فان‏الشارع انما حرم الاقدام والاقتحام في محتمل الضرر لكون النفس والعرض من المسلم عنده محترما وذا شان،فاذا قام اصل على نفي هذه العلة وان هذا موضوع لا يرى له الشارع شانا واحتراما فلا محالة يكون حاكما على‏الدليل الدال على احترام‏المؤمن ووجوب احتفاظ دمه وعرضه، فان الدليل لسانه في مورد الشك ان المؤمن ذوشان عند الشارع فاحتفظه، والاصل لسانه ان هذا الشخص ليس مؤمنا قد اوجب الشارع احترامه وحمايته، ومن‏المعلوم حكومة هذا على الاول ثم قال : والحاصل: ان مورد الاحتمال وان حكمنا بكونه مشمولا للدليل ومورداللتمسك به لكنه ما دام لم يكن حاكم عليه فاذا كان الاستصحاب موجودا فهو حاكم على ذلك الدليل، وبهذا الاصل‏نرفع اليد عن ذلك الدليل، فافهم واغتنم))((114)). ومع دلالة بعض الاخبار على لزوم الاحتياط في الفرج والاستيلاد لاوجه لتخصيص دائرة الاحتياط بمورد النكاح‏والدماء والفروج، فكما ان الاحتياط فيها مطلوب كذلك في الاستيلاد. هذا، مضافا الى ان الاحصان والعفة مما اكدعليهما الشارع المقدس، لان قوام العائلة بهما، وينافيهما عدم حفظ الرجل ماءه عن الاجنبية وعدم حفظ المراة‏فرجها عن ماء غير زوجها.

على ان دعوى قيام سيرة المتشرعة على الاجتناب عن مياه غير الازواج ولو مع عدم تمكن الازواج من الاستيلادغير مجازفة، والقول بعدم اتصالها الى زمان المعصوم او انها مستندة الى الفتاوى غير مسموع.

وايضا تجويز التلقيح الصناعي بماء الاغيار مع عدم اقامة الشهود واختفاء الفعل يوجب اختلاط الانساب‏وذهابها، لا سيما اذا كان صاحب الماء غير معلوم، وقد دل بعض الاخبار على ان من حكمة تحريم الزنى هو ذهاب‏الانساب:

فقد روى الصدوق باسناده عن محمد بن سنان، عن الرضا (ع) فيما كتب اليه من جواب مسائله: ((وحرم اللّه الزنى‏لما فيه من الفساد، من قتل النفس، وذهاب الانساب، وترك التربية للاطفال، وفساد المواريث، وما اشبه ذلك من‏وجوه الفساد))((115)). وروى احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي في الاحتجاج، عن ابي عبداللّه (ع) في حديث ان زنديقا قال له: لم‏حرم اللّه الزنى؟ قال: ((لما فيه من الفساد وذهاب المواريث وانقطاع الانساب، لا تعلم المراة في الزنى من احبلها، ولاالمولود يعلم من ابوه، ولا ارحام موصولة، ولا قرابة معروفة...)) الحديث((116)). وربما يقرب الاستدلال بهما: بانهما تدلان على ان ذهاب الانساب سر من اسرار حرمة الزنى، فهو امر مبغوض‏يجب الاجتناب عنه مهما كان، وكونه حكمة لا يدور حرمة الزنى مدارها لا يضر بالقول بحرمة كل عمل اشتمل‏على هذه الحكمة، فان الحكمة لا تقصر عن العلة في موارد ثبوتها بل تزيد عليها في موارد انتفائها، فان الحكمة‏بمثابة من الاهمية توجب احتمالها ومظنتها انشاء الحكم بنحو الاطلاق بخلاف العلة، وتمام الكلام في‏محله((117)).

اللهم الا ان يقال: الرواية الاولى ضعيفة من جهة اشتمال طريق الصدوق الى محمد بن سنان على القاسم بن الربيع‏الصحاف وعلي بن عباس وهما ضعيفان، هذا مع الغمض عن محمد بن سنان، والرواية الثانية ضعيفة من جهة‏الارسال.

هذا، مضافا الى ان الامور المذكورة من حكم جعل الشارع وتشريعه حرمة الزنى ومعممية الحكمة متوقفة‏على الاحاطة بعدم المانع في سائر الموارد، وهو اول الكلام، فتامل.

وكيف كان، فتحصل مما ذكر من تمامية دلالة بعض الايات والروايات، ومقتضى العفة والاحصان، وقاعدة‏الاحتياط في النفوس والاعراض والدماء والاموال هو لزوم الاجتناب عن تلقيح ماء الاجنبي.

حكم الولد بالنسبة الى صاحب الماء:

ثم ان المتكون من طريق التلقيح من ماء الاجنبي المعلوم هو ولد لصاحب الماء وصاحب الماء اب له، لصدق عنوان‏الاب والابن عرفا، اذ المعيار فيه هو تكونه من ماء صاحب الماء وهو حاصل.

وما في الجواهر من ان مجرد كون الماء من شخص لا يكفي في لحوق الولد شرعا، ضرورة كون الثابت من‏النسب فيه الوط‏ء الصحيح ولو شبهة، وليس هذا منه، وليس مطلق التولد من الماء موجبا للنسب شرعا، ضرورة‏عدم كون العنوان فيه الخلق من مائه، والصدق اللغوي بعد معلومية الفرق بين الانسان وغيره من الحيوان‏بمشروعية النكاح فيه دونه، بل المراد منه تحقق النسب((118)) منظور فيه:

اولا: بانه لا دليل على دخالة الوط‏ء الصحيح في صدق الولد وتحقق‏النسب شرعا، كما يشهد له انتساب عيسى آعلى نبينا وآله وعليه السلام الى مريم وآبائها (ع) مع انه لا وط‏ء فيه، وايضا انتساب الولد المنخلق من ماء الزوج‏الى ابيه شرعا ولو لم يتحقق الوط‏ء، بان انزل ماءه على فرج زوجته وجذبته اليه، وكذلك انتساب الولد الى الزوج‏شرعا اذا وطئ زوجته في حال الحيض او النفاس او الصوم مع انه لم يقع الوط‏ء الصحيح.

وعليه، فلا مجال لدعوى دخالة الوط‏ء الصحيح في تحقق النسب شرعا، كما لا دخالة له في صدق الولد عرفا.ويدل على عدم دخالة الوط‏ء ما ورد في قضية الشيخ الكبير الذي نكح جارية حدثة فصارت الجارية حاملا مع ان‏الشيخ لم يجامعها وانما انزل الماء في قبلها من غير وصول اليها بالافتضاض من ان امير المؤمنين (ع) قال:((الحمل له، والولدولده))((119)).

نعم، يكون الوط‏ء الصحيح مقارنا غالبيا له، ومع عدم دليل على لزوم ذلك فلا وجه لرفع اليد عن المعيار العرفي‏في صدق الولد والنسب من تكون الولد من ماء صاحب الماء.

ثم ان نفي الولدية في الزنى بمثل قوله (ع): ((الولد لغية (ملغى)لايورث)) في خبر محمد بن الحسن‏الاشعري((120))، او قوله (ع) في صحيحة الحلبي: ((ايما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادعى ولدهافانه لايورث منه شي‏ء، فان رسول اللّه (ص) قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولايورث ولد الزنى الا رجل يدعي‏ابن وليدته))((121))، وغير ذلك من الاخبار مخصوص بالزنى، فلا يشمل مثل المقام.

والحاقه بالزنى في نفي الولدية لا دليل له بعد عدم صدق الزنى عليه، بل اجراء حكم الزنى عليه قياس، لانه اسراءحكم من موضوع الى موضوع آخر.

والقول بان الملاك في نفي الولد في الزنى هو عدم وجود العلقة الشرعية بينهما وهو جار في مثل التلقيح‏الصناعي، غير سديد بعد عدم معلومية الملاك، ولعل للوط‏ء مدخلية في ذلك، كما انه موجب للحد الشرعي. وعليه‏فمع صدق العناوين من الابن والولد والاب والوالد تشمله الادلة الدالة على احكام الولد والوالد، ولا ينافي الصدق‏المذكور اقتران التلقيح بمقدمات‏محرمة وعدمه. هذا، مضافا الى انه لو وقع خطا فاشتبه مني زوجها بمني‏الاجنبي لم تقع مقدمات محرمة، بل هو كالوط‏ء بالشبهة.

وثانيا: ان مناقشة صاحب الجواهر المذكورة مع قطع النظر عن النصوص، والا فهي اجتهاد في مقابل النص،ويكفي في ذلك الروايات المستفيضة الواردة في حكم ما لو جامع الرجل امراته فساحقت جارية فحملت:

منها: ما رواه محمد بن يعقوب، عن عدة من اصحابنا، عن احمد بن محمد بن خالد، عن عمرو بن عثمان وعن ابيه‏جميعا، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم، قال: سمعت ابا جعفر وابا عبداللّه (ع) يقولان: ((بينما الحسن بن‏علي (ع) في مجلس امير المؤمنين (ع) اذ اقبل قوم فقالوا: ياابا محمد، اردنا امير المؤمنين (ع) قال: وما حاجتكم؟قالوا: اردنا ان نساله عن مسالة، قال: وما هي تخبرونا بها؟ فقالوا: امراة جامعها زوجها، فلما قام عنها قامت‏بحموتها((122)) فوقعت على جارية بكر فساحقتها، فالقت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن (ع):معضلة وابو الحسن لها، واقول فان اصبت فمن اللّه ثم من امير المؤمنين، وان اخطات فمن نفسي، فارجو ان لااخطئ ان شاء اللّه: يعمد الى المراة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في اول وهلة، لان الولد لا يخرج منها حتى تشق‏فتذهب عذرتها، ثم ترجم المراة لانها محصنة، ثم ينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها، ويرد الولد الى ابيه‏صاحب النطفة، ثم تجلد الجارية الحد. قال: فانصرف القوم من عند الحسن (ع) فلقوا امير المؤمنين (ع) فقال: ماقلتم لابي محمد، وما قال لكم؟ فاخبروه، فقال: لو انني المسؤول ما كان عندي فيها اكثر مما قال ابني))((123)).

ومنها: ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) باسناده عن علي بن ابي حمزة، عن اسحاق ابن عمار، عن ابي عبداللّه (ع) قال:((اذا اتى رجل امراة فاحتملت ماء (ماءه) فساحقت به جارية (جاريته) فحملت، رجمت المراة وجلدت الجارية‏والحق الولد بابيه))((124)). وغير ذلك من الاخبار.

وهذه الروايات تدل على ان الولد لصاحب النطفة، وهي معمول بها، ولا يضر بالعمل بها ما حكي عن ابن ادريس‏من ان اصحابنا لا يرجمون المساحقة، فلا يجترى على رجمها بخبر واحد لا يعضده كتاب او سنة متواترة اواجماع((125))، لعدم ثبوت مدعاه، لما حكي عن الشيخ والقاضي وابن حمزة من انهم عملوا بها في الرجم ايضا،وعلى فرض التسليم فعدم العمل مخصوص بتلك الفقرة.

ثم ان الروايات وان كانت واردة في مورد معلومية صاحب الماء لكن تعليق الحكم بالوصف في قوله (ع): ((يردالولد الى ابيه صاحب النطفة)) يشعر بان الولد لصاحب النطفة معلوما كان او مجهولا، فتدبر.

ولا مجال للحكم بكون الولد للزوج مستدلا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))((126))، لان‏الولد متكون من ماء غير الزوج يقينا، ومعه لا مجال للاخذ بقوله:

((الولد للفراش))، لانه امارة فيما اذاشك ان الحمل‏منه او من الغير، واما اذا علم انه من الغير فلا معنى لجعل الامارة فيه، كما لا يخفى.

ومورد الاخبار الدالة على ان الولد للفراش وللعاهر الحجر هو صورة التداعي والشك، فراجع((217)).

نعم، لو لقحت نطفة الاجنبي في الزوجة وقاربها زوجها ثم حملت‏واحتمل ان الولد من ماء الزوج صح الاخذ بعموم‏ما ورد ((الولد للفراش)) للحكم بكون الولد للزوج.

ثم انه حكي عن ابن ادريس انه قال في الحاق الولد بصاحب الماء في فرض مساحقة زوجته مع غيرها : ان الولدغير مولود على فراش الرجل فكيف يلتحق به((218))؟! ويمكن الجواب عنه: بان قوله (ع): ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) لا يدل على حصر الولد في الفراش حتى ينافي‏الحاق الولد في الصورة المذكورة وانما هو في مقابل الزاني، فالولد في الفرض المذكور ملحق بصاحب الماء، لانه‏ماء غير زان، وقد انخلق منه الولد فيلحق به شرعا، لانه الموافق للعرف واللغة، واقصى ما هناك ان الزاني خارج‏منه فيبقى غيره.

والاولى من ذلك ما اذا وقع التلقيح بتوهم ان الماء ماء زوجها او بتوهم ان المراة زوجته فبان الخلاف، فان الموردالمذكور كالوط‏ء بالشبهة.

حكم الولد بالنسبة الى المراة:

ا ان كانت المراة الملقحة بماء غير الزوج ذات بيضة وانعقدت نطفة الغير مع نطفتها فالولد متكون منها ايضا كماانه متكون من صاحب الماء، ومع كون تكونه منهما يصدق انها امه وانه ولدها كما يصدق انه ولد لصاحب الماءوانه اب له، ومع صدق هذه العناوين تترتب عليها احكامها.

لا يقال: ان ظاهر قوله (ع) في صحيحة محمد بن مسلم:

((ويرد الولدالى صاحب النطفة...)) من دون ذكر انتسابه الى‏الام هو اختصاص صاحب النطفة بالولد، فهو ينافي كونه ولدا بالنسبة الى المراة.

لانا نقول:

اولا: ان الرواية ساكتة من جهة نسب المراة ولا تدل على نفي الولدية عنها، ومجرد قوله: ((يرد الولد الى صاحب‏النطفة...)) لا يدل على النفي، اذ اثبات شي‏ء لا ينفي ما عداه.

وثانيا: انه من الممكن ان تكون المساحقة كالزنى في ايجاب نفي الولد، وحيث ان الجارية طاوعت في ذلك كانت‏كالزانية، ولذا لم ينسب الولد اليها، فتامل.

وثالثا: ان السكوت لعله من جهة مفروغية انتساب الولد الى الجارية، فافهم.

وكيف كان، فمع عدم وضوح دلالة الرواية على نفي الولد بالنسبة الى الام لا وجه لرفع اليد عن حكم العرف‏بالولدية، لوجود معيارها وهو انخلاق الولد من مائها ايضا.

ب وان كانت المراة عقيما فلقحت نطفة الرجل مع بيضة مراة اخرى غير عقيمة فانعقدت نطفة الولد، فهل يلحق‏بالمراة صاحبة البيضة ام بالاخرى التي تصير ملقحة؟ هنا وجوه:

الوجه الاول: هو ما ذهب اليه السيد الخوئي (قدس سره) من ان المراة المذكورة التي زرع المني في رحمها ام‏للولد شرعا، فان الام هي المراة التي تلد الولد، كما هو مقتضى قوله تعالى:

(الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن‏امهاتهم ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم)((129))... الخ((130)).

وحاصله: ان الام كما صرحت الاية الكريمة هي التي تلد الولد سواء كانت صاحبة البيضة ام لم تكن.

وفيه: ان الحصر في الاية الكريمة اضافي، حيث كان ذلك في مقابل‏ما كانوا يتوهمونه من الحرمة الابدية‏لزوجاتهم بالظهار بمثل قولهم لهن: ((انت علي كظهر امي))، فقال سبحانه وتعالى في ردهم بان هذا القول لا يوجب‏صيرورة الزوجة اما لزوجها حتى تترتب عليها احكام الامومة، بل الام هي التي ولدته، فلا تدل الاية الا على نفي‏الامومة عن اللاتي ظاهرهن‏ازواجهن.

واما اعتبار التولد في صدق الامومة في جميع الموارد حتى مثل المقام فلا تكون الاية في مقام بيانه، فلا دخالة‏للتولد في الامومة، ويشهد لذلك انه‏لو اخرج الجنين من غير الموضع الطبيعي لا تصدق الولادة، ومع ذلك لاريب‏في صدق الامومة.

وعليه فلعل ذكر الولادة للطفل بملاحظة كونها امرا غالبيا او دائميا في تلك الازمنة، او لعل‏المراد من الولادة هو تكون الولد من مائها كما ان بهذا الاعتبار ايضا يطلق الوالد على الاب، فتامل.

واما القول بان اطلاق الوالد على الاب باعتبار كونه سببا للحمل والوضع فهو ممنوع، لان لازمه هو ان يكون اطلاق‏الوالد على الاب مجازا من باب علاقة السبب والمسبب، وهو كما ترى.

وكيف كان، فلا وجه لرفع اليد عن الحكم العرفي في باب الولدية بمثل الاية الكريمة التي لا اطلاق لها بالنسبة الى‏المقام، فالمحكم هو ما مر من ان الاب هو صاحب الماء والام هي صاحبة البيضة.

الوجه الثاني: هو ما ذهب اليه السيد المجاهد الامام الخميني (قدس سره) من انه لو ثبت ان نطفة الزوجين منشاللطفل فالظاهر الحاقه بهما، سواء انتقل الى رحم المراة او رحم صناعية((131)). وقد اوضحه في كلمات سديدة حيث قال: ولا يبعد ان يقال: ان ملاك الامومة عند العرف مثل ملاك الابوة، وهوكون الطفل في مبدا خلقته مخلوقا بمائها، فاذا كان المفروض ان نطفته التي هي مبدا خلقته واول ما يخلق حاصلة‏من تركب ماءين فهذا المخلوق الاول هو اول مراحل وجود الطفل، فالطفل بوجوده الاول متقوم ومستند الى‏صاحب المني والبييضة، بل هو مركب من جزاين كل منهما لواحد من صاحبي البييضة والمني، والتغذي الذي‏يلحقه ويحصل له انما يوجب نموه.

فالغذاء الذي يتغذى به في رحم المراة كالغذاء الذي يتغذى به بعد ان تولد وخرج من الرحم لا يوجب انقلابه عماكان عليه من كونه طفلا لصاحبي الماءين، فكما انه لو اجهض النطفة وربيت في مصنع معد لمثل ذلك الى ان بلغت‏مرحلة نفخ الروح وتمكنت من ادامة الحياة خارج المصنع كسائر ابناء البشر فكما انه لا ريب حينئذ في انه ولدلصاحبي البييضة والمني، فهكذا اذا كان رحم المراة مكان ذاك المصنع المفروض، فالطفل يلحق بصاحبة‏البييضة، وهي ام له عند العرف((132)).

الوجه الثالث: هو ما يظهر من شيخنا الاستاذ الاراكي (قدس سره) من الاحتياط، لعدم تمامية الادلة المذكورة‏لتعيين الام((133)). ولعل وجه الشبهة هو ان مقتضى الاية الكريمة اعتبار الولادة ولو بامكانها، فلا ينافي ذلك صدق الامومة على من‏اخرج من غير الموضع الطبيعي. ولكن لا اطلاق لها، وعدم وضوح حكم العرف بانخلاق الولد من ماء المراة، مع‏ذهابهم الى ان الام هي وعاء. اللهم الا ان يقال: هذا مع‏عدم علمهم بتاثير بيضة المراة، فمع كون امراة عقيماوالتاثير لبيضة امراة اخرى يحكمون بانخلاقها ممن لها البيضة.

وكيف كان، فلو شك في امومتهما كانت المسالة من اطراف العلم الاجمالي، ومقتضى القاعدة هو الاحتياط برعاية‏احكامهما بينهما، فان الامومة ليست خارجة عنهما، ففي مثل الارث يكون اللازم هو تصالحهما، وفي مثل النكاح‏والنظر ونحوه يكون اللازم هو لزوم الاجتناب على الولد بالنسبة اليهما، وعليهما بالنسبة الى الولد، وهكذا.

ج هذا كله فيما اذا لم تزرع بيضة امراة لها بيضة برحم امراة عقيم، والا فبعد زرعها وصيرورتها جزء لها فالولدالمتكون منها ولد للمراة التي كانت عقيما دون من اخذت البيضة منها وان قيل ان البيضة واجدة لما يتركب منهامن اول الامر، فان الجزئية امر عرفي، فاذا زرعت وصدقت الجزئية للثانية كان كل ما يتولد منها متولدا من المراة‏التي تكون البيضة جزء لها فعلا، ولذلك قال شيخنا الاستاذ الاراكي (قدس سره) هنا: ان البيضة ان صارت جزءلبدن المراة الثانية كان الولد ملحقا بها((134)). الصورة الثالثة ان يؤخذ المني او البيضة من النباتات فيلقح في رحم انسان فتنعقد النطفة هناك الى آخر مراتب النمو.

والظاهر عدم دخول شي‏ء منها في موضوع الحرمة المستفادة من الادلة ولو بالغاء الخصوصية، فيكون الاصل‏جوازها.

وذلك لعدم صدق اقرار النطفة في رحم الاجنبية بناء على تمامية ذلك الدليل على الحرمة، فانه غير صادق على‏المفروض في المقام، لان ظاهره هو اقرار الاجنبي نطفته في رحم يحرم عليه، وفي المقام ليست النطفة للاجنبي،كما لا يكون في ذلك مخالفة للاحصان والعفة او اختلاط الانساب وغير ذلك، ولا يشمله ايضا قوله تعالى:(ويحفظن فروجهن)((135))، لانصرافه الى الحفظ عن الانسان.

ثم ان المتولد من ذلك ليس له اب وانما له ام ان كان الماخوذ من النباتات هو المني، وليس له ام ان كان الماخوذمنها هو البيضة وقلنا بعدم كون المراة الملقحة اما، وليس له اب وام لو كان الماخوذ منها كليهما وقلنا بعدم كون‏المراة الملقحة اما.

فاولاد الاب والام من غير هذا الطريق اخوة لمن عد ابنا له او لها، واما اذا لم يكن ابنا لهما فلا قرابة بينه وبينهماوبين اولادهما.

وهكذا الامر اذا كان المني والبيضة كلاهما ماخوذين من النباتات وجعلا في رحم صناعية، فانه لا قرابة بين‏المتولدين من هذا الطريق وبين غيرهم، ولذلك يجوز تزويج بعضهم لبعض.

الصورة الرابعة ان يؤخذ مني الزوج وبيضة الزوجة ويركبان في خارج الرحم، ثم تزرع النطفة بعد مدة قليلة او كثيرة في رحم‏الزوجة.

ولا اشكال فيه لو كان ذلك بمقدمات غير محرمة.

ثم ان الطفل منسوب اليهما، لان انخلاق الطفل من مائهما، ومجرد كون التركيب في الخارج لا يضر بذلك، فالطفل‏ولد لهما.

اللهم الا ان يقال: ان اللازم في النسب الشرعي هو الوط‏ء الصحيح وهو غير موجود في المقام، ولكن عرفت سابقاعدم دليل على ذلك وان ادعاه صاحب الجواهر (قدس سره)، ومجرد غلبة الوط‏ء الصحيح في موارد النسب‏الشرعي لايدل على الاعتبار، بل عرفت موارد لم يكن فيها وط‏ء او وط‏ء صحيح ومع ذلك حكم بالنسب الشرعي‏فيها.

وكيف كان، فمع عدم وضوح دليل على ذلك لا وجه لرفع اليد عن الحكم العرفي، لصدق الاب والام والولد بذلك.

ولعل زرعهما في رحم حليلته الاخرى ايضا كذلك، اذ مع حلية رحم حليلته الاخرى لا يصدق اقرار النطفة في رحم‏يحرم عليه بناء على تمامية دلالته، والمراة قد حملت نطفة زوجها او سيدها. واما لزوم المنع من ورود نطفة امراة‏اخرى فلا دليل له، اللهم الا ان يستدل بقوله تعالى: (ويحفظن فروجهن) بدعوى اطلاقه لمثل تلقيح بيضة امراة‏اخرى.

وينقدح مما ذكر حكم زرعهما في رحم يحرم عليه ايضا بالاولوية، ودعوى الانصراف في الاية الكريمة غير ثابتة،وعليه فلا يجوز اجارة الرحم بهذا المعنى.

وهكذا يظهر مما ذكر حكم ما اذا لقحت بيضة امراة في رحم امراة اخرى عقيم فجامعها عقيبه زوجها فحبلت، فان‏قبول بيضة امراة ينافي اطلاق‏قوله تعالى: (ويحفظن فروجهن).

نعم، لو كان تلقيح البيضة من حيوان في رحم امراة عقيم مثلا فجامعها زوجها فالظاهر هو الجواز، لعدم دليل‏على حرمته، والاية الكريمة منصرفة عنه.

الصورة الخامسة ان يؤخذ مني الزوج والزوجة ويركبان في خارج الرحم ثم يجعل المزيج منهما في رحم صناعية لتنشئته وتربيته‏حتى يتكامل ويصير حيا سويا خارج الرحم من دون وط‏ء وحمل ووضع وتغذية الام وغير ذلك.

والحكم العرفي موجود في هذا الفرض ايضا، فالزوج اب والزوجة ام ولو لم يقع وط‏ء وحمل وغير ذلك، ومع صدق‏عناوين الاب والام والولد تترتب عليها احكامها، واولادهما من غير هذا الطريق اخوة للولد المذكور، وهكذا.

ولا يضر عدم وجود هذا النوع من الاولاد في الصدر الاول، لان موضوع الادلة ليس ماخوذا بنحو القضية‏الخارجية بل بنحو القضية الحقيقية، فالولد ماخوذ في الادلة بان كل شي‏ء يوجد ويصدق عليه الولد فحكمه كذا،ومن المعلوم انه صادق على الولد المذكور.

الصورة السادسة ان يؤخذ ماء رجل معلوم وبيضة امراة معلومة من دون ان تكون بينهما علقة الزوجية ويركبان معا ثم يجعل‏المزيج منهما في رحم صناعية ليتربى وينشا ويتكامل ويصير حيا سويا.

ربما يقال: ان عقد النطفة بالوجه المذكور لا ينبغي الريب في انه ليس مشمولا للعناوين الماخوذة في ادلة الحرمة،فانها عناوين خاصة منتزعة من قرار الماء او النطفة في الرحم، والمفروض هنا انعقاد النطفة خارج الرحم‏فلاتعمه ادلة الحرمة.

اللهم الا ان تلغى عنها خصوصية قرارها في الرحم ويدعى ان تمام الموضوع انما هو انعقاد النطفة بماء الرجل‏وبييضة امراة تحرم عليه وان‏ذكر الرحم مثلا انما هو بلحاظ انه كان هو الطريق المتعارف، او يقال: ان عقد النطفة‏في المكائن الصناعية الحديثة وضع لها في غير موضعها الذي امر اللّه عزوجل به، فيعمه العنوان الماخوذ في‏خبر اسحاق بلا حاجة الى دعوى الغاء الخصوصية، لكنك خبير بان المنصرف من ((غير موضعها)) هو رحم غيرحليلته، ولا يعم مثل المكائن الحديثة.

واما دعوى الغاء الخصوصية فهي على عهدة مدعيها... ومع الشك وعدم الجزم بها فاصالة البراءة تقتضي‏الجواز، وطريق الاحتياط واضح.

هذا كله اذا كان الرجل صاحب المني معلوما، واما اذا لم يعلم هو بعينه فاللازم من عقد النطفة حينئذ ذهاب‏الانساب الذي قد عرفت مبغوضيته شرعا((136)).

وفيه: انه يكفي لحرمة اعطاء الماء من الرجل والمراة الى غيرهما اطلاق قوله تعالى: (ويحفظوا فروجهم) وقوله‏عزوجل:

(ويحفظن فروجهن)، فان من اعط‏ى ماءه غيره لم يحفظ فرجه عنه. ودعوى الانصراف مع حذف المتعلق‏لا وجه لها، فان الحفظ من الوط‏ء والاستمتاعات والاستيلاد، والانصراف لو كان فهو بدوي. ولا فرق في ذلك بين‏معلومية صاحب الماء وعدمها.

ومما ذكر يظهر حكم زرعها بعد عقدها في الرحم، فان ذلك ينافيه اطلاق الاية الكريمة الدالة على وجوب حفظ‏الفرج، اذ من المعلوم ان من جعل فرجه في معرض مياه الاغيار لم يحفظ فرجه.

ثم لو عصى باخذ الماء من الطرفين وعقدهما وجعلهما في رحم صناعية فالمتكون منهما ولد لهما، فان معيارالابوة هو انخلاق نطفة الطفل من‏مني الشخص فهذا الشخص اب له، وهكذا ملاك الامومة انما هو انعقاد نطفته من‏بيضة الشخص فهذا الشخص امه، فلا محالة يلحق المولود بصاحب المني فيكون اباه وبصاحبة البيضة فتكون‏امه، ولا دخل للحمل والوضع كما مر.

ولا محالة تترتب عليهما احكام الاب والام، وكذا تترتب على سائر من انتسب بهما الى الطفل الاحكام الخاصة‏المترتبة على عناوينها، فاولاد الاب والام اخوة لهذا الطفل المصنوع خارج الرحم، وهكذا.

ثم ان هنا صورا اخرى:

كاخذ مني انسان وبيضة حيوان وعقدهما وزرعهما في رحم انسان آخر محلل او محرم او في رحم حيوان، اواخذ بيضة انسان ومني حيوان وعقدهما وزرعهما في رحم انسان محلل او محرم او رحم حيوان، او اخذ المني‏والبيضة من حيوانين او نباتين او من نبات وحيوان، وغير ذلك.

ويظهر حكم هذه الصور مما تقدم، ولا حاجة الى تفصيلها وتكرار ماذكرنا.

الاثبات القضائي الاقرار تعريفه، دليليته، اقسامه

الشيخ قاسم الابراهيمي

والبحث فيه يقع تارة عما يرتبط بماهيته كتعريفه ودليليته واقسامه، واخرى عن حجيته، وثالثة عن اركانه،ورابعة في بعض مسائله وتطبيقاته. وقد تناولنا في هذا العدد الموضوع الاول وهو تعريف الاقرارودليليته‏واقسامه على ان نبحث سائر المواضيع في الاعداد القادمة ان شاء اللّهتعالى.

تعريفه الاقرار لغة: وزان افعال : مصدر (اقر) هيئة، مشتق من (قر) اي‏ثبت وسكن وتمكن مادة، مرادف للاعتراف‏ومضاد للجحود معنى. كذا ذكر اهل اللغة((137)).

والظاهر عدم المرادفة، وانما هو ابرز مصاديقه المنصرف اليها عندالاطلاق، غير الناشئ انصرافه من حاق اللفظ‏بل من كثرة الاستعمال. والصحيح في مرادفه ((الاثبات))، لاستعماله في العرف والروايات((138)) بمعنيي الامضاءوالترك غير الداخلين مع المعنى المتقدم في الاشتراك اللفظ‏ي قطعا مع عدم الجامع بين الثلاثة الا ما ذكر، ودلالة‏معنى مادة الكلمة المشتق منها لفظه عليه، كما اعترف به في المسالك، اذ قال في تعريف الاقرار: ((هو لغة:الاثبات، من قولك: قر الشي‏ء يقر، واقررته وقررته، اذا افدته القرار))((139)).

واصطلاحا: مختلف فيه حقوقيا وفقهيا.

اما في الحقوق: فقد عرفه السنهوري بانه: ((اعتراف شخص بحق عليه لاخر، سواء قصد ترتيب هذا الحق في ذمته‏او لم يقصد))((140)). واحمد نشات بانه: ((اعتراف خصم لخصمه بالحق الذي يدعيه، مقدرا نتيجته، قاصدا الزام نفسه‏بمقتضاه))((141)). وبمضمونه تعريف سليمان مرقس((142)).

وعبد الوهاب ومحمد العشماويان بانه: ((اعتراف الشخص بصحة واقعة يترتب على وجودها التزامه بنتائجهاالقانونية قبل شخص آخر، قصد ترتيب هذا الالتزام في ذمته ام لم يقصد))((143)). واحمد ابو الوفا بانه: ((شهادة من الخصم على نفسه لمصلحة خصمه بصحة واقعة قانونية))((144)).

ومهدي صالح محمد امين بانه: ((اعتراف الشخص على نفسه طواعية بحق‏ متزلزل او مختلط لاخر واجب‏التسليم))((145)).

وجندي عبد الملك بانه: ((شهادة المرء على نفسه بما يضرها))((146)). وتختلف هذه التعريفات فيما بينها:

اولا: في امكان تعلق الاعتراف بالحق مباشرة كما يظهر من تعريفات السنهوري ونشات وامين او بالواقعة‏كذلك، والحق بواسطتها، او الاعم منهما. وربما رجع الفرق بين متعلقي الاقرار الى الفرق بين متعلق كلي الاثبات،وانه الواقعة القانونية او الحق ذاته او مطلق الحقيقة، كما نبهنا على ذلك في تعريف الاثبات((147)). ثانيا: في ان موضوعه النزاعات والخصومات الواقعة بين البشر انفسهم، ام الاعم منها ومن الجنايات المعاقب‏عليها في القانون، اي موضوعه حقوق الناس فقط ام حقوق اللّه ايضا كالزنا مثلا، على حد تعبير علماء الشريعة؟فجميع التعاريف المتقدمة ظاهرة في الاول، لتقيدها بكون الاعتراف لصالح شخص آخر، عدا تعريف صاحب‏الموسوعة الجنائية فظاهر في الاعم. وسياءتي ما فيه توجيه للمقام.

ثالثا: التقيد بصدور الاقرار عن علم بنتائجه وقصد المقر الزام نفسه باقراره كما صرح بذلك احمد نشات، وعدمه‏كما هو ظاهر الاطلاق في سائر التعاريف، بل وتصريح بعضها بصدق الاقرار مع عدم الامرين.

رابعا: تقييد صدور الاعتراف بالطواعية كما صنع مهدي صالح محمد امين، او عدم تقيده كما صنع الاخرون.والظاهر عدم دخل الاختيار في مفهوم الاقرار، وانما هو شرط الاخذ به.

وربما اشتملت بعض التعريفات المتقدمة ما قد يجعل فرقا بينها وبين غيرها، كاخذ الخصومة في التعبير عن‏المقر والمقر له، واتصاف الحق بالادعاء قبل الثاني، او بالتزلزل او الاختلاط، او بوجوب التسليم، وغير ذلك مما لايشكل فرقا جوهريا فيما بينها.

وهذه الفروق انعكست كلا او جلا في المواد القانونية المعرفة للاقرار:

ففي المادة (1259) من القانون المدني للجمهورية الاسلامية في ايران جاء: ((الاقرار عبارة عن الاخبار بحق عليه‏للغير)).

وفي المادة (461) من القانون المدني العراقي والمادة (93) من قانون‏البينات السوري انه: ((اخبار الخصم امام‏المحكمة بحق عليه لاخر)).

وفي المادة (408) من القانون المدني المصري و (396) من القانون المدني الليبي عرف بانه: ((اعتراف الخصم امام‏القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه، وذلك اثناء السير في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة)).

لكنه وما قبله تعريف للاقرار القضائي لا الاقرار بوجه عام.

وقد ورد مضمونه في قانون البينات السوري في مادة اخرى غير المادة المتقدمة، هي المادة (94) منه، كما وردفي القانون المدني الفرنسي ايضا تحت الرقم (1356).

وعرفته المادة (210) من قانون اصول المحاكمات المدني اللبناني بانه: ((اعتراف فريق بامر ادعي به عليه)).

واما في الفقه: فعرفه فقهاء اهل السنة بتعريفات كثيرة ومتباينة جدا احصيت فيما بلغني منها اربعة عشر تعريفالهم((148)).

وكذلك فقهاؤنا اذ عرفه الشيخ في بعض كتبه((149)) وابن زهرة((150)) والحلي في مواضع من كتابه((151)) بانه:((الشهادة على النفس))، وعرفه الشيخ في المبسوط((152)) وابن البراج((153)) وابن ادريس الحلي في موضع‏آخر((154)) بانه: ((اخبار عن حق واجب عليه))، وابن حمزة بانه: ((اخبار بحق على نفسه))((155))، والمحقق في‏الشرائع بانه: ((اللفظ المتضمن للاخبار عن حق واجب))((156))،وفي المختصر بانه: ((اخبار الانسان بحق لازم‏له))((157))، ومثله الكركي في صيغ العقود مقيدا الاخبار بالجزم((158)). وعرفه العلامة في التبصرة بانه: ((اخبارعن حق سابق))((159))، ولذا ورد في جوهرة ابن داود:

والقول في الاقرار بالاخبار عن حقه السابق لا فرار((160)) ومثله في القواعد، غير انه اضاف عبارة ((لايقتضي تمليكا بنفسه، بل يكشف عن سبقه))((161))، وفي الارشادبانه:

((اللفظ الدال على الاخبار عن حق سابق))((162))، ومثله في التذكرة، غير انه استبدل السابق بالواجب((163)).وعرفه ابنه الفخر بانه: ((اخبار عن حق سابق للغير او نفيه لازم للمقر))((164))، ونحوه ما في وسيلة النجاة مع‏تقييد الاخبار بالجزم((165))، والشهيد الثاني في الروضة بانه: ((اخبار جازم عن حق لازم سابق على وقت‏الصيغة))((166))، ونحوه تعريف الكاشاني مستبدلا صفة الجزم بالوجوب مع حذف متعلق السبق((167)). وكيف ما كان، فالتعريف بالاخبار والشهادة لاخراج جميع العقود والايقاعات. وتقييد الاخبار بالجزم لاستبعادالاخبار المعلق وغير البالغ مرحلة الجزم، والظاهر انه مراد الجميع وانما ترك لوضوحه. وتعلقه بالحق لنفي‏الاخبار بما عداه.

وتقييد الحق بالسبق لدفع ما لو اخبر عن حق مستقبل، ولا يخرج به الاقرار بالمؤجل، فانه اقرارباصل الحق دون تاءجيله، فهو خارج، ولذا اعتاض البعض عنه بالوجوب، فانه مخرج للمستقبل والمؤجل،لان‏المراد بالواجب الثابت فعلا. واضافة البعض قيدا آخر الى السبق هو اللزوم له لاخراج الشهادة والدعوى،فانهما اخبار جازم عن حق سابق ايضا، الا ان‏قيد ((على نفسه)) يخرجهما.

وقد يورد على كل هذه التعاريف: اخراجها الاقرار بالحد لتعليق الاخبار بالحق فيه، وعلى خصوص المقيد للحق‏بكونه للغير اخراجه لحق اللّه، مع انهما داخلان في الاقرار متعلقان له.

فيجاب: اما بان المراد من الحق الاعم من الحد، او بان المراد من الاقرار المعرف الاقرار في المعاملات فقط، ومن‏الغير كل ما عدا النفس الشامل باطلاقه للّه ايضا، فالاشكالان غير واردين.

كما قد يورد على اغلبها: خروج اقراره بنفي الحق عنه وهو ما دعا صاحبي الايضاح ووسيلة النجاة الى اخذه في‏التعريف، وما اخذ قيد اللفظفيه بانه تعريف للصيغة لا له.

ومما ذكرنا يتضح ان اقرب التعاريف المذكورة الى فقهنا تعريف صاحب الموسوعة الجنائية.

الاقرار في ادلة الاثبات قد صرح غير واحد من الحقوقيين بان الاقرار ليس دليلا من ادلة الاثبات وانما يغني عن الدليل، لان الاثبات لايصدق عندهم الا من الخصم ضد خصمه ، لا من احد الخصمين على نفسه. قال السنهوري في الوسيط: ((الاقرارلا يثبت صحة الواقعة المراد اثباتها مباشرة، بل هو يعفي الخصم من اثباتها، فتصبح ثابتة بطريق غيرمباشر))((168)).

وقال احمد نشات في رسالة الاثبات: ((ويصح القول بان الاقرار ليس دليلا، انما هو يغني عن الدليل، لانه يعفي‏مدعي الحق من اثباته))((169)). والحق ان دليل الاثبات لايشترط فيه ان يكون المتقدم به هو الخصم، بل قد يكون القاضي كما في علم القاضي‏الشخصي، او عموم الناس كما في الشياع المفيد للعلم، وغيرهما.

وعلى هذا، فان كان عدم عد الاقرار دليلا من ادلة الاثبات من جهة ان القائم به غير الخصم فليكن، اذ لانشترط في‏دليل الاثبات تكفل الخصم به، كما اشرنا الى ذلك في المقالة الاولى لدى تعريفنا الاثبات((170)).

وان كان من جهة انه ليس اثباتا لما يقتضيه الاثبات من بذل الجهد والاحتيال للوصول الى النتيجة، والاقرار تنازل‏محض لايتضمن هذه‏المؤونة، فجوابه مع اننا ننكر اعتبار المؤونة في ادلة الاثبات اولا، اذ المؤونة لازم عادي‏لها، وقد يفارقها كما فيما يثبت بالشياع المفيد للعلم،فانه لا مؤونة في اثباته، وانتفاء المؤونة فيه ثانيا : ان ذلك قديتوهم في خصوص الاقرار القضائي، واما غير القضائي كما في السند الكتابي بناء على ما صورناه من دخول‏بعض موارده في الاقرار((171))، او الاقرار القولي امام الشهود او عامة الناس فلا، اذ ان اثبات هذا الاقرار يستلزم‏مؤونة كما يستلزمها اي دليل آخر من ادلة الاثبات. نعم قد يقال: ان المؤونة حينئذ في اثبات الاقرار دون الاقرارنفسه كدليل اثبات، فيكفينا ما قدمناه من الاشكالات.

وان كان ذلك من اجل ان الاقرار فاقد لملاك ادلة الاثبات من وجدانها لصفة الكاشفية عن الواقعة القانونية بالمعنى‏الاعم اذ هو غير كاشف عنها، لاعترافه بالحق مباشرة فجوابه: انه مع امكان قيام الاقرار على نفس الواقعة كمايقوم على الحق الثابت بها، واخذ الحق في تعريفات الفقهاءللاقرار مبرر بما ذكرناه لدى بيان الفروق بين تعريفات‏الحقوقيين له، حيث قلنا بامكان ارادة قيام الاقرار على الحق ولو بواسطة الواقعة لا موجب لاشتراط قيام دليل‏الاثبات على الواقعة راسا، ويكفي قيامه على الحق، وهو ما تقدم التنويه اليه في المقالة الاولى ايضا((172)). واما انكار اصل الكشف فهو مردود، لان اقراره بالحق او الواقعة كشف عنهما جزما.

تقسيمات الاقرار قد ذكر الحقوقيون للاقرار تقسيمات واشكالا وصورا، اهمها:

اولا: تقسيمه الى صريح وضمني:

قال السنهوري في الوسيط: ((وليس للاقرار شكل خاص، بل ان له صورا متعددة، فهو قد يكون صريحا اوضمنيا... والغالب ان يكون الاقرار صريحا، فيكون تقريرا من المقر بوقائع يعترف بصحتها.. ويندر ان يكون‏الاقرار ضمنيا او مستخلصا من مجرد السكوت، فلا يستخلص من تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب، ولامن امتناعه عن الاجابة عند استجوابه من المحكمة او من الخصم))((173)).

وقال نشات في رسالة الاثبات: ((والاقرار يجب ان يكون بقول صريح او اخبار، فلا يكون بامتناع عن قول، اوسكوت، او تسليم بامر تسليمامقيدا، كعدم الممانعة في اعتبار شخص وارثا اذا ثبت ذلك قضاء))((174)).

وجاء في الموسوعة الجنائية: ((الاعتراف قد يكون صريحا، وهذا هو الاعتراف بمعنى الكلمة. وقد يكون ضمنيا،اي مستنتجا من بعض ظروف معينة، وفي هذه الحالة يدخل في حكم القرائن))((175)).

وكيفما كان، فالحقوقيون على اثبات الحجية للاقرار الضمني في‏الجملة، وذلك فيما اذا دلت القرائن على ارادته،وكذا الفقهاء على الظاهر حيث يذهبون الى حجية ما افاد الاقرار ظاهرا، لحجية الظهور. ووصف بعض الاخباربكونه جازما في تعريف الاقرار ليس المراد به قطعية دلالة الدال على الاخبار، فانه يكفي فيها الظهور، بل المراددلالته قطعا او ظاهرا على الاخبار الجازم من المقر، لا الاخبار بحسب الظن والاحتمال، ولذا قال السيد الاصفهاني(رحمه اللّه) في الوسيلة: ((يعتبر في صحة الاقرار بل في حقيقته واخذ المقر باقراره كونه دالا على الاخبارالمزبور بالصراحة او الظهور، فان احتمل ارادة غيره احتمالا يخل بظهوره عند اهل المحاورة لم يصح،وتشخيص ذلك راجع الى العرف واهل اللسان كسائر التكلمات العادية، فكل كلام ولو لخصوصية مقام يفهم‏منه اهل اللسان انه قد اخبر بثبوت حق عليه او سلب حق عن نفسه من غير ترديد كان ذلك اقرارا، وكل ما لم يفهم‏منه ذلك من جهة تطرق الاحتمال الموجب للتردد والاجمال لم يكن اقرارا))((176)). والعبارة نفسها موجودة في‏تحرير الوسيلة للامام الخميني (قدس سره)((177)). ثانيا: تقسيمه الى مكتوب وشفوي:

وهذا التقسيم ذكره الحقوقيون في كتبهم، ففي الوسيط: ((وقد يكون هذا التقرير مكتوبا، ولا يشترط شكل خاص‏في هذه الكتابة، فيجوز ان يكون الاقرار واردا في كتاب او برقية او في اية رسالة اخرى يوجهها المقر الى الطرف‏الاخر، ويجوز ان يكون في ورقة مستقلة تعط‏ى للمقر له يتخذها سندا، ويجوز ان يكون واردا في صحيفة‏الدعوى، او في مذكرة يقدمها الخصم المقر للمحكمة، او في طلبات مكتوبة يوجهها الخصم المقر للخصم الاخر.كذلك قد يكون الاقرار شفويا))((178)). وفي المادة (1606) من المجلة: ((الاقرار بالكتابة كالاقرار باللسان))،وبمضمونها المادة (1280) من القانون المدني الايراني، وذلك استنادا منهم الى حجية الكتابة.

واما المشهور من فقهاء الشيعة فحيث انكروا حجية الكتابة كدليل من ادلة الاثبات فلم يتعرضوا للاقرار المكتوب،فضلا عن اقراره، آخذين عدم حجيته ماخذ المسلمات، فلذا لا تجد في كتبهم منه عين ولا اثر. نعم هم يرتضون‏الكتابة دليلا حيث يؤثر علما، ولذا قال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في تحرير المجلة: ((الكتابة اما ان‏يحصل العلم منها للحاكم او الشاهد،او لا. ففي صورة عدم حصول العلم او الظن المتاخم لا عبرة بها قطعا، وفي‏صورة حصول العلم اما ان يحصل العلم بانها خط فلان وتوقيعه فقط من دون ان يحصل العلم بما اشتملت عليه‏من بيع او اقرار بدين او عين او نحو ذلك، او يحصل العلم بانها خطه وان ما فيها حق مطابق للواقع. ففي الصورة‏الاولى ايضا لا عبرة بها كالتي قبلها، كما لا اشكال في اعتبارها والعمل عليها في الصورة الاخيرة. ومن هنا ظهران شهادة الشهود ان هذا خط فلان وتوقيعه لا تجدي ما لم يشهدوا على نفس الواقعة التي تضمنتها الكتابة،وظهر ايضا عدم صحة اطلاق المجلة ان الاقرار بالكتابة كالاقرار باللسان))((179)).

لكنا بحثنا موضوع الكتابة في الحلقة الماضية، ودللنا على حجيتها وامكان الاخذ بها بعد احراز القصد وامن‏التزوير بالطرق الشرعية التي منها الشهادة((180)).

فما ذهب اليه الحقوقيون من تقسيم الاقرار الى الاقرار المكتوب والشفوي هو الصحيح.

ثالثا: تقسيمه الى كلي وجزئي:

فالكلي: هو ما شمل جميع الادعاء، والجزئي: ما اقتصر فيه على البعض منه((181)).

رابعا: تقسيمه الى بسيط وموصوف ومركب:

ومرادهم من البسيط: هو الاقرار بكل المدعى من غير زيادة او نقصان((182))، ومن الموصوف: الاقرار بالمدعى‏في الجملة موصوفا بالزيادة والنقصان من قبله((183))، ومن المركب:

الاقرار بالمدعى مصحوبا بواقعة اخرى‏خارجة عنه، مرتبطة او منفصلة عنه((184)).

وضابط الفرق بين الاقرارين الموصوف والمركب هو ان الزيادة او النقصان الحاصلين في الاقرار مقترنان‏بالمدعى وقت نشوئه في الموصوف لا انهما جدا بعده، ومثاله الحلولية والتاءجيل في الدين وشرعية مصدره‏وعدمه ككونه ثمن خمر او قمار او غير ذلك مما يقتضي بطلانه اصلا مع انهما في المركب حادثين بعد المدعى‏ومثاله وفاء الدين بعد الاقرار به قال السنهوري:

((والفرق بين الاقرار المركب والاقرار الموصوف وكل منهمايشتمل على واقعة اصلية وواقعة مرتبطة بها ان في الاقرار الموصوف تقترن الواقعة المرتبطة بالواقعة الاصلية‏من وقت نشوء الواقعة الاصلية كما قدمنا. فالاجل او الشرط قداقترن بالدين من وقت نشوئه، اما في الاقرارالمركب فالواقعة المرتبطة لاتقترن بالواقعة الاصلية من وقت نشوئها، بل تجد بعدها. فالاقرار بالدين مع الوفاء به‏اقرار مركب يتكون من واقعة المديونية وهي الواقعة الاصلية وواقعة الوفاء وهي الواقعة المرتبطة بها، ولكن‏واقعة الوفاء لم تقترن بواقعة المديونية من وقت نشوئها، بل جدت بعدها اذ حصل الوفاء بعد ان وجدت‏المديونية))((185)).

والغرض من هذا التقسيم هو امكان تجزئة الاقرار الى ما هو داخل في المدعى وما هو خارج عنه، او عدم امكانه، اذقرروا ان الاقرار اذاانصب على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها يستلزم حتما وجود الوقائع الاخرى، اوكانت هذه الوقائع مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا محكما وكونت فيما بينها اجزاء لشي‏ء واحد، او كان البعض‏منها نتيجة للبعض الاخر، فالاقرار لا يتجزا. واما اذا كان وجود واقعة منها لا يستلزم حتما وجود الوقائع الاخرى‏وانما يستقل بعضها عن بعض فيجوز تجزئة‏الاقرار((186)).

وقد نصت على هذا المبدا المادة (470) من القانون المدني العراقي،والفقرة (2) من المادة (409) من القانون المدني‏المصري، والمادة (101) من قانون البينات السوري، اذ جاء فيها: ((لايتجزا الاقرار على صاحبه الا اذا انصب على‏وقائع متعددة، وكان وجود واقعة منها لايستلزم حتما وجود الوقائع الاخرى)). كما جاء في قانون اصول‏المحاكمات المدنية اللبناني في المادة (226): ((يسمى الاقرار موصوفا عندما يقتصر على الفعل الذي صرح به‏الفريق الاخر، الا انه يفسد نتائجه القانونية بما يشتمل عليه من البيانات الاضافية. وهذا الاقرار يفيد الثبوت التام‏فيما يختص بالفعل الاصلي، اما البيانات الاضافية فتعد ثابتة الى ان يثبت عكسها)). وفي المادة (227) منه:((يسمى الاقرار مركبا عندما يكون واقعا على الفعل الاصلي وعلى فعل آخر معا، ويكون غير قابل للتجزئة في‏حالة واحدة، وهي اذا كان الفعل الجديد يقدر معه وجود الفعل الاصلي، كان يعترف المديون الذي اقيمت عليه‏دعوى الايفاء بانه اقترض المبلغ المدعى به، ولكنه يزيد على اعترافه انه اوفاه فيما بعد، فالقاضي يعد فعل‏الاقتراض ثابتا على وجه نهائي، اما الايفاء فيعد ثابتا الى ان يثبت عكسه)).

فجميع هذه القوانين قسمت الاقرار الى الاقسام المذكورة لتجعل من الاقرار المركب قابلا للتجزئة، والحكم‏بموجب دليل حجية الاقرار بما يدخل في المدعى لصالح المدعي، والغاء الزائد مع عدم الدليل عليه، وتجعل من‏الاقرار الموصوف غير قابل للتجزئة، مما يستلزم في بعض الاحيان خروجه عن الاقرار، لمغايرته المدعى في‏اجزاء لا تقبل التفكيك عن الموافق له منه. وهي بذلك تحد من سلطة القاضي واختياره في تجزئة الاقرار وتلزمه‏باتباع ملاك التجزئة المار ذكره.

وهناك راي آخر يرى عدم التجزئة في الاقرار مطلقا، اختاره الفرنسي((دي باج))((187))، وعليه بنى المشروع‏الاولي للاثبات في القانون المصري اساسه، ومعه فلا يكون للتقسيم المذكور فائدة تذكر.

لكن القانون المدني المصري الجديد اختار الراي المشهور((188)). وهناك راي ثالث يرى التجزئة في الاقرار، لكنه لم يحدد ضابطا معينا في التجزئة وعدمها، وانما اوكل امرها الى‏القاضي ليتخذ فيه الموقف المناسب، وهو موقف القانون المدني الليبي. اذ جاء في الفقرة (2) من المادة (397):((اذااقترن الاقرار الصادر من احد الطرفين عن وقائع ليست لصالحه بالتصريح بوقائع اخرى او بظروف يراد منهاالحد من اثر الواقعة المقر بها او تغييرها او ازالة آثارها، فلكامل الاقرار وما اقترن به قوة البينة الكاملة اذا لم يطعن‏الطرف الاخر في صحة ما اضيف من وقائع او ظروف. ويترك للقاضي عند الاختلاف تقدير قوة الاقرار كبينة)).

واما في الفقه: فهناك اختلاف بين الفقهاء، بين قائل بالتجزئة في الكلام المتصل، لا في الاقرار المركب فحسب بل‏في الموصوف ايضا، وقائل بالعدم فيهما معا. ذلك ان الفقه يقسم الكلام المتصل المشتمل على الزيادة الى ما هوعلى النفس وعلى الغير فما كان على النفس فاقرار وما كان على الغير فدعوى، والاقرار ثابتة له الحجية بنفسه،والدعوى يحتاج في ثبوت الحجية لها الى دليل، قال علي حيدر في اصول استماع الدعوى: ((ان هذا «عدم التجزئة‏عند الحقوقيين‏» ناشئ عن عدم الاهتمام بالفرق بين الاقرار والدعوى. فالاقرار هو اخبار بحق له على غيره فاذاقال احد: ان لاخر عنده حقا فهو اقرار، واذا قال: ان له عند آخر حقا بكذا فقوله هذا هو دعوى، فقول المدعى عليه:كان علي لفلان دين بعشرة دنانير فاوفيتها هو في جملته الاولى اقرار، وفي الثانية دعوى لانه اقر اولا انه مديون‏بعشرة دنانير للمدعي وان لهذا في ذمته حقا ثابتا بعشرة دنانير، ثم ادعى في الجملة الثانية انه اعط‏ى المدعي‏الدائن عشرة دنانير فوقع التقاص بينهما.