وقال فى الكليات:
الغناء- بالضم والمد- التغنى ولايتحقق ذلك الا بكون الالحان
من الشعر وانضمام التصفيق لها فهو من انواع اللعب. (انتهى).
وفى اقرب الموارد:
طرب- : فرح و حزن، ضد، وقيل: الطرب خفه تلحقك تسرك،
وقيل: تحزنك و تخصيصه بالفرح وهم.
وفى (المنجد):
طرب - طربا: اهتز واضطرب فرحا او حزنا. هذا ما وقفت عليه من كلمات اهل اللغه وهى وان اختلفت فى ظاهرها الا انه لايبعد ان جميعها تشير الى معنى واحد وهو الصوت الذى يكون بكيفيه خاصه ملهيه توجب الطرب الذى يعم شده السرور والحزون فهو- كما عن الكليات و يشير اليه تعريف الصحاح بل والاصمعى- من انواع اللعب. نعم قد يحصل الشك فى اراده صفه الالهاء عن التفسير المذكور عن الشافعى الا ان سائر التفاسير يشير الى ذلك المعنى الواحد الذى ذكرناه ووضوحه عندهم اغناهم عن الاتيان بتوضيح اكثر. فتامل. تفسير الغناء عند الفقهاء واما الفقهاء فقد فسره (بمد الصوت المشتمل على الترجيع
المطرب) العلامه فى ارشاده ونقله مفتاح الكرامه عن تحريره و
به فسره جامع المقاصد ناقلا عن الشهيد فى الدروس واسنده
صاحب المسالك الى المحقق وجماعه وقال المحقق الاردبيلى
فى كتاب الشهادات من مجمع الفائده:
انه المشهور) وفى كتاب المتاجر منه (انه اشهر) وهو قدسسره
قد فسر الطرب باللذه والحظ قال فى كتاب الشهادات: لعل
المراد من الترجيع هو ترديد الصوت فى الفم والحلق، و من
المطرب الذى يحصل منه اللذه والحظ كما يحصل من كثره
الملاهى مثل الدف والزمر وان حصل منه بكاء (انتهى).
وهذا الذى قاله هو ظاهر جامع المقاصد ا يضا حيث قال بعد
تفسيره بما مر:
(وليس مطلق مد الصوت محرما وان مالت اليه القلوب ما
لمينته الى حيث يكون مطربا بسبب اشتماله على الترجيع
المقتضى لذلك (انتهى). (ج4، ص23)
وفسره العلامه فى شهادات القواعد بقوله:
(وهو ترجيع الصوت ومده.
فلم ياخذ فيه قيد الاطراب وان حاول فى مفتاح الكرامه اتحاد
التعريفين زعما منه ان الاطراب والتطريب هو نفس الترجيع
اغترارا بمثل قول المصباح المنير:
طرب فى صوته: رجعه ومده) قال: فقد تحصل هنا ان المراد
بالاطراب والتطريب غير الطرب بمعنى الخفه لشده حزن او
سرور كما توهمه صاحب مجمعالبحرين وغيره من اصحابنا...
فكانه قال فى القاموس: الغناء من الصوت: ما مد وحسن و رجع
(انتهى). ( المتاجر، ص50)
و انت تعلم ان الاطراب او التطريب انما هو بمعنى ايجاد الطرب
فمفهوم الطرب ماخوذ فيه و تفسير التطريب بالمد والترجيع
تفسير بالمصداق لا المفهوم وتمام عباره المصباح هكذا (طرب
طربا فهو طرب من باب تعب، وطروب مبالغه، وهى خفه
تصيبه لشده فرح وسرور وحزن، والعامه تخصه بالسرور،
وطرب فى صوته بالتضعيف: رجعه ومده) (انتهى). والعجب انه
قدسسره اعترف بان (الترجيع تقارب ضروب حركات الصوت
والنفس فكان الترجيع لازما للاطراب والتطريب) ومع ذلك
فقد نسب مثل صاحب المجمع الى التوهم.
وكيف كان فقد صرح جمع بان لايعتبر فى مفهوم الغناء العرفى
الاطراب قال فى المسالك فى كتاب المتاجر:
الغناء بالمد مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب
فلايحرم بدون الوصفين اعنى الترجيع مع الاطراب وان وجد
احدهما كذا عرفه جماعه من الاصحابورده بعضهم الى العرف
فما سمى فيه غناءيحرم وان لميطرب وهو حسن (انتهى).
و مثله صاحب الحدائق ناقلا له عن الملا صالح المازندرانى ايضا
و مثلهم صاحب الرياض (فى كتاب التجاره) حيث قال:
وهو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب او ما يسمى
فى العرف غناء و ان لم يطرب سواء كان فى شعر او قران او غير
هما على الاصح الاقوى(انتهى).
بناء على رجوع قوله: (على الاصح الاقوى) الى التعريف الثانى
لا الى التعميم المدلول لقوله سواء وعلى اى حال فهو ايضا نقل
التفسير الاخر اجمالا.
فقد تحصل ان فى اخذ قيد الاطراب بل الترجيع فى مفهوم
الغناء خلافا بين الاصحاب وان الاختلاف معنوى لالفظى
محض وعليه فيمكن ان يكون تفسير العلامه فى القواعد ميلا
منه الى التفسير الاخر كما يحتمل ان يكون تفسيرا ثالثا.
وفى مفتاح الكرامه عن السرائر و ايضاح النافع انه (الصوت
المطرب) وهو كما ترى خالك عن قيد الترجيع فيحتمل ان
يكون تفسيرا رابعا هذا.
ولايبعد ان يقال: ان المراد بالغناء هو الصوت اللهوى المناسب
لمجالس اللهو واللعب والرقص والزمر وذلك ان قسما خاصا من
الصوت الحسن يناسب تلك المجالس وان يكون معه ساير
وسائل اللهو كالرقص وضرب الاوتار والنفخ فى مثل المزمار الى
غير ذلك ولا يبعد دعوى ان اهل اللغه فى تفسيرهم للغناء
يشيرون الى هذا القسم كما ان الاخبار ايضا ناظره الى خصوصه. اما كلمات اهل اللغه فلما عرفت من ان الاصمعى والجوهرى جعلاه من افراد السماع الذى تقول فيه: (باتوافى لهو وسماع) فان السماع وان كان فى الاصل بمعنى مطلق السمع او المسموع الا انه لاريب فى ان المذكور جنسا للغناء هو اللهوى منه المجتمع مع ساير الملاهى فى مجالسه. كما ان صاحب الكليات بعد تفسير الغناء بالتغنى صرح بانه (لايتحقق ذلك الا بكون الالحان من الشعر وانضمام التصفيق لها فهو من انواع اللعب). وحينئذ فقول القاموس: (الغناء من الصوت ما طرب به) لاينبغى ان يشك فى انه اشاره الى ذاك التطريب المعهود المتعارف فى مجالس اللهو واللعب اى الى تك الكيفيه الخاصه الصوتيه المتناسبه مع ساير الملاهى. وهكذا يكون تعريف المصباح بانه (مد الصوت والتطويل) اشاره اليه والا فلا ريب فى ان مد الصوت والتطويله بكيفيه منافره ليس عنده ولاعند احد غناء وان انكر الاصوات لصوت الحمير مع مده وتطويله وترجيعه فمرادهم من الغناء هو الصوت اللهوى المعهود الذى من شانه ان يوجد لسامعه طربا و خفه واهتزازا و اضطرابا يلحقه للفرح وشده الفرح. تفسير حقيقه الغناء واما الاخبار فان اكثرها وان جعل الموضوع عنوان الغناء ومفهوم
هذا اللفظ الا ان فى عده منها اشاره بل دلاله الى انه من
مصاديق اللهو ولامحاله يكون المراد به ذاك القسم الخاص
المعهود فى مجالس اللعب واللهو وعند اصحاب الملاهى:
فمنها معتبره الوشاء الماضيه قال:
سئل ابوالحسن الرضا (ع)عن شراءالمغنيه قال: قد تكون للرجل
الجاريه تلهيه وما ثمنها الا ثمن كلب (الحديث).((389))
فان قوله(ع) فى الجواب عن سوال شراء المغنيه: (قد تكون
للرجل الجاريه تلهيه) فيه دلاله واضحه على ان الغناء من
الملاهى ولذلك فالجاريه المغنيه تلهى صاحبها فيكون ثمنها
ثمن الكلب.
ومنها ما فى روايه الاعمش عن جعفر بن محمد(ع) (فى حديث
شرايع الدين) حيث قال:
والكبائر محرمه وهى الشرك باللّه... والمحاربه لاولياء اللّه
والملاهى التى تصد عن ذكر اللّه عزوجل مكروهه كالغناء
وضرب الاوتار والاصرار على صغائر الذنوب.((390))
فانها كما ترى صريحه فى ان الغناء من افراد الملاهى التى تصد
عن ذكر اللّه تعالى فلامحاله هو اشاره الى ذاك القسم الخاص
من الصوت المناسب لمجالس اللهو و اللعب بل لايبعد ان تدل
على انها من الكبائر لعده فى ضمنها وعطفه الاصرار على
صغاير الذنوب عليه فانه لاوجه لهذا العطف الا اراده ان الاصرار
على الصغاير ايضا كبيره وحينئذ فالكراهه المذكوره فيها لايراد
به معناها المصطلح عندنا بل معناها اللغوى الشامل للحرام
ايضا.
ومنها صحيحه ابى بصير قال: قال ابو عبداللّه(ع):
اجر المغنيه التى تزف العرائس ليس به باس وليست بالتى
يدخل عليها الرجال.
((391))
فانها واضحه الدلاله على ان اجر المغنيه التى تدخل عليها
الرجال حرام و معلوم ان المجلس الذى فيه الرجال وتتغنى فيه
امراه مغنيه فلا محاله يكون غنائها من اعلى مصاديق ذاك
القسم الخاص من الصوت الحسن ففى الصحيحه اشاره الى ان
الغناء من افراد هذا القسم الخاص من الصوت المناسب
المجالس اللهو واللعب.
ومنه يظهر ان روايته الاخرى ايضا مشيره الى هذا المعنى قال
فيها:
(سالت ابا عبداللّه(ع) عن كسب المغنيات فقال: التى يدخل
عليها الرجال حرام والتى تدعى الى الاعراس ليس به باس وهو
قول اللّه عزوجل (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل
عن سبيل اللّه).((392))
ان قلت: ان خبرى ابى بصير هذين دليلان على ان مطلق الغناء
ليس حراما وانما الحرام قسم خاص منه وهو مايختلط فى
مجلسه الرجال والنساء ويدخل عليها الرجال فان يعد الخبران
معارضين للاطلاقات الماضيه اولى من ان يعدا شاهدين على
تفسير الغناء بخصوص الصوت المناسب لمجالس اللهو واللعب.
قلت: دلاله الخبرين على حرمه غناء التى يدخل عليها الرجال
وعلى جواز غناء من تزف العرائس مسلمه واما دلالتها على نفى
الحرمه عن غيره فلا وجه لها وهو فى خبره الثانى واضح فانه
ليس فيه الا التعرض لقسمين ولا دليل على ان له معناها
ودلاله على الجواز فى غير القسم الاول واما الصحيحه فيحتمل
فيها ان يكون قوله (وليست آه) عطفا على جمله (تزف
العرائس) وصله ثانيه لموصول التى لغايه مدلولها ان اباحه اجر
من تزف العرائس مشروطه بان لاتكون ممن يدخل عليها
الرجال ولا مفهوم فيها بوجه اصلا لكى يدل على جواز الغناء فى
غير موردها نعم لو ثبت نسخه حذف الواو كما نقل عن
مراهالعقول لامكن استظهار التعليل والدلاله على الجواز لكنه
غير مسلم ونسخه ثبوت الواو محتمله و منه لادليل فيها على
الخلاف فيكون اطلاق الادله المتقدمه محكما ويحكم لحرمه
مطلق الغناء.
وحينئذك فبعد فرض حرمه مطلق الغناء يكون اشاره
الصحيحه والخبرالى ان الغناء من ذاك القسم الخاص من
الصوت اللهوى ثابته كما بيناه.
ومنها الطائفه الثانيه المفسره لايه لهو الحديث بالغناء فان عد
مطلق الغناءمن لهو الحديث لايخلو من اشاره قويه بل دلاله
على ان الغناء- وهو صوت بكيفيه حسنه - من افراد اللهو
وحينئذ فينحصر فى المصداق المناسب لمجالس اللهو
واللعب. واللّه العالم. |
|---|