صفحه قبل

 

صفحه بعد

تحقيق المساله:

وينبغى البحث اولا فى جهتين:

احداهما: حكم الجزء الذى الصق بعد الابانه تكليفا، وهل انه ميته نجسه لاتصح الصلاه فيه ويجب ازالته ام لا؟ الثانيه: فى اثر اعادته والصاقه على حكم القصاص.

اما الجهه الاولى: فالصحيح ان يقال: بان الجزء الذى يوصل تاره يلتحم مع البدن ويصير جزء منه تسرى فيه الحياه الحيوانيه كسائر اجزاء البدن، واخرى يبقى لاحياه فيه ولكنه متصل بظاهر البدن نظيرالاعضاء المصنوعه التركيبيه كما اذا اخذ من عظم انسان آخر او سنه او ظفره فركب مع بدن المجنى عليه، وهذا لايكون عاده الا فى مثل الاجزاء التى لاتحلها الحياه.

ففى الحاله الاولى الصحيح هو صيروره الجزء المذكور بعد الاتصال جزء حيا من الانسان الحى فلاتكون ميته ولانجسه، والتمسك باخبار القطعه المبانه وانها ميته او نجسه فى المقام غير صحيح، لانها منصرفه عن فرض ايصال القطعه المبانه قبل بردها واستمرار الحياه فيها بذلك من جديد، بل تلك الاخبار ناظره الى ما يبرد من القطعه المبانه وتموت بالانفصال والابانه، فتكون ميته حقيقه وعرفا.

ودعوى: التمسك باستصحاب النجاسه الثابته للجزء المبان بمجرد البينونه وقبل الالتصاق الى ما بعد زمان الالتصاق، مدفوعه اولا: بعدم ثبوت الحاله السابقه فى المقام بناء على الاستظهار المتقدم فى تلك الاخبار، لانها ان سلم دلالتها على ثبوت النجاسه من حين الابانه فهى تقتضى ذلك بشرط بردها وعدم استمرار الحياه فيها بالاتصال من جديد، ففى هذه الصوره يحكم بنجاستها من اول الامر، لاصوره الاتصال والحياه، فلا احراز للحاله السابقه للنجاسه فى المقام.

وثانيا: لو سلمنا ثبوت النجاسه للجزء المبان حين الابانه فى المقام ايضا قلنا بعدم جريان استصحابها، لانها انما تثبت فى القطعه المبانه بعنوان كونها ميته، او بعنوان كونها قطعه مبانه بما هى مبانه عن الحى، بحيث تكون حيثيه الموت وفقدان الحياه الحيوانيه او حيثيه الابانه تقييديه فى موضوع النجاسه عرفا لاتعليليه، ومعه لايمكن اجراء استصحابها بعد الاتصال للجزء المبان وصيرورته حيا وجزء من البدن، لتغير الموضوع وتعدده عرفا، ويشترط فى جريان الاستصحاب احراز وحده موضوع الحكم المستصحب وبقائه فى الحالتين، كما هو محقق فى محله.

واما الحاله الثانيه- وهى ما اذا لم يكن فى الجزء بعد الاتصال حياه - فلااشكال فى ان ذلك الجزء يكون من الميته والقطعه المبانه، الا انه اذا كانت مما لاتحله الحياه كالعظم والسن والظفر والشعر فلانجاسه له، كما ان حمله فى الصلاه لادليل على مانعيته، فلا وجه لما ذكره العامه من الز امه من قبل الحاكم او غيره بازالته.

واما الجهه الثانيه- وهى اثر الالصاق للجزء المقطوع فى حكم القصاص- : فهنا ايضا تاره يفرض انه الصقه من دون التحام وبرء، بل لمجرد حفظ صوره ذلك الجزء، كما اذا قطع ظفره فاخذه والصقه لحفظ صورته من دون ان يعود جزء ينمو كالاظفار الاخرى، وهكذا فى العظم او الجلد لو امكن فيه ذلك، واخرى يفرض انه بعد الالتصاق يعود جزء من البدن كالاول ينمو ويتصف بالحياه كالاجزاء الاخرى.

ففى الفرض الاول لاينبغى الاشكال فى عدم تاثير ذلك على القصاص سلبا او ايجابا، وليست روايه اسحاق بن عمار ناظره الى هذه الفرضيه جزما لانه قد ورد التصريح فيها بالالتحام والبرء بعد الالتصاق، وهو ظاهر فى الفرض الثانى، فيكون هو موضوع البحث فى هذه المساله.

ويلحق بالفرض الاول ما اذا عالج المجنى عليه او الجانى العضو المقطوع بالصاق جزء من انسان اخر او حيوان اليه فصار جزء حيا منه وارتفع نقصه بذلك، فان هذا الفرض ايضا اجنبى عن موضوع البحث، لانه اضافه جزء غير ما كان من بدنه اليه، فالمماثله فى القصاص بلحاظ ما كان جزء من بدنه حاصله. واما التعويض بجزء خارج عنه فهذا حق ثابت لهما معا واجنبى عن منظور ادله القصاص، كما ان روايه اسحاق الداله على ان القصاص من اجل الشين ظاهره فى النظر الى الشين الحاصل بلحاظ شخص الاجزاء السابقه من البدن، لامايمكن ان يضاف اليه من الخارج او يهبه اللّه له ثانيا بمعجزه، كما اذا اعطاه اللّه يدا اخرى بعد ان قطعت يده الاولى، فموضوع البحث فيما اذا اعيد نفس الجزء المقطوع من البدن اليه عرفا.

ويقع البحث عنه فى مسائل ثلاث:

الاولى: فيما لو اعيد العضو المقطوع للجانى او للمجنى عليه بعد القصاص فهل للاخر حق ازالته ام لا؟ الثانيه: فيما لو اعيد للمجنى عليه قبل الاقتصاص، فهل يسقط بذلك حقه فى القصاص وينتقل الى الديه او الارش ام لا؟ الثالثه: فى جواز الاقتصاص بمجرد الابانه مع امكان الالصاق والاعاده بالعلاج او وجوب الصبر حتى يتبين الحال؟

المساله الاولى:

اما البحث فى المساله الاولى، فلا ينبغى الاشكال فى ان الاصل الاولى يقتضى حرمه الاضرار بالمسلم او قطع عضو منه الا ما ثبت بالدليل جوازه، وقد ثبت فى باب الجنايه العمديه حق الاقتصاص للمجنى عليه على الجانى، فلابد من البحث اولا عن مقتضى ادله القصاص فى الاطراف وانه هل يمكن ان يستفاد منها الحق للمجنى عليه او الجانى فى ازاله ما اوصله واعاده الاخر الى بدنه بعد القصاص من العضو المقطوع ام لا؟ ثم نبحث عما تقتضيه الروايه الخاصه، وهى روايه اسحاق بن عمار، فالبحث فى مقامين:

اما المقام الاول: فظاهر كلمات بعض الاصحاب ان القصاص فى الاعضاء يتحقق بالابانه والقطع كما ان سببه يتحقق بالابانه، وقد تقدم كلا هذين التعبيرين فى عباره المبسوط المتقدمه، كما تقدم فى عبائر بعض الاخرين. وهذا يقتضى ان لايحق للمجنى عليه- على القاعده - اكثر من ان يقطع اذن الجانى، سواء اوصله بعد ذلك ام لا، وكذلك العكس، كما يقتضى فى المساله الثانيه القادمه كفايه ابانه العضو لثبوت حق القصاص، سواء اوصل قبل القصاص ام لا، لتحقق الابانه، وقد تقدم التصريح بذلك ايضا من المبسوط وغيره.

ولكن فى قبال ذلك يمكن ان يقال: بان المستظهر من قوله تعالى فى قصاص الاطراف:

(النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاءذن بالاءذن والسن بالسن والجروج قصاص)((356)) هو المقابله بين العضوين لا القطعين والابانتين، اى ان كل عضو وطرف يوخذ من المجنى عليه وينقص منه يوخذ فى قباله نفس العضو من الجانى وينقص منه، فليس القصاص بلحاظ انه آلمه بقطع عضوه فيولمه بقطع نفس العضو منه، بل القصاص بلحاظ نفس العضو ونقصه، فيدل على حق انقاصه من الجانى بحيث لو اوصله كان من حق المجنى عليه ان يعود فينقصه منه ثانيا لان نفس العضو صار متعلق حقه، لابمعنى انه يملكه، بل بمعنى انه يملك سلبه منه وانقاصه.

فالحاصل: صريح الايه المقابله بين نفس الاعضاء فى المجنى عليه والجانى، وان عين المجنى عليه تكون بعين الجانى، وانفه بانفه، واذنه باذنه... وهكذا، والمستظهر من مثل هذا التركيب عرفا البدليه والمقابله بينهما فى مقام الاخذ والعطاء، وان احدا لو اخذ عين الاخر وسلبها منه كان للاخر ان يسلب عينه وياخذها منه، فالقصاص فى الاطراف قصاص نفس الاطراف وجودا وعدما ومايحصل من النقص والعيب بسببها، لاقصاص القطع والابانه بما هو قطع وجرح. ويترتب على ذلك مطلبان:

1. ما نستفيده بلحاظ المساله القادمه من ان سبب القصاص وموجبه ليس مجرد حصول قطع العضو وابانته، بل ولا حدوث النقص والعيب من ناحيته فى زمان ثم عوده بشخصه، فان هذا لايكفى للقصاص بعد العود، بل فى مقابل نقصان عضوه بجنايته يحق له القصاص، فما دام ذلك العضو ناقصا منه يصح ويحق له القصاص لااكثر، وسياتى مزيد بحث عنه.

2. ما نستفيده فى هذه المساله من ان مقتضى القاعده ان للمجنى عليه قطع العضو اذا اوصله الجانى بعد القصاص ثانيا، لانه فى مقابل عضوه المنقوص منه، فله حق الانقاص بمقتضى المقابله المذكوره.

وكلتا الاستفادتين مختصتان بما اذا كان الاتصال والاعاده لنفس العضو المقطوع لا عضو من بدن آخر او من مكان آخر من بدنه، فان ايصاله لايمنع من صدق انقاص العضو الاصلى الذى كان فى قبال عضو المجنى عليه، فهذا عضو جديد خارج عن متعلق الحق وعن المقابله، وهذا نظير ما اذا حصل له مال آخر غير ما اتلفه عليه المتلف، فانه لاربط له باشتغال ذمته بما اتلفه، كما اشرنا الى ذلك سابقا.

يبقى ما اذا اوصل المجنى عليه العضو المقطوع منه بعد القصاص من الجانى، فهل يحق للجانى عندئذك ان يقطعه منه ثانيا ام لا؟ لا اشكال ان الايه ناظره الى حق المجنى عليه على الجانى لاالعكس، ولكن يمكن ان يدعى استفاده المقابله من الطرفين عرفا وانه اذا كان عضو المجنى عليه فى قباله نفس العضو من الجانى كان عضو الجانى ايضا فى قباله نفس العضو من المجنى عليه، فاذا قطعه المجنى عليه قصاصا وفى قبال انقطاع عضوه لم يكن له الحق فى ايصال عضوه بعد ذلك، بمعنى انه لو اوصله كان للجانى ان يقطعه ويسلبه عنه كما اخذه منه قصاصا.

واما المقام الثانى: فالروايه الخاصه فى المساله انما هى معتبره اسحاق بن عمار المتقدمه، والضمير فى قوله: (فاقاده) يحتمل فيه احتمالان من حيث رجوعه الى المجنى عليه او الجانى:

الاول: ان يرجع الى قول السائل فى ابتداء كلامه: ان رجلا قطع والذى هو الجانى، فيكون المقصود من قوله: (اقاده) اقتص منه واقاده به كما يقال: اقاد القاتل بالقتيل. والمقصود من قوله:

(فاخذ الاخر...) المجنى عليه لامحاله، فتكون الروايه ناظره الى فرض ايصال المجنى عليه اذنه بعد الاقتصاص من الجانى.

الثانى: ان يرجع الضمير الى الرجل فى قوله: (من بعض اذن رجل شيئا) والذى هو المجنى عليه، فيكون المقصود من قوله:

(اقاده) اقتص له واقاده منه، كما يقال:

استقاد الامير فاقاده منه، ويكون الاخر الذى اخذ ما قطع من الاذن فاوصله هو الجانى، ومورد الروايه ما اذا اوصل الجانى اذنه بعد القصاص لا المجنى عليه.

وكلمات الفقهاء فى تفسير الروايه ليست واضحه، وان كان المستظهر من اكثرهم حملها على المعنى الاول. ولعله لظهور الضمير فى الرجوع الى موضوع كلام السائل ومحوره فى قوله:

(ان رجلا قطع من بعض اذن رجل شيئا). وهذا الاستظهار لاباس به لو قرانا الجمله الثانيه: (فرفع ذلك الى على عليه السلام) مبنيا للمفعول لاالفاعل، والا كان فاعله ضميرا يرجع على الرجل الثانى، اى المجنى عليه، فيناسب ان يكون الضمير الذى يليه فى جمله (فاقاده) ايضا راجعا اليه.

وعلى كل حال، لا اشكال فى ان جواب الامام عليه السلام فى ذيل الروايه: (انما يكون القصاص من اجل الشين) بيان لنكته كليه وقاعده عامه فى باب قصاص الاطراف غير مختصه بقطع الاذن. وظاهرها نفس ما ذكرناه فى المقام السابق من ان موجب القصاص ومايكون من اجله هو العيب والنقص الحاصل بالجنايه لامجرد الابانه والقطع، لان المراد من (الشين) هنا هو العيب والنقص فى البدن، ومن قوله عليه السلام: (من اجل الشين) اى بسببه وفى قباله، فيكون الظاهر من قوله: (انما يكون القصاص... ) التعليل، وان مايكون سببا للقصاص وموجبا له وفى نفس الوقت متعلقا لحق المقتص له على المقتص منه انما هو العيب والنقص الحاصل فى البدن بذهاب العضو وفقدانه. وهذا يستفاد منه كلا المطلبين المتقدمين، اى ان سبب القصاص فى الاطراف وموجبه ليس مجرد القطع والابانه بل فقدان العضو ونقصه، وان حق المجنى عليه بمقتضى المقابله ايجاد نفس النقص فى الجانى، لامجرد قطع عضوه وابانته ولو بان يوصله ثانيا.

لايقال: بمجرد القطع والابانه قد حصل الشين والنقص فيثبت القصاص.

فانه يقال: ظاهر التعليل ان القصاص يدور مدار فعليه النقص والشين حين القصاص لامجرد حدوثه، والا لم يصح قطع ما اوصله الجانى او المجنى عليه ثانيا، لانه قد حصل الاقتصاص منه بمجرد القطع، بل لم يكن معنى مفهوم للتعليل المذكور.

فالحاصل: ظاهر التعليل ومفهومه المقابله بين نقص العضوين فى طرفى الجانى والمجنى عليه، وان مجرد الابانه لاتكفى، وهذا كما يقتضى جواز القطع ثانيا كذلك يقتضى كون الموضوع لحق الاقتصاص بقاء النقص حين الاقتصاص، لامجرد حدوثه سابقا مع عوده سالما بشخصه، فانه لاموضوع للمقابله عندئذ.

لكن يبقى البحث فى ان هذا هل يختص بالمجنى عليه- فهو الذى يحق له ان يمنع الجانى من ايصال عضوه بعد القصاص- او يثبت فى العكس ايضا فيما اذا تحقق القصاص قبل ايصال المجنى عليه للعضو المقطوع الى بدنه؟ الصحيح اننا اذا استظهرنا الاحتمال الاول فى الروايه فالنتيجه ثبوت الحكم فى كلتا الصورتين: صوره ايصال المجنى عليه بعد القصاص بمقتضى مورد الروايه، وعكسها بمقتضى ظهور التعليل المتقدم بيانه، بل والاولويه، فانه اذا كان يحق للجانى بعد القصاص ان يمنع المجنى عليه من اعاده ماقطعه منه الى بدنه- مع انه كان قطعه بلاحق وعدوانا- فالمجنى عليه اولى بان يكون له هذا الحق على الجانى.

واما اذا استظهرنا الاحتمال الثانى وان مورد السوال والواقعه فى الروايه ان الجانى اعاد اذنه بعد القصاص، فلايمكن ان يستفاد من الروايه جواز قطع الجانى لما يعيده المجنى عليه بعد القصاص.

اللهم الا اذا قبلنا الملازمه العرفيه المتقدمه فى المقام السابق اى المقابله من الطرفين، او استظهرنا من التعبير بقوله:( ثم جاء الاخر) التعميم، وان المقصود مطلق احدهما، سواءكان هو الجانى او المجنى عليه من دون خصوصيه لاحدهما والا لكان يذكر خصوصيه كونه جانيا او مجنيا عليه.

المساله الثانيه:

واما البحث فى المساله الثانيه، فقد اتضح حالها مما تقدم من استظهار ان موجب قصاص الاطراف ما اذا كان العضو مقطوعا، فاذا اوصل قبل الاقتصاص لم تشمله ادله قصاص الطرف، لارتفاع الموضوع بذلك وبقاء العضو فى البدن. كما ان التعليل فى المعتبره يشمله، فلو فرض اطلاق ادله القصاص لذلك قيدناه بظهور التعليل فى الروايه، نعم هذا لاينفى ان يكون للمجنى عليه حق القصاص ما دام لم يوصل العضو الى بدنه، وهذا ما سنبحثه فى المساله الثالثه.

وقد يستدل على سقوط القصاص فى الطرف بعد البرء بمثل مرسله جميل عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهم السلام- فى رجل كسر يد رجل ثم برات يد الرجل - قال: (ليس فى هذا قصاص ولكن يعط ى الارش).

ومرسلته الاخرى عن احدهما عليهما السلام انه قال فى سن الصبى يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت، قال:

ليس عليه قصاص وعليه الارش. ((357)) وفيه- مضافا الى ضعف السند بالارسال- : ان سقوط القصاص فى كسر اليد باعتبار انه لاقصاص فى العظم عموما، فان التعبير بقوله: (ليس فى هذا قصاص) ظاهر فى نفى القصاص فى هذا النوع من الجنايه لالكونه بعد البرء، فتكون الروايه على وزان ماورد فى الروايات- وبعضها معتبره- من انه لاقصاص فى عظم((358))، ولا اقل من احتمال ذلك واجمال الروايه.

كما ان نفى القصاص فى سن الصبى التى تسقط ثم تنبت باعتبار عدم كونها سنا اصليه بل موقته، فيكون القصاص فى السن الاصليه.

اذن، فلايمكن ان يستفاد من هذه الروايه ما نحن بصدده، وانما ينحصر طريقه فيما ذكرناه من الوجهين المتقدمين.

وقد افتى بسقوط القصاص ببرء العضو المقطوع واتصاله بعض الاعلام المتاخرين ((359)) تمسكا بمعتبره اسحاق، كما ان ظاهر كلمات المفيد وجمله من القدماء ذلك، وقد تقدم بعضها، وياتى الاشاره اليها فى المساله القادمه، فانتظر.

وهل تثبت ديه العضو عندئذ على الجانى، او يكون عليه الارش ولو بالحكومه؟ قد يقال بثبوت الديه تمسكا باطلاق ادله الديه فى قطع الاعضاء، مضافا الى ما دل على ان حق المسلم لايذهب هدرا.

الا ان الانصاف عدم امكان اثبات ديه العضو فى المقام بعد فرض اتصاله وبرئه، فان ظاهر ادله ديات الاعضاء انها فى قبال فقد العضو وانها قيمته. نعم، لو اوصل عضوا مثله من بدن آخر شمله الاطلاق بالنكته المتقدمه، واما مع فرض اتصال نفس العضو المقطوع وعوده كالاول بلانقص فادله ديات الاعضاء غير شامله له. كما ان ما دل على ان دم المسلم او حقه لايذهب هدرا لاربط له بمقدار الديه والتعويض اللازم على الجانى، وانما يثبت عدم ذهاب اصل الحق، واما مقداره فلابد وان يرجع فيه الى ادله تحديد الديات والارش، فلايثبت غير الارش ولو بالحكومه.

المساله الثالثه:

واما البحث فى المساله الثالثه- وهى جواز الاقتصاص بمجرد الابانه مع امكان الالصاق والاعاده ولو بالعلاج وعدمه- : فظاهر ما تقدم عن الكافى والمقنعه عدم جواز القصاص حتى يحصل الياس من صلاحه، ففى الكافى:

ولايجوز القصاص بجرح و لاقطع ولاكسر ولاخلع حتى يحصل الياس من صلاحه.((360)) وفى المقنعه:

وينبغى ان ينتظر الحاكم بالمجروح والمكسور حتى يعالج ويستبرئ حاله باهل الصناعه، فان صلح بالعلاج لم يقتص له، لكنه يحكم على الجانى بالارش فيما جناه، فان لم يصلح بعلاج حكم له بالقصاص.((361)) والغريب ذكر الجرح والكسر الخلع مع القطع ايضا، مع انه لااشكال فى عدم توقف القصاص فى الجروح التى فيها القصاص على البرء، كيف؟! وهى مما تبرا عاده، كما انه لاقصاص فى كسر العظم ولاخلعه ونقله، كما دلت عليه الروايات.

ولعل المقصود وجوب الصبر فى القصاص للجروح حتى يتبين مقدار السرايه وعدمها، الا ان هذا لايناسب ما ذكر فى ذيل عباره المقنعه من عدم القصاص على تقدير الصلاح بالعلاج، الا اذا كان المقصود من الجرح قطع العضو او جزء منه، وهو يدل على ما ذكرناه فى المساله السابقه من سقوطه القصاص بايصال العضو المقطوع وبرئه، اللهم الا ان يحمل على فرض عدم القطع والابانه الكامله للعضو، فانه الذى كان بروه ممكنا عاده فى تلك الايام.

وفى المختلف:

مساله: قال ابن الجنيد: والاولى عندنا بالقصاص من الجراح دون النفس ان يكون بعد ان يبرا المجنى عليه، لئلا يتعدى الجراح الى التلف او زياده على ما يجب به وقت وقوعه، واذا اخر ذلك عرف مايمكن ان يقع به القصاص وقت برئه، وان اختار المجنى عليه ان يقتص قبل البرء كان ذلك له. فان زاد الجراح لم يكن على الذى يستقاد منه زياده فى اقتصاص ولاديه، ولو برا المجنى عليه فاقتص ثم انتقضت جراحه المجنى عليه فالت الى التلف لم يكن فيها قود، وعلى الجانى الديه بعد ارش ما اقتص منه للشبهه. وقال الشيخ فى المبسوط: القصاص يجوز فى الموضحه عند قوم، وقال قوم: لايجوز الا بعد الاندمال، وهو الاحوط عندنا، لانها ربما صارت نفسا.

وقول ابن الجنيد قوى فى جواز المبادره الى القصاص، لانه حق يثبت له، فيندرج تحت قوله تعالى: (والجروج قصاص) ، لكن قوله: فان زاد الجرح لم يكن على الذى يستقاد منه زياده فى اقتصاص ولاديه، بل يجب عليه ديه الزياده والقصاص ان كان مما يقتص فيه. وكذا قوله: لو برا المجنى عليه فاقتص ثم انتقضت جراحه المجنى عليه فالت الى تلف لم يكن فيه قود، بل الوجه وجوب القود، لحصول السبب وهو الجنايه عمدا.((362)) وقال فى موضع آخر:

مساله: قال المفيد: وليس فى كسر اليد وشى من العظام وشى من قطع الاعضاء التى تصلح بالعلاج قصاص، وانما القصاص فيما لايصلح من ذلك بشى من العلاج. وقال الشيخ فى النهايه:

من قطع شيئا من جوارح الانسان وجب ان يقتص منه ان اراد ذلك المقطوع، وان جرحه جراحه فمثل ذلك، الا ان تكون جراحه يخاف فى القود منها على هلاك النفس فانه لايحكم فيها بالقصاص، بل يحكم بالارش، كالمامومه والجائفه وما اشبههما، وكسر الاعضاء التى يرجى انصلاحها بالعلاج فلا قصاص ايضا فيها، بل يراعى حتى ينجبر الموضع اما مستقيما او على عثم، فيحكم حينئذك بالارش، فان كان شيئا لايرجى صلاحه فانه يقتص من جانيه على كل حال. وقال سلار: الجنايه ان خيف من القصاص فيها تلف نفس المقتص منه فى الاغلب لاقصاص فيها بل الديه، وان لم يخف فصاحب الجنايه مخير بين القصاص والديه، ولاقصاص فيما يبرا ويصلح، وانما فيه الارش، والقصاص فيما لايبرا.

والوجه ان نقول: انه لاقصاص فى كسر الاعضاء والعظام اما لما فيه من التغرير او لعدم التوصل الى قدر الحق، واما غير الكسر فان خيف فيه التلف فلاقصاص ايضا، وان لم يخى ف منه التلف وجب القصاص، سواءبرا او لا، لعموم قوله تعالى: (والجروح قصاص) مع ان سلار قال لما عد الجراحات: فلاقصاص الا فى سبع منهن ما عدا المامومه والجائفه، مع غلبه الظن ببرء اكثرها، فان قصد من الجنايات التى تشتمل على الكسر فقد وافق الشيخين. وابوالصلاح قال: انما يكون جارحا بما يوجب القصاص مع تكامل الشروط المذكوره فى القود اذا كان ما قصده مما لايرجى صلاحه- كقطع اليد والرجل والاصبع الى غير ذلك- ولايخاف معه تلف المقتص منه، فاما الكسر و الفك والمنجر والجرح الملتئم والمامومه فى الشجاج والجائفه فى الجوف ومايجرى مجراه فلاقصاص فى شى منه، وفيه الاشكال السابق اولا.((363)) اقول: اما القصاص فى كسر العظام فقد تقدم انه لاقصاص فيه، وتفصيل بحثه فى محله.

واما الجروح التى فيها القصاص فلا ينبغى الاشكال فى عدم توقف الاقتصاص فيها على عدم اندمال جرح المجنى عليه، والا لم يبق قصاص فى الجروح، وانما البحث فى وجوب الصبر حتى يندمل الجرح وعدمه بلحاظ تحديد مقدار الجنايه، لاحتمال سرايه الجرح الى تلف النفس او ازدياده واتساعه، فلو اقتص قبل ذلك فقد يمنع ذلك من امكان الاقتصاص ثانيا لما سرى اليه، لاستلزامه جنايه زائده فى القصاص- كما تقدم عن ابن الجنيد وان ناقشه العلامه - وهذا ايضا بحث آخر خارج عما نحن بصدده، فمع قطع النظر عن هذه الحيثيه تكون ادله القصاص فى الجروح شامله للمقام بمجرد تحقق الجرح، وانما البحث بعد ذلك فى سقوط قصاص الجرح الزائد اذا حصلت السرايه وعدمه.

واما قصاص الاطراف- اعنى قطع عضو ونحوه، والذى تقدم ان الموضوع والموجب له بمقتضى المقابله فى ادلته بين عضو الجانى وعضو المجنى عليه او بمقتضى معتبره اسحاق بن عمار تحقق النقص والشين فى بدن المجنى عليه- فهل يجب فيه الصبر حتى يظهر البرء وعود العضو المقطوع الى حالته الاولى فلاقصاص او يظهر عدم الصلاح فيثبت القصاص ويستقر، او لايجب فيه الصبر، بل ما دام العضو مقطوعا ولم يوصل بعد كان له القصاص، لصدق تحقق الشين والنقص فى تلك الحال، غايه الامر لو اوصله بعد الاقتصاص كان للاخر قطعه، وكذلك فى طرف العكس؟ الانصاف انا لو استفدنا من ادله قصاص الطرف- ولو ببركه معتبره اسحاق - ان الموضوع والموجب لهذا القسم من القصاص هو الشين ونقصان العضو لامجرد تحقق الابانه والقطع فى زمان، فالمتفاهم من ذلك عرفا ان الموجب له استمرار ذلك النقص فى البدن من ناحيه شخص ذلك العضو بحيث ينبغى التثبت منه والصبر ليتبين الحال ولو بالعلاج، والا كان الاقتصاص فى غيرمحله، لا انه واقع فى محله غايه الامر يكون للاخر الحق فى قطعه اذا اوصله ثانيا.

نعم، لو عالج العضو المقطوع فاصلحه بعضو مماثل من بدن آخر ونحوه لم يسقط حقه فى الاقتصاص لانه بمثابه عضو آخر جديد استحصله.

ونستخلص مما تقدم فى الجهات الثلاث النتائج التاليه:

1. اذا قطع عضوا من شخص مما فيه القصاص فاقتص منه، ثم اراد المقتص منه ايصال ما قطع منه واعادته الى ما كان عليه، كان للاخر الذى نقص عضوه حق منعه وقطعه من جديد.

نعم، اذا اصلح النقص بعضو اجنبى لم يحق للاخر منعه، كما لو فقا عينه فزرع عين حى او ميت بدلها، او قطعت شحمه اذنه فوضع بدلها لحمه من بدنه او بدن غيره بعمليه تجميل او نحو ذلك.

2. اذا قطع عضوا من شخص مما فيه القصاص، فالصق العضو المقطوع واعيد الى وضعه الاول قبل الاقتصاص، سقط حق القصاص، ويشكل ثبوت الديه ايضا، بل يرجع الى الحكومه. هذا اذا لم يكن الاصلاح باجنبى والا كان له القصاص او الديه كما اشرنا فى الفرع السابق.

3. يجب الصبر فى موارد قصاص الاطراف حتى يتبين برء العضو ولو بالعلاج فينتفى القصاص، او عدم برئه فيستقر القصاص. هذا اذا لم يكن العلاج باجنبى بل باعاده نفس العضو المقطوع، والا كان القصاص مستقرا من اول الامر.

 

كلمه فى تحديد الغناء المحرم

آيه اللّه الشيخ محمد مومن القمى

لاريب فى ان الغناء بعنوانه من الموضوعات التى تعلق بها حكم الحرمه فى الشريعه المطهره وذلك مشهود فى كلمات علمائنا الاخيار وفى الاثار المنقوله عن اهل البيت( ع). و نحن نذكر نبذا من اقوال العلماء و نتبعه بالاخبار الوارده فيه.

فقال الصدوق فى المقنع (فى كتاب الحدود، باب شرب الخمر والغناء):

واياك والغناء فان اللّه توعد عليه النار.

وقال الشيخ المفيد فى المقنعه (فى ابواب المكاسب):

وكسب المغنيات حرام وتعلم ذلك و تعليمه محظور فى شرع الاسلام (انتهى).

و من المعلوم ان حرمه الاجر الحاصل من الغناء- للمغنيه- و حرمه تعليم الغناء و تعلمه لايكون الا لاجل حرمه الغناء نفسه فحرمته الاصل وحرمه هذه الامور الاخر فروعها.

وقال شيخ الطائفه فى باب المكاسب المحظوره من نهايته:

وكسب المغنيات حرام و تعلم الغناء حرام.) والكلام فى دلالته على حرمه نفس الغناء هو ما مر ذيل كلام شيخه المفيد (قدس سرهما).

وقد علق على هذه العباره المحقق فى النكت بقوله:

وعليه الاجماع منا.

وقال ابوالصلاح الحلبى فى الكافى فى فصل مايحرم فعله (ص 281):

يحرم آلات الملاهى كالعود الطنبور والطبل والمزمار وامثال ذلك واعمالها للاطراب بها والغناء كله.

وقال القاضى ابن البراج فى باب ضروب المكاسب فى كتاب المهذب (ص 344، ج 1):

فاما المحظور على كل حال فهو كل محرم... الى، قال: والغناء.

وقال سلار فى مراسله(فى كتاب المكاسب):

واما المحرم... و كسب المغنيات.

وقال المحقق (قده) فى الشرايع فى الفصل الاول من فصول كتاب التجاره فى مقام عد انواع المكاسب المحرمه:

الرابع ماهو محرم فى نفسه كعمل الصور المجسمه والغناء. وفيه ايضا (فى كتاب الشهادات، ذيل شرط العداله)، وهنا مسائل...

الخامسه: مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله وترد شهادته وكذا مستمعه (انتهى).

الا انه كما ترى لم يعبر هنا بعنوان الغناء.

وقال العلامه فى القواعد (عند عد اقسام التجاره المحظوره):

الرابع: ما نص الشرع على تحريمه عينا كعمل الصور المجسمه والغناء وتعليمه واستماعه واجر المغنيه وقد مددت رخصه فى اباحه اجرها فى العرس اذا لم تتكلم بالباطل ولم تلعب بالملاهى ولم تدخل الرجال عليها.

وقال ولده الفخر فى الايضاح- بعد ان نقل عن ابن ادريس حرمه اجر المغنيه فى الاعراس ايضا-:

وهو الاقوى عندى لان هذه الروايه (يعنى المجوزه) من الاحاد فلايعارض الدليل المانع لتواتره.

كلمات الفقهاء فى حكم الغناء

وقال العلامه (قده) فى ارشاده (عند عد اقسام المتاجر الممنوعه):

الرابع: ما هو محرم فى نفسه كعمل الصور المجسمه والغناء.

وقال الشهيد الثانى فى المسالك (كتاب الشهادات):

الغناء عند الاصحاب محرم سواء وقع بمجرد الصوت ام انضم اليه آله من الالات.

وقال المحقق فى المختصر النافع- عند عد اقسام الانواع المحرمه من المكاسب-:

الخامس: الاعمال المحرمه كعمل الصور المجسمات والغناء.

وفى الرياض- ذيل العباره المذكوره-:

وهو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب او ما يسمى فى العرف غناء وان لم يطرب سواء كان فى شعر او قران او غيرهما على الاصح الاقوى بل عليه اجماع العلماء كما حكاه بعض الاجلاء. وهو الحجه مضافا الى الصحاح المستفيضه وغيرها. (فذكر الاخبار الداله على حرمه الغناء) (انتهى).

والغرض من نقل عبارته بطولها ان يتضح ان مورد اجماعه اصل حرمه الغناء.

وقال الفقيه الراحل السيد الخونسارى (قده) فى جامع المدارك هنا:

واما الغناء فلا خلاف فى حرمته... .

وقال العلامه فى كتاب الشهادات من الارشاد ذيل شرط عداله الشاهد:

وترد شهاده اللاعب بالات القمار... وسامع الغناء وهو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب وان كان فى القران وفاعله.) فقال المقدس المحقق الاردبيلى (قده) فى شرحه:

واما الغناء فلا شك فى تحريم فعله وسماعه عندنا لعله لا خلاف فيه. وتدل عليه اخبار كثيره- فذكر اخبارا عديده. ثم قال:

ولكن الاشكال فى معناه، المشهور فى ذلك ما ذكره فى المتن انه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب،... وبعض الاصحاب ما قيده بالمطرب فيكون مطلقا حراما عنده مطربا كان ام لا وعلى التقديرين و ما عرفنا تمام هذا المعنى له فى الشرع ولا اللغه قال فى القاموس: (الغناء ككساء من الصوت ماطرب فيضم عنه انه مطلق الصوت المطرب. وحينئذك فالحواله فيه الى العرف فكل ما يعد فى العرف انه غناء يحرم فعله وسماعه مطلقا فى القران و غيره... شعر او غيره وبالجمله لاينبغى الخروج عن التفسير المذكور فانه المشهور و فسر به المصنف والمحقق وغيرهما (انتهى).

اقول: وكلامه هنا كالصريح فى انه لاشك ولعله لاخلاف فى ان الغناء بما له من المعنى موضوع للحرمه وحرام و انما الاشكال فى معناه لا ان قسما من الغناء حرام و قسما عنه غير حرام او محتمل الاباحه بل الخلاف فى الصوت الخالى عن الترجيع او الاطراب انما هو فى صدق عنوان الغناء عليه لافى حكمه بعد تسليم و فرض انه غناء).

وعليه فكلامه هنا قرينه على ان نفس هذا المعنى هو مراده مما افاده فى شرح عباره العلامه فى كتاب المتاجر من الارشاد حيث قال هناك: والغناء قيل: (هو بالمد مد صوت الانسان المشتمل على الترجيع المطرب). الظاهر انه لاخلاف حينئذك فى تحريمه و تحريم الاجره عليه و تعلمه وتعليمه واستماعه و رده بعض الاصحاب الى العرف فكل مايسمى به عرفا فهو حرام وان لم يكن مشتملا على الترجيع ولا على المطرب دليله انه لفظ ورد فى الشرع تحريم معناه وليس يظهر له معنى شرعى ماخوذ من الشرع فيحال على العرف والظاهر انه يطلق على مد الصوت من غير طرب فيكون حراما اذ يصح تقسيمه الى المطرب وعدمه بل ولايبعد اطلاقه على غير المرجع والمكرر فى الحلق فينبغى الاجتناب والاول اشهر ولعل وجهه ان الذى علم تحريمه بالاجماع هو مع القيدين و بدونهما يبقى على اصل الاباحه ولكن مدلول الادله... اعم الى ان قال: بل الاجماع على تحريم الغناء والتخصيص بالقيدين يحتاج الى الدليل ويمكن ان يقال: الاخبار ليست بحجه وانما الاجماع والشهره مع القيدين فلاحجه على غيره والاصل دليل قوى والاحتياط واضح.(انتهى).

الاخبار الداله على حرمه الغناء

 فمراده (قده) انه لما اخذ جمع من الاصحاب قيدى الترجيع والاطراب فى مفهومه فالاخبار والاجماع وان وقعا على عنوان الغناء الا انه مع اخذ القيدين فى مفهومه فى كلام بعض المجمعين و احتمال اعتبارهما فيه واقعا فلامحاله انما يسلم الاجماع والشهره مع القيدين والاخبار ليست حجه مع عدم كل منهما وليس مراده انه مع فرض تسلم صدق الغناء فلاحجه على حرمته.

ومنه تعرف ان ما فى مفتاح- الكرامه فى كتاب المتاجر، ص 51 -من ان ما فى مجمع البرهان من ان الذى علم تحريمه بالاجماع هو ما قيد بالقيدين وبدونهما يبقى على اصل الاباحه اوهن شى (انتهى) فهو غير خال عن الوهن بل مبنى على عدم الدقه لفهم مراده (قدس سرهما).

واللّه العاصم وهو العالم.

(قال فى الحدائق (ج 18، ص 102) - بعد نقل تعريف الغناء بوجهين عن الاصحاب-:

ولاخلاف فى تحريمه فى ما اعلم.

وقال فى الجواهر (كتاب التجاره):

ومنه (اى من المحرم فى نفسه) ايضا الغناء- بالكسر والمد ككساء- بلاخلاف فيه بل الاجماع بقسميه عليه والسنه متواتره فيه... بل يمكن دعوى كونه ضروريا فى المذهب.

وقال فيه (كتاب الشهادات):

لاخلاف فى ان الغناء- وهو عند المصنف والفاضل فى الارشاد والتحرير مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب- يفسق فاعله و ترد شهادته وكذا مستمعه بلاخلاف بل الاجماع بقسميه عليه.

هذا ما وفقنى اللّه تعالى من ضبط كلمات العلماء الاخيار قدس سرهم وهى كما ترى تدل على ان الغناء بعنوان محكوم عليه بالحرمه عندهم وهو مما لم نجد فيه خلافا وقد ادعى جمع منهم انعقاد الاجماع عليه بل ان صاحب الجواهر حكم بامكان دعوى ان حرمته من ضروريات المذهب.

وارى لايبقى ريب فى ان علمائنا الابرار يفتون بان الغناء - بعنوانه- موضوع للحرمه.

هذا بالنسبه الى اقوال العلماء

 واما الادله اللفظيه فالكتاب الكريم وان لم يتعرض لحرمه الغناء بعنوانه الا ان طوائف من السنه تدل على ان الغناء حرام شرعا:

الطائفه الاولى: الاخبار المستفيضه التى جعلت الغناء من مصاديق قول الزور فى قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور)((364)).

نفى صحيحه هشام بن سالم المرويه عن تفسير على بن ابراهيم عن ابى عبداللّه(ع) فى قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور) قال:

الرجس من الاوثان الشطرنج وقول الزور الغناء. ((365)) وفى مرسل ابن عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبداللّه(ع) فى قوله تعالى: واجتنبوا قول الزور قال:

قول الزور الغناء.((366)) وارسال الروايه لايوجب ضعف سنده اذا كان مرسله ابن ابى عمير الذى قال النجاشى فيه: (اصحابنا يسكنون الى مراسيله).

وفى روايه زيد الشحام قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن قول اللّه عزوجل: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور) قال:

الرجس من الاوثان الشطرنج وقول الزور الغناء. ((367)) وليس فى السند من يتامل لاجله فيه الا درست ابن ابى منصور الواقفى الذى لم يصرح اصحاب الرجال بتوثيقه الا انه روى عنه جمع من اصحاب الاجماع و نقل عن المحقق فى المعتبر انه حكم بصحه روايه هو فى سندها.

ومثل هذه الاخبار فى تفسير قول الزور بالغناء خبر ابى بصير ((369)) وخبر عبد الاعلى((369)) وخبر محمدبن عمروبن حزم ((370))كلها عن ابى عبداللّه(ع). فراجع.

وبيان الاستدلال بها ان الايه المباركه قد امر بالاجتناب عن قول الزور ولا اقل من ان الامر حجه على الوجوب فتكون الايه حجه على وجوب الاجتناب عن قول الزور وهو عباره اخرى عن حرمه قول الزور وقد فسرت هذه المستفيضه التى فيها المعتبره قول الزور بالغناء فيكون الغناء حراما وظاهرها كما ترى ان الغناء بعنوانه وبما انه غناء مصداق لقول الزور الذى دلت الايه المباركه على حرمته.

وقد يظهر من كلمات الشيخ الاعظم (قده) فى المكاسب المحرمه دعوى ان تفسير قول الزور بالغناء ظاهر فى ان الغناء من مقوله الكلام ولا محاله يختص الغناء المحرم بما كان مشتملا على كلام ومضمون باطل فلا تدل على حرمه نفس الكيفيه ولو لم تكن فى كلام باطل و توجيه هذه الدعوى ان ظاهر (قول الزور) انه من اضافه المصدر الى المفعول والزور هو الكذب او كل ما كان منحرفا عن المسير المستقيم و مقول القول ظاهره المعنى الذى اراده القائل فلا محاله يكون الايه ظاهرا فى النهى عن التفوه بكل معنى كذب او باطل فجعل الغناء من مصاديقهما شاهد على ان المراد به خصوص ما كان مفاده و معناه باطلا و كذبا وهذا ما رواه الشيخ الاعظم (قده).

الا ان الانصاف ان ما افاده خلاف ظاهر المستفيضه فان ظاهرها ان الغناء بما له من المعنى و بنحو الاطلاق وبلا اى قيد هو قول الزور فتقيد الغناء ببعض مصاديقه اعنى مااشتمل على مفاد باطل خلاف اطلاقه الذى هو ظاهر فيه بل المستفيضه تدل على ان الغناء مطلقا مصداق قول الزور و حيث ان الغناء صوت ذوكيفيه خاصه قوامه بنفس هذه الكيفيه سواء كان فى كلام باطل او غيره فالصوت الذى بهذه الكيفيه - وهو الغناء- مصداق لقول الزور و حفظ هذا الاطلاق فيه يرشدنا الى ان كونه زورا انما هو بلحاظ كيفيه المقومه لكونه غناء فلو سلم ان قول الزور بنفسه ظاهر فى خصوص ماكان زورا بلحاظ معناه الا ان جعل الغناء- فى المستفيضه- بقول مطلق من مصاديق قول الزور شاهد على ان المراد بقول الزور ليس خصوص ماكان زورا بلحاظ المعنى بل لا اقل ممن انه يعم ماكان زورا بلحاظ كيفيه الاداء وخصوصيه الصوت وبالجمله فظهور المستفيضه فى ان الغناء- بقول مطلق- هو المراد من قول الزور المذكور فى الايه المباركه بمرتبه من القوه لا مجال لرفع اليد عنه بمجرد ما افاده الشيخ الاعظم (قدس سره الشريف).

الطائفه الثانيه :الاخبار المستفيضه التى عدت الغناء مصداقا لقوله تعالى:

(ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه.)((371)) فعن الكافى عن عده من اصحابنا عن سهل عن الوشاء قال:

سمعت ابا الحسن الرضا(ع) يسال يقول: سئل ابو عبداللّه(ع) عن الغناء فقال: هو قول اللّه عزوجل: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه.)((372)) وليس فى السند من يتامل لاجله فيه سوى سهل بن زياد الذى امره سهل بعد روايه العده عنه فى اسناد الكافى كثيرا. ولغير ذلك وفى خبر محمد بن مسلم عن ابى جعفر( ع) قال:

سمعته يقول: الغناء مما وعد اللّه عليه النار وتلا هذه الايه: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين)((373)).

وفى خبر مهران بن محمد عن ابى عبداللّه(ع) قال:

سمعته يقول: الغناء مما قال اللّه عزوجل: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه).((374)) و نحوها خبر الحسن بن هرون ((375))و خبر عبد الاعلى ((376))و خبرابى بصير((377))كلها عن ابى عبداللّه(ع)فراجع.

وبيان الاستدلال بهذه الطائفه وسد ثغوره يعلم مما مر ذيل الطائفه الاولى فانها عدت الغناء- بقول مطلق- من مصاديق اشتراء لهو الحديث للاضلال عن سبيل اللّه الذى دلت الايه المباركه بان لمشتريه عذاب مهين وعده مطلقا من مصاديق الايه انما يكون لكون الغناء- وهو الصوت بالكيفيه الخاصه- فى معرض اضلال من يسمعه عن سبيل اللّه فى معرض ايقاعه فى معصيه اللّه تعالى.

الطائفه الثالثه: الاخبار المستفيضه التى تدل على ان ثمن المغنيه حرام فانها ظاهره عرفا فى ان سر هذه محرمه انما هو تغنيها وان التغنى لما كان حراما اوجب حرمه ثمن المغنيه به.

نفى التوقيع المروى عن مولانا صاحب الزمان عجل اللّه تعالى فرجه الشريف فى جواب مسائل اسحاق بن يعقوب:

واما ماوصلتنا به فلا قبول الا لما طاب وطهر وثمن المغنيه حرام.((378)) وفى خبر الوشاء- المروى عن الكافى والتهذيبين بسند معتبر لاتامل فيه من غير جهه سهل بن زياد- قال سئل ابوالحسن الرضا(ع)عن شراء المغنيه قال:

قد تكون للرجل الجاريه تلهيه وما ثمنها الا ثمن الكلب وثمن الكلب سحت والسحت فى النار. ((379)) فان قوله(ع) فى مقام الجواب: قد تكون للرجل الجاريه تلهيه) عباره اخرى عن قول: قد تكون للرجل الجاريه تغنى له.

وعلى اى حال تدل على ان ثمن المغنيه سحت كثمن الكلب وما هذا الا لان تغنيها حرام.

وفى خبر ابراهيم بن ابى البلاد:

اوصى اسحاق بن عمر بجوار له مغنيات ان يبعن ويحمل ثمنهن الى ابى الحسن(ع) قال ابراهيم: فبعت الجوارى بثلاثماه الف درهم وحملت الثمن اليه- الى ان قال- فقال:

لاحاجه لى فيه ان هذا سحت وتعليمهن كفر والاستماع منهن نفاق وثمنهن سحت. ((380)) وهو فى الدلاله مثل سابقيها ويزيد عليهما بان قال: (تعليمهن كفر والاستماع منهن نفاق) وكل منهما ايضا يدل بالالتزام على حرمه التغنى فانها التى جعلت تعليمهن كفرا والاستماع اليهن نفاقا.

وفى خبر اخر لابراهيم بن ابى البلاد عن ابى الحسن الاول(ع) انه قال- فى حديث-: ان ثمن الكلب والمغنيه سحت.((381)) ويلحق بهذه الطائفه الاخبار الداله على حرمه اجرتها ففى مرسله الصدوق:

روى ان اجر المغنى والمغنيه سحت. ((382)) وفى خبر نضربن قابوس المروى عن الكافى والتهذيبين قال:

سمعت ابا عبداللّه(ع) يقول: المغنيه ملعونه ملعون من اكل كسبها.((383)) فان حرمه اجرها ظاهره عرفا فى حرمه غنائها وانها هى الموجبه لحرمه اجرتها واطلاق اجر الغناء وعدم تقييده بقسم خاص منه يكون دليلا على حرمه مطلق الغناء بلاقيد.

ويلحق بها ايضا خبر محمد الطاطرى عن ابيعبداللّه(ع) قال:

ساله رجل عن بيع الجوارى المغنيات فقال: شراوهن وبيعهن حرام وتعليمهن كفر و استماعهن نفاق. ((384)) فان تحريم بيعها وشرائها يستلزم حرمه نفس غنائها بل انها هى التى اوجبت حرمه بيعها و شرائها.

الطائفه الرابعه: اخبار متفرقه يدل كل منها على حرمه الغناء بعنوانه:

فمما يدل على حرمه الغناء بالالتزام العرفى صحيحه حمادبن عثمان عن ابيعبداللّه( ع) قال:

سالته عن قول الزور قال: منه قول الرجل للذى يغنى احسنت.((385)) فقد عرفت ان كون قول قول الزور دليل على حرمته فيكون قول احسنت للمغنى حراما و من الواضح ان منشا حرمته انما هو لكونه تقديرا و تشويقا للمغنى فى غنائه فلو لم يكن غنائه حراما لما كان وجه لتحريم تشويقه.

ومما يدل عليها ايضا معتبره يونس قال:

سالت الخراسانى(ع) عن الغناء وقلت: ان العباسى ذكر عنك انك ترخص فى الغناء فقال: كذب الزنديق ماهكذا قلت له.

سالنى عن الغناء فقلت: ان رجلا اتى ابا جعفر( ع) فساله عن الغناء فقال: يا فلان اذا ميز اللّه بين الحق و الباطل فاين يكون الغناء. قال: مع الباطل فقال: قد حكمت.((386)) ونحوه معتبره الريان بن الصلت المرويه عن العيون ورجال الكشى((387))عن الرضا(ع) فراجع. وجه الدلاله انه لو كان الغناء حلالا لما كان وجه لانكاره(ع) ترخيصه فيه فان ارجاع هذا الانكار الشديد الى مجرد عدم التصريح بالترخيص خلاف الظاهر جدا بل انما يستقيم هذا الانكار اذا كان مراده(ع) من انه مع الباطل بيان حرمته وعدم ترخيصه.

وهنا اخبار اخر تدل على حرمته يظفر عليها المتتبع ولعله ياتى التعرض لبعضها ضمن المباحث الاتيه.

فالحاصل: ان هذه الاخبار الكثيره التى قد ادعى انها متواتره تدل على ان الغناء بعنوانه وبما انه غناء حرام فى الشريعه فتكون سندا لفتوى علمائنا الاخيار بحرمته ويبقى علينا البحث عن المراد بالغناء وفيها وفى كلمات الاصحاب.

الغناء فى كلمات اللغويين فنقول قد اختلفت ظاهر كلمات اهل اللغه فى معناه: ففى لسان العرب عن الاصمعى فى المقصور والممدود:

الغنى من المال مقصور وعن السماع ممدود وكل من رفع صوته و والاه فصوته عند العرب غناء (انتهى).

والظاهر ان المراد بالموالاه هو المد مع الترجيع فكانه قال:

الغناء هو مد الصوت الرفيع وترجيعه.

وفى المصباح المنير:

الغناء- مثل كتاب- الصوت، وقياسه الضم لانه صوت. وغنى- بالتشديد- اذا ترنم بالغناء والغناء مد الصوت والتطويل (انتهى).

فهو وان فسره اولا بالصوت كما حكوا عنه الا انه خصه فى التفصيل بالصوت الممدود الطويل.

وفى المصباح المنير ايضا:

(وقوله: ما اذن اللّه لشئ كاذنه لنبى يتغنى بالقرآن((388))قال الازهرى: اخبرنى عبد الملك عن الربيع عن الشافعى ان معناه تحزين القرائه و ترقيقها و تحقيق ذلك فى الحديث الاخر:

(زينوا القرآن باصواتكم) وهكذا فسره ابوعبيده... هذا لفظه (انتهى).

فقد حكى الازهرى ان الشافعى فسر الغناء بترقيق الصوت و تحزينه. وقد نقل هذا التفسير فى نهايه ابن الاثير عن الشافعى الا انه قال:

قال الشافعى: معناه تحسين القرائه وترقيقها.

وعن الصحاح:

الغناء من السماع وجاريه مسمعه اى مغنيه.

وقد فسر السماع فى اقرب الموارد بالغناء قال:

وكل ما التذته الاذن من صوت حسن سماع.

تقول: (باتوا فى لهو وسماع).

وفى القاموس:

و الغناء- كساء- من الصوت: ما طرب به (انتهى).

ومثله فى (المنجد).

وفى اقرب الموارد:

الغناء من الصوت: ما طرب به، وقياسه الضم لانه صوت.

صفحه قبل

 

صفحه بعد